الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واتبع سُنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فضائل صلاة الضحى
فصلاة الضحى سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، ولها فضائلُ عظيمةٌ، ومن ذلك: ما أشار إليه النبي ، في الحديث الذي أخرجه مسلمٌ في "صحيحه"، في قوله عليه الصلاة والسلام: يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ؛ فكل تسبيحةٍ صدقةٌ، وكل تحميدةٍ صدقةٌ، وكل تهليلةٍ صدقةٌ، وكل تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويُجزئ من ذلك ركعتان يَركَعُهما من الضحى [1]. ففي هذا الحديث، بيَّنَ عليه الصلاة والسلام: أنه يُصبح على كل سُلامَى -والمقصود بالسُّلامى: أيُّ مِفْصَلٍ من مَفاصِل الإنسان- يُصبح عليه كلما أصبحَ صدقةٌ.
ومفاصل الإنسان، كما جاء في الرواية الأخرى، ثلاثُمائةٍ وستون مِفْصَلًا؛ أي: إن الإنسان مطلوبٌ منه كل يومٍ ثلاثُمائةٍ وستون صدقةً؛ شكرًا لله على نعمة سلامة مَفاصِله؛ ولهذا ذكر النبي أنواعًا من الصدقات، وبيَّنَ أنها لا تنحصر في صدقة المال، فقال: كل تسبيحةٍ صدقةٌ، هذا نوعٌ من الصدقات، وكل تحميدةٍ صدقةٌ، وكل تهليلةٍ صدقةٌ، وكل تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ.
ثم ذكر عليه الصلاة والسلام أن هناك عملًا صالحًا يُجزئ عن الثلاثمائة والستين صدقةً، فقال: ويُجزئ من ذلك، يعني: من الثلاثمائة والستين صدقةً المطلوبة من الإنسان كل يومٍ، ركعتان يركعهما من الضحى، وهذا يدل على فضل ركعتَي الضحى، وأنها تُجزئ عن ثلاثمائةٍ وستين صدقةً.
وأيضًا جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي بسندٍ جيدٍ: أن النبي قال: قال الله تعالى: ابن آدمَ، اركعْ لي أربعَ ركعاتٍ من أول النهار؛ أكفِكَ آخرَه [2]. والمقصود بالركعات الأربع عند بعض أهل العلم: صلاة الضحى، وقال آخرون: إن المقصود بها صلاة الفجر وسُنَّة الفجر.
وجاء في حديث أبي هريرةَ ، الذي أخرجه البخاري ومسلم، قال: أوصاني خليلي بثلاثٍ، وذكر منها ركعتَي الضحى [3]. ووَرَدَ مثلُ ذلك أيضًا عن أبي ذَرٍّ [4].
وأخبر عليه الصلاة والسلام أن صلاةَ الضحى صلاةُ الأوَّابين، لكن لِمَنْ أتى بها في أفضل أوقاتها، وهو آخر وقتها، فقال عليه الصلاة والسلام: صلاة الأوَّابين حين تَرْمَضُ الفِصال [5]، يعني: حتى تشتدُّ الرَّمْضاء على الفِصال، وهي أولاد الإبل، وذلك إنما يكون في آخر وقتها؛ في آخر وقت صلاة الضحى.
وكان عليه الصلاة والسلام يُصلِّيها أحيانًا، كما قالت عائشة رضي الله عنها : "كان النبي يُصلِّي من الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله" [6].
وكان أحيانًا يُصلِّيها وأحيانًا لا يُصلِّيها؛ لانشغاله عليه الصلاة والسلام بمصالحَ أرجح؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان أحيانًا يحُثُّ على الشيء ولا يفعله؛ لانشغاله بمصالحَ أرجح.
هذه الأحاديث، وما جاء في معناها، تدلُّ على فضل صلاة الضحى.
عدد ركعات صلاة الضحى
وأقلُّها ركعتان، ولا حَدَّ لأكثرها، إن شئتَ صَلِّ أربعًا أو ستًّا أو ثمانيًا، لكن مَثْنَى مَثْنَى؛ ولهذا كما في حديث عائشة رضي الله عنها السابق: "كان النبي يُصلِّي من الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله" [7]، لكن أدناها ركعتان: ركعتان يَركَعُهما من الضحى [8].
