الرئيسية/دروس علمية/فقه المعاملات المالية المعاصرة (1426هـ)/(4) فقه المعاملات المالية المعاصرة- بيع التقسيط والعينة
|

(4) فقه المعاملات المالية المعاصرة- بيع التقسيط والعينة

مشاهدة من الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهديه، واتَّبع سُنته إلى يوم الدين.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.

مراجع النوازل المعاصرة

قبل أن أبدأ هذا الدرس أُشير إلى أن بعض الإخوة من خلال الأسئلة التي وردتْ يسألون عن المراجع لمادة هذا الدرس.

في الحقيقة ليس هناك مرجعٌ أو مراجع مُحددةٌ يمكن الإحالة عليها، بل مادة كل درسٍ لها مراجع تختلف عن الدرس الآخر، ولكن أفضل المراجع لهذا الدرس هي الرسائل العلمية: رسائل (الماجستير) و(الدكتوراه)، فقد بحثتْ جزئيات هذه الموضوعات.

يعني مثلًا: البيع بالتقسيط فيه رسالةٌ، والتأجير المُنتهي بالتمليك فيه رسالةٌ، والشركات المساهمة فيها رسالةٌ … إلخ.

وأنتم تعرفون أن الرسائل العلمية تُبذل فيها جهودٌ كبيرةٌ، مثلًا: رسالة (الدكتوراه) يبقى الباحث فيها أربع سنواتٍ على الأقل، أربع سنواتٍ من عمره يُمضيها في الرسالة تحت إشرافٍ علميٍّ أيضًا، ثم يتم تقييمها علميًّا من قِبَل آخرين، ثم مناقشتها، وذلك يُعطيها قوةً.

فهذه الرسائل العلمية هي أفضل الكتابات في مادة هذا الموضوع، وكذلك بحوث المجامع الفقهية، فإن المجمع الفقهي عندما يبحث مسألةً يستكتب بعض الباحثين، ويستعين ويستأنس بآراء بعض الخبراء، ثم تتم مناقشة ذلك الموضوع، ثم يصدر القرار فيه.

أمرٌ آخر طرحه بعض الإخوة فقال: لو وُزع منهجٌ، أو مادة هذا الدرس. ولكن يصعب مثل هذا؛ لما ذكرتُ من تشتت وتفرق مادة هذا الدرس، ولكن هذه المادة محفوظةٌ على موقع البث الإسلامي.

وأقول -وأطرحها كفكرةٍ-: لو أمكن أن يقوم بعض الإخوة -خاصةً مَن كانت عنده همةٌ ونشاطٌ- بتفريغ هذه المادة، ثم بعد ذلك تُعرض علينا، ثم تُنشر على شكل كتابٍ، فيكون هذا نافعًا، ويكون من ثمرات هذه الدورة المباركة، إن شاء الله تعالى.

بيع التقسيط

اليوم سيكون درسنا عن أحكام بيوع التقسيط، ونتناول كذلك بيع المُرابحة للآمر بالشراء، وهي من صور بيع التقسيط، والتَّورق، فنتكلم عن التَّورق عند الفقهاء، والتَّورق الموجود في المصارف، وحكمه الشرعي.

وهذه المسائل من المسائل التي يكثر السؤال عنها، وترد فيها أسئلةٌ كثيرةٌ، بل لا أُبالغ إن قلتُ: إنه في بعض الأيام ترد عشرات الأسئلة حول هذا الموضوع؛ ولذلك نريد في هذا الدرس تجلية مسائله بوضوحٍ، وبيان آراء العلماء المعاصرين فيه.

حكم التقسيط المباشر

نقول: بيع التقسيط له صورٌ، وأبرز صوره: التقسيط المباشر، وصورة التقسيط المباشر: أن يبيع رجلٌ بضاعةً أو سلعةً من السلع بثمنٍ مُؤجلٍ، أو بأقساطٍ معلومةٍ، ويزيد في قيمة البضاعة مقابل الأجل.

مثال ذلك: سيارةٌ قيمتها نقدًا خمسون ألف ريالٍ، وأراد رجلٌ أن يشتريها بالتقسيط لمدة سنةٍ بستين ألفًا، يعني: قيمتها نقدًا معروضةٌ في معرض السيارات بخمسين ألفًا، فقال: والله أنا ما عندي خمسون ألفًا الآن، فأنا أشتريها منك بالتقسيط بستين ألفًا إلى سنةٍ، فما حكم هذا البيع؟

هنا زِيد في قيمة السيارة مقابل الأجل، وهكذا سائر السلع: قيمة السلعة في شيءٍ معينٍ، ثم يُزاد في قيمة السلعة مقابل زيادة الأجل، فما الحكم في هذا البيع؟ وما حكم هذه الزيادة مقابل زيادة الأجل؟

أقول: أكثر العلماء على أن هذا البيع لا بأس به، وأنه بيعٌ صحيحٌ، بل قد حُكي الإجماع على جوازه، وممن حكى الإجماع على جوازه: الحافظ ابن حجر رحمه الله في “الفتح”، فقد حكى الإجماع على جوازه.

ورُوي عن قلةٍ من العلماء أنهم منعوه، قالوا: إنه لا يجوز. ومنهم بعض الظاهرية، ومن المعاصرين اشتهر هذا الرأي عن الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني رحمه الله، وأصبح يُفتي به عامة تلامذته.

وقد قيل: إن القول الثاني قولٌ شاذٌّ؛ لأنه مُخالفٌ للإجماع.

ولكن على كل حالٍ يبقى قولًا يُطرح، ويُفتى به، خاصةً بعد تبني الشيخ الألباني رحمه الله له.

والصحيح في هذه المسألة: ما عليه جماهير العلماء قديمًا وحديثًا بجواز هذا البيع من غير كراهةٍ.

والأدلة على جوازه كثيرةٌ: منها قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، ولم يشترط الله تعالى أن تكون المُداينة بسعر الوقت الحاضر، ومعلومٌ أن الدَّين تصحبه زيادةٌ في الثمن.

ويدل لذلك أيضًا: ما جاء في الصحيحين عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: “قدم النبي المدينة والناس يُسلفون في الثمر السنة والسنتين”، وجاء في روايةٍ: “والثلاث”، فقال النبي : مَن أسلف في شيءٍ، فليُسلف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ [1]، ولم يشترط النبي أن يكون ذلك بسعر الوقت الحاضر.

ويدل لهذا أيضًا: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله أمره أن يُجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يشتري البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة إلى إبل الصدقة [2].

فهنا زِيدَ في قيمة السلعة مقابل الأجل: “البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة”، لكن بثمنٍ مُؤجلٍ: “إلى إبل الصدقة”.

ويدل لهذا أيضًا: ما جاء في الصحيحين في قصة بريرة رضي الله عنها، حيث اشترتْ نفسها من أسيادها بتسع أواقٍ، في كل عامٍ أوقيةٌ [3]، وهذا نوعٌ من بيع التقسيط، ولم يُنكر النبي هذا على بريرة رضي الله عنها، بل أقرَّه.

وأيضًا يدل لهذا: ما جاء في “صحيح البخاري” عن عائشة رضي الله عنها: “أن النبي اشترى طعامًا من يهوديٍّ إلى أجلٍ، فرهنه درعه” [4].

ومعلومٌ أن اليهودي لا يمكن أن يبيع الطعام إلى أجلٍ بثمنه في وقته الحاضر؛ لأن اليهود أهل شُحٍّ وطمعٍ، فلا يمكن لهذا اليهودي أن يبيع الشعير إلى أجلٍ بثمنه الحاضر؛ ولأن أمور التجارة لا تستقيم إلا على هذا، فإن سعر السلعة إذا بِيعتْ نقدًا يختلف عن سعرها إذا بِيعتْ مُؤجلًا عند عامة العقلاء، وفي إباحة زيادة قيمة السلعة مقابل الأجل مصلحةٌ للطرفين: للبائع والمُشتري؛ أما البائع فإنه ينتفع بالربح، وأما المُشتري فإنه ينتفع بالإمهال والتيسير.

ثم إنه ليس كل أحدٍ يستطيع أن يشتري حوائجه نقدًا، فلو مُنعتْ هذه الزيادة في المُداينة لكان في ذلك حرجٌ عظيمٌ على كثيرٍ من الناس، خاصةً أن الأصل في هذا الباب هو الحِلُّ والإباحة، والشريعة الإسلامية قد أتتْ بتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المضارّ وتعطيلها.

