الرئيسية/خطب/الزكاة وأبرز أحكامها
|

الزكاة وأبرز أحكامها

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران: 102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].

فضل البذل والإنفاق في رمضان

عباد الله:

شهر رمضان هو شهر الجود والإحسان، وقد كان النبي أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.

فينبغي للمسلم أن يقتدي بالنبي ، وأن يتضاعف جوده في هذا الشهر المبارك، وأن يُكثِر من البذل والإنفاق في سبل الخير، ويبدأ أولًا بتفقد الأموال التي عنده فيُخْرِج ما وجب فيه الزكاة منها، ثم يستكثر بعد ذلك من الصدقات والإنفاق في سُبُل الخير: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[البقرة: 261].

عباد الله: 

جرت عادة كثيرٍ من الناس، إخراج زكواتهم في هذا الشهر المبارك، ولعلنا نعطي نبذةً عن أبرز أحكام الزكاة التي يُحتاج إليها.

أهمية الزكاة وخطر التساهل في إخراجها

الزكاة يا عباد الله هي الركن الثالث من أركان الإسلام، فهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وبعد الصلاة، فهي إذَنْ آكد من الصيام ومن الحج، فينبغي للمسلم أن يهتم بها، وأن يسأل أهل العلم عما يُشكل عليه من مسائلها وأحكامها.

وقد جاء الوعيد الشديد في حق من بخل بالزكاة أو قصَّر في إخراجها، يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ[التوبة: 34-35].

وكل مالٍ لا تؤدَّى زكاته فهو كنزٌ يُعَذَّب به صاحبه يوم القيامة، يقول النبي : مَا مِنْ صًاحِب ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَة صُفِّحَت لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُه، كُلَّمَا بَرَدَت أُعِيدَت لَه، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُه خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ؛ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ [1]، فهذا وعيدٌ شديدٌ في حق من بخل بالزكاة، وأنه يُعذَّب في الموقف قبل أن يُقضى بين العباد، يؤتى بهذه الأموال التي كنزها وادَّخرها ولم يُخرِج زكاتها، فيُعذَّب بها يوم القيامة.

وإن من المؤسَف له حقًّا: أن يوجد من بعض المسلمين من يتساهل بهذه الفريضة وبهذا الركن العظيم؛ إما جهلًا أو تهاونًا وتفريطًا أو بُخلًا، وبكل حالٍ فهو على خطأٍ عظيمٍ حتى لو كان جاهلًا، فجهله في الزكاة وأحكامها لا يعفيه من المسؤولية، لا سيما في بلادنا هذه التي يكثر فيها العلماء وطلبة العلم، فبإمكانه أن يسأل عن الأموال التي عنده وما يجب فيها الزكاة.

وبعض الناس يصعب عليه أن يسأل؛ خوفًا من أن يُفتَى بوجوب الزكاة عليه، فيشق عليه إخراجها، فتجد هذا الإنسان يُفتِي نفسه بنفسه بعدم وجوب الزكاة عليه، وذلك لا يُبْرِئ ذمَّتَه أمام الله ​​​​​​​، وهو على خطأٍ عظيمٍ لو مات على تلك الحال، ومثل هذا الجاهلِ: ذاك المفرطُ المتهاون بالزكاة، الذي يكنز الأموال ويكدِّسُها، ولم يخطر بباله يومًا أن يتفقدها، وأن ينظر فيما يجب عليه الزكاة منها، وأشد من هذا وذاك: من بَخِلَ بالزكاة فلم يُخرِج الزكاة بخلًا، هذا هو البخيل حقًّا، وهو متوعدٌ بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة. 

الأصناف التي تجب فيها الزكاة

عباد الله: 

الزكاة تجب في أربعة أصنافٍ من الأموال:

  1. في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار.
  2. والسائمة من بهيمة الأنعام.
  3. والذهب والفضة، وما في حكمها من الأوراق النقدية.
  4. وعروض التجارة.

زكاة الحبوب والثمار

أما الحبوب والثمار: فإن كانت تُسقى بلا كلفةٍ ولا مؤونةٍ، كالتي تُسقَى بمياه الأمطار والأنهار والعيون، فالواجب فيها العُشْر؛ أي عشرةٌ بالمِائة.

أما إن كانت تُسقى بمؤونةٍ وكُلفة، كالتي تُسقَى بالمكائن الرافعة للماء ونحوها، فالواجب فيها نصف العُشْر؛ أي خمسةٌ بالمِائة.

