الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واتبع سُنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
معنى الاستغفار
فالاستغفار: من "الغَفْر"، وهذه المادة (الغين والفاء والراء) تدلُّ على معنى السِّتر[1]؛ فمعنى الاستغفار: أن تطلب من الله أن يستر الذنوب وألا يعاقب عليها، فالمغفرة شيءٌ زائدٌ عن الستر، وإلا فقد يُستَر الذنب، لكن لا تَسقُط العقوبة. وعندما يستغفر المسلم ربَّه يسأل الله تعالى أن يستر عليه ذنبه، وألا يُؤاخذه بهذا الذنب؛ فهذا هو معنى الاستغفار.
والاستغفار من أسباب درء العذاب عن الأفراد وعن المجتمعات، كما قال الله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنزل الله أمانين من العذاب:
- أمانًا قُبِضَ بموت النبي ، يريد قول الله تعالى: وَأَنْتَ فِيهِمْ؛ يعني: وجود النبي عليه الصلاة والسلام بين الصحابة أمانٌ من نزول العقوبة.
- والأمان الثاني: باقٍ إلى قيام الساعة، يريد بذلك قول الله: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فالاستغفار أمانٌ من العذاب، وأمانٌ من نزول العقوبة.
فضل الاستغفار
وقد وَرَدَ الاستغفار والأمر به وفضله في آياتٍ كثيرةٍ من كتاب الله ؛ فأمر الله تعالى به في أكثر من آيةٍ: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199]، وقال عن نوحٍ : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [نوح:10]، وقال: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133].
وقد ذكر الله تعالى أن أبانا آدم تلقَّى من ربِّه كلماتٍ، لمَّا قالها تاب الله عليه، وهذه الكلمات ذكرها الله تعالى في آيةٍ أخرى: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، فاستغفر أبونا آدم وأُمنا حواء عليهما السلام من الخطيئة التي وقعا فيها؛ فغفر الله لهما.
وقال عن نوحٍ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح:28].
وقال عن صالحٍ : فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود:61].
وقال عن موسى : قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:16].
فذكر الله عن أنبيائه وأوليائه أنهم يستغفرون، وأنهم يُكْثِرون من الاستغفار، والله تعالى يُحبُّ من يستغفره، ويغفر الذنوب جلَّ وعلا، إن الله عزَّ وجلَّ يَبْسُط يده بالليل؛ ليتوب مُسِيء النهار، ويَبْسُط يده بالنهار؛ ليتوب مُسِيء الليل [2].
وكان نبيُّنا محمدٌ يُكْثِر من الاستغفار، مع أنه قد غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فيقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة [3].
أفضل أوقات الاستغفار
وأفضل أوقات الاستغفار: هو وقت السَّحَر، وقد أثنى الله على المستغفرين في هذا الوقت في موضعين في كتابه الكريم: في سورة (آل عمران) في قوله جل وعلا: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17]، وفي قوله في سورة (الذاريات): وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]؛ فتخصيص هذا الوقت بالاستغفار، مع أن الاستغفار يكون في أيِّ وقتٍ، ولكن هذا الوقت له خصوصيةٌ، فأفضل ما يكون الاستغفار في وقت السَّحَر.
ومن المعاني التي قيلت في هذا: أن هؤلاء المتقين قاموا الليل، وصلُّوا من الليل ما صلُّوا، ودَعَوا الله ، ثم ختموا هذه العبادات بالاستغفار؛ لشعورهم بالتقصير وعدم إعجابهم بعملهم، فكأنهم استقَلُّوا أعمالهم التي عملوها من صلواتٍ ودعواتٍ وذِكْرٍ، استقلوها فأصبحوا يستغفرون الله في هذا الوقت (في وقت السَّحَر)؛ فأثنى الله عليهم: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]؛ ولهذا -يا أخي الكريم- إذا قُمت وقت السَّحَر فأكثِرْ من الاستغفار، فهذا أفضلُ وقتٍ للاستغفار.
صيغ الاستغفار
وأما صيغ الاستغفار فأشهرها: "أستغفر الله وأتوب إليه"، فالأفضل أن يُقرَن الاستغفار بالتوبة، تقول: "أستغفر الله وأتوب إليه" وتُكرِّرها.
ومن ذلك: ما جاء في الحديث الصحيح عند أبي داود والترمذي: أن النبي قال: مَن قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه؛ غُفِر له، وإن كان قد فَرَّ من الزحف [4]، مع أن الفرار من الزحف من الكبائر، وهذا يدل على فضل هذا الاستغفار.
ومن ذلك أيضًا: ما علَّمه النبي أبا بكرٍ الصديق ؛ فقد جاء في "الصحيحين": أن أبا بكرٍ قال: يا رسول الله، علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظَلمتُ ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم [5]، وهذا ينبغي أن يأتي به المُصلِّي في كل صلاةٍ يُصلِّيها -فريضةً كانت أو نافلةً- قُبَيْل السلام.
وأيضًا من ذلك: سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شَرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي؛ اغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يقول عليه الصلاة والسلام: مَن قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يُمسي؛ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقنٌ بها، فمات قبل أن يُصبح؛ فهو من أهل الجنة [6]، أخرجه البخاري في "صحيحه"؛ ولهذا فهذا من أذكار الصباح والمساء.
ومن ذلك: ما ذكره ابن عُمر رضي الله عنهما، عن النبي ، قال: كنا نَعُدُّ لرسول الله في اليوم الواحد: رب اغفر لي، وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الغفور، مائة مرةٍ في المجلس الواحد [7].
فهذه من صيغ الاستغفار، فينبغي أن يحرص المسلم على الاستغفار في جميع الوقت، ويتأكد ذلك في وقت السَّحَر.
ومَن أكثَرَ من الاستغفار فالله تعالى يغفر له، الله يغفر لمَن أقبل إليه تائبًا مُستغفِرًا، ثم إن هذا الاستغفار سببٌ لرفع العقوبة والعذاب عن الإنسان، ثم إن هذا الاستغفار أيضًا يترتب عليه ما ذكره الله تعالى في سورة (نوح) : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12].