الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سُنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
الآيات الدالة على فضل ليلة القدر
فإن ليلة القدر عظَّم الله شأنها، وأنزل فيها سورةً كاملةً من كتابه الكريم، فقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر:1-5]، وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3]، فعظَّم الله تعالى شأن هذه الليلة، فخَصَّها بسورةٍ كاملةٍ تُتلى إلى يوم القيامة، وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ؛ أي: أنزلنا القرآن، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
ونزول القرآن في ليلة القدر للعلماء في تفسيره معنيان:
- الأول: أن المقصود: أنه نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، كما رُوِي ذلك عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، ثم بعد ذلك نزل مُفرَّقًا على نبيِّنا محمدٍ [1].
- والمعنى الثاني: أن المقصود بنزول القرآن: ابتداء نزوله[2]، وهذا المعنى أرجح؛ لأن الأثر المروي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في سنده مقالٌ.
وعلى هذا؛ فالقول الراجح في معنى نزول القرآن في ليلة القدر: أن ابتداء نزول القرآن في ليلة القدر.
ثم فخَّم الله شأنها، فقال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [القدر:2]، وهذا لا يُقال إلا في الأشياء العظيمة؛ ولذلك عندما يَذْكُر ربنا الساعة يأتي بهذا السؤال: الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [القارعة:1-3]، والْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة:1-3]، وأتى جلَّ وعلا بهذا التفخيم في ليلة القدر إشارةً إلى عظيم شأنها.
ثم قال : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3] أي: إن العمل الصالح في ليلة القدر خيرٌ من العمل في ألف شهرٍ، وألف شهرٍ تُعادل ثلاثًا وثمانين سنةً وأربعة أشهرٍ؛ ولذلك من وُفِّق لليلة القدر فكأنما وُفِّق لعُمرٍ مديدٍ.
العمل في ليلة القدر ليس مساويًا، بل خيرٌ من العمل في ألف شهر؛ فهي فرصةٌ عظيمةٌ للمسلم، يعمل عملًا قليلًا ويُؤجَر أجرًا عظيمًا، سبحان الله! سويعاتٌ يجتهد فيها المسلم وينال بها الأجور العظيمة، سُويعاتٌ العملُ فيها خيرٌ من العمل في ألف شهرٍ!
وقد وَرَدَ في بعض الآثار: أن النبي أُرِيَ أعمار الأمم قبله، فكانت أعمارهم طويلةً، فنوحٌ عليه الصلاة والسلام مَكَثَ في قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، فكأن النبي تقاصر أعمار أُمته، وأعمار أُمته ما بين الستين إلى السبعين، هذا هو متوسط أعمارها، فكأنه تقاصر أعمار أمته، فعُوِّضت هذه الأُمة بهذه الليلة، تعمل عملًا قليلًا وتُؤجَر أجرًا عظيمًا[3].
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:4]: فالملائكة بمن فيهم الرُّوح (الذي هو جبريل عليه السلام) تنزل إلى الأرض ليلة القدر؛ لترى عبادة المؤمنين. وجاء في بعض الآثار: أنها تُسلِّم على كل عبدٍ قائمٍ يُصلِّي من مؤمنٍ أو مؤمنةٍ. وتبقى الملائكة إلى طلوع الفجر، إلى انتهاء ليلة القدر؛ ولهذا قال : سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر:5]، سَلَامٌ: فهي ليلةُ سلامٍ، سَلَامٌ: ليلةٌ آمنةٌ، يَسْلَم فيها المسلم من العذاب ومن المعاصي، فهي ليلةٌ عظيمةٌ مهيبةٌ شريفةٌ.
وقال عنها: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3]، وصفها بأنها ليلةٌ مباركةٌ؛ لكثرة بركاتها وخيرها، إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:3،4]، أي: في ليلة القدر، يُفْرَقُ أي: يُفصَل كل أمرٍ حكيمٍ، أي: ما يُقدِّره الله في السنة المقبلة من أقدار الله المُحْكَمة المُتْقَنة التي لا خلل فيها؛ وذلك أنه يُفصَل من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة ما يُقدِّره الله تعالى في السنة المقبلة إلى ليلة القدر من العام المقبل.
فيُفصَل -إذن- من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة ما سيكون في عامٍ كاملٍ؛ فمِن الناس من يُكتَب بأنه سيموت هذا العام، ومنهم مَن يُكتَب بأنه سيتزوج، ومنهم من يُكتَب بأنه سيُولَد له، ومنهم من يُكتَب بأنه سيُرزَق بكذا ونحو ذلك. فيُفصل من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة ما يُقدِّره الله تعالى في ذلك العام، وهذا معنى قوله: فِيهَا يُفْرَقُ أي: يُفصَل. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أي: يُفصَل من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة ما يُقدِّره الله في ذلك العام.
بعض الآثار في فضل ليلة القدر
والنبي كان يُعظِّم ليلة القدر، فكان إذا دخلت العشر الأواخر اعتكف في مسجده، وانقطع عن الدنيا، وتفرَّغ للعبادة؛ طلبًا لهذه الليلة الشريفة المباركة، وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه [4].
والدعاء فيها حَرِيٌّ بالإجابة، وقد رُويَت آثارٌ عن كثيرٍ من السلف أنهم دعوا الله تعالى بدعواتٍ في هذه الليالي المباركة؛ فتبيَّنوا إجابتها.
فينبغي لك -أخي المسلم- أن تجتهد في هذه الليالي المباركة، فإن فيها هذه الليلة العظيمة؛ لعلك أن تُدرِك ليلة القدر فتنال بذلك خيرًا عظيمًا، وتنال بذلك أجورًا كبيرةً، وتتعرض لنفحات الله .
وإنه لمِن الحرمان العظيم أن يُفرِّط المسلم في هذه الليالي الفاضلة المباركة، وأن يُمضي وقته في أمورٍ لا تنفع، أو في أمورٍ يُمكِن تأجيلها إلى وقتٍ آخرَ، فهذا هو وقت الجد ووقت التشمير ووقت الاجتهاد في الطاعة، ونحن في موسمٍ عظيمٍ، أفضل مواسم السنة، وأفضل ليالي السنة على الإطلاق، فينبغي أن نجتهد في هذه الليالي المباركة، وأن نُرِيَ الله تعالى من أنفسنا خيرًا.