حكم المحافظة على صلاة الضحى
وهل تُستحبُّ المحافظة عليها أم تُترَك أحيانًا؟
هذا محلُّ خلافٍ بين أهل العلم، والقول الراجح: أنه تُستحبُّ المحافظة عليها؛ لحديث أبي هريرةَ السابق: يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ [9]، فإنَّ قوله: يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ يدلُّ على أنه تُستحبُّ المحافظة عليها؛ لأن هذه الثلاثمائة والستين صدقةً مطلوبةٌ من المسلم كل يومٍ، فإذا أتى بركعتَي الضحى أَغْنَتْه عن هذه الثلاثمائة والستين. وهذا أخرجه مسلمٌ في "صحيحه"، وهو كالصريح في هذه المسألة، وهذا يدلُّ على استحباب المحافظة على ركعتَي الضحى.
وأما ما استدلَّ به القائلون بأنه يُستحبُّ تركها أحيانًا، من أن النبي كان لا يُصلِّيها أحيانًا؛ فيُجاب عن ذلك: بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يترك بعض الفضائل لانشغاله بمصالحَ أرجح؛ فمثلًا: أخبر بأن أعلى درجات صيام النافلة صيامُ داود ، فقال: أفضلُ الصيامِ صيامُ داود، كان يصوم يومًا، ويُفْطِر يومًا [10]، لكن نعلم أنَّ مِن هَدْي النبي أنه لم يكن يصوم يومًا ويُفْطِر يومًا، وإنما كما قالت عائشة رضي الله عنها: "يصوم حتى يقول القائل لا يُفْطِر، ويُفْطِر حتى يقول القائل لا يصوم" [11].
فقد يحثُّ النبي على الشيء ولا يفعله؛ لأنه ينشغل بأمورٍ ومصالحَ أرجح، فإنه عليه الصلاة والسلام هو النبي والرسول، وهو القائد للأمة، وهو الموجِّه وهو المُرشِد، وهو المفتي، فيقوم بأعمالٍ عظيمةٍ، فأحيانًا ينشغل بأمورٍ عن أمورٍ، ينشغل بما مصلحتُه أرجح؛ ولذلك تجد عند الأصوليين أن دلالةَ القول أقوى وأصرحُ من دلالة الفعل.
وقت صلاة الضحى
ويبتدئ وقت صلاة الضحى من بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيْدَ رُمحٍ، يعني: من بعد طلوع الشمس بنحو رُبع ساعةٍ. والآن الناس في المدن وفي البيوت ربما لا يتمكنون من معرفة الوقت بدقةٍ، لكن يمكن أن يعتمدوا على التقاويم، فالتقاويم الآن موجودةٌ، مطبوعةٌ، وفي الأوراق، وموجودة في الساعات وفي الجوالات، وفي غيرها. فتنظُر للشروق، وتُضيف إليه خمس عشرة دقيقةً؛ فيبتدئ وقت صلاة الضحى بذلك.
فعلى سبيل المثال: وقت الشروق اليوم في مدينة الرياض: السادسة وتسع دقائق، فتُضيف لهذا خمس عشرة دقيقةً، فإذا أضفت لها خمس عشرة دقيقةً؛ تكون السادسة وأربعًا وعشرين دقيقةً، هنا ينتهي وقت النهي، ويبدأ وقت صلاة الضحى، وأيضًا وقت صلاة العيد، والاستسقاء، فهذه كلها تبدأ بانتهاء وقت النهي.
فهذه هي القاعدة: أنك تأخذ وقت الشروق المدوَّن في التقاويم، وتُضيف إليه رُبع ساعةٍ؛ فبذلك يخرج وقت النهي، ويبتدئ وقت صلاة الضحى.
ويمتد إلى قُبيل الزوال إلى حين وقت النهي، وذلك حين يقوم قائم الظهيرة، فإنه قُبيل الزوال، يعني: قُبيل أذان الظهر، أو الوقت الذي تدخل به صلاة الظهر، هناك وقتُ نهيٍ: وهو حين يقوم قائم الظهيرة، عندما تكون الشمس في كبد السماء، ويسبق وقت أذان الظهر بعشر دقائق تقريبًا، يعني: يسبق الزوال بنحو عشر دقائق، فإذا بقي على وقت أذان الظهر نحو عشر دقائق؛ فهذا وقتُ نهيٍ لا تُصلَّى فيه صلاة الضحى.
لكنَّ أفضل أوقات صلاة الضحى: آخرُه، يعني: تقريبًا قبل أذان الظهر بنحو نصف ساعةٍ، هذا هو أفضل وقتٍ لصلاة الضحى؛ لقول النبي : صلاة الأوَّابين حين تَرْمَضُ الفِصال [12]، يعني: حين تشتدُّ الرمضاء، وذلك في آخر وقت صلاة الضحى.
