الرئيسية/خطب/الأيمان والنذور آداب وأحكام
|

الأيمان والنذور آداب وأحكام

مشاهدة من الموقع

الحمد لله مُعِزِّ من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، له من الحمد أسماه، ومن الشكر أسناه، ومن الثناء الحسن منتهاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله ومجتباه، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم لُقْيَاه.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران: 102]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا[الطلاق: 4]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق: 5].

أوجه التساهل في اليمين

عباد الله

الحديث في هذه الخطبة عن أمرٍ وقع فيه التساهل من كثيرٍ من الناس؛ مع عظيم شأنه وخطره؛ ألا وهو: التساهل في اليمين بالله تعالى، أو في عقد النذر وعدم الوفاء به.

والتساهل في اليمين يكون؛ إما من جهة الحلف بالله كاذبًا، أو الحلف بالله صادقًا عن حنث في ذلك، وعدم إخراج الكفارة، أو من جهة الحلف بالله تعالى في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، أو كثرة الحلف بالطلاق.

والتساهل بالنذر يكون في عدم الوفاء بالنذر بعد عقده.

واليمين في الأصل هي: توكيد الشيء بذكرِ مُعَظَّمٍ، مصَدَّرًا بحرفٍ من حروف القسم، وهي: الواو، والباء، والتاء، والهمزة؛ كأن يقول: والله، أو بالله، أو تالله، أو آلله.

الحلف بغير الله

وأما الحلف بغير الله تعالى؛ فقد قال فيه النبي : من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك [1].

ومن ذلك: ما يلحظ من بعض الناس الذين يحلفون بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ فإن الحلف بالنبي لا يجوز، وهو عليه الصلاة والسلام لا يرضى بذلك.

والواجب على من سمع أحدًا يحلف بالنبي أن ينكر عليه، وأن يبين أن ذلك محرم، وأن الحلف لا يكون إلا بالله تعالى؛ لأن كثيرًا ممن اعتاد الحلف بالنبي قد نشأ على ذلك، وتعودت ألسنتهم عليه، فهم بحاجة للتوجيه والإرشاد، وبيان أن الحلف لا يجوز إلا بالله تعالى.

الحلف بالله كاذبًا (اليمين الغموس)

وأما الحلف بالله كاذبًا، فهذه هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار -نسأل الله السلامة والعافية- وقد ورد فيها الوعيد الشديد، وأسوأ ما تكون إذا كانت في مجال خصومةٍ، وترتب عليها اقتطاع حق امرئٍ مسلمٍ، وحكم القاضي لهذا الحالف بموجب هذه اليمين؛ فإنه في الغالب أن هذا الذي قد حلف عقوبتُه معجلةٌ، يعاجَل بالعقوبة ولا يمهَل.

ولقد سمعتم عن قصصٍ كثيرةٍ في الماضي والحاضر، عن أناسٍ وقعوا في أيمانٍ فاجرةٍ فعوجلوا بعقوباتٍ؛ إما بهلاكٍ، وإما بأمراضٍ مستعصيةٍ، وإما بفقد عزيزٍ أو بغير ذلك، وقد جاء في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، في القسامة في شأن الذين حلفوا بأيمان القسامة وهم كاذبون، أنهم لم يمر عليهم عامٌ وفيهم عينٌ تَطرُف [2]، أي: أنهم هلكوا جميعًا.

والقصص في هذا مشهورةٌ ومتواترةٌ، وذلك؛ لأن الحلف بالله كاذبًا -الذي يقتطع بسببه حق امرئٍ مسلمٍ- ذنبه عظيمٌ، فيعاجل صاحبه بالعقوبة غالبًا في الدنيا قبل الآخرة، وقد يمهله الله تعالى، والله تعالى لم يجعل الدنيا دار عدالةٍ، بل فيها ظالمٌ ومظلومٌ، وأما دار العدالة المطلقة فهي الدار الآخرة، وقد يمهل الله الظالم إلى يوم القيامة؛ كما قال سبحانه: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ[إبراهيم:42].

عباد الله

إن الحلف بالله كاذبًا يدل على قلة تعظيم الله في القلب، وعلى الاستهانة بذكر اسم الله تعالى في موطن الكذب، وعلى الجرأة على رب العالمين؛ يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[آل عمران:77]. فانظروا إلى هذا الوعيد الشديد في حق من يحلف بالله كاذبًا.

