logo
الرئيسية/خطب/السيرة النبوية بالفترة المدنية

السيرة النبوية بالفترة المدنية

مشاهدة من الموقع

الحمد لله أحمده تعالى وأشكره حمدًا وشكرًا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، فبلغ رسالة ربه، وأدى الأمانة، ونصح أمته، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصًا له الدين، حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، ما من خير إلا دل أمته عليه، وما من شر إلى حذرها منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أهمية معرفة سيرة النبي

عباد الله: كان الحديث في خطبة الجمعة الماضية عن جوانب من السيرة العطرة لنبينا محمد في المرحلة المكية، ونستكمل الحديث في هذه الخطبة عن بعض الجوانب من سيرة المصطفى في المرحلة المدنية، مرحلة ما بعد الهجرة.

وقبل ذلك نؤكد على أهمية معرفة سيرة النبي ، وواقع حياته، ومنهجه في الدعوة إلى الله تعالى.

إن السيرة النبوية العطرة هي التي تضع للمسلمين المعالم التي يجب عليهم أن يسيروا عليها، وتوضح لهم الطريق التي ينبغي أن يسلكوها؛ لأنها هي الترجمة العملية لحياة ذلك النبي الكريم التي أمرنا باتخاذها منهجًا، وأمرنا ربنا ​​​​​​​ بأن نتخذ رسول الله قدوة وأسوة، فقال: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

وإن سيرته بهذا المفهوم العميق هي التي تربى عليها الأفذاذ من السلف الصالح، فكانوا نماذج حية للإسلام، يرى فيها الناس خاصتهم وعامتهم المدلول الحقيقي لدين الإسلام الذي أعز الله تعالى به هذه الأمة بعد ذل مرير، وأصبحت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس.

عرض الرسول نفسه على قبائل العرب

عباد الله: بعد ما مكث رسول الله في مكة ثلاث عشرة سنة من بعد بعثته يدعو الناس إلى تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله ​​​​​​​، ويقول: أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا [1]، ولقي من كفار قريش ما لقي من أصناف الأذى القولي والفعلي؛ أذن الله تعالى له بعد ذلك بالهجرة إلى المدينة، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أتى موسم الحج يذهب إلى قبائل العرب، ويعرض نفسه ودعوته عليهم أن يهاجر إليهم فينصروه، وكان إذا دخل على حي من أحياء العرب، إذا دخل خيمة تبعه عمه أبو لهب؛ فإذا عرض النبي على القبيلة ذلك العرض دخل عمه وقال: أنا عمه، وأنا أخبر الناس به، وهذا مجنون فلا تسمعوا له، وكان الأوس والخزرج في المدينة معهم اليهود، وكان اليهود يتوعدونهم بأن هذا الزمان هو زمان نبي سيخرج، وإذا خرج فسنتبعه، ونقاتلكم ونخرجكم من المدينة، فكان عندهم علم بخروج نبي، فلما عرض النبي دعوته على الأوس والخزرج، قالوا: إن هذا هو النبي الذي تتوعدكم به اليهود، بادروا إليه فأسلموا، وانصروه تكون لكم الدولة، وبالفعل آمنوا، فكانت نفوسهم متهيأة للإسلام، فأسلموا، فحصلت لهم بيعة العقبة الأولى، ثم بيعة العقبة الثانية، ثم أرسل إليهم النبي من الصحابة من يدعوهم، ويعلمهم أمور دين الإسلام.

هجرة النبي إلى المدينة

ثم إنه عليه الصلاة والسلام هاجر إليهم في المدينة، وعندما أراد أن يهاجر اجتمعت قريش، وهموا بقتله عليه الصلاة والسلام، وأن يضربوه ضربة رجل واحد، حتى يضيع الدم بين القبائل، فلا يطالب بدمه، فاجتمعوا لذلك، ولكن الله تعالى أبطل كيدهم ومكرهم: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، فهاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وكانت هجرته فاتحة خير للإسلام والمسلمين، بل إنها كانت أعظم حدث في السيرة، ولذلك لما أراد الصحابة أن يؤرخوا التاريخ الإسلامي تباحثوا ثم اتفقوا على أن أعظم حدث في السيرة النبوية هو الهجرة، فجعلوا التاريخ الإسلامي مرتبطًا بالهجرة النبوية، فأصبح التاريخ الإسلامي هو التاريخ الهجري.

