جدول المحتويات
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واتبع سُنته إلى يوم الدين .
أما بعد:
فأُهنِّئكم، وفريق العمل، وأُهنِّئ الإخوة المستمعين؛ بنعمة بلوغ هذا الشهر المبارك، وأسأل الله تعالى أن يُوفِّقنا جميعًا فيه لصالح الأعمال.
من فضائل شهر رمضان
هذا الشهر موسمٌ من مواسم التجارة مع الله بالأعمال الصالحة، موسمٌ تُرفَع فيه الدرجات، وتُضاعَف فيه الحسنات، وتُكفَّر فيه الخطايا والسيئات، وتُعتَق فيه الرقاب من النار، مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه [1].
وإذا كان من عادة أرباب الدنيا أن يجتهدوا في مواسم لهم، بُغية تحقيق أكبر قَدْرٍ من الربح؛ فكيف بالتجارة مع الله ؟ فلها مواسم، ومن هذه المواسم: هذا الموسم الذي نعيشه هذه الأيام، والذي نحن في غُرَّته، في غُرَّة شهر رمضان في هذا الموسم العظيم.
العبادة فيه أعظم أجرًا وثوابًا
والعبادة كما تتضاعف ويَعظُم أجرُها بشرف المكان؛ فهي كذلك أيضًا يَعظُم أجرُها وثوابُها بشرف الزمان، فالعبادة في رمضان ليست كالعبادة في غير رمضان، بل العبادة في رمضان أعظم أجرًا وثوابًا؛ ولهذا ينبغي للمسلم إذا دخل شهر رمضان أن تتغيَّر حاله للأحسن، وأن يجتهد في العبادات والطاعات، وأن يقتدي بالنبي الذي كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيُدارِسه القرآن، فَلَرَسُول الله أجود بالخير من الريح المُرسَلة [2].
رمضان شهر القرآن
هذا الشهر العظيم هو شهر القرآن، كما قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185].
تُفتَّح فيه أبواب الجنة وتُغلَّق أبواب النار
وهذا الشهر تُفتَّح فيه أبواب الجنة، وتُغلَّق فيه أبواب النار [3]، كما أخبر بذلك النبي ، وكما قال في حديث أبي هريرة : إذا دخل رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب جهنم، وسُلْسِلَت الشياطين [4]، وجاء في رواية عند الترمذي: ونادى منادٍ: يا باغيَ الخير أَقْبِل، ويا باغيَ الشر أَقْصِر [5].
فتُفتَّح أبواب الجنة من دخول شهر رمضان؛ ترغيبًا للعاملين في الطاعات، وتُغلَّق أبواب النار رحمةً بالمؤمنين؛ لقلة اقترافهم المعاصي في هذا الشهر، وتُصفَّد الشياطين ومَرَدَة الجنِّ، فلا يخلُصون فيه إلا ما كانوا يخلصون فيه إلى غيره.
اختصه الله بالصيام
ومن فضائل هذا الشهر: أن الله اختصَّه بفريضة الصيام، التي هي من أفضل الأعمال المُقرِّبة إلى الله تعالى، كما قال النبي : كل عملِ ابنِ آدمَ الحسنةُ عَشْرةُ أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلا الصوم؛ فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي [6]. فاختص الله تعالى بأن يجزي على عبادة الصوم جزاءً خاصًّا من عنده جلَّ وعلا، وكما يقال: "العطية بقدر مُعطيها"، والله هو أكرم الأكرمين، وهذا يدل على عظيم أجر الصيام وعظيم ثوابه عند الله سبحانه.
ولذلك لو أن مُعلِّمًا قال للطلاب: لك يا فلان عندي جائزةٌ، ولك جائزةٌ، ولك جائزةٌ، أما أنت يا فلان فلك عندي جائزةٌ خاصةٌ؛ فالذي يُفهَم أن هذه الجائزة الخاصة أفضل من جوائز بقية زملائه، هكذا أيضًا الثواب على الصيام، ثوابٌ خاصٌّ من عند الله ، فبقية الأعمال الثواب عليها: الحسنة بعَشْرِ أمثالها إلى أضعافٍ كثيرةٍ، لكن عبادة الصوم قال الله: إلا الصوم؛ فإنه لي، وأنا أجزي به [7]، أي: إن الله يُجزي عليه جزاءً خاصًّا من عنده، وهو جلَّ وعلا أكرم الأكرمين.