وتفاصيل أحكام زكاتها مذكورةٌ في كتب الفقه.

زكاة بهيمة الأنعام

وأما بهيمة الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم: فلا تجب الزكاة إلا في السائمة منها، وهي التي تَرعى العُشْبَ والكَلَأ أكثر السنة، وأما المعلوفة أكثر السنة فلا تجب فيها الزكاة، إلا أن تكون معدةً للتجارة، فتُزَكَّى زكاةَ عروض التجارة.

وتفاصيل أحكام زكاة بهيمة الأنعام مذكورةٌ في كتب الفقه.

زكاة الذهب والفضة

وأما الذهب والفضة: فتجب فيهما الزكاة، ونصاب الذهب عشرون مثقالًا، وهو يعادل خمسةً وثمانين جرامًا، ونصاب الفضة مِائة درهمٍ، وتعادل خَمسَمِائةٍ وخمسةً وتسعين جرامًا.

وفي حكمها في وقتنا الحاضر، الأوراق النقدية، فتجب فيها الزكاة إذا بلغت نصابًا، ونصاب الأوراق النقدية هو أدنى النصابين من الذهب والفضة، والفضة الآن أرخص بكثيرٍ من الذهب؛ وعلى هذا فنصاب الأوراق النقدية هو نصاب الفضة، ونصاب الفضة خَمسُمِائةٍ وخمسةٌ وتسعون جرامًا، فنضرب سعر الجرام من الفضة في خمسمائةٍ وخمسةٍ وتسعين، يخرج نصاب الأوراق النقدية، وهو يعادل -هذه الأيام- يعادل ألفًا ومِائتين وخمسةً وأربعين ريالًا سعوديًّا تقريبًا، أو ما يعادلها من العملات الأخرى، فَمَن ملك هذا المبلغ فأكثر، وحال عليه الحول، فيجب عليه أن يزكيه، بغض النظر عن الغرض الذي ادَّخر هذا المبلغ لأجله، حتى لو ادَّخره للنفقة، أو ادَّخره لزواجٍ، أو ادَّخره لبناء مسكنٍ، أو ادَّخره لشراء أرضٍ، أو ادَّخره لأي غرضٍ من الأغراض، ما دام قد بلغ نصابًا وحال عليه الحول، فيجب عليه أن يزكيه.

وقد أصبح كثيرٌ من الناس اليوم تكون دخولهم شهريةً، ومرتباتهم شهريةً، ولا يَدري الإنسان ما الذي ادَّخر وحال عليه الحول، وما الذي صرف من ذلك، فلم تجب فيه الزكاة لكونه لم يَحُل عليه الحول.

طريقة إخراج زكاة الدخل الشهري

وطريقة إخراج زكاة الدخل الشهري؛ لذلك عدة طرقٍ، من أيسرها وأسهلها: أن يتخذ له وقتًا محددًا في السنة، ولنفترض مثلًا أنه منتصف شهر رمضان، فيزكي جميع الأموال التي عنده، ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يَحُل عليه الحول، وبذلك لا ينظر لزكاة أمواله إلا مرةً واحدةً في السنة، كلما أتى هذا التاريخ زكَّى جميع ما عنده ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يَحُل عليه الحول.

هذه الطريقة أسهل وأحوط وأضبط، وله أن يطلب كشف حسابٍ بنكيٍّ مثلًا، فينظر إلى رصيده طيلة السنة، ويزكي أدنى رصيدٍ في العام؛ لكونه هو الذي قد حال عليه الحول.

الزكاة في عروض التجارة

عباد الله: 

والصنف الرابع: عروض التجارة، وهي كل ما أعده الإنسان غرضًا للربح والتكسب والتجارة، فتُقيَّم عند تمام الحول، ويُخرَج ربع عُشر قيمتها، وعلى هذا؛ فأصحاب المحلات التجارية، عليهم في نهاية السنة أن يجردوا ما عندهم من بضاعةٍ ومن سيولةٍ ويزكوها.

والواجب الزكاة في السلع المُعَدَّة والمعروضة للبيع، وأما الأصول المستغلة فلا زكاة فيها؛ فلو كان هناك محلٌّ تجاريٌّ مثلًا للتسوق، فإن الأصول التي في هذا المحل؛ من الثلاجات والأدراج ونحو ذلك، هذه لا زكاة فيها، إنما يُزكِّي السلع المعروضة للبيع، فيجردها ويُخرج ربع عشر قيمتها.