أذية المنافقين واليهود للنبي

هاجر إليهم النبي ، وأقام دولة الإسلام، وصار للمسلمين قوة ودولة، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يسلم من الأذى من قبل اليهود الموجودين في المدينة، ومن قبل المنافقين الذين استتروا بالنفاق بعدما رأوا قوة المسلمين، ولا سيما بعد غزوة بدر، وأرادوا بذلك أن تحقن دماؤهم وأموالهم، فأظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر، وآذوا رسول الله وأصحابه أذى شديدًا، حتى بلغت أذيتهم للنبي إلى أن آذوه في أهله، فقذفوا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة، وهي الصديقة بنت الصديق، الطاهرة التي برأها الله تعالى في كتابه الكريم في عشر آيات في سورة النور، فهي تتلى إلى قيام الساعة.

بلغ أذى المنافقين بالنبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه الدرجة، ولكن الله تعالى فضحهم في كتابه الكريم، وبين للمسلمين حالهم وأوصافهم، وخبثهم، ومكرهم، وقال: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون:4]؛ كما في سورة البقرة، وسورة التوبة، وسورة المنافقون، وغيرها، ولم يكن النفاق موجودًا في مكة قبل الهجرة؛ لأن الناس كانوا قسمين: مسلمين وكفار، ولكن بعد الهجرة لم يستطع هؤلاء المنافقون أن يظهروا كفرهم وهم يرون قوة المسلمين، فاستتروا بستار النفاق، فأبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام، ولهذا يقول أهل العلم: إنهم كلما قويت دولة الإسلام برز وظهر النفاق؛ لأن الكافر لا يستطيع أن يظهر كفره فيستتر بالنفاق، وإذا ضعفت دولة الإسلام قل النفاق؛ لأن الكافر يستطيع أن يبوح بكفره، ولا حاجة لأن يظهر الإسلام، ويبطن الكفر مع ضعف المسلمين.

الإذن بالقتال

عباد الله: وبعدما هاجر النبي إلى المدينة، وأسس دولة الإسلام أُذن له بالقتال، وكان ممنوعًا من القتال في مكة، بل كان يرى الأصنام تعلق في الكعبة ومع ذلك كان أصحابه ينتظرون منهم إشارة بتكسيرها، وكان يمنعهم من ذلك، بل كان يدعو الناس بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة؛ لأن المسلمين كانوا في تلك المرحلة في ضعف، وفي قلة من العَدد والعُدد، ولو أن رسول الله ومن معه من الصحابة في تلك الفترة واجهوا كفار قريش الذين كانوا على جانب كبير من العَدد والعُدة لو واجهوهم بالقوة فقاتلوهم أو كسروا أصنامهم مثلًا؛ لقضي على دولة الإسلام في مهدها.

كان المسلمون في الفترة المكية ممنوعين من الجهاد بالسيف؛ لأنهم كانوا في مرحلة ضعف، فليس من الحكمة أن يجاهدوا بالسيف، ولكن لما هاجر النبي للمدينة، وأصبح للمسلمين قوة ودولة شرع الجهاد في سبيل الله ​​​​​​​، وكانت حياته عليه الصلاة والسلام حياة جهاد ومجاهدة وتضحية وفداء لنصرة دين الله ، ففي السنة الثانية من الهجرة جمع الله تعالى بين المسلمين وكفار قريش من غير ميعاد؛ فكانت غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون انتصارًا عظيمًا، وأعز الله جنده وهزم المشركين.

وفي السنة الثالثة من الهجرة كانت غزوة أحد، وفي السنة الرابعة كانت غزوة بني النضير، وفي السنة الخامسة كانت غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة، وفي السنة السادسة كانت غزوة الحديبية، والتي سماها الله : فتحًا مبينًا، فقال: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا [الفتح:1]، وقد نزلت هذه الآية عند رجوع النبي من الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، فتعجب الصحابة، وقالوا: يا رسول الله: أو فتح هو؟ قال: نعم، وبالفعل كان ذلك الصلح مع أن ظاهره كان فيه غضاضة على الإسلام والمسلمين إلا أن عواقبه كانت فتحًا عظيمًا ومبينًا للإسلام والمسلمين، وهذا يدل على أن بعض الأمور قد تكون في ظاهرها أن فيها شر للإسلام والمسلمين، ولكن الله تعالى يجعل في عاقبتها خيرًا عظيمًا للإسلام والمسلمين.

فانظروا كيف أن الله سمى صلح الحديبية: فتحًا مبينًا: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا [الفتح:1]، وفي السنة السابعة من الهجرة كانت غزوة خيبر، وفي السنة الثامنة كانت غزوة فتح مكة، ثم غزوة حنين، وفي السنة التاسعة كانت غزوة تبوك، ثم مكث النبي بقية تلك السنة في المدينة يستقبل الوفود التي تأتي المدينة لتعلن إسلامها، وذلك أن قبائل العرب لما رأوا أن النبي فتح مكة، وهزم كفار قريش انقادت قبائل العرب للنبي ، فأصبحت تفد إليه الوفود بالأعداد الكبيرة، وتعلن إسلامها في المدينة، وفي السنة العاشرة من الهجرة حج النبي بالناس حجة الوداع، وكان يقول: أيها الناس خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا [2].

