الرئيسية/خطب/كورونا الجديد والأحداث المتسارعة
|

كورونا الجديد والأحداث المتسارعة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله الذي تفرد بالخلق والتدبير، وتصرف بالحكمة البالغة وبديع التقدير، لا يعزُب عنه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر وهو اللطيف الخبير، أحمده تعالى وأشكره، حمدًا وشكرًا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران: 102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].

تقلُّب أحوال الدنيا

عباد الله:

يقول ربنا تبارك وتعالى في محكم التنزيل: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ[البلد: 4].

خَلَق الله الإنسان يكابدُ مصاعب ومتاعب هذه الحياة، تختلط فيها المسرات بالأحزان، والأفراح بالأتراح، والعافية والسلامة بالمصائب، والصحة بالمرض، تلك هي الحياة، وهي مع ذلك سريعة التقلب والتغير، فأحداثها متسارعةٌ، وأمورها لا تثبت على حالٍ؛ كما قال الله تعالى: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ[آل عمران: 140].

إن الدنيا لا تثبت للإنسان على حالٍ، وخير شاهدٍ لهذا: الجائحةُ التي يعيشها العالم من ثلاثة أشهرٍ تقريبًا، جائحة (كورونا)، فلو قيل لأي واحدٍ منا قبل خمسة أشهرٍ فقط: إن هناك جائحةً ستجتاح العالم هذا العام؛ تُغْلَق بسببها المساجد، ويصلي الناس الجمعة ظهرًا في بيوتهم، وتُعلَّق بسببها العمرة، ويُقَلَّص بسببها الحجاج إلى ألف حاجٍّ، من ألفٍ إلى عشرة آلافٍ، وتُعَطَّلُ بسببها الدراسة والأعمال، وتُغْلَق معظم المحلات التجارية، ويُحْجَر بسببها الناس في بيوتهم، فهل سيصدق، أو أنه سيعتبر هذا من عالم الخيال؟!

وإذا بهذه الأحداث كلها تقع، تقع متسارعةً في تغيرٍ سريعٍ لأحوال الناس، فسبحان من يدبر الأمور بحكمته البالغة وهو أحكم الحاكمين!

يقول ابن الجوزي رحمه الله: “اعلم أن الزمان لا يثبت على حالٍ، كما قال ​​​​​​​: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ[آل عمران: 140]؛ فتارةً فقرٌ، وتارةً غنًى، وتارةً ذِلٌّ، وتارةً عزٌّ، وتارةً يفرح المُوالي، وتارةً يشمت الأعادي، فالسعيد من لازم أصلًا واحدًا على كل حالٍ، وهو تقوى الله ​​​​​​​، فإنه إن استغنى زانته، وإن افتقر فتحت له أبواب الصبر، وإن عوفي تمت عليه النعمة، وإن ابتُلِي جمَّلته، لازمِ التقوى في كل حالٍ؛ فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة، وفي المرض إلا العافية، هذا نقدُها العاجل، والآجل معلومٌ” [1].

عباد الله:

إن المؤمن في هذه الدنيا بين مخافتين؛ بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وأجلٍ قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذِ العبد من نفسه لنفسه، ومن صحته لمرضه، ومن حياته لموته.

عباد الله:

تأملوا في هذه الدنيا وأحوالها، وسرعة تقلباتها، وسرعة مرور أيامها، أيامٌ وليالٍ تمر سريعًا، وتمضي جميعًا، قيسوا ما يُستقبل منها بما مضى، واعلموا أن ما تبقى من العُمُرِ سيمر بنفس السرعة التي مر بها ما مضى، فاتقوا الله عباد الله! ولا تغفلوا عما لأجله خُلِقتُم، وماذا تصيرون إليه إذا أنتم مِتُّم، واعتبروا يا أولي الأبصار.

(كورونا) يذكِّرنا بسرعة تقلب الدنيا

عباد الله:

إن هذه الجائحة -جائحة (كورونا)- بأحداثها المتسارعة والمتقلبة، فيها دروسٌ وعبرٌ، وذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيدٌ، ومن أعظم دروسها: سرعة تقلب الدنيا، وسرعة تغيرها، وتغير أحوال الناس، فليعتبر المسلم بذلك، وبما يرى من أحداثٍ غريبةٍ عجيبةٍ، وليتدارك ما تبقى من عمره في طاعة الله ​​​​​​​، وفيما ينفعه بعد مماته.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ۝إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ[فاطر:5-6].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:2-4]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٌ.

الأمراض المعدية تنتشر في مكة كغيرها

عباد الله:

إن ما اتخذته الدولة -أيدها الله- من إجراءاتٍ بتعليق العمرة مؤقتًا، وبتقليص أعداد الحجاج من ألفٍ إلى عشرة آلافٍ، يدخل ذلك في الأسباب التي تمنع وتحد من انتشار هذا الفيروس، فإنه لو قُدِّر وجود معتمرين مصابين بهذا الفيروس، أو حجاجٍ مصابين بهذا الفيروس، فمن المحتمل أن يتسببوا في نقل العدوى لمعتمرين وحجاجٍ آخرين، بل وللناس المقيمين في مكة، ثم ينتقل من مكة إلى بقية مناطق المملكة، وينتشر انتشارًا واسعًا.

وهذه الأوبئة تنتشر بسرعةٍ في مواطن الزحام، فهذا الإجراء الذي اتخذته الدولة، إجراءٌ لا بد منه، إجراءٌ ضروريٌّ لا بد منه للوقاية من الإصابة بهذا الفيروس ومحاصرته.

وما يُنْقَل في بعض وسائل التواصل الاجتماعي: من أن مكة لا يأتيها أمراضٌ معديةٌ، فغير صحيحٍ.

الواقع: أن الأمراض المعدية تنتشر في مكة كما تنتشر في غيرها، فقد ذكر ابن بشرٍ رحمه الله تعالى في “تاريخ نجدٍ”: أنه في سنة ألفٍ ومائتين وستةٍ وأربعين للهجرة، وقع وباءٌ عظيمٌ بمكة، ابتدأ في أول شهر ذي القعدة من ذلك العام، ثم ارتفع قليلًا على دخول ذي الحجة، فلما كان يوم النحر في اليوم العاشر من ذي الحجة، حلَّ الوباء والموت العظيم في الحجاج وغيرهم، وأنه أُحْصِيَ عدد الذين ماتوا، فكانوا ستة عشر ألف إنسانٍ.

هذا الرقم الكبير من الحجاج ومن أهل مكة، كلهم ماتوا في تلك السنة بسبب ذلك الوباء العظيم، ولهذا؛ فإن هذا الإجراء الذي اتخذته الدولة، إجراءٌ ضروريٌّ لا بد منه، فنسأل الله تعالى أن يرفع هذا الوباء عنا وعن الناس أجمعين.

اللهم ارفع الوباء عن عبادك، اللهم ارفعه عن عبادك، وافتح علينا رحمةً من رحماتك، تشفي بها مرضانا، وترحم بها موتانا، وتُجْلِيَ بها هذا الوباء عنا، ربنا آتنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رءوفٌ رحيمٌ.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، والعمل بكتابك وسنة نبيك، واجعلهم رحمةً لرعاياهم.

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة، التي تدله على الحق وعلى ما فيه صلاح البلاد والعباد وتعينه عليه يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 صيد الخاطر ص: 137.

مواد ذات صلة