فكما ترون الأدلة كثيرةٌ، وأما مَن منعوا فليست عندهم حُجةٌ في الحقيقة، ليس لهم دليلٌ إلا قياس هذه المسألة على زيادة الدَّين مقابل زيادة الأجل، وهذا قياسٌ مع الفارق؛ لأن زيادة الدَّين مقابل زيادة الأجل هي زيادةٌ في الدَّين، أما هنا فالزيادة في قيمة السلعة مقابل زيادة الأجل، فهنا الزيادة في ثمن السلعة مقابل زيادة الأجل، أما الدَّين فإنه زيادةٌ في دَينٍ مقابل الأجل الذي هو أساس الربا في الحقيقة، فأساس الربا هو زيادة الدَّين مقابل زيادة الأجل، أما هنا فليس فيه دَينٌ، وإنما فيه ترتيب ثمنٍ، يقول: لا أبيعك هذه السلعة إلا بكذا.

نعم، لو أنه قال: لا أبيعك هذه السلعة إلا بكذا، ثم لما حلَّ موعد السداد زاد في الثمن مقابل زيادة الأجل، زاد في القيمة مقابل زيادة الأجل؛ نعم تكون هذه من الربا، لكن إذا وضع الثمن، واتَّفقا عليه من البداية؛ فلا بأس به، وإن كان أكثر من ثمنه في الوقت الحاضر، فهذا القياس إذن قياسٌ مع الفارق.

ولهذا -كما قلتُ- يعتبر بعض العلماء هذا القول بالمنع أنه قولٌ شاذٌّ.

فالصواب إذن -وهو الذي يُفتي به عامة مشايخنا: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين، وعامة العلماء- هو القول بالجواز في هذه الحال، وأنه لا بأس بزيادة قيمة السلعة مقابل الأجل.

لكن هذا -كما ذكرتُ- عند إنشاء العقد، يعني: في البداية.

إذن هذه الصورة تقسيطٌ مباشرٌ، نقول: إنها جائزةٌ، ولا بأس بها، والحمد لله.

نحن وعدنا بأن نذكر مُعادلة حساب صرف الأوراق النقدية، لكن بعدما ننتهي -إن شاء الله- من الدرس، تكون في الأخير.

نصيحةٌ لتجار التقسيط

نقول بعد هذا: مَن يبيع بالتقسيط ينبغي ألا يستغلَّ حاجات إخوانه المسلمين فيزيد عليهم بالربح زيادةً فاحشةً، فإن هذا مكروهٌ، وقد جاء في “سنن أبي داود” عن عليٍّ  قال: “نهى النبي عن بيع المُضطر” [5]، وهذا الحديث في سنده ضعفٌ، ولكن الأصول والقواعد الشرعية تُؤيده؛ إذ إن استغلال الإنسان حاجات إخوانه المسلمين، ومُبالغته في أخذ الربح مُبالغةً فاحشةً فوق المعتاد فيه إضرارٌ بإخوانه المسلمين، وفيه شيءٌ من الطمع والهلع، وربما تُمحق بركة ذلك البيع بسبب هذه الزيادة المُبالغ فيها، والتي يحصل فيها الاستغلال لإخوانه المسلمين، وقد قال النبي : إن هذا المال خضرٌ حلوٌ، فمَن أخذه بسخاوة نفسٍ بُورك له فيه، ومَن أخذه بإشراف نفسٍ يعني: بتعلقٍ وطمعٍ لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع [6]، يعني: انظر كيف أن الإنسان إذا أخذ المال بسخاوة نفسٍ، من غير تعلقٍ، ومن غير طمعٍ، ومن غير شُحٍّ؛ يُبارك له فيه، أما إذا أخذه بإشراف نفسٍ وتعلقٍ وطمعٍ؛ فإنه تُنزع البركة من هذا المال، ويُصبح كالذي يأكل ولا يشبع.

ثم أيضًا ينبغي لمَن يبيع بالتقسيط أن يجعل الربح مقطوعًا، فيقول -مثلًا-: أبيعك هذه السيارة بخمسين ألفًا، وربحٍ خمسة آلافٍ، أو وربحٍ عشرة آلافٍ. هذا هو الأحسن والأفضل، ولا يقل: أبيعك هذه السيارة على أن أربح في كل عشرة آلافٍ ألفًا. أو يقل: أبيعك هذه السيارة بنسبة ربحٍ 8% مثلًا، فإن هذا قد ورد عن بعض السلف كراهته، وإن كان ليس مُحرمًا، لكنه مكروهٌ.

ولهذا قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “والمُرابحة أن يبيعه بربحٍ، فيقول: رأس مالي فيه مئةٌ … وربح عشرةٍ”، فهذا جائزٌ، ولا خلاف في صحته، ولا نعلم أحدًا كرهه.

قال: “وإن قال: على أن أربح في كل عشرةٍ درهمًا، فقد كرهه أحمد، ورُويت فيه الكراهة لابن عمر وابن عباسٍ رضي الله عنهما، ولا يُعلم لهما في الصحابة مُخالفٌ، وكذلك كرهه الحسن، ومسروقٌ، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء بن يسار”.

ووجه الكراهة في هذه الحال هو: شبهه ببيع دراهم بدراهم، يعني: شبهه بمسألة الربا، قال الإمام أحمد: “كأنه دراهم بدراهم”.

يعني: بعض السلف كرهوا أن تكون الزيادة بهذا الوصف، فيقول: أبيعك على أن أربح في كل عشرةٍ ألفًا، أو يقول: أبيعك -كما هو عليه الآن- والربح بنسبة 8%، أو بنسبة 10%، أو بنسبة 5%، كره هذا بعض السلف؛ لأن هذا الوصف شبيهٌ بالربا، والأحسن أن يجعل الربح مقطوعًا، وإن كان مُؤدَّى الأمرين واحدًا في الحقيقة.

لو قال: أبيعك على أن أربح عشرة آلافٍ -مثلًا- في سيارةٍ قيمتها مئة ألفٍ. قال: على أن يكون الربح عشرة آلافٍ. أو قال: 10%. المُؤدَّى واحدٌ، ولكن بعض السلف كره عبارة: أن أربح في كل عشرةٍ ألفًا، أو عبارة: أن يكون بالنسبة، وقالوا: الأفضل أن يجعل الربح مقطوعًا، ولكن لو فعل هذا فإنه لا يأثم، فالمسألة لا تعدو أن تكون مجرد كراهةٍ فقط، ولا يُعلم أن أحدًا قال بالتحريم، وإنما المسألة فقط مجرد كراهةٍ.

ولهذا قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله: “اتَّفقوا على أن ربح المُرابحة صحيحٌ، وهو أن يقول: أبيعك والربح في كل عشرةٍ درهمٌ، وكرهه أحمد؛ لشبهه ببيع العشرة بأحد عشر، لا أنه منه حقيقةً، وإلا حرم”.

هذه إذن صورة التقسيط المباشر، وظاهرٌ من هذا أنها بين طرفين فقط، لكن ما الحكم فيما إذا طلب شخصٌ من آخر، أو من مصرفٍ، أو من مؤسسةٍ، أو شركةٍ أن يشتروا له سلعةً معينةً، ثم يشتريها منهم بالتقسيط؟

بيع المُرابحة للآمر بالشراء

هذه المسألة يُسميها بعض المعاصرين بالمُرابحة للآمر بالشراء، يُسمونها: المُرابحة للآمر بالشراء.