وفاة النبي الكريم

وفي السنة الحادية عشرة من الهجرة توفي النبي ؛ بُعث النبي وعمره أربعون سنة، وتوفي وعمره ثلاث وستون سنة، أي أنه بقي في البعثة والرسالة ثلاثًا وعشرين سنة، ومع ذلك أخرج الله تعالى به الناس من الظلمات إلى النور، وأتم الله تعالى به الدين، وأكمل به النعمة، ونزل عليه وهو يخطب الناس في عرفة في حجة الوداع نزل عليه قول الله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، قال رجل من اليهود لعمر رضي الله عنه: آية تقرؤونها في كتابكم لو نزلت علينا معشر اليهود، لاتخذنا منها عيدًا؟ فقال عمر رضي الله عنه: “إني والله لأعلم أي آية تريد، وأي مكان نزلت، وأين نزلت؟ ومتى نزلت؟ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، نزلت على رسول الله وهو يخطب الناس في يوم عرفة، فأكمل الله له به الدين” أكمل الله تعالى بنبينا محمد الدين، وأتم النعمة، وبلغ النبي رسالة ربه.

يقول أبو ذر : “ما توفي رسول الله وطائر يطير بجناحيه إلا وذكر لنا منه علما”، فجعل الله تعالى هذا الدين كاملًا، تامًا، فما من أمر يحتاج إليه الناس على مر الأمصار والأعصار إلا وفي ديننا العظيم بيان بأوضح بيان، ولم يقف علماء المسلمين يومًا من الأيام في أي مصر وفي أي عصر عاجزين عن أن يجدوا الحكم الشرعي لأي قضية تقع؛ لأن الله تعالى قد جعل هذا الدين تامًا كاملًا، فلله تعالى الحمد والمنة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

مرضه صلى الله عليه وسلم

عباد الله: في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشر من الهجرة مرض النبي ، وقد اشتد به المرض حتى لم يستطيع الخروج للصلاة بالناس، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فصار أبو بكر الصديق يصلي بهم، وفي فجر وفاته عليه الصلاة والسلام أطل على المسلمين وهم يستوون لصلاة الصبح، وكشف عن ستر حجرته ونظر إليهم وتبسم، تبسم لأنه رأى أن الله تعالى قد أكمل به الدين، وأتم به النعمة، وأبلغ رسالة ربه، ولما رآه الصحابة كادوا يفتتنون في صلاتهم فرحًا برسول الله ، فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم، ثم دخل غرفة عائشة رضي لله عنها، وأرخى الستر.

وفاته صلى الله عليه وسلم

وفي ضحى ذلك اليوم يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، من السنة الحادية عشرة من الهجرة توفي النبي ، وهو مستند إلى حجر عائشة رضي الله عنها، وكان يقول: أين أنا غدًا؟ كان في يوم الأحد يقول: أين أنا غدًا؟ يريد أن يكون في بيت عائشة رضي الله عنها؛ لأنها كانت هي أحب نسائه، ففهمت زوجاته أنه يريد ذلك، فتنازلن لعائشة رضي الله عنها أن يبقى النبي عندها، فبقي عندها، وكان في ضحى ذلك اليوم يوم الاثنين مستندًا إلى حجرها، فتوفي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: اللهم الرفيق الأعلى، فلما علمت فاطمة رضي الله عنها بذلك قامت، وقالت: “يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه”.

حزن الصحابة لوفاة النبي صلى الله عليه وسلم

وحزن الصحابة رضي الله عنهم بعد علمهم بخبر وفاة النبي حزنًا شديدًا، حتى إن بعضهم لم يصدق بذلك، ومنهم بعض أكابر الصحابة كعمر بن الخطاب الذي أنكر خبر وفاته، وقال: “إنه قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى عليه السلام إلى ربه وسيرجع فيقطع رقاب أناس من المنافقين”، أي: الذين يشيعون أن النبي توفي.

