الرئيسية/خطب/الحكمة في تقدير الأرزاق وتفاوت الناس فيها
|

الحكمة في تقدير الأرزاق وتفاوت الناس فيها

مشاهدة من الموقع

الحمد لله الواحد القهار، الحكيم في خلقه وشرعه؛ ففيهما غاية الحكم والأسرار، قسّم الرزق بين عباده، ما بين غنىً وإقتار، أحمده تعالى وأشكره حمدًا وشكرًا كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنها وصية الله للأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمً [الأحزاب:70-71].

الحكمة من تفاوت الأرزاق

عباد الله: قضيةٌ كبرى من القضايا المهمة في حياة الإنسان، لابد أن يفهمها المسلم الفهم الصحيح لتقويم مسيرته في الحياة؛ إنها قضية الرزق، فقد دلت النصوص الشرعية على أن رزق الإنسان يكتب له وهو في بطن أمه، فلا يزيده حرص حريص، يقول النبي في الحديث المتفق على صحته: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فيؤمر بنفخ الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد [1]، فانظروا كيف أن النبي ابتدأ في هذا الحديث العظيم بقضية الرزق، بكتْب رزقه، فيكتب رزق الإنسان من حين أن تنفخ فيه الروح، يكتب رزق الإنسان وهو في بطن أمه.

ومن حكمة الله : أن قسَّم الأرزاق بين العباد، ونوَّع مجالات الرزق، ورفع بعضهم فوق بعض درجات؛ كما قال سبحانه: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32]، فمن الناس من جعل الله رزقه في الوظيفة، ومنهم من جعل الله رزقه في الغوص تحت البحار، ومنهم من جعل رزقه في البيع والشراء والتجارة، ومنهم من جعل الله رزقه في الطائرة فوق السحاب، ومنهم من جعل رزقه بين الفصول والطلاب، ومنهم من جعل رزقه في المناجم تحت التراب، ومنهم من جعل رزقه مسافرًا بين البلاد، ومنهم من جعل رزقه في المزارع بين الفواكه والخضروات، ومنهم من جعل رزقه بين المرضى والمصابين والأموات، ومنهم من يساق له الرزق سوقًا وهو في مأمن ورغد من العيش؛ فللَّه تعالى الحكمة البالغة.

لقد قسَّم الله تعالى العليم الحكيم؛ قسَّم الرزق على عباده، فمنهم من بُسِط له في رزقه، ومنهم من قُدِر عليه رزقه، وذلك لحكم عظيمة باهرة.

قسَّم الله الرزق على عباده ليعرفوا أنه المدبر لجميع الأمور، وأن بيده مقاليد السماوات والأرض، فهذا يوسع عليه، وذاك يضيق عليه، ولا راد لقضاء الله وقدره، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى:12].

بسط العليم الحكيم الرزق لبعض العباد، وضيَّقه على بعضهم، ليعتبروا بهذا التفاوت في الدنيا على تفاوت ما بينهم في درجات الآخرة، فكما أن الناس في الدنيا متفاوتون فمنهم من يسكن القصور المشيدة العالية، ويركب المراكب الفخمة، ويتقلب في ماله وأهله وبنيه، في سرور وحبور، ومنهم من لا مأوى له ولا مال ولا أهل ولا بنون، ومنهم ما بين ذلك على درجات مختلفة، فإذا كان ذلك التفاوت في الدنيا فإن التفاوت في درجات الآخرة أعظم وأكبر وأجلُّ، ولذلك قال الله تعالى: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21]، فإذا كانت الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا فإنه ينبغي أن نتسابق إلى درجاتها العالية، وحياتها الباقية.

قسَّم الله الرزق بين عباده ليعرف الغني قدر نعمة الله عليه بالإيسار، فيشكره عليها، ويلتحق بالشاكرين، وليعرف الفقير ما ابتلي به من الفقر، فيصبر عليه، وينال درجة الصابرين.

قسَّم الله الرزق بين عباده لتقوم مصالحهم الدينية والدنيوية، فلو بسط الله الرزق لجميع العباد لبغوا في الأرض بالفساد، ولو ضيق الرزق على جميعهم لاختل نظامهم، وتهاوت من معيشتهم الأركان، ولو كان الناس على درجة واحدة لم يتخذ بعضهم بعضًا سخريًا، لم يعمل أحدهم للآخر صَنعة، ولم يحترف له بحرفة؛ لأن الكل في درجة واحدة، فليس أحدهم أولى بهذا من الآخر، وأين الرحمة والعطف من الغني للفقير إذا كان الناس كلهم في درجة واحدة؟ وكيف تحصل صلة الرحم بالمال إذا كان الناس كلهم على درجة واحدة؟ فمن حكمة الله : أن فاوت بين الناس في الأرزاق: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت:62].

لن تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها

عباد الله: وإن الإنسان مأمور ببذل الأسباب لاكتساب الرزق، ولكن في المقابل لن يأتيه من الرزق إلا ما كتب الله له، مهما بذل من الأسباب، وذلك أن الرزق يكتب للإنسان وهو في بطن أمه، فمهما بذل من العمل، ومهما بذل من الكدح والاجتهاد، ومهما كان عنده من الذكاء ومن العقل، فلن يأتيه من الرزق إلا ما كتب الله له.

بعض الناس لا يبقى سبب من أسباب تحصيل الرزق إلا فعله، ومع ذلك يبقى فقيرًا، أعرف رجلًا من الناس لم يُبقِ سببًا من أسباب اكتساب الرزق وتحصيله إلا طرقه، ومع ذلك مات فقيرًا؛ بل مدينًا.