وصورة هذه المسألة: هذا رجلٌ يريد سيارةً معينةً، وليس عنده نقدٌ يشتري به هذه السيارة، فذهب إلى مؤسسةٍ، أو إلى بنكٍ -مثلًا- وطلب من هذه المؤسسة أو المصرف أن يشتري له تلك السيارة، ثم يشتريها منه بالتقسيط، يقول: اشتروا لي هذه السيارة، وأنا أشتريها منكم بالتقسيط. فما حكم هذا العمل؟

هذا لا يخلو من حالين:

  • الحالة الأولى: أن يتعاقد ذلك الرجل مع تلك المؤسسة أو المصرف، يتعاقد معهم مباشرةً بشراء تلك السلعة المعينة، فهذا العقد مُحرمٌ ولا يصح، لماذا؟
    لأن تلك المؤسسة أو البنك قد باع ما لا يملك، يذهب إلى البنك مباشرةً أو المؤسسة، ويتعاقد معهم على شراء سيارةٍ بمواصفاتٍ معينةٍ، ويُجري العقد، يُبرم معهم العقد، أو يُعطيهم عربونًا، أو نحو ذلك، فهذا البيع لا يجوز؛ لأن هذه المؤسسة أو البنك لم يملك بعد السيارة، فكيف يبيع شيئًا لا يملكه؟!
    والنبي قد قال: لا تَبِعْ ما ليس عندك [7].
    ثم إنه مع هذا المحظور -وهو: أن المؤسسة أو البنك باع ما لا يملك- هو -في الحقيقة- يُشبه أن يكون حيلةً على الربا، حيلةً على القرض بفائدةٍ؛
    فكأن هذا الرجل قال لتلك المؤسسة، أو لذلك المصرف: أقرضني قيمة هذه السلعة مع فائدةٍ معينةٍ، أو أقرضني قيمة هذه السلعة بفائدةٍ، لكن بدل أن يسلك هذا المسلك يقول: أقرضني بفائدةٍ. أتى بهذا البيع الصوري حيلةً على القرض المُحرم.
    إذن هذه الصورة نقول: إنها مُحرمةٌ، وهي -مع الأسف- موجودةٌ في بعض المؤسسات والبنوك.
  • الحالة الثانية: ألا يحصل تعاقدٌ سابقٌ بين ذلك الرجل والمؤسسة أو المصرف على إتمام عملية الشراء، ولكن يحصل مجرد وعدٍ من تلك المؤسسة أو المصرف بأن يقوموا بشراء تلك البضاعة التي يعدهم هذا الرجل بأنه سوف يشتريها منهم، فتكون المسألة -يعني- مبنيةً على وعدٍ غير مُلزمٍ، يأتي لهم ويقول: أنا أريد أن تشتروا لي سيارةً (موديلها) كذا، نوعها كذا، لونها كذا، وأعدكم أنكم إذا اشتريتُموها أشتريها منكم.

ما الفرق بين هذه الصورة والصورة الأولى؟

الأولى: أنهم في عقدٍ، أبرم معهم عقدًا، وهنا لا يوجد عقدٌ، وإنما وعدٌ فقط.

ولاحظ أنه وعدٌ غير مُلزمٍ، يقول: اشتروا لي هذه السلعة، وأعدكم أنني سوف أشتريها منكم. وهذه الصورة تجوز بشرطين:

  • الشرط الأول: أن يكون الاتفاق المبدئي بينهما مجرد وعدٍ بالبيع ووعدٍ بالشراء، وهذا الوعد وعدٌ غير مُلزمٍ، فلكلٍّ منهما -يعني: المؤسسة أو المصرف وذلك الرجل- الخيار في إتمام ذلك البيع، أو عدم إتمامه.
    ويترتب على هذا أن السلعة لو تلفتْ بعد شراء المصرف أو المؤسسة لتلك السلعة، وقبل أن يُبرم معهم ذلك الرجل عقدًا، فهي من ضمان المؤسسة أو المصرف؛ لأنه حتى الآن ليس عندنا عقدٌ، إنما هو مجرد وعدٍ، ومعلومٌ أن هناك فرقًا بين الوعد والعقد.
    فالوعد مجرد إبداء الرغبة في الشيء: أنا أرغب في هذا الشيء، وأما العقد فإنه ارتباطٌ مُنجزٌ، مُلزمٌ، ولكن ينبغي أن يُعلم أن الوعد المُلزم بمعنى العقد، فإذا كان الوعد مُلزمًا فهو بمعنى العقد، لكن إذا كان وعدًا غير مُلزمٍ فهو مجرد إبداء الرغبة في الشيء، فيقول هذا العميل: أنا أعدكم بأنكم إذا اشتريتم لي هذه السلعة أشتريها منكم. فيذهبون ويشترون له هذه السلعة، فإذا اشتروها له فهو بالخيار أيضًا، ولا يستطيعون إلزامه بأن يشتريها منهم، فهو بالخيار: إن شاء أبرم العقد، وإن شاء صرف النظر عنه.
    هذا هو الشرط الأول: أن يكون الاتفاق بينهما مجرد وعدٍ غير مُلزمٍ.
  • الشرط الثاني: ألا يقع العقد بينهما إلا بعد قبض تلك المؤسسة أو المصرف للسلعة أو البضاعة، واستقرارها في ملكه، يعني: وقبضها، ألا يقع العقد إلا بعد قبض تلك المؤسسة أو المصرف للسلعة أو البضاعة، واستقرارها في ملكه، يعني: تقوم تلك المؤسسة بشراء تلك السلعة، أو ذلك البنك أو المصرف بشراء تلك السلعة وقبضها، ثم بعد ذلك يُبرم العقد، ويقومون ببيعها عليه.

ففي مثالنا السابق: أتى شخصٌ لمصرفٍ، وقال لهم: أنا أريد منكم أن تشتروا لي سيارةً من نوع كذا، (موديلها) كذا، لونها كذا، وأعدكم بأنكم إذا اشتريتُموها على هذه المواصفات سوف أشتريها منكم.

لاحظ: هنا لا يوجد عقدٌ الآن.

فقام المصرف -مثلًا- أو المؤسسة أو الشركة أو حتى الفرد واشتروا له هذه السيارة بهذه المواصفات، وقالوا: يا فلان، أنت أبديتَ رغبتك في شراء سيارةٍ بهذه المواصفات، ونحن اشتريناها وتملكنا هذه السيارة، وقبضناها، وهي الآن موجودةٌ.

وبعد ذلك أُجري العقد بينهما -أُبرم العقد- فاشتراها منهم بالتقسيط، اشتروها -مثلًا- بخمسين ألفًا، وأُبرم العقد بينهما على أن يشتري هذا الرجل من هذه المؤسسة أو المصرف أو البنك بسبعين ألفًا -مثلًا- إلى سنةٍ، أو سنتين، أو أكثر، أو أقلّ، فهذا لا بأس به، إذا كانت بهذا الوصف وبهذه الشروط لا بأس به.

الشرط الأول: أن يكون الاتفاق المبدئي بينهما مجرد وعدٍ غير مُلزمٍ، مجرد إبداء رغبةٍ.

الشرط الثاني: أن الموعود بالشراء منه يتملك البضاعة ويقبضها قبضًا تامًّا.

والحقيقة أنه يحصل الإخلال بأحد هذين الشرطين، خاصةً في البيع الذي يتم عن طريق البنوك: فإما أن يُبرم العقد قبل تملك البنك للسلعة، وإما ألا يُبرم العقد، لكن البنك لا يتملك السلعة، وإنما يتفاهم فقط مع معرضٍ من المعارض، ولا بد أن يكون التملك للسلعة بعينها، وليس بوصفها.

ومعنى هذا: أن البنك -مثلًا- يذهب ويشتري هذه السلعة المعينة، فيذهب ويشتري هذه السيارة بعينها.

والواقع أن البنوك لا تفعل هذا، وإنما فقط تتفاهم مع معرض السيارات بأننا نُحول عليك الزبائن، وهذا غير كافٍ في الحقيقة، هذا لا يكفي، لا بد أن يشتروا شراءً حقيقيًّا، ويتملكوا تلك السيارة بعينها، ويتم القبض، ثم بعد ذلك يبيعوها، أما مجرد تفاهمٍ مع صاحب المعرض بأن يُحولوا عليه الزبائن، فهذا غير كافٍ، وحينئذٍ يكون الشرط الثاني لم يتحقق.

وبعض الناس يقول: إنه حصل أن اتَّفق مع البنك بوعدٍ غير مُلزمٍ، وقال البنك: السيارة التي تريدها موجودةٌ في المعرض الفلاني، فلما ذهب إلى المعرض قال: أين السيارة التي للبنك الفلاني على المواصفات؟ فقالوا: كلها سياراتٌ، اخترْ منها واحدةً، كلها سياراتٌ من النوع الفلاني، (الموديل) الفلاني. فهذا ما يصح، ولا بد أن يتملك الموعود بالشراء منه السلعة بعينها على سبيل التعيين، وليس على سبيل الوصف.

فإذا تحقق هذان الشرطان فهذا البيع لا بأس به، وقد أقرَّ هذا مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمرها الخامس، أجاز هذا البيع بهذين الشرطين: بشرط الخيار للمُتواعدين كليهما أو أحدهما، وقالوا: ولا تجوز المُواعدة المُلزمة؛ لأنها في معنى العقد، ويُشترط أن يكون البائع مالكًا للمبيع، يعني: بهذين الشرطين أقرها مجمع الفقه الإسلامي، وأيضًا سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله أجاز هذا البيع بهذين الشرطين، وعامة المشايخ والعلماء يُفتون بالجواز بهذين الشرطين.