قال أهل العلم[8]: وإنما اختص الصوم من بين سائر الأعمال بذلك؛ لشرف هذه العبادة ومحبة الله لها، ولظهور الإخلاص فيها؛ لأن الصوم سِرٌّ بين العبد وربه لا يطلع عليه إلا الله تعالى، فإن الصائم يكون في الموضع الخالي من الناس مُتمكِّنًا من تناول ما حَرَّم الله تعالى عليه، فلا يتناوله خوفًا من الله سبحانه، يعني: على الأقل، ربما دخل دورة المياه لا يراه أحدٌ من الناس، بإمكانه أن يشرب، أو بإمكانه أن يأكل، لكنه يترك ذلك خوفًا من الله ؛ لأنه يعلم أن له ربًّا يطَّلع عليه في خَلْوَته، وقد حرَّم عليه ذلك، فيتركه لله تعالى؛ خوفًا من عقابه ورغبةً في ثوابه، فيكون الصيام أقرب إلى الإخلاص من سائر الأعمال.
ثم إن الصيام فيه صبرٌ على ألم الجوع والعطش، وفيه صبرٌ على طاعة الله تعالى، وصبرٌ عن المعصية؛ فتجتمع فيه أنواع الصبر الثلاثة، والله تعالى يقول: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].
تُغفَر فيه الذنوب وتُضاعَف فيه الأجور
ومن فضائل هذا الشهر المبارك:
- أن مَن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه[9].
- وأن العمرة فيه لها مَزِيَّةٌ ولها خصوصيةٌ، فقد أخبر النبي بأن العمرة في رمضان ثوابُها ثوابُ حَجٍّ، كما قال: عمرةٌ في رمضان تَقْضِي حَجَّةً، أو قال: حجةً معي [10]، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
- وأيضًا من فطَّر فيه صائمًا؛ كان له مثل أجره[11].
- وأيضًا هذا الصوم فيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألفِ شهرٍ: وهي ليلة القدر[12].
- وتُضاعَف فيه الأجور والحسنات.
ولذلك ينبغي للمسلم أن يجتهد في أيام هذا الشهر ولياليه، وأن يُرِيَ الله تعالى من نفسه خيرًا؛ فإن العمر قصيرٌ، والإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، ربما يكون آخر رمضان يصومه مع المسلمين. فعلى المسلم أن يغتنم هذا الموسم، وأن يجتهد غاية الاجتهاد فيه بالطاعات، يحافظ أولًا على الفرائض وعلى الواجبات، ثم يستكثر من النوافل، فهذا الشهر فرصةٌ عظيمةٌ للتزود بزاد التقوى، وفرصةٌ عظيمةٌ للتوبة إلى الله والإنابة إليه جلَّ وعلا.
وهو أيامٌ معدوداتٌ، سُرْعانَ ما ينقضي؛ ولذلك وصفه ربنا بقوله: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184]، وإذا كان أيامًا معدوداتٍ فسُرْعانَ ما تنقضي أيامه ولياليه، فعلى المسلم أن يغتنم هذه الأيام والليالي فيما ينفعه بعد مماته، وفيما يُقرِّبه إلى الله .
^1 | رواه البخاري: 2014، ومسلم: 760. |
---|---|
^2 | رواه البخاري: 6، ومسلم: 2308. |
^3 | رواه النسائي: 2103، وأحمد: 13474. |
^4 | رواه البخاري: 3277، ومسلم: 1079. |
^5 | رواه الترمذي: 689، وابن ماجه: 1642. |
^6 | رواه البخاري: 7492، ومسلم: 1151. |
^7 | سبق تخريجه. |
^8 | يُنظر: تفسير الماوردي: (1/ 235). |
^9 | رواه البخاري: 37، 38، ومسلم: 759، 760. |
^10 | رواه البخاري: 1863، ومسلم: 1256. |
^11 | رواه الترمذي: 807. |
^12 | لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: 3]. |