الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واتبع سُنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيقول الله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:4]، فهؤلاء المؤمنون الذين ذكرهم الله بهذه الأوصاف المذكورة في الآية، ومنها: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا.
وقوله جلَّ وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ، (إنما): أداةُ حصرٍ، والمقصود بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ يعني: كاملي الإيمان، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: خافت، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا هذه سنتوقَّف عندها.
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: إن عندهم قوةَ توكُّلٍ على الله . وذَكَرَ الله تعالى أيضًا لهم وصفين آخرين: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الأنفال:3]، ثم قال سبحانه: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:4].
من صفات المؤمنين الكُمَّل: التأثر بالقرآن الكريم
وقوله: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]، هذه الصفة من أوصاف المؤمنين الكُمَّل: أنهم يتأثرون بالقرآن الكريم، يتأثرون بتلاوته والاستماع إليه؛ فإذا تُليت عليهم آيات القرآن تأثَّروا بها وازداد إيمانهم، ومن باب أَوْلى: أنهم إذا قرأوا هذه الآيات بأنفسهم زادتهم إيمانًا. وهذا يدل على أن الارتباط بالقرآن الكريم من أعظم أسباب زيادة الإيمان، سواءٌ أكان ذلك بالاستماع إليه، أو بتلاوته لكن مع التدبر، في الحالتين جميعًا: في حال الاستماع، وفي حال التلاوة.
فتدبُّر القرآن يزيد به الإيمان، والإيمان عند أهل السنة والجماعة يزيد وينقص: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ فهو ليس ثابتًا، وإنما يزيد وينقص، هذا معتقد أهل السنة والجماعة. ومن أعظم أسباب زيادة هذا الإيمان ما ذكره ربنا سبحانه في هذه الآية: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا؛ ولهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على تدبُّر القرآن، وأن يجعل هذا منهجًا له في الحياة، فإن هذا من أعظم أسباب الثبات، بل من أعظم أسباب زيادة الإيمان؛ لماذا؟ لماذا كان الارتباط بالقرآن الكريم من أسباب زيادة الإيمان ومن أسباب الثبات؟
الجواب ظاهرٌ: وهو أن هذا القرآن الكريم هو كلامُ ربِّنا ، ومؤثِّرٌ جدًّا على الإنسان إذا تدبَّر آياته؛ ففيه نبأ ما قبلنا، وفيه خبر ما بعدنا، وفيه حُكم ما بيننا، وفيه ذِكْر القَصص السابقة، وفيه ذِكْر قَصصٍ لأُناسٍ قصَّ الله تعالى علينا أحوالهم، كقَصص الأولياء كما في سورة (الكهف)، وقَصص بعض الملوك كما في سورة (الكهف) أيضًا: في قصة ذي القرنين، وقصة الجنتين. وكذلك في قصة يوسف وقصة موسى عليهما السلام، وقَصص كثيرة في كتاب الله .
كذلك أيضًا القرآن الكريم فيه ذِكْرُ مبدأ خلق الإنسان: كيف خلق الله الإنسان، وكيف أن الشيطان قد كادَ هذا الإنسان، وبيان عداوة الشيطان للإنسان.
وهذا القرآن الكريم فيه ذِكْرُ أولي العزم من الرسل، والأنبياء والرسل ودعواتهم لأقوامهم وما لاقوا من أذى أقوامهم، وكيف كانت العاقبة لهؤلاء الرسل ولأتباعهم.
وهذا القرآن فيه ذِكْرُ أحوال الآخرة، وهذا له حضورٌ كبيرٌ جدًّا في آيات القرآن الكريم، حتى إن معظم سور القرآن الكريم لا تخلو من ذِكْرِ اليوم الآخر، وهناك سوَرٌ مُخصَّصةٌ لهذا، وسُمِّيت بأسماء اليوم الآخر؛ مثل: سورة (القيامة)، وسورة (القارعة)، وسورة (الحاقة)، فعندما يتأمَّل المسلم ذلك، يتأمَّل ويتدبَّر هذه الآيات؛ فإن هذا من أعظم أسباب الثبات، ومن أعظم أسباب زيادة الإيمان، لكن ينبغي أن يكون ذلك بتدبُّرٍ.
وبعض الناس ربما يقول: أنا تَخْفى عليَّ معاني بعض الآيات، وأقول: إن معظم آيات القرآن الكريم يفهمها جميع الناس، يعني الآيات المتعلقة بأحوال الآخرة: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [القارعة:6-7]، الناس كلهم يفهمون هذا الكلام، ويفهمون هذا المعنى والموت وما ذكره الله تعالى عن الموت، فأكثر آيات القرآن الكريم واضحٌ معناها، لكن تحتاج من الإنسان أن يتأمَّل وأن يتدبَّر هذه المعاني.
أوجه التفسير
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: التفسير على أربعة أوجهٍ[1]:
- وجهٌ تعرفه العرب من كلامها.
- وتفسيرٌ لا يُعذَر أحد بجهالته.
- وتفسيرٌ يعلمه العلماء.
- وتفسيرٌ لا يعلمه إلا الله تعالى.
وأكثر ما في القرآن الكريم: هو التفسير الذي لا يُعذَر أحدٌ بجهالته، وهناك بعض الآيات التي تعرفها العرب بكلامها ويذكرها المُفسِّرون، وهناك تفسيرٌ يختص بعلمه العلماء، وهناك التفسير الذي لا يعلمه إلا الله ، والذي لا يستطيع الإنسان أن يصل إليه؛ مثل: ما يتعلق بكيفية صفات الله مثلًا، أو مثلًا بالروح؛ ولذلك الروح لما سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عنها، أنزل الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، وأيضًا كثيرٌ من مسائل القضاء والقَدَر، ونحو ذلك.
فأقول: أكثر ما في القرآن الكريم هو من قسم التفسير الذي لا يُعذَر بجهالته، لكن المطلوب من المسلم أن يتدبَّر هذه الآيات، وأن يتأمَّل معانيها وأن يتفهمها، ويُكرِّر معنى الآية مُتأمِّلًا ومُتدبِّرًا في قراءة هذه الآيات، وسيجد بهذا التأمل والتدبر أثرًا عظيمًا على زيادة إيمانه، وعلى قوة علاقته بربه .
وإذا كان للمسلم وِرْدٌ قرآنيٌّ يقرؤه كل يومٍ، وكان هذا الوِرْدُ مصحوبًا بالتأمل والتدبر؛ فسيشعر هذا المُتدبِّر لكتاب الله مع مرور الوقت بزيادة وقوة إيمانه، إذا كان الله تعالى يقول في هذه الآية: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]، فكذلك أيضًا الذي يتلو القرآن مُتدبِّرًا يزيد إيمانه بهذه التلاوة.
^1 | تفسير الطبري: (1/ 70). |
---|