ولكن هناك من العلماء مَن منع هذا البيع، وقال: إنه حيلةٌ على الربا. وإن كانوا قِلةً، يعني: الأكثر على الجواز، لكن بالضوابط والشروط التي ذكرناها، ومن العلماء مَن قال: إن هذا حيلةٌ على الربا، وأنه لا يجوز. ومن أبرز مَن قال بهذا القول: الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، بل إنه يُشدد في هذه المسألة، ويعتبرها حيلةً على الربا.

ولكن عند التأمل في هذا العقد نجد أنه -في الحقيقة- ليست فيه حيلةٌ على الربا؛ لأن هذا الوعد هو وعدٌ غير مُلزمٍ، مجرد إبداء رغبةٍ في هذه السلعة، وهذا الموعود بالشراء منه قد تملك السلعة وقبضها، فأين الحيلة حينئذٍ؟

ولكن ربما أصحاب هذا القول رأوا توسع البنوك، أو الإخلال الكبير الذي يحصل من البنوك في مثل هذه البيوعات، وهذا -حقيقةً- خللٌ في التطبيق، ولا يجعلنا نمنع هذا التعامل، يعني: كون بعض البنوك يكون عندها خللٌ في التطبيق لا يجعلنا نمنع المسألة كلها.

فالقول بأن هذا حيلةٌ، يعني: هذا غير ظاهرٍ.

لو قلتَ لي: أنا أريد سيارةً بهذه المواصفات، اذهب واشترها لي من السوق، وأنا أشتريها منك. فذهبتُ واشتريتُها لك بالمواصفات التي تريدها، ثم أبرمنا عقدًا فيما بعد، واشتريتها مني بالتقسيط لمدة سنةٍ، فأين الحيلة في هذا؟ ليست فيه حيلةٌ في الحقيقة.

ولهذا جاء في حديث أبي سعيدٍ في قصة التمر البَرْني، لما أُتي النبي بتمرٍ بَرْنِيٍّ من النوع الجيد، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قالوا: لا يا رسول الله، إنا نبيع الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال: أوَّه! عين الربا، ثم أرشدهم إلى المخرج فقال: ولكن بِعِ الجمع يعني: أخلاط التمر الرديء بالدراهم، ثم ابْتَعْ بالدراهم جَنِيبًا [8].

مع أنه قد يقول القائل: هذه حيلةٌ على الربا؛ لأن النتيجة واحدةٌ، فإذا بِعْتُ صاعين بصاعٍ هي نفسها إذا بِعْتُ صاعين بدراهم، ثم اشتريتُ بالدراهم صاعًا، النتيجة واحدةٌ، ومع ذلك هذا المخرج أرشد إليه النبي ، ولم يعتبره حيلةً على الربا.

إذن الأصل في هذا الباب الحِلُّ والإباحة، ولا نمنع شيئًا إلا بدليلٍ واضحٍ، وفي هذا التعامل توسعةٌ على الناس وإرفاقٌ بهم؛ لأنه ليس كل إنسانٍ يجد مَن يُقرضه، وليس كل إنسانٍ يستطيع أن يشتري ما يريده من الحوائج، فالأصل في هذا الحِلُّ والإباحة؛ ولهذا الأظهر -والله تعالى أعلم- أن بيع المُرابحة للآمر بالشراء جائزٌ بهذين الشرطين، وكما ذكرتُ هو رأي أكثر العلماء، وهو الذي قرره مجمع الفقه الإسلامي، ولم يُخالف في هذا إلا قِلةٌ من أهل العلم.

هذا ما يتعلق ببيع المُرابحة للآمر بالشراء، وهذا ليس خاصًّا بالسيارات، يعني: يَنْجَرُّ على جميع البضائع والسلع والدور والعقار، وكل شيءٍ، فإذا تحقق فيه هذان الشرطان فلا بأس، خاصةً الشرط الثاني -في الحقيقة- هو الذي يحصل الإخلال به، يعني: لا يحصل التَّملك والقبض؛ ولهذا ينبغي لمَن أراد أن يتعامل بهذا التعامل أن يتأكد من تملك الموعود بالشراء منه للسلعة وقبضها.

فمثلًا: يُوصي المندوب للبنك فيشتري السيارة ويقبضها، ثم يبيعها على هذا الشخص الذي وعدهم بالشراء منهم، وفي الإمكان أن يضع البنك مندوبًا له في المعرض -مثلًا- ويشتري السيارة ويبيعها، أما مجرد أن يُعطوا هذا الشخص الذي وعدهم بالشراء تحويلًا على المعرض، فهذا غير كافٍ في الحقيقة.

بيع العِينة

ننتقل بعد ذلك للتَّورق، ولا بد أولًا أن نعرف حقيقة بيع العِينة، والتَّورق الذي ذكره الفقهاء، ثم ننتقل إلى التَّورق الموجود في المصارف.

فالعِينة مشتقةٌ من العين، والعين هو: النقد الحاضر، كما قال الأزهري وغيره من أهل اللغة، وسُميت بذلك لأن أحد المُتبايعين يقصد بالبيع العين، أي: النقد، لا السلعة.

وصورة بيع العِينة: أن يبيع السلعة بثمنٍ مُؤجلٍ، ثم يشتريها بأقلّ منه نقدًا، كأن يبيع سيارةً بخمسين ألفًا مُؤجلةً، ثم يشتريها بأربعين ألفًا حالةً أو نقدًا، وتبقى في ذمته عشرة آلافٍ.

فهذه -في الحقيقة- حيلةٌ على الربا، كأنه بيع دراهم بدراهم، كأنه باع خمسين ألفًا مُؤجلةً بأربعين ألفًا نقدًا، لكن أدخل بينهما هذه السيارة حيلةً على الربا؛ ولهذا فإن بيع العِينة بيعٌ مُحرمٌ.

وقد رجح الإمام ابن القيم رحمه الله في “تهذيب سنن أبي داود” أن المراد ببيعتين في بيعةٍ أن المقصود به: بيع العِينة، وأن المقصود بالنهي عن شرطين في بيعٍ: بيع العِينة.

“نهى عن بيعتين في بيعةٍ” [9] المقصود به: بيع العِينة.

“نهى عن شرطين في بيعٍ” [10]، المقصود به: بيع العِينة، فبيع العِينة من البيوع المُحرمة.

ويدل على تحريمه قول النبي في حديث ابن عمر -الحديث المشهور-: إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتُم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلَّط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم [11] أخرجه أبو داود وغيره بسندٍ جيدٍ.

ويدل أيضًا لهذا قول عائشة رضي الله عنها لما قالت أم ولدٍ لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين، إني بِعْتُ غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمئة درهمٍ إلى العطاء، ثم اشتريتُه بستمئةٍ. فقالت عائشة رضي الله عنها: “بئس ما بِعْتِ، وبئس ما اشتريتِ، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب” [12] رواه أحمد.

وقال الموفق ابن قدامة: “الظاهر أنها -يعني: عائشة رضي الله عنها- لا تقول مثل هذا التغليظ وتُقدم عليه إلا بتوقيفٍ سمعته من رسول الله ، فجرى مجرى روايتها ذلك عنه؛ ولأن ذلك -بيع العِينة- ذريعةٌ إلى الربا”، فهو ذريعةٌ لأن يُدخل السلعة ويستبيح بيع المُؤجل بالنقد الحاضر.

ولهذا قال ابن عباسٍ: “أرى مئةً بخمسين بينهما حريرةٌ”، يعني: خرقة حريرٍ.

إذن بيع العِينة من البيوع المُحرمة، وهو بمعنى البيعتين في بيعةٍ، وبمعنى الصفقتين في صفقةٍ، وبمعنى الشرطين في بيعٍ، كل هذا بمعنى بيع العِينة.

مسألة التَّورق

أما مسألة التَّورق فصورتها: أن يشتري سلعةً بثمنٍ مُؤجلٍ، ثم يبيعها على طرفٍ ثالثٍ نقدًا.

لاحظ هنا: التَّورق يكون بين ثلاثة أطرافٍ، يشتري سلعةً بثمنٍ مُؤجلٍ، ثم يبيعها على طرفٍ ثالثٍ نقدًا.

مثال ذلك: احتجتَ لنقدٍ -لسيولةٍ- لأي غرضٍ من الأغراض -لزواجٍ أو لأي غرضٍ- فذهبتَ إلى مؤسسةٍ تبيع بالتقسيط، أو معرضٍ يبيع بالتقسيط، أو شخصٍ يبيع سياراتٍ بالتقسيط، واشتريتَ منهم سيارةً بالتقسيط بمئة ألف ريالٍ، ثم أخذتَ هذه السيارة وعرضتَها في معرض السيارات، فسِيمتْ منك بثمانين ألفًا نقدًا.

