logo
الرئيسية/كلمات قصيرة/أحكام القصر والجمع للمسافر

أحكام القصر والجمع للمسافر

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واتبع سُنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الأصل في الإنسان الإقامة، والسفر أمرٌ طارئٌ عليه، وهذا السفر مظنة المشقة؛ ولذلك راعت الشريعة الإسلامية هذا الأمر، فخفَّفت عن المسافر، فأباحت له القصر والجمع بضوابط مُعيَّنة. وكذلك أيضًا يكون له الأجر كاملًا على ما اعتاد عليه من أعمالٍ صالحةٍ يفعلها في حال الإقامة، كما قال النبي : إذا مرض العبد أو سافر، كُتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا [1].

وأبرز أحكام السفر: القصر والجمع؛ أي: قصر الصلاة الرباعية ركعتين، والجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء؛ إما جمع تقديمٍ وإما جمع تأخيرٍ.

مسافة الجمع والقصر

فمتى يُباح للمسافر القصر والجمع؟

أولًا: ما المسافة التي إذا قطعها المسافر أُبيح له القصر والجمع؟

هذا محلُّ خلافٍ بين الفقهاء؛ فمنهم من قال: إن السفر لا يُحدَّد بمسافةٍ، بل المرجع في ذلك للعُرف[2]، وهذا من الناحية النظرية جيدٌ، ولكن العُرف في وقتنا الحاضر فيما يتعلق بالسفر قد اضطرب اضطرابًا كثيرًا ولا يمكن ضبطه، خاصة مع وجود وسائل المواصلات الحديثة والسريعة أصبح لا يمكن ضبطه؛ ولهذا لو ذهب مجموعةٌ من طلاب العلم فإنهم سيختلفون غالبًا في تحديد أقل مسافةٍ للسفر.

ولهذا فالأقرب: ما عليه جماهير الفقهاء والذي عليه المذاهب الأربعة، وهو تحديد أقل مُدةٍ للسفر، والذي عليه الجمهور[3]: أن أقل مسافةٍ للسفر أربعة بُرُدٍ، وتُعادل ستة عشر فرسخًا، وتُعادل ثمانيةً وأربعين ميلًا، وتُعادل بالتقديرات المعاصرة ثمانين كيلو مترًا.

وعلى هذا؛ فإذا قطع المسافر هذه المسافة (ثمانين كيلو مترًا فأكثر)، فهو مسافرٌ يَحِلُّ له الجمع والقصر، لكن مع مراعاة أن المسافة تُحسَب من مفارقة العمران، ليس من المنزل، وإنما من مفارقة عمران البلد الذي هو مقيمٌ فيه يَحْسِب المسافة، إذا بلغت ثمانين كيلو مترًا فأكثر، فيُعتبَر مُسافرًا وله القصر والجمع.

وهذا هو المأثور عن بعض الصحابة، كابن عباسٍ وابن عُمرَ ، فكانا يقولان: يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة بُرُدٍ، وهو أيضًا المتوافق مع قول النبي : لا يحل لامرأةٍ تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُسافر مسيرة يومٍ وليلةٍ إلا مع ذي مَحْرَمٍ عليها [4]، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: لا يحل لامرأةٍ أن تُسافر أقل مسافةٍ للسفر؛ فعبَّر عن ذلك باليوم والليلة، والتي تُعادل ثمانين كيلو مترًا.

مدة الجمع والقصر

المسافر إذا لم يُحدِّد مدةً لإقامته، بل له مَهمَّةٌ ولا يدري متى تنقضي، فيقول: اليوم أرجع، أو غدًا أرجع؛ فهذا له الترخُّص برُخَص السفر ولو طالت المدة، بل ولو بقي أشهُرًا أو بقي حتى سنةً أو أكثر، وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على ذلك.

أما إذا حدَّد المسافر مُدةً مُعيَّنةً لإقامته؛ كأن يذهب -مثلًا- إلى مكةَ، ويُحدِّد مُدةً مُعيَّنةً، فما هي المدة التي إذا بقي المسافر فيها ليس له الترخص بعدها برُخَص السفر؟

اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، والجمهور على التحديد بأربعة أيامٍ[5]، لكن هذا لم يُؤثَر عن أحدٍ من الصحابة .