ومن الأيمان الفاجرة: أن يحلف بالله كاذبًا لترويج سلعته، وهذا ذنبٌ عظيمٌ، وسببٌ لمحق البركة في الكسب الذي كسبه بهذه الأيمان الفاجرة، يقول النبي : ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليمٌ -قالها ثلاث مراتٍ- فقالوا: يا رسول الله، من هم؟ فذكر منهم: “المُنَفِّق سلعتَه بالحلف الكاذب [3]. أي: الذي يروج سلعته بالأيمان الكاذبة.

كثرة الحلف

ومن التساهل في الأيمان الإكثار منها، حتى وإن كان الحالف صادقًا؛ فإن الذي يكثر من اليمين قد يجره ذلك لأن يحلف كاذبًا، أو أن يتساهل فيها، أو أن يتساهل في الوفاء بالكفارة عند الحنث باليمين، فينبغي للمسلم أن يعظم شأن اليمين، وأن يصون يمينه، وألا يحلف إلا عند الحاجة، ولهذا؛ لما ذكر الله كفارة اليمين في قوله: وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ[المائدة:89]؛ قال في آخر الآية: وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ.

قال إبراهيم النخعي رحمه الله: “كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغارٌ”. وهذا فيه تأديب السلف لأولادهم على تعظيم الله ​​​​​​​، وعلى صون اليمين؛ فإن الشهادة والعهد يجب أن يقترنا بالتعظيم لله ، وهكذا اليمين، ففيها تعظيم لله ​​​​​​​.

عباد الله

قد ذكر الله تعالى في عدة مواضع من القرآن: أن كثرة الحلف من صفات المنافقين أو الكافرين، فقال سبحانه: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ -أي: كثير الحلف- وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ۝هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ[القلم:10، 11].

وقال عن المنافقين: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[المجادلة: 16، والمنافقون: 2]، وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ[التوبة: 56]، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ[التوبة: 96]. فذكر الله تعالى كثرة الحلف عن الكفار وعن المنافقين؛ فينبغي للمسلم أن يبتعد عن التشبه بهم.

إن من الناس من لا يكاد يتحدث بحديثٍ إلا ويقرن حديثه بالحلف بالله.

وهذا يتشبه أولًا بما ذكره الله تعالى من الكفار والمنافقين، ثم إن ذلك يجره إما إلى الحلف كاذبًا، أو إلى عقد أيمانٍ والحنث فيها، وعدم إخراج كفارتها.

ثم إن كثرة الحلف من الإنسان تدل على عدم ثقة الإنسان في قوله وحديثه؛ إذ إن الإنسان الواثق لا يحتاج في الغالب إلى تأكيد صحة حديثه بالحلف.

الحلف بالطلاق

عباد الله

ومما يكثر التساهل فيه: الحلف بالطلاق؛ فإن بعض الناس يرى أنه من الرجولة، وأنه من الكرم، أو أن الناس لن تصدقه إلا إذا حلف بالطلاق، فإذا دعا أحدًا لوليمةٍ حلف بالطلاق، وإذا أراد تأكيد أمر من الأمور حلف بالطلاق، وربما في المجلس الواحد يُسمع أكثر من شخصٍ يحلف بالطلاق؛ وهذا من الجهل العظيم، ومن التلاعب بحدود الله ​​​​​​​، وهو يدل على الاستهانة بأمر النكاح الذي سماه الله تعالى مِيثَاقًا غَلِيظًا[النساء: 21]، فيريد أن يحل عقد الزوجية بسبب أمرٍ تافهٍ، وكثيرٌ منهم يعتقد أنه لا يقع الطلاق بذلك.