والمصيبة الشديدة أول مراحلها: عدم التصديق، فلم يصدق كثير من الصحابة بأن النبي قد توفي، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد خرج في ضيعة له، ثم لما بلغه الخبر أتى على فرس وثبته الله بثبات الأنبياء، فدخل على الناس وهم يموجون في المسجد، ودخل على النبي وهو مسجى في غرفة عائشة رضي الله عنها فكشف عن وجهه، وقبل ما بين عينيه، وقال: “بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبت حيًّا وميتًا، أما موتة الدنيا فقد ذقتها، ولكن لن تموت بعدها أبدًا” ثم خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الناس في المسجد وهم ما بين مصدق ومنكر، وخطب الناس فقال: “أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا قول الله : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144]، وقول الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر:30]، فاطمأن الناس لقول أبي بكر”.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: “كأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية إلا بعد أن تلاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فتلقاها الناس منه كلهم فما أسمع بشرًا من الناس إلا وهو يتلوا هذه الآية”، وهذا يدل على أن الإنسان مهما كان عليه من العلم والعبادة قد يذهل حتى عن أبسط الأشياء، فيحتاج إلى من يذكره، الناس يحتاجون خاصة في الفتن والمصائب العظيمة يحتاجون إلى من يذكرهم بقول الله وقول رسوله ، وأن يحرص على تثبيتهم كما فعل الصديق رضي الله عنه، فتلا الناس هذه الآية وتيقنوا أن رسول الله قد توفي عليه الصلاة والسلام بعدما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار، وصلوات الله وسلامه عليه، ما ذكره الذاكرون الأبرار.

كان حريصًا عليه الصلاة والسلام غاية الحرص على دعوة الناس إلى دين الله ​​​​​​​، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، حتى إن الله تعالى قال: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ۝إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:3-4] أي: لعلك  يا محمد باخع نفسك أي: أنك متأسف تكاد تقتل نفسك همًّا وغمًّا وأسفًا أن لا يكونوا مؤمنين، لو أراد الله تعالى منهم الإيمان الإجباري لأنزل آية كونية: فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:4]، لكن الله تعالى يريد من البشر الإيمان الاختياري.

كان عليه الصلاة والسلام رحيمًا، شفيقًا بأمته، وعند الموقف يوم القيامة في عرصات يوم القيامة الذي هو خمسون ألف سنة، ينال الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون معه وما لا يحتملون، حتى أن البشر يقول بعضهم لبعض: اذهبوا إلى من يشفع لكم عند الرب في الفصل والقضاء بين العباد، فيذهبون إلى آدم عليه السلام فيعتذر، ثم إلى نوح عليه السلام فيعتذر، ثم إلى إبراهيم عليه السلام فيعتذر، ثم إلى موسى عليه السلام فيعتذر، ثم إلى عيسى عليه السلام فيعتذر، وكل منهم يقول: نفسي نفسي، وعندما يذهبون إلى محمد فلا يعتذر، بل يقول: أنا لها، أنا لها، ويسجد تحت العرش، ثم يقول الله له: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيفصل الله ويقضي بين العباد، فيظهر الله فضل هذا النبي العظيم على الأولين والآخرين، في أن الله تعالى قبل شفاعته، في الفصل والقضاء بين العباد؛ وذلك هو المقام المحمود الذي أعطيه النبي فيرى جميع البشر من آدم عليه السلام إلى قيام الساعة يرون فضل هذا النبي العظيم، وعظيم إكرام الله له، ثم يقول الله تعالى له: وسل تعطه كل يقول: نفسي، نفسي، حتى أولوا العزم من الرسل إلا هذا النبي العظيم، إلا هذا النبي الكريم، عندما يرفع رأسه، يقول: يا رب أمتي، يا رب أمتي، فيقول الله له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك [3].

فانظروا إلى كمال شفقته عليه الصلاة والسلام بأمته حتى في هذه اللحظة، يقول: يا رب أمتي، ولذلك أكثر من يدخل الجنة من الأمم، من هذه الأمة، وكل الناس من الأمم الأخرى؛ كل يتمنى يوم القيامة أنه من هذه الأمة لما يرى من إكرام الله تعالى لها: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

اللهم ارض عن صحابته أجمعين وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، والعمل بكتابك وسنة نبيك محمد ، واجعلهم رحمة لرعاياهم.

ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ۝ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه أحمد: 16603.
^2 رواه النسائي في السنن الكبرى: 4002.
^3 رواه البخاري: 4712، ومسلم: 194.
مواد ذات صلة
  • خطبة عيد الفطر 1443 هـ

    الحمد لله معيد الجمع والأعياد، رافع السبع الشداد عالية بغير عماد، وماد الأرض ومرسيها بالأطواد، جامع الناس ليوم لا ريب…

  • أحكام الزكاة وفضائل الصدقة

    الحمد لله الذي وعد المنفقين أجرًا عظيمًا وخلفًا، وتوعد الممسكين لأموالهم عما أوجب عليهم عطبًا وتلفًا، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد…

zh