حكم زكاة الأراضي:

ومن كان عنده أرضٌ: فإن زكاة هذه الأرض تتأثر بِنِيَّتِه، وهو أدرى بنيته؛ فإن كان قد نوى بهذه الأرض أن يبني عليها مسكنًا، أو يبني عليها عقارًا لتأجيره مثلًا، فلا زكاة في هذه الأرض، أما إن كان قد جزم بنية البيع والتجارة، إما في الحال أو في المستقبل، فهي من عروض التجارة، ويجب عليه أن يزكيها عند تمام الحول، بقيمتها عند تمام الحول، بغض النظر عن القيمة التي اشترى بها هذه الأرض.

أما إذا كان مترددًا في النية، وليس له نيةٌ واضحةٌ؛ فتارةً يقول: أريد أن أبني عليها مسكنًا. وتارةً يقول: أريد أن أبيعها. فهذه لا زكاة فيها، لا تجب الزكاة في الأرض إلا إذا جزم بنية البيع.

زكاة الأسهم:

وأما الأسهم؛ فالمساهم لا يخلو إما أن يكون مستثمرًا أو مضاربًا.

فالمستثمر: هو الذي ملك أسهمًا بغرض الاستفادة من ريعها وأرباحها، وهو لا يتاجر فيها، لا يبيع ويشتري فيها، وإنما اشترى أسهمًا وتركها، أو اكتتب في شركة وتركها، أو أنه كان يضارب يبيع ويشتري في الأسهم، ثم بعد ذلك توقف وتركها، فهذا تكفي زكاة الشركة عنه ولا يلزمه أن يزكي، باعتبار أن الشركات المساهمة عندنا في المملكة ملزَمةٌ من قِبَل الدولة بدفع الزكوات إلى مصلحة الزكاة والدخل، التي تصرفها في مصارفها الشرعية.

أما إن كان المساهم مضاربًا؛ أي يبيع ويشتري ويتاجر في هذه الأسهم، فهذه الأسهم تعتبر عروض تجارةٍ، عليه أن يُقَيِّم ما لديه في المحفظة في نهاية السنة، ويُخرِج ربع عشر قيمتها.

الصناديق الاستثمارية:

وأما الصناديق الاستثمارية التي في البنوك، فيجب على من كان مستثمرًا فيها أن يزكي ما يملك فيها من أسهمٍ أو غير ذلك مما في الصناديق؛ لأن هذه الصناديق لا تزُكَّى حاليًا من قِبل البنوك، فيجب على المستثمرين أن يُخرجوا زكواتها.

الأصناف المستحقة للزكاة

عباد الله:

وعلى المسلم أن يتحرى بزكاته المستحقين، والمستحقون للزكاة هم ثمانية أصنافٍ ذكرهم ربنا ​​​​​​​ في قوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[التوبة: 60] فانظر كيف أن الله تعالى صدَّر هذه الآية بأداة الحصر إِنَّمَا، ثم ختمها بقوله: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[التوبة: 60] فإن هذه القسمة صادرةٌ عن علمٍ وعن حكمةٍ، فلا يجوز صرف الزكاة لغير هذه الأصناف الثمانية، فلا تصرف الزكاة في بناء المساجد، ولا تُصرف الزكاة في بناء المدارس، إنما تُصرف لهذه الأصناف الثمانية.

وأوضحُ هذه الأصناف في مجتمعنا ثلاثة أصنافٍ:

  1. الفقراء.
  2. والمساكين.
  3. والغارمين.

الفقراء:

أما الفقراء والمساكين فهم: ذوو الحاجات، هم المحتاجون، لكن الفقراء أشد حاجةً من المساكين.

فالفقير هو: المعدم الذي ليس عنده شيءٌ، أو عنده دون نصف الكفاية.

المساكين:

وأما المسكين فهو: الذي عنده نصف الكفاية أو أكثرها، لكن ليس عنده تمام الكفاية.

مثال ذلك: رجلٌ ليس عنده شيءٌ، هذا فقيرٌ، عنده دخلٌ يكفيه إلى عشرة من الشهر، هذا فقيرٌ أيضًا، عنده دخلٌ يكفيه إلى منتصف الشهر فهذا مسكينٌ، عنده دخلٌ يكفيه إلى عشرين من الشهر، لكن لا يكفيه إلى آخر الشهر فهذا مسكينٌ، عنده دخلٌ يكفيه إلى آخر الشهر، هذا ليس بفقيرٍ ولا مسكينٍ ولا تحل له الزكاة.