والواقع أن أكثر أهل العلم، وهو الذي عليه المذاهب الأربعة: مذهب الحنفية والمالكية، والشافعية والحنابلة: أن من حلف بالطلاق فإن امرأته تطلق، هذه المذاهب المتبوعة في العالم الإسلامي، يرى أئمة هذه المذاهب وأتباعها: أن من حلف بالطلاق فإن امرأته تطلق وتخرج من ذمته، وإن كان في المسألة قولٌ آخر قال به قِلَّةٌ من أهل العلم، لكن استقرت الفتيا عليه أخيرًا في هذه البلاد، بل في العالم الإسلامي كله، وهي فتوى الإمام ابن تيمية رحمه الله: أن من لم يقصد الطلاق، وإنما قصد الحث أو المنع، أو التصديق أو التكذيب، فإنه لا يقع طلاقه ما دام لم يَنْوِ الطلاق؛ وإنما يكون فيه كفارة يمينٍ.

ولكن الذي عليه أكثر علماء الأمة، وعليه المذاهب الأربعة: أن الطلاق يقع؛ فينبغي إبراز هذا القول للناس، وأن يبين لهؤلاء الذين يحلفون بالطلاق أن زوجاتهم تطلق، وتخرج من عصمتهم بهذه الأيمان عند أكثر أهل العلم؛ فعليهم أن يتقوا الله ​​​​​​​، وألا يتلاعبوا بحدود الله ​​​​​​​، وأن يعظموا عقد النكاح الذي سماه الله تعالى مِيثَاقًا غَلِيظًا[النساء: 21].

الحلف بالطلاق جرأة على حدود الله

إن بعض الناس عند أدنى سببٍ يحلف بالطلاق، وربما يهدد زوجته بالطلاق في مدخله ومخرجه وحديثه، وفي كلامه تجد أن الطلاق على لسانه، وهذا من الجهل العظيم، ومن قلة الوعي، ويدل كذلك على ضعف الوازع الديني، وعلى الجرأة على حدود الله ​​​​​​​.

فينبغي أن يتواصى أفراد المجتمع على الإنكار على هؤلاء المتلاعبين بحدود الله سبحانه، فإذا سمعنا أحدًا يحلف بالطلاق في مجلسٍ أو غيره، فينبغي أن ينكر الجميع عليه، وأن يُبين أن هذا تلاعبٌ بحدود الله، وأن الطلاق أمره عظيمٌ جدًّا، ولا يُلجأ إليه إلا بعد استنفاذ جميع الحلول، وإذا أراد أن يطلق زوجته طلقها طلقةً واحدةً في طهر لم يجامعها فيه، فلا يكون الطلاق إلا على صفةٍ معينةٍ.

أما أن يجعل الطلاق على لسانه، ويجعله سبيلًا لتأكيد كرمه، أو لتأكيد رجولته، أو لتأكيد صحة حديثه؛ فإن هذا من التلاعب بحدود الله ​​​​​​​.

ولما قيل للنبي : إن فلانًا طلق امرأته ثلاثًا. قال عليه الصلاة والسلام: أيُلعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! [4]. فكيف بما يحصل الآن، وما ينقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي من الحلف بالطلاق، ربما من أكثر من شخصٍ في المجلس الواحد؟! ثم بعد ذلك ينفض ذلك المجلس وكأن شيئًا لم يكن؛ فهذا فيه جرأةٌ على حدود الله ​​​​​​​، فعلينا جميعًا أن نتواصى على الإنكار على هؤلاء المتلاعبين بحدود الله تعالى.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٌ.

النذر وأحكامه

التحذير من النذر

عباد الله

النذر ابتداءً عقده مكروهٌ، كما قال أهل العلم؛ لأن النبي نهى عنه، فنهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخيرٍ؛ وإنما يُستَخرَج به من البخيل. وقال: إنه لا يرد من قدر الله شيئًا [5].

فينبغي للمسلم أن يبتعد عن النذر، ولا يظن أنه إذا نذر لهذا الشيء، أن هذا النذر سيكون سببًا لتحققه، فإن هذا فهمٌ غير صحيحٍ، فالنذر ليس له علاقةٌ بالقضاء والقدر، لا يرد من قدر الله شيئًا، فابتداءُ عقده مكروهٌ.