هذه هي مسألة التَّورق.

فلاحظ هنا أنها بين ثلاثة أطرافٍ: البائع الأول الذي باعها بالتقسيط، ثم المُشتري الذي اشتراها بالتقسيط، ثم المُشتري الثاني الذي اشتراها نقدًا، فهي بين ثلاثة أطرافٍ، بينما العِينة بين طرفين: يبيعها بثمنٍ مُؤجلٍ، ثم يشتريها بأقلّ منه نقدًا.

التَّورق بين ثلاثة أطرافٍ: يبيعها بثمنٍ مُؤجلٍ، ثم إن المُشتري يبيعها على طرفٍ آخر غير البائع الأول نقدًا، وغرضه من هذا: الحصول على النقد.

حكم التَّورق

اختلف العلماء في حكم مسألة التَّورق، والصحيح: أنها جائزةٌ ولا بأس بها، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو الذي يُفتي به عامة مشايخنا، وعامة علماء هذه البلاد: أنها لا بأس بها؛ لأن العقدين مُنفصلان، فأنت عندما تشتري سلعةً بثمنٍ مُؤجلٍ هذا عقدٌ، وعندما تبيعها على طرفٍ ثالثٍ نقدًا فهذا عقدٌ آخر مُستقلٌّ، فهذا عقدٌ مُستقلٌّ، وذاك عقدٌ مُستقلٌّ، ولا ترابط بينهما، أو تلازم بينهما، والأصل في المعاملات الحِلُّ والإباحة.

إذن مسألة التَّورق نقول: إنها جائزةٌ ولا بأس بها، وفيها توسعةٌ على الناس وإرفاقٌ بهم.

التوسع في التَّورق

البنوك في الوقت الحاضر لما أخذتْ بالتورق، لو أنها أخذتْ بالتورق الذي ذكره الفقهاء لم يكن في ذلك بأسٌ، وهذا لا إشكالَ فيه، ولكن البنوك توسعتْ في التورق، وبالغتْ في هذا التوسع، حتى أصبح العميل يأتيهم ويُوقع فقط على أوراقٍ؛ يُوقع على شراء سلعةٍ منهم بالتقسيط، ثم يُوقع توقيعًا آخر على أن يُوكلهم في بيعها على طرفٍ ثالثٍ، فيثبت في ذمته مبلغٌ، وبعد ساعةٍ أو سُويعاتٍ ينزل في رصيده ما أراد، ويكون فقط قد وقَّع على هذه الأوراق: كم تريد؟

قال: أريد مئة ألفٍ.

وقِّعْ على هذه الأوراق وبعد ساعةٍ ينزل في رصيدك مئة ألفٍ، ويثبت في ذمتك مئةٌ وثلاثون.

هذا هو التَّورق المصرفي، فصورة التَّورق في الأساس جائزةٌ كما ذكرنا، لكن هذا التوسع -يعني- فيه إشكالٌ؛ حيث يقوم البنك بجميع العمليات، فهو البائع الذي يبيع عليك السلعة بالتقسيط، ثم يتوكل في بيعها على طرفٍ ثالثٍ، فهو الذي يقوم ببيعها على طرفٍ ثالثٍ، ويُسلم لك النقد، ويقوم بجميع العمليات، وأنت فقط تأتي وتُوقع على أوراقٍ، وينزل في رصيدك ما أردتَ.

كم تريد؟

مئة ألفٍ، مئتي ألفٍ، ينزل في رصيدك بعد ساعةٍ أو سويعاتٍ، ويثبت في ذمتك أكثر من هذا المبلغ.

وهذا التوسع -في الحقيقة- فيه إشكالٌ، يعني: هم أخذوا كلام العلماء، لكن توسعوا فيه.

ولهذا بحث مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذه المسألة، وهذا التوسع الحاصل من البنوك، وبحثوا هذا في العام الماضي في شهر شوال في مكة المكرمة، واستُكتب باحثون، وجرى النقاش حول هذا التوسع الحاصل من البنوك، ثم صدر قرارٌ بعدم جواز التَّورق المصرفي الموجود في البنوك بهذا الوصف؛ وذلك لأن هذا التوسع جعله -في الحقيقة- شبيهًا بالعِينة، وإن لم تنطبق عليه صورة العِينة، إلا أنه شبيهٌ بالعِينة.

وهذا التوسع في التورق أكثر ما يكون في السلع الدولية: كالمعادن -مثلًا-، فيأتي العميل للبنك ويقول: أنا والله أريد أن أحصل على مبلغٍ، على سيولةٍ. فيقولون: عندنا معادن دوليةٌ، ونحن نبيعها عليك بالتقسيط، وتُوكلنا في بيعها إلى طرفٍ ثالثٍ.

وبمجرد أن يُوقع على الأوراق ينزل في رصيده ما أراد.

وهذه المعادن قد تُباع إلى أكثر من شخصٍ -كما قيل-؛ لأنه لا ينضبط بيعها -في الحقيقة- ففيها إشكالاتٌ كثيرةٌ، وربما لا يتحقق القبض المطلوب، وقد تُباع لأكثر من شخصٍ.

وأحد الإخوة قال لي: ذهبتُ لأحد البنوك وقلتُ لهم: إني أريد أن أشتري منكم حديدًا، لكن بشرط: إذا اشتريتُ منكم الحديد تُسلموه لي. يقول: رفضوا وقالوا: لا، أبدًا.

طيب، أنا أشتري منكم الحديد إذا كنتم صادقين.

طيب، أنتم الآن بِعْتُم عليَّ الحديد.

طيب، أنا لا أريد أن أُوكلكم، أنا أريد أن تُسلموه لي، قال: أنا أريد أن أختبرهم. فيقول: رفضوا، وقالوا: أنت مُجبرٌ على التوكيل، شئتَ أم أبيتَ، أنت مُجبرٌ. قال: كيف تُجبروني على التوكيل؟! قالوا: هذا نظام البنك.

بعض الناس يقول: أنه ذهب للبنك، وأحيانًا يكون الموظف -يعني- عنده شيءٌ من الذكاء، يقول: أبدًا إذا أردتَ المعادن نحن نُسلمها لك. إذا رأى أنك غير جادٍّ، لكن لو رأى أنك جادٌّ في طلب المعادن سوف يكون له موقفٌ آخر؛ لأنه يعرف أنك لن تطلب المعادن، ولن تكون جادًّا في هذا الطلب، فالمسألة أصبحتْ كأنها صوريةٌ في الحقيقة.

يعني: لم أعرف أن شخصًا اشترى منهم معادن، وأُحضرتْ له هذه المعادن إلى يومي هذا، لم أجد رجلًا اشترى منهم معادن وأُحضرتْ له، فجميع مَن يشتري منهم يُوكلهم في بيعها على طرفٍ ثالثٍ.

ولهذا -كما ذكرتُ- فإن هذا فيه إشكالٌ، وصدر قرار المجمع الفقهي -وهو مجمع الرابطة-، ولكن هذا القرار -في الحقيقة- لم يبرز إعلاميًّا؛ لذلك ربما أن كثيرًا من الناس لم يسمعوا بهذا القرار، فهو لم يبرز ولم يُنشر في الصحف، ونُشر في مجلة المجمع، وفي بعض المواقع على (الإنترنت)، لكنه -في الحقيقة- لم يبرز مع أهميته.

وأنقل لكم فيما يأتي نصُّ هذا القرار: “الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فإن مجلس المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة في مكة في التاسع عشر إلى الثالث والعشرين من شهر شوال نظر في موضوع التَّورق كما تُجريه المصارف، وبعد الاستماع إلى الأبحاث المُقدمة والمُناقشات التي دارتْ حوله تبين للمجلس أن التَّورق الذي تُجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر هو قيام المصرف بعملٍ نمطيٍّ يتم فيه ترتيب بيع سلعةٍ -ليست من الذهب أو الفضة- من أسواق السلع العالمية أو غيرها -وغالبًا أنها حديدٌ أو معادن- على المُستورق بثمنٍ آجلٍ، على أن يلتزم المصرف -إما بشرطٍ في العقد، أو بحكم العُرف والعادة- بأن ينوب عنه في بيعها على مُشْتَرٍ آخر بثمنٍ حاضرٍ، وتسليم ثمنها للمُستورق.