والعبرة بما ظهر من الحال، وليس بلازم أن تتيقن أن هذا فقيرٌ أو مسكينٌ، وإنما بما غلب على ظنك من حاله، ولكن إذا شككت فيه فأخبره أنها زكاةٌ، وأنها لا تحل لغنيٍّ ولا لقويٍّ مكتسِبٍ.

وقد أتى النبيَّ رجلان شابان جلدان يسألانه، فصعَّد النظر فيهما، ثم قال: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيتُكُمَا، وَلَا حَظ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوَيٍّ مُكْتَسبٍ [2].

لكن على المسلم أن يتحرى في الزكاة خاصةً، أن يتحرى مستحقيه، وأن يبحث عن شريحةٍ من المجتمع مساعدتهم أعظم أجرًا وثوابًا من غيرهم، وهم المتعففون الذين لا يسألون الناس إلحافًا يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ[البقرة: 273].

هناك في المجتمع شريحةٌ من الفقراء والمساكين من المتعففين، إذا نظر إليهم الجاهل ظنهم أغنياء؛ يراهم يلبسون ملابس نظيفةً ويخالطون الناس، ولا يظهر عليهم آثار الفقر لتعففهم، لكن الإنسان الفطن إذا تأمَّل في أحوالهم وجد أنهم فقراء أو مساكين؛ وذلك بالنظر إلى دخولهم الشهرية ونفقاتهم، فيرى أن هذا الإنسان دخله ضعيفٌ، ونفقاته كبيرةٌ ومستأجرٌ لبيتٍ، فيعرف أنه فقيرٌ لكنه متعففٌ.

وانظر كيف أن الله تعالى وصف الذي لا يعرف هذه الشريحة من الفقراء، وصفه بالجاهل، قال: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ[البقرة: 273]، وفي هذا إشارةٌ إلى أنه ينبغي للمسلم أن يكون لديه الفطنة والفراسة، وأن يبحث عن هذه الشريحة من الفقراء والمساكين وأن يساعدهم.

أما السائل، إن لم تعطه أنت فسيعطيه غيرك؛ لأنه يَسأل وعنده جرأةٌ، لكن ذلك الفقير المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئًا، إن أعطاه أحدٌ شيئًا أخذه، وإلا لا يسأل، وربما أنه يستحي من السؤال، وربما أنه عنده عزة نفسٍ من السؤال، لكنه فقيرٌ متعففٌ، ويعرفهم الفَطِن، يعرفهم بالفِرَاسة؛ ولهذا قال: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ[البقرة: 273]. فابحثوا عن هذه الشريحة من الفقراء والمساكين، واحرصوا على مساعدتهم، فإن في مساعدتهم أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا.

الغارمين:

والصنف الثالث من أوضح أصناف الزكاة في مجتمعنا: الغارمين، وهم الذين لحقتهم ديونٌ كثيرةٌ هم عاجزون عن سدادها، وليس كل مدينٍ يكون غارمًا مستحقًّا للزكاة، فإن كثيرًا من التجار الآن عليهم ديونٌ ولهم ديونٌ، فالغارم المستحق للزكاة هو المدين الذي عليه ديون حالَّةٌ وقد عجز عن سدادها، ولو أن الدائن رفع فيه شكاية لربما سُجِنَ بسبب ذلك الدين. هذا هو الذي تحل له الزكاة.

أما إذا كان عليه ديونٌ لكنه قادرٌ على تسديدها، حيث إن دخله دخل أغنياء، ويستطيع أن يُجدولَ الديون على دخله، هذا لا تحل له الزكاة.

وإن من المؤسَف له حقًّا: أن بعض الأغنياء يزاحمون الفقراء في حقوقهم، فتجد أن بعض الناس دخله دخل أغنياء، ومع ذلك يزاحم الفقراء في الزكاة، وهذا لا يحل له؛ فقد قال النبي : مَنْ أَخَذَ أَمْوَال النَّاسِ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَأْخُذ جَمْرًا؛ فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ يَسْتَكْثِرْ [3].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدلله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ.

نعمة الأمن وتقديمها على الرزق

عباد الله:

إن من أعظم النِّعَم التي يُنعم الله تعالى بها على العباد: نعمة الأمن والاستقرار، فالأمن أمره عظيمٌ، الأمن نعمةٌ عظيمةٌ، ومِنَّةٌ كبيرةٌ، لا يعرف قدر هذه النعمة إلا من اكتوى بنار فَقْدِها، فوقع في الخوف والقلق والذعر والاضطراب.