وبعض الناس ببذل أدنى سبب يفتح الله عليه أرزاقًا عظيمة، ذلك أن الرزق مكتوب، والله يقسم الأرزاق بين عباده بحكمته البالغة؛ كما قال ربنا : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39].

ينبغي أن تستقر وأن ترسخ هذه الحقيقة في ذهن كل مسلم؛ وهي: أنه لن يأتيه من الرزق إلا ما كتب الله له، وأن الله إذا كتب له رزقًا فلابد أن يأتيه، ولن تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها، وإذا لم يكتب له الرزق فلن يأتيه مهما بذل من الأسباب، ولكن الإنسان مأمور ببذل الأسباب على أنها مجرد أسباب، ولكن ينبغي أن يتعلق القلب بالرزاق، بخير الرازقين جل وعلا.

عندما تستقر هذه الحقيقة في ذهن المسلم يذهب عنه القلق، ويذهب عنه التوتر، ويذهب عنه الضيق؛ لأنه مستحضر أن الرزق بيد الله ، وأن الرزق مكتوب، وأن الرزق مقسوم، وأنه لن يأتيه من الرزق إلا ما كتب الله له، لكنه يفعل الأسباب على أنها مجرد أسباب، وعلى أنه مأمور بذلك، فإن الإنسان قد يُحرم الرزق بسبب تعطيل الأسباب، فهو يفعل الأسباب على أنها أسباب من غير أن يتعلق بها، ويعتمد عليها اعتمادًا كليًّا، إنما يفعل السبب ويعلق قلبه بالله ، ثم يطمئن، ويزول عنه القلق، ويزول عنه التكدر والضيق؛ لأنه على يقين بأنه لن يأتيه من الرزق إلا ما كتبه الله له، فلو أنه مثلًا أبرم صفقةً تجارية ثم خسر ولم يوفق فيها، فإنه يقول: لن يأتيني من الرزق إلا ما كتب الله لي، أنا بذلت الأسباب، ولو أن الله كتب لي رزقًا بسبب هذه الصفقة لتحقق، لكن الله لم يقدِّر لي من الرزق إلا هذا، فهو مطمئن لذلك، وربما يفعل أمرًا آخر ويفتح الله عليه، ويرزقه بسبب ذلك السبب، ويستحضر أن هذا رزقٌ قد كتبه الله له، فهو بذلك يعيش في طمأنينة، ويعيش بعيدًا عن الكدر، وبعيدًا عن القلق؛ لأنه على يقين بأن الرزق مكتوب، وأنه لن يأتيه من الرزق إلا ما كتب الله له، وأن رزقه قد كُتب وفُرغ منه وهو في بطن أمه، وأنه إنما هو مأمورٌ بفعل الأسباب، فهو يفعلها على أنها أسباب وحتى لا يحرم الرزق بسبب تعطيل السبب، ويتعلق قلبه بالرَّزَّاق جل وعلا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله القوي المتين، المالك الحق المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فإياه نعبد وإياه نستعين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وقائدُ الغُرِّ المحجَّلين، وسيد الأنبياء والمرسلين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

بذل الأسباب في طلب الرزق

عباد الله: وكما أن الرزق مكتوب للإنسان وهو في بطن أمه، إلا أنه مأمور ببذل الأسباب، فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وقد يحرم الإنسان الرزق بسبب تعطيل الأسباب، ومن أسباب الرزق: التقوى لله ​​​​​​​، كما قال الله تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

ومنها: التوكل على الله تعالى؛ كما قال النبي : لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا [2]، ومعنى ذلك أن الطير أول النهار تذهب جياعًا ثم ترجع آخر النهار ممتلئة البطون.

والتوكل على الله يعني أن تفعل الأسباب ثم تعلق قلبك، ورجاءك بالله تعالى.

ومن أسباب الرزق: صلة الرحم، وبر الوالدين هو أعلى ما يكون من صلة الرحم، وقد قال النبي : من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره أي يمد له في عمره فليصل رحمه [3]، فقد أخبر النبي بأن صلة الرحم من أسباب بسط الرزق.

ومنها: الإنفاق في سبيل الله، وفي وجوه الخير والقُرب؛ كما قال الله تعالى: وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، ويقول النبي : “قال الله تعالى: ابن آدم أنفِق أُنفق عليك [4]، ويقول عليه الصلاة والسلام: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وينزل ملكان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا [5].

ومن أسباب الرزق: شكر الله ، فإن الإنسان إذا شكر الله تعالى على ما ساق إليه من رزق؛ فإن هذا الشكر سبب لزيادة وبسط هذا الرزق، كما قال الله تعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [آل عمران:102]، وهذه من سنن الله ؛ أن الإنسان إذا شكر النعمة فإنها تقرُّ وتزيد، وإذا كُفرت النعمة فإنها تذهب.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك، فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك، يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين، اللهم أذل النفاق والمنافقين.

اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء؛ اللهم فأشغله في نفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا قوي يا عزيز، يا حيُّ يا قيوم.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم.

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا ونائبه لما فيه صلاح البلاد والعباد، اللهم هيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الحق، وتعينهم عليه، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان، والاستقرار، والرخاء، ورغد العيش، واجعلها عونًا لنا على طاعتك ومرضاتك، واجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين.

اللهم أعنا على ذكرك، وعلى شكرك، وعلى حسن عبادتك.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

نعوذ بك اللهم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 3208، ومسلم: 2643.
2 رواه أحمد: 205.
3 رواه البخاري: 2067، ومسلم: 2557.
4 رواه البخاري: 4684، ومسلم: 993.
5 رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010.

مواد ذات صلة