|

(19) زدني علمًا- الدَّين

مشاهدة من الموقع

المقدم: مرحبًا بكم مستمعين الكرام إلى هذه الفقرة الأسبوعية “زدني علمًا”، مع معالي الشيخ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أسعد الله صباحك بكل خير يا شيخ سعد.

الشيخ: أهلًا حياكم الله، وحيا الله الإخوة المستمعين، وأسعد الله تعالى صباح الجميع بالخيرات والمسرات.

المقدم: أهلًا ومرحبًا بك، اليوم نريد نتكلم شيخ سعد عن موضوع الدَّين والاستدانة، أولًا: بما نفهمه عن الاستدانة بالمفهوم التقليدي أن إنسان يطلب من شخص دَين ويرجع له بعد مدة.

الآن أصبح موضوع القروض والاستدانة أصبح شاملًا في جميع المجالات مثلما الصغير والكبير أصبح مستدينًا، حول هذا الموضوع شيخنا نريد أن تكون كلماتكم في هذه الحلقة.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد كان النبي  يتعوذ بالله من غلبة الدين، فكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وفي رواية: ومن ضلع الدين وهما بمعنى واحد ومن غلبة الدين، وقهر الرجال [1].

وكما جاء هذا في الصحيحين من حديث أنس ، فقال أنس: كان النبي يكثر من هذا الدعاء، وأيضًا: جاء في حديث عائشة: أن النبي كان يكثر من أن يقول في صلاته في التشهد الأخير: اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم والمغرم هو الدين، فسأله رجل قال: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ بالله من المغرم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف [2].

وهذا يدل على أن كثرة الدين من الأمور المذمومة، وأن الإنسان ينبغي أن يتقيها، وأن يتعوذ بالله منها؛ لأن أمرًا كان النبي يتعوذ بالله منه، لا شك أنه أمر غير محمود.

لكن الإنسان إذا احتاج إلى الاستدانة فلا بأس بها، والنبي كان يستدين أحيانًا عند الحاجة، بل إنه توفي وقد اشترى لأهله ثلاثين صاعًا من شعير من يهودي، وتوفي ودرعه مرهونة عند هذا اليهودي [3]، اشترى ثلاثين صاعًا دينًا، فبقي ثمن هذه الثلاثين صاعًا من شعير بقي دينًا في ذمة النبي ، وتوفي وهذا الدين باقٍ، لكنه مرهون.

فالاستدانة عند الحاجة لا بأس بها، لكن ينبغي ألا يغرق الإنسان في الديون، وألا يكثر من الديون، وألا يستدين إلا عند الحاجة الملحة؛ لأن بعض الناس يستدين طلبًا لتحصيل كماليات، أو يستدين لأجل سفر نزهة، أو يستدين لأمور غير ضرورية، وهذا هو يعني محل الذم.

وربما تتراكم الديون على الإنسان، وإذا تراكمت الديون على الإنسان، فتتسبب في أخلاق ذميمة، ربما يكون الإنسان صالحًا يعني مؤديًا للواجبات، مجتنبًا للمحرمات مستقيمًا، لكنه بسبب تراكم الديون عليه يقع في بعض السلوكيات والأخلاق المذمومة، والتي أشار إليها النبي في قوله: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف.

فالإنسان مع كثرة الديون قد يكذب، ومع كثرة الديون قد يخلف الوعد؛ ولهذا فينبغي ألا يصل إلى هذه المرحلة، يعني لا يجعل الديون تتراكم عليه، ثم إذا استدان للحاجة، فينبغي أن يعقد العزم على وفاء الدين، وأن يحرص على الأسباب التي تعنيه على سداد الدين.

لأن هذه النية لها أثر، يقول النبي : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله [4]؛ قوله: يريد إشارة إلى النية؛ ولذلك الذي يستدين، وكما يقال: الدين يأكل معه ويشرب ويحمل همه، حتى يسدد الدين، هذا تجد أنه سرعان ما ييسر الله تعالى له سداد الدين، لكن الذي يستدين ومن نيته المماطلة، وعدم السداد، تجد أن الديون تتراكم عليه شيئًا فشيئًا، وربما في الأخير يكون مصيره إلى السجن بسبب تراكم الديون عليه.