الأمن هو الهدف النبيل الذي تنشده المجتمعات البشرية، وتتسابق إلى تحقيقه الشعوب، يقول الله تعالى عن قوم سبأٍ: سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ[سبأ: 18]، وامتنَّ على قريشٍ قال: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ۝الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[قريش: 3، 4].

وإن الأمن مطلبٌ قبل الرزق؛ ولهذا دعا إبراهيم الخليل عليه الصَّلاة والسَّلام، دعا بنعمة الأمن قبل الرزق، قال: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ[البقرة: 126]. لأن الإنسان مهما كان عنده من الأموال إذا لم يكن آمنًا، فإن هذه الأموال لا ينتفع بها، ويعيش في قلقٍ وفي اضطرابٍ.

وقد كان النبي  من دعائه أنه كان يقول: اللَّهُمَّ اسْتُر عَوْرَاتِي، وَآمِن رَوْعَاتِي [4]، وهذا من أذكار الصباح والمساء.

وإذا اختل الأمن وزُعزِعَت أركانه، فيقع بسبب ذلك شرورٌ مستطيرةٌ وفتنٌ عريضةٌ، ونعتبر بأحوال البلدان من حولنا، ونرى كيف أن الأمن لمَّا اختل عندهم حصل عندهم من الفتن والفوضى والاضطراب والقلاقل ما الله تعالى به عليمٌ.

نحن في هذه البلاد نعيش في أمنٍ وأمانٍ وفي استقرارٍ، وفي رخاءٍ ورغد عيشٍ، هذه نعمٌ عظيمةٌ من الله تعالى علينا، فلنستحضر أولًا هذه النعم، لنستحضر قدر هذه النعم، ونحمد الله تعالى ونشكره عليها، فإن النِّعم إذا شُكِرت تَقَرُّ بل تزيد، وإذا كُفِرَت فإنها تذهب، والله تعالى ليس بينه وبين أحدٍ من خلقه نسبٌ، الله ​​​​​​​ له سننٌ في هذا الكون، ولا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[الرعد:11].

فلنحمد الله ​​​​​​​ على ما نحن فيه من هذه النعم العظيمة، نعمة الأمن والاستقرار، والرخاء ورغد العيش، ولنستعن بها على طاعة الله ​​​​​​​، وأن نحرص على إقامة دين الله سبحانه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حتى تدوم هذه النعم، وحتى تَقَرَّ، وحتى تزداد، وإلا فإن سنن الله ​​​​​​​ لا تحابي أحدًا.

وإن الأمن الذي يتحقق، يتحقق بطاعة الله ​​​​​​​، وأعظم ما يتحقق به الأمن: التوحيد، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، فبالتوحيد يتحقق الأمن للبلاد والعباد.

والظلم، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، أعظم الظلم: الشرك بالله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِ [لقمان:13].

فأعظم ما يتحقق به الأمن: تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله ​​​​​​​.

فلنحمد الله ونشكره على نعمة الأمن والاستقرار، ولنحرص على شكر هذه النعمة بطاعة الله سبحانه، وإقامة دين الله ​​​​​​​، واجتناب المعاصي، والحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه -بإذن الله- السياج والحصن الحصين لدوام النعم؛ لأن المنكرات إذا أُنكِرَت فإنه -بإذن الله تعالى- يكون المجتمع في أمانٍ، ولكن عندما تُعلَم المنكرات ولا تُنكَر، فإن هذا يُعرِّض المجتمع كله لعقوبة الله ​​​​​​​.

اللهم أَدِم علينا نعمة الأمن والاستقرار، والرخاء ورغد العيش، واجعلها عونًا لنا على طاعتك ومرضاتك.

اللهم إنا أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

اللهم اجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين.

اللهم أعنا على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكانٍ، اللهم اخذل من خذل دين الإسلام في كل مكانٍ، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، والعمل بكتابك، وسنة نبيك محمدٍ ، واجعلهم رحمةً لرعاياهم.

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تذكره إذا نسي، وتعينه إذا ذكر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم بارك لنا في شهر رمضان، اللهم أعنا على إتمام صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك، واجعلنا ممن تغفر لهم في هذا الشهر، واجعلنا من عتقائك من النار.

اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 987.
2 رواه أبو داود: 1633، وأحمد: 23063.
3 رواه مسلم: 1041.
4 رواه البخاري في “الأدب المفرد”: 1200، وابن ماجه: 3871، وأحمد: 4785.

مواد ذات صلة