فهذه النافلة وهذه السُّنَّة ينبغي أن يحرص عليها المسلم والمسلمة، وألا يُفرِّط فيها، ركعتان تُصلِّيهما؛ كم تأخذ منك من الجهد ومن الوقت؟! ربما لا تستغرق منك دقيقتين، ولا تستغرق منك جهدًا كبيرًا، وتنال بها أجورًا عظيمةً، يكفي أنها تُغني عن ثلاثمائة وستين صدقةً، وهذا يدل على الفضل العظيم لهذه الصلاة.
وأيضًا المحافظة والاستمرار عليها، فالقليل مع القليل يكون كثيرًا؛ فلو أنك -مثلًا- حافظت على ركعتَي الضحى تُصلِّيها كل يومٍ؛ فمعنى ذلك: أنك صلَّيت مع نهاية العام أكثر من سبعمائة ركعةٍ، أكثر من سبعمائة ركعةٍ، إذا كنت ستُصلِّيها كل يومٍ، ستُصلِّي ركعتَي الضحى كل يومٍ، فمعنى ذلك: أنك تكون قد صلَّيت أكثر من سبعمائة ركعةٍ، وعندما يسمع الإنسان هذا الرقم: سبعمائة ركعةٍ! كيف يُصلِّي سبعمائة ركعةٍ؟! هذا عددٌ كثيرٌ! نقول: يكفي أنك تُحافظ كل يومٍ على ركعتَي الضحى، لا تأخذ منك دقيقتين، وتكون مع نهاية السنة صلَّيت أكثر من سبعمائة ركعةٍ.
وهذا من فوائد المحافظة والمداومة على العمل الصالح: أن القليل مع القليل يكون كثيرًا؛ ولهذا كان أَحبُّ العمل إلى الله تعالى أدومَه، وإنْ قَلَّ.
أسئلة
س: بارك الله فيكم، ماذا عن صلاة الضحى إذا كان الشخص مسافرًا يا فضيلة الشيخ؟
ج: إذا كان مسافرًا، فإن تيسَّر له أن يُصلِّي صلاة الضحى؛ فهو الأفضل؛ لأن صلاة الضحى ليست من السُّنَن الرواتب التي يُستحبُّ تركها في السفر. السُّنَن التي يُستحبُّ تركها في السفر: هي السُّنَن الرواتب، ما عدا سُنَّة الفجر. أما السُّنَن غير الرواتب مثل: صلاة الضحى، وأيضًا صلاة الليل، وصلاة الوتر، ومثل الأربع ركعاتٍ التي قبل العصر رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا [13]؛ فهذه السُّنَن غير الرواتب يُستحبُّ الإتيان بها في السفر، لا بأس أن يأتي بها المسلم في السفر.
لكن مع ذلك لو انشغل بالسفر، ما تيسَّر له أن يُصلِّي صلاة الضحى في السفر، وكان من عادته أنه يُحافظ عليها في الحَضَر؛ فيُكتب له الأجر كاملًا؛ لقول النبي : إذا مَرِض العبد أو سافر؛ كُتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا [14].
س: أيضًا لو انشغل مثلًا أو نسيها في يومٍ من الأيام، فهل يقضيها مثلًا بعد صلاة الظهر؟
ج: صلاة الضحى مؤقَّتةٌ بوقتٍ مُعيَّنٍ، فهي مؤقَّتةٌ بوقت الضحى؛ ولذلك فالأرجح من أقوال أهل العلم: أنها إذا فات وقتُها فقد فاتت ولا تُقضَى؛ لأنها يُشرَع قضاؤها في هذا الوقت المُحدَّد: وهو الضحى [15].
^1 | رواه مسلم: 720. |
---|---|
^2 | رواه الترمذي: 475. |
^3 | رواه البخاري: 1178، ومسلم: 721. |
^4 | رواه النسائي: 2404، وأحمد: 21518. |
^5 | رواه مسلم: 748. |
^6 | رواه مسلم: 719. |
^7, ^8, ^9, ^12 | سبق تخريجه. |
^10 | رواه البخاري: 1978، ومسلم: 1159. |
^11 | رواه البخاري: 1971، ومسلم: 1157. |
^13 | رواه أبو داود: 1271، والترمذي: 430، وأحمد: 5980. |
^14 | رواه البخاري: 2996. |
^15 | يُنظر: مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين: (14/ 305). |