وبعد النظر والدراسة قرر مجلس المجمع ما يلي:

أولًا: عدم جواز التَّورق الذي سبق توصيفه في التمهيد للأمور الآتية:

  1. أن التزام البائع في عقد التَّورق بالوكالة في بيع السلعة لمُشْتَرٍ آخر، أو ترتيب مَن يشتريها يجعلها شبيهةً بالعِينة الممنوعة شرعًا -وإن كانت صورة العِينة لا تنطبق عليها، لكنها شبيهةٌ بالعِينة- سواءٌ كان الالتزام مشروطًا صراحةً، أو بحكم العُرف والعادة المُتبعة”.
    يعني: حتى لو لم يكن منصوصًا عليه صراحةً: أنك تُوكل البنك، لو كان هذا مُتعارفًا عليه، فالمعروف عُرفًا كالمشروط شرطًا.
  2. “أن هذه المعاملة تُؤدي في كثيرٍ من الحالات إلى الإخلال بشروط القبض الشرعي اللازم لصحة هذه المعاملة”.
    أيضًا لا يتحقق معها القبض.
  3. “أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويلٍ نقديٍّ بزيادةٍ لما سُمي بالمُستورق فيها من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه، والتي هي صوريةٌ في معظم أحوالها”.
    يعني: كل هذا التعامل صوريٌّ -في الحقيقة-، مجرد أنك تأتي وتُوقع على الأوراق، وينزل لك في رصيدك ما أردتَ، وهذه العملية -البيع والشراء والتوكيل- في الحقيقة هي صوريةٌ.

ولذلك قلتُ لكم: لا أعرف أن رجلًا حتى الآن اشترى منهم معادن، وسُلمتْ له تلك المعادن.

“هدف المصرف من إجرائها: أن تعود عليه بزيادةٍ على ما قدَّم من تمويلٍ.

وهذه المعاملة غير التَّورق الحقيقي المعروف عند الفقهاء -والذي سبق أن المجمع قال بجوازه-؛ وذلك لما بينهما من فروقٍ عديدةٍ فصلت القولَ فيها البحوثُ المُقدمة، فالتَّورق الحقيقي يقوم على شراءٍ حقيقيٍّ لسلعةٍ بثمنٍ آجلٍ تدخل في ملك المُشتري ويقبضها قبضًا حقيقيًّا، وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها هو بثمنٍ حالٍّ لحاجته إليه، قد يتمكن من الحصول عليه، وقد لا يتمكن، والفرق بين الثمنين الآجل والحال لا يدخل في ملك المصرف الذي طرأ على المعاملة لغرض تبرير الحصول على زيادةٍ …” إلخ.

و”ثانيًا: يُوصي المجمع جميع المصارف بتجنب المعاملات المُحرمة؛ امتثالًا لأمر الله تعالى”.

كما ذكرتُ -يا إخوان- هذا القرار قرارٌ مهمٌّ في هذا الباب، وقد تراجعتْ بعض الهيئات الشرعية بعد صدور القرار، تراجعوا عن التعاملات السابقة، وما زالت بعض البنوك تُبرز للعملاء فتاواهم القديمة والسابقة، فينبغي التَّنبه لهذا.

أحد المشايخ البارزين كان يُفتي بهذا التَّورق، وبعد صدور القرار تراجع.

وبعض البنوك حوَّلتْ وغيَّرتْ من صيغة هذا التَّورق، وقصرته على السلع المحلية، فكان هناك شيءٌ من المُراجعات -في الحقيقة- من بعض البنوك للعمليات التي كانت موجودةً عندها.

لكن التَّورق بالتوصيف الذي ذُكر لا شكَّ أنه لا يجوز، وأنه -في الحقيقة- تعاملٌ صوريٌّ فقط، والغرض منه الحصول على السيولة، فكأنه بيع نقدٍ بنقدٍ مع التَّفاضل، كأنه بدل أن يقول: بِعْني مئة ألفٍ بمئةٍ وثلاثين ألفًا مُؤجلةً، أتى بهذا التعامل الصُّوري.

ولهذا ينبغي التَّنبه والتَّنبيه على مثل هذه المسألة، وكما ذكرتُ لكم قرارات المجمع -في الحقيقة- مهمةٌ في هذا؛ لأن هذه المجامع تُمثل علماء العالم الإسلامي، وليس فقط علماء المملكة، وإنما علماء العالم الإسلامي.

نِصاب الأوراق النقدية

نكتفي بهذا القدر، ونشرح ما كنا قد وعدنا به، فنحن ذكرنا بالأمس نِصاب الأوراق النقدية، وقلنا: إن نِصاب الأوراق النقدية هو أقلّ النِّصابين من الذهب أو الفضة، وفي الوقت الحاضر الفضة أرخص بكثيرٍ من الذهب، فيكون نِصاب الأوراق النقدية في الوقت الحاضر هو نِصاب الفضة، ونِصاب الفضة هو خمسمئةٍ وخمسةٌ وتسعون جرامًا.

معنى ذلك أننا نسأل: كم سعر الجرام؟ ثم نضربه في خمسمئةٍ وخمسةٍ وتسعين فيخرج لنا نِصاب الأوراق النقدية، ولكن الفضة التعامل بها ليس شائعًا، وإنما تتعامل بها محلاتٌ معينةٌ؛ ولهذا ربما لو سألتَ كثيرًا من محلات الذهب ما يعرف سعر الفضة، ولا يُعطيك سعر الفضة بالجرام، تقول له: كم سعر الفضة بالجرام؟ ما يُعطيك، ويُعطيك سعر الفضة بالأونصة فقط.

تُنشر أسعار الذهب والفضة يوميًّا في الصحف، ولكن كيف نستطيع من خلال معرفة سعر الفضة بالأونصة أن نعرف مقدار سعر الجرام من الفضة؟

هذا يحتاج إلى معادلةٍ حسابيةٍ، يحتاج إلى أن نعرف مقدار الأونصة بالجرامات أولًا، ثم نقسمها على سعر الأونصة، ونضربها في سعر قيمة الريال بـ(الدولار)، فتكون المعادلة على هذا النحو -نكتبها على السبورة-: الأونصة = 31,10.

فتكون المعادلة على هذا النحو: سعر الأونصة الموجود في الصحف، فالرقم موجودٌ في الصحف ومُدونٌ على 31,10 -وهذا الرقم ثابتٌ- × 3,75، وهذا الرقم ثابتٌ؛ لأن سعر (الدولار) بالريال 3,75، والناتج نضربه في 595 الذي هو نِصاب الفضة، والنتيجة هي نِصاب الأوراق النقدية.

طيب، نريد أن نُطبق هذا: سعر الأونصة كان قبل أمس: 7,29، وفي هذه الأيام الفضة مرتفعةٌ، بينما كانت قبل سنةٍ أو سنتين منخفضةً؛ فلذلك سوف يرتفع نِصاب الأوراق النقدية.

سعر الأونصة المُدون الموجود الآن في الصحف وفي غيرها والمُعلن عنه هو: 7,29 ÷ 31,10 -وهذا رقمٌ ثابتٌ- × 3,75، وهذا أيضًا رقمٌ ثابتٌ.

طيب، النتيجة الآن .. مَن معه آلةٌ حاسبةٌ يضرب لنا الآن: 7,29 × 3,75، ويقسم النتيجة على 31,10= 0,88 بالتقريب، بعد التقريب: 0,88.

طيب، 0,88 هذا هو سعر الجرام من الفضة، يعني: سعر الجرام من الفضة ما وصل إلى ريالٍ واحدٍ، بل 0,88، هذا الآن.

نضرب هذا 0,88 × 595 = 523,6.

طيب، على كل حالٍ نقول: 523 تقريبًا، فيكون هذا الآن 523 ريالًا هو نِصاب الأوراق النقدية هذه الأيام.

معنى ذلك: أن مَن ملك خمسمئة ريالٍ، وحالتْ عليها سنةٌ، وحال عليها الحول؛ ما فيها زكاةٌ، فيكون نِصاب الأوراق النقدية الآن هو 523 ريالًا.

لكن قبل سنتين كان سعر الأونصة من الفضة: 4,44، وحسبنا نِصاب الأوراق النقدية فكان 316.

فنستطيع أن نقول باختصارٍ: إن نِصاب الأوراق النقدية يتراوح بين ثلاثمئةٍ إلى خمسمئةٍ تقريبًا، لكن في هذه الأيام سعر الفضة مرتفعٌ، فيكون نِصاب الأوراق النقدية هنا 523 ريالًا.

إذا أردتَ أن تعرف نِصاب الأوراق النقدية على مدار العام فهذا الرقم ثابتٌ، وهذا الرقم ثابتٌ، وهذا ثابتٌ، فقط الرقم المُتغير هو هذا: 7,29، هذا هو الرقم المُتغير، وهذا يُنشر في الصحف يوميًّا: 7,29، هذا هو المُتغير.