المقدم: نعم، شيخ سعد، هل ما ذكرته يشمل الدين المجدول الذي ربما الإنسان يعني ملزم بسداده؛ لأنه مجدول على راتبه مثلًا؟

الشيخ: أولًا: إذا قيل: الدين والقرض، ما الفرق بين الدين والقرض؟ هذه مصطلحات لا بد أن نفهم معناها، القرض إذا قيل: القرض، فالقرض هو السلف، وهو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله، والدين هو كل ما ثبت في الذمة من حقوق الله، أو من حقوق الآدميين.

المقدم: الدين أشمل.

الشيخ: فالدين أشمل، أحسنت، يعني كل قرض دينًا، وليس كل دين قرضًا، فربما أنك تستدين يعني تشتري الشيء بثمن مؤجل يعتبر هذا دين.

الناس الآن يسمون التمويل قرضًا، يقول: أخذت من البنك قرضًا، وهو ما أخذ قرضًا أخذ تمويلًا؛ ولذلك فالأحسن أن يقول: أخذت تمويلًا مثلًا بالمرابحة، أخذت تمويلًا بالتورق، فعندما يأخذ الإنسان تمويلًا مجدولًا هذا يسمى دينًا، فالدين هو يعني أعم وأشمل من القرض.

المقدم: لكنه هل يعني ما ذكرته من الموضوع المتعلق بالدين، وأن الإنسان لا يفضل له الاستدانة، الآن أصبح كثير من الأمور، حتى الكماليات أصبحت البنوك تقدم تسهيلات بتمويلها من يعني الجوال وإلى السيارة والفلة وغيرها.

الشيخ: نعم، أقول: ينبغي ألا يستدين الإنسان إلا عند الحاجة، الكماليات لا، لا يستدين، إنما يشتري بقدر دخله؛ لماذا يرتب في ذمته ديونًا لأجل تحقيق كماليات؟ فهذا حتى ليس من الحكمة، لكنه من حيث الحكم الشرعي هو جائز، لكنه مذموم، من جهة أن الإنسان يعني قد تتراكم عليه الديون، وقد يتسبب هذا في أن يقع في أمور محرمة من الكذب، من إخلاف الموعد، من المماطلة في أداء الحقوق إلى أهلها.

ولهذا لما سُئل النبي عن الشهادة في سبيل الله هل تكفر الذنوب؟ قال: إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك [5]، يعني قال: إن الشهادة في سبيل الله تكفر جميع الذنوب ما عدا الدين، فالدين لا تكفره حتى الشهادة في سبيل الله، حتى الحج المبرور لا يكفر الدين، يبقى حقوق العباد لأصحابها يوم القيامة.

ولهذا ينبغي ألا يستدين الإنسان إلا عند الحاجة، وإذا استدان يحرص على السداد، فإن هذا الحرص، وهذه النية الحسنة من أسباب إعانة الله تعالى له بوفاء هذا الدين.

المقدم: نعم، قد يقال: إن بعض الشركات تسقط القرض عند وفاة الإنسان، أقصد إذا كان ما تحدثت به متعلِّق بالغرم أنه سيغرم، ما دام أن السداد مجدول، والبنك مثلًا يسقط عنه الدين إذا توفي، فربما يقول الإنسان: لم يعد للدين في مثل هذه الحالة من مغرم عليه لاحقًا.

الشيخ: الديون تختلف بالنسبة لشدة وطأتها، قد يكون الدين موثقًا برهن، قد يكون مثل ما ذكرت يعني أن له ترتيبًا معينًا؛ ولهذا النبي لما احتاج استدان، اشترى ثلاثين صاعًا من شعير، لكنه جعل لها رهنًا، فإذا كان هناك ترتيب معين لسداد هذا الدين، فهذا لا بأس به، لكن الذي نقصده ألا يتوسع الإنسان في الاستدانة، وإذا استدان ينبغي أن يحمل هم الدين، وأن يحرص على السداد، فهذا الحرص من أسباب إعانة الله له، يعني ليجعل هذا الحديث نصب عينيه: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها، أتلفه الله [6].

المقدم: شكر الله لكم معالي الشيخ الدكتور سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

وهذه تحية زميلي من التسجيل عثمان بن عبدالكريم الجويبر، إلى الملتقى بكم في حلقة قادمة، شكرًا لمتابعتكم لنا في هذه الفقرة.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 5425، ومسلم: 1365.
2 رواه البخاري: 832، ومسلم: 589.
3 رواه البخاري: 2068، ومسلم: 1603.
4 رواه البخاري: 2387.
5 رواه مسلم: 1885.
6 