والمأثور عن الصحابة، أو أصح ما ورد عن الصحابة : هو ما جاء في "صحيح البخاري"، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: أقام النبي بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، فنحن إذا أقمنا تسعة عشر يومًا قصرنا، فإذا زدنا على ذلك أتممنا [6]، وهذا في "صحيح البخاري" (أصحِّ كتابٍ بعد كتاب الله ​​​​​​​)، وأيضًا ابن عباسٍ رضي الله عنهما يحكي هذا عن نفسه وعمَّن معه من الصحابة ، فلعلَّ الأقرب: هو التحديد الوارد في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما. والأحوط: هو قول الجمهور، وهو التحديد بأربعة أيامٍ.

مَن له إقامتان فأكثر، فإنه لا يُعتبَر مسافرًا في الإقامة الأولى ولا في الإقامة الثانية؛ فإن بعض الناس تكون له إقامةٌ في مدينةٍ أو في بلدةٍ مُعيَّنةٍ، ثم تكون له إقامةٌ في بلدٍ آخرَ؛ كأن يكون أهله -مثلًا- في بلدٍ وعمله في بلدٍ آخرَ، فهو يُعتبَر صاحب إقامتين، ليس له الترخُّص برخص السفر في الإقامتين جميعًا، إلا في الطريق إذا كانت المسافة أكثر من ثمانين كيلو مترًا، فله الترخص في الطريق فقط.

وإذا أُشكل على المسلم: هل هو مُسافرٌ أو مُقيمٌ، فيرجع للأصل، والأصل أن الإنسان مُقيمٌ. وعلى ذلك: إذا لم يتضح له كونه مُسافرًا فإنه يُتِمُّ ولا يجمع؛ وذلك لأن الأصل في الإنسان الإقامة لا السفر، ولأن هذا هو الأحوط والأبرأ للذمة، فإنه إذا لم يقصر ولم يجمع فصلاته صحيحةٌ بالإجماع، أما إذا قصر أو جمع فربما عند بعض أهل العلم أن قصره أو جمعه غير صحيحٍ، إذا كانت المسألة غير متضحةٍ في كونه ممَّن يحق لهم الرخصة في السفر.

وعلى هذا: فينبغي أن يستصحب المسلم معه هذه القاعدة، وهي: إذا أُشكل عليه كونه مُسافرًا أو مُقيمًا، فيَعتبِرُ نفسَه مُقيمًا احتياطًا؛ ولأن هذا هو الأصل، فالأصل هو الإقامة، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بأمرٍ واضحٍ ينقله من كونه أو من وصفه مُقيمًا إلى وصفه مُسافرًا.

المقدِّم: أحسن الله إليكم، مَن كان مسافرًا ورغب -مثلًا- بعدم الترخُّص برُخَص السفر، هل يُنكَر عليه ذلك؟

الشيخ: إذا كانت رغبته بعدم الترخص برُخَص السفر بسبب عدم وضوح كونِه مُسافرًا، فله ذلك؛ لأنه يريد أن يحتاط لدينه. لكن إذا كان عدم رغبته في القصر والجمع أنه لا يعتقد أن هذا سُنَّةٌ، فيُنكَر عليه؛ لأن هذا سُنَّةٌ، وقد ذكر الله تعالى القصر في القرآن: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [النساء:101].

فالقصر ذكره الله تعالى، ذكر رخصة السفر في القرآن الكريم، فهنا الجواز يعتمد على سبب رفض القصر والجمع، فإذا كان رفض الحكم الشرعي فهذا يُنكَر عليه. أما إذا لم تتضح له المسألة، أو أن العلماء مختلفون في كونِه مُسافرًا ويريد أن يحتاط لدينه؛ فلا بأس.

^1 رواه البخاري: 2996.
^2 يُنظر: مجموع الفتاوى: (24/ 15).
^3 يُنظر: المبسوط للسرخسي: (1/ 235)، المدونة للإمام مالك: (1/ 209)، الأم للشافعي: (1/ 212)، المغني لابن قدامة: (3/ 105).
^4 رواه البخاري: 1088، ومسلم: 1339.
^5 يُنظر: المبسوط للسرخسي: (1/ 236)، المدونة للإمام مالك: (1/ 208)، الأم للشافعي: (1/ 215)، المغني لابن قدامة: (3/ 148).
^6 رواه البخاري: 1080.
مواد ذات صلة
  • وقفات مع قصة موسى عليه السلام

    الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد:...

  • فضل الصبر

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واتبع...

zh