فأنت اكتب المعادلة عندك، وهذا هو المُتغير، والنتيجة طبعًا سوف تتغير، وأيضًا 595 ثابتٌ، فاضبط عندك هذه المعادلة، وخُذْ هذا الرقم هو المُتغير، وبذلك تستطيع معرفة نِصاب الأوراق النقدية يوميًّا.

نعم، 595 هذا هو نِصاب الفضة، الذي هو مئتا درهمٍ، تُعادل 595 جرامًا.

فهذه الأرقام كلها ثابتةٌ: 31,10، 3,75، 595، هذه كلها ثابتةٌ.

الذي يتغير هو فقط سعر الأونصة من الفضة، فهذا يتغير من حينٍ لآخر، والغالب أنه لا يتغير يوميًّا، وإنما -مثلًا- كل أسبوعٍ، أو كل … إلا إذا كانت هناك أسبابٌ للتغيير.

المقصود أنك تستطيع معرفة نِصاب الأوراق النقدية على مدار العام من خلال هذه المعادلة، بمجرد إلقاء النظرة على الصحف تأخذ …، أو حتى البنوك أيضًا تُخبرك بسعر الأونصة من الفضة، وبتطبيق هذه المعادلة تستطيع أن تعرف نِصاب الأوراق النقدية.

وبهذا نعرف -أيها الإخوة- أن خمسمئةٍ وثلاثين ريالًا فيها زكاةٌ الآن، وربما أيضًا إذا قلَّ النِّصاب تكون الخمسمئة نفسها فيها زكاةٌ كما مثَّلْتُ لكم، فقبل سنتين كان النِّصاب ثلاثمئةٍ وستة عشر.

بعض الناس يكون عنده شيءٌ من هذا المبلغ ولا يُزكيه، يعني: تكون عنده -مثلًا- ألف ريالٍ، ويحول عليها الحول، ولا يُزكيها؛ ظنًّا منه أنها دون النِّصاب، وهذا ليس بصحيحٍ.

عرفنا إذن مقدار نِصاب الأوراق النقدية، وبهذا نعرف أنه ليس ثابتًا، بل مُتغيرٌ، لكن إذا ضبطتَ هذه المعادلة تستطيع معرفة نِصاب الأوراق النقدية على مدار العام.

المقدم: أحسن الله إليكم.

قبل عرض الأسئلة ذكر الشيخ -حفظه الله- تفريغ هذه الدروس، فأقول: قد كُفيتم ذلك، ففي موقع الجامع بعد ثلاثة أشهرٍ -إن شاء الله- من نهاية الدورة ستُفرغ، ليس فقط دروس الشيخ سعد، وإنما جميع الدروس تكون مُفرغةً نصيًّا وصوتيًّا على موقع الجامع، وهو موقع الجامع عندكم على الكتب التي أمامكم، فبعد ثلاثة أشهرٍ -إن شاء الله- ستجدون جميع المتون، سواء هذه الدورة، أو التي قبلها، أو حتى ما قبلها من الدورات، يعني: لو دخلتَ الموقع الآن ستجد دروس الدورة الحادية عشرة مُفرغةً نصيًّا وصوتيًّا على موقع الجامع، ومُخرجة الأحاديث، ومعزوة الآيات.

فدروس الشيخ وغيرها من الدروس ستكون -إن شاء الله- منزلةً نصيًّا وصوتيًّا، أما بالنسبة لصوتيًّا فإنه بعد نهاية الدرس بعشر دقائق، يعني: من الآن -إن شاء الله- وأنت ذاهبٌ إلى البيت، ما تصل إلى البيت إلا ودرس الشيخ نزل على موقع الجامع صوتيًّا.

أما بالنسبة لتفريغها نصيًّا: فإن شاء الله بعد الدورة بثلاثة أشهرٍ؛ وذلك نظرًا لتحويلها من الأشرطة، ثم إلى الكتابة، ثم تنزل إلى موقع الجامع، وتُربط بشجرة موضوعاتٍ؛ حتى تسهل لك في البحث، يعني: لو دخلتَ الموقع، وأدخلتَ -مثلًا-: “تورق”، سيُخرج لك موقع الجامع كلمة “تورق” -سواءٌ ذكرها الشيخ سعد أو غيره من المشايخ- مربوطةً بشجرة الموضوعات، فيكون أسهل لك في البحث، إن شاء الله تعالى.

الشيخ: نعم، جزاكم الله خيرًا.

الحقيقة أن هذه خدمةٌ عظيمةٌ جدًّا وكبيرةٌ لطلاب العلم، وهذا من نِعَم الله تعالى وتوفيقه، يعني: تجد المادة مُفرغةً صوتيًّا، وأيضًا كتابيًّا، فقامت الحُجَّة -في الحقيقة- على طلاب العلم الآن، يعني: تيسرت -ولله الحمد- الآن سُبل تحصيل العلم، لكن المطلوب هو الهمة والعزيمة، وإلا فسُبل العلم تيسرت، ولله الحمد.

فستجدون جميع هذه الدروس كلها، والدورات السابقة كلها قد فُرغتْ صوتيًّا وكتابيًّا، ولا شكَّ أن هذه نعمةٌ عظيمةٌ من الله تعالى، ولكن المطلوب هو ضبط هذه العلوم وإتقانها، والهمة العالية في طلب العلم، وقبل هذا كله العمل الذي هو ثمرة العلم.

الأسئلة

المقدم: أحسن الله إليكم.

هذا سائلٌ من ليبيا يقول: جزاكم الله خيرًا، سؤالي: أعمل في محل تصوير مُستندات وطباعة أوراقٍ، وفي هذه الفترة يقول: أعلنت المصارف عن فتح منح القروض، وبدأ الناس يتهافتون عليها -هداهم الله-، ويأتون إلى تصوير مُستنداتٍ، ومعظمهم من أجل القروض، وأنا لا أستطيع سؤال أحدهم: لماذا تريد تصوير المُستند؟ فأنا عاملٌ بأجرٍ عند صاحب المحل، فما حكم تصويري لشخصٍ أعرف أنه يريد قرضًا؟

أفتونا مأجورين.

الأخ عبدالرحمن السنوسي من ليبيا.

الشيخ: نعم، إذا كنت تعرف أن هذا الشخص سوف يأخذ هذه الأوراق المُصورة ويُقدم بها على قرضٍ ربويٍّ، فإنه ليس لك أن تُعينه على هذه المعصية؛ لأن هذه هي القاعدة فيمَن يتعامل معه وهو يريد أن يرتكب معصيةً.

ولهذا قال العلماء: لا يجوز بيع السلاح حال الفتنة، ولا يجوز بيع العنب لمَن يتَّخذه خمرًا، وهكذا سائر الأمور المباحة.

فإذا علمتَ أن هذا الشخص المُشتري منك سوف يستخدم هذا الشيء في أمورٍ مُحرمةٍ، فإنه لا يجوز لك أن تبيع عليه.

ومثَّلْنا لهذا بمثال الجوال بـ(الكاميرا): إذا عرفتَ أن هذا المُشتري سوف يستخدمه في أمورٍ مُحرمةٍ لا يجوز أن تبيعه عليه.

وكذلك أيضًا نقول للأخ السائل: إذا كنت تعرف أن هذا الشخص سوف يستخدم هذا المُصور في أمورٍ مُحرمةٍ، فليس لك أن تُصور له، لكن إذا كنت لا تعلم فيجوز؛ لأن الأصل في هذا الإباحة.

المقدم: أحسن الله إليكم.

وهذا أيضًا سائلٌ يقول: ما حكم صناديق الاستثمار، خاصةً الرائد، والأسهم المحلية لدى شركة الراجحي، وصناديق البنك الأهلي؟

وجزاكم الله خيرًا.

الشيخ: نعم.

أولًا: لا أريد -حقيقةً- أن نُسمي بنوكًا أو شركاتٍ أو مؤسساتٍ.

أرى أن الحكمة تقتضي عدم التَّسمية؛ لأن التَّسمية إما أن يكون فيها تشهيرٌ أو دعايةٌ، والتَّشهير أيضًا غير واردٍ، والدعاية أيضًا للشركات والمؤسسات والبنوك غير واردةٍ.

ولهذا أرى أن نضع قواعد عامةً، ومَن أراد أن يسأل عن شركاتٍ معينةٍ، فيستفتي بصفةٍ خاصةٍ؛ لأن فتاوى المشايخ -في الحقيقة- هي أقوى دعايةٍ للشركات والمؤسسات والبنوك.