حالات النذر

لكن إذا نذر، كأن يقول لله علَيَّ نذرٌ، أو يقول عاهدت الله، أو لله علَيَّ عهدٌ، أو بأية صيغةٍ من صيغ النذر؛ فإن كان النذر نذر طاعةٍ، كأن ينذر أن يصوم، أو ينذر أن يتصدق ونحو ذلك، فيجب عليه أن يفيَ بهذا النذر، والذي لا يفي بهذا النذر قد تُوُعِّد بعقوبةٍ شديدةٍ، يقول ربنا ​​​​​​​ في شأن الذين ينذرون نذر طاعةٍ ثم لا يوفون بنذورهم: وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ -ومعاهدة الله هي صيغةٌ من صيغ النذر- وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ -أي: نذروا نذر طاعةٍ بالصدقة والصلاح- فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ -فما هي العقوبة- فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ[التوبة: 75-77].
فالعقوبة شديدةٌ؛ أن الله يلقي في قلب هذا الناذر الذي نذر نذر طاعةٍ ولم يَفِ به، يلقي في قلبه النفاق إلى الممات، ولا يوفق حتى للتوبة، ولهذا قال: إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ. وهذا من أشد ما يكون من العقوبة، وقد لا يشعر الإنسان بهذه العقوبة مع شدتها، أن النفاق يلقى في قلبه بسبب عدم وفائه بنذر الطاعة، فمن نذر نذر طاعةٍ يجب عليه أن يفيَ به.

أما إذا كان النذر نذر معصيةٍ؛ فلا يجوز فعل تلك المعصية، ولا الوفاء بالنذر، لكن عليه كفارة يمينٍ.

أما إذا كان النذر في أمرٍ مباحٍ، أو كان النذر ما يسميه الفقهاء بنذر اللَّجَاج والغضب الذي يريد به تأكيدًا، أو يريد به حثًّا أو منعًا، أو تصديقًا أو تكذيبًا؛ فهو مخيرٌ بين أن يفيَ بالنذر أو أن يكفر كفارة يمينٍ، وهكذا لو نذر نذرًا مطلقًا ففيه كفارة يمينٍ.

فالناذر لن يخرج سالمًا؛ إما أن يفيَ بما نذر به، وإما أن يُكَفِّر كفارة يمينٍ، وما أكثر الذين نذروا نذورًا ثم ندموا بعد ذلك وصعُب عليهم الوفاء بتلك النذور، وهم الذين قد ضيقوا على أنفسهم، ولهذا؛ نهى النبي عن النذر فقال: إنه لا يأتي بخيرٍ؛ لأن غالب من ينذر يندم لا يأتي بخير؛ وإنما يُستخرَج به من البخيل [6]. أي: أن البخيل هو الذي لا تسمح نفسه بأن يتصدق، أو أن يفعل الطاعات من تلقاء نفسه، لا يفعل ذلك إلا بإلزام ونذرٍ، ولهذا؛ وصفه النبي  بالبخيل، وقال: إنه لا يرد من قدر الله شيئًا [7].

فينبغي أن يصون الإنسان يمينه، وأن يبتعد عن النذر؛ فإن هذه أمورٌ يتساهل فيها بعض الناس، وقد وردت النصوص مبينةً عظيم شأنها، ومبينةً عظيم الإثم في حق من عقد يمينًا ولم يكفر كفارة يمينٍ، أو أنه حلف كاذبًا، أو أنه نذر نذرًا ثم لم يَفِ بذلك النذر؛ فيحمل ذمته أمورًا كان في غنًى عنها، فلم تكن هذه الأمور مطلوبةً منه، ولو أنه صان نفسه عن أن يحلف، أو عن أن ينذر لكان بعيدًا عن أن يوقع نفسه في هذه الأمور التي لها تبعاتٌ عظيمةٌ، وربما يقع بسببها في ذنوبٍ وآثامٍ كبيرةٍ.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير؛ فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ، اللهم ارضَ عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكانٍ، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، اللهم وفقه وولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد، ولما فيه عز الإسلام والمسلمين، وقرب منهم البطانة الصالحة الناصحة التي تعينهم إذا ذكروا، وتذكرهم إذا نسوا يا رب العالمين.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خيرٍ، واجعل الموت راحةً من كل شرٍّ.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، نسألك من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ۝وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 3251، والترمذي: 1535.
2 رواه البخاري: 3845.
3 رواه مسلم: 106.
4 رواه النسائي: 3401.
5 رواه البخاري: 6608، ومسلم: 1639.
6, 7 سبق تخريجه.

مواد ذات صلة