وأيضًا فتاوى المشايخ بالمنع أقوى ما يكون من التَّشهير ببعض الشركات، وقد يكون رأي ذلك العالم هو أنه راجحٌ، لكنه عند آخرين يكون مرجوحًا، فالمسألة نسبيةٌ.

ولكن أتكلم عن صناديق الاستثمار بصفةٍ عامةٍ، وقد تكلمنا عنها بالأمس، أو قبل أمس تكلمنا عنها بالتفصيل، وذكرنا أن الصناديق الاستثمارية الموجودة الآن في جميع البنوك بدون استثناءٍ تتعامل مع جميع الشركات المساهمة، وأن ما تُسمى بالصناديق الشرعية تتعامل مع الشركات التي تتعامل بالربا إلى نسبة 30%، وهم عندهم فتاوى من بعض المشايخ بهذا.

والعلماء الذين أفتوهم بهذا إنما أخذوا بأحد الرأيين في المسألة، والتي سبق أن تكلمنا عنها بالتفصيل، فهم بنوا فتواهم بناءً على الرأي القائل بجواز الدخول في الشركات المساهمة إذا كانت نسبة الربا لا تزيد على 30%.

فالصناديق الاستثمارية الموجودة الآن هي من هذا القبيل، فهي تتعامل مع الشركات المساهمة التي لا تزيد نسبة الربا فيها على 30%.

ونحن عرضنا هذه المسألة، وقلنا: إن القول الراجح -والذي عليه المجامع الفقهية- أنه لا يجوز الدخول في الشركات المساهمة إذا كانت تتعامل بالربا ولو بنسبة 1%، وذكرنا أدلة هذا القول.

وبناءً على هذا نقول: إن جميع الصناديق الاستثمارية لا يجوز الدخول فيها.

طبعًا المقصود هنا بالصناديق الاستثمارية الخاصة بالأسهم أنه لا يجوز الدخول فيها بواقعها الحالي الآن، لكن قد توجد في المستقبل صناديق استثماريةٌ خاصةٌ بالأسهم النَّقية -بأسهم الشركات النَّقية لو وُجدتْ- فحينئذٍ نقول: لا بأس، لكن الواقع الحالي الآن في الصناديق الاستثمارية نقول: إنها تتعامل مع جميع الشركات المساهمة، والتي لا تزيد نسبة الربا فيها على 30%، وهي بهذا تكون قد تعاملتْ مع شركاتٍ تتعامل بالربا.

وبناءً على هذا نقول: إنه لا يجوز الدخول في جميع الصناديق الاستثمارية الموجودة الآن.

المقدم: أحسن الله إليكم.

هذا سائلٌ يقول: أرجو عرض سؤالي؛ لأنني سأذهب اليوم لشراء سيارةٍ، والسؤال يقول: ما حكم الإيجار بنية التَّمليك؟ وما الشروط في ذلك؟

وجزاكم الله خيرًا.

الشيخ: هذا سيكون موضوعًا لأحد الدروس: الإيجار المُنتهي بالتَّمليك.

وأنا ذكرتُ الموضوعات التي سوف ندرسها ونتكلم عنها في هذه الدورة، وذكرتُ أن من ضمنها: التأجير المُنتهي بالتمليك، فسنتكلم عنه -إن شاء الله تعالى- بالتفصيل في درسٍ قادمٍ.

وهناك صورٌ ممنوعةٌ وصورٌ مُباحةٌ، وسنعرض لهذه الصور الممنوعة والمباحة، وسيكون ذلك -إن شاء الله تعالى- مُفصلًا، فنُرجئ جواب السائل إلى حين عرض هذا الموضوع.

المقدم: أحسن الله إليكم.

يقول: ما حكم التعامل مع الفروع الإسلامية في البنوك الربوية؟

الشيخ: يجوز التعامل بالبيع والشراء حتى مع البنوك الربوية؛ وذلك لأن النبي تعامل مع اليهود، وهم أكَّالون للسُّحْت، والله تعالى ذكر عنهم أنهم يأخذون الربا: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [النساء:161]، ومع ذلك تعامل معهم النبي ، وتوفي ودرعه مرهونٌ عند يهوديٍّ بشعيرٍ اشتراه لأهله، وقَبِلَ دعوتهم لما دعوه لوليمةٍ.

إذن تعامل معهم النبي ، فكونك تتعامل مع بنكٍ ربويٍّ بشراءٍ ونحوه لا بأس به، ولا حرج في ذلك؛ لأن المسلم المُرابي لن يكون أسوأ من اليهودي، واليهود هم أكَّالون للسُّحْت، وهم أكلة الربا، ومع ذلك تعامل معهم النبي .

إذن يجوز التعامل مع البنوك الربوية في شراء السلع ونحوها، فلو أردتَ أن تشتري عن طريقهم سيارةً -مثلًا- أو عقارًا، أو أي شيءٍ، فهذا لا بأس به، ولا حرج في ذلك، ولكن الإشكال في فتح الحسابات الجارية في البنوك الربوية، هذا هو الإشكال؛ لأن هذا هو أقوى داعمٍ للبنوك، بل عمدة البنوك على هذه الحسابات الجارية التي هي في حقيقتها قروضٌ، وليست ودائع، وإن سمَّاها الناس: ودائع، هذا هو الذي تكلم فيه العلماء.

وأما سؤال الأخ السائل عن الفروع الإسلامية فنقول: سواءٌ كانت فروعًا إسلاميةً، أو حتى البنك الربوي التقليدي يجوز أن تشتري عن طريقه، ولا حرج في ذلك، لكن الإشكال إنما هو في فتح الحساب الجاري لدى البنك الربوي.

المقدم: أحسن الله إليكم.

يقول: أوردتم مسألة السَّلَم دليلًا على جواز بيع التقسيط، فما وجه ذلك؟

الشيخ: السَّلَم هو: عقدٌ على موصوفٍ بالذمة مُؤجلٍ بثمنٍ مقبوضٍ في مجلس العقد.

وصورة السَّلَم: أن أُعطيك عشرة آلاف ريالٍ الآن، على أن تُسلم لي -مثلًا- مئة كيلو تمرًا من نوع كذا، تُسلمها لي في وقت كذا، ويستفيد كلٌّ من المُسْلِم والمُسْلَم إليه؛ فأحدهما يستفيد بالانتفاع برأس المال -بهذه العشرة الآلاف-، والآخر يستفيد بالرُّخْص؛ لأن قيمة مئة كيلو تمرًا تكون أكثر من عشرة آلافٍ، لكن باعتبار أنه قدَّم له رأس المال كان هناك -يعني- شيءٌ من تخفيض الثمن، فكلٌّ منهما ينتفع بهذا.

فهنا السَّلَم فيه دَينٌ، وهذا الدَّين فيه زيادةٌ، ففي مثالنا السابق نحن قلنا: إن السَّلَم يتبعه -في الغالب- تخفيضٌ للمُسلم، فعندما يكون -مثلًا- سعر مئة كيلو تمرًا لو بِيعتْ في وقتها اثني عشر ألفًا، لكن إذا بِيعتْ عن طريق السَّلَم تكون بعشرة آلافٍ، فهذا المُسلم الذي قدَّم عشرة آلافٍ استفاد زيادةً في التمر؛ لأنه لو اشترى مئة كيلو تمرًا في حينها لكانت قيمتها اثني عشر ألفًا، فهو انتفع بهذه الزيادة.

فهنا وُجدتْ زيادةٌ مقابل زيادة الأجل، وُجدتْ زيادةٌ مقابل الأجل، فهذا هو وجه الاستدلال بالسَّلَم على جواز زيادة قيمة السلعة مقابل تأجيل الثمن.

المقدم: أحسن الله إليكم، وأثابكم، ونفعنا بعلمكم.

وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 2240، ومسلم: 1604.
2 رواه أبو داود: 3357، والحاكم: 2340.
3 رواه البخاري: 2168، ومسلم: 1504.
4 رواه البخاري: 2200، ومسلم: 1603.
5 رواه أبو داود: 3382.
6 رواه البخاري: 2750، ومسلم: 1035.
7 رواه أبو داود: 3503، والترمذي: 1232.
8 رواه البخاري: 2201، ومسلم: 1593.
9 رواه الترمذي: 1231، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
10 رواه النسائي: 4631.
11 رواه أبو داود: 3462، والبيهقي في “السنن الكبرى”: 10703.
12 رواه البيهقي في “السنن الكبرى”: 10798، والدارقطني: 3002.

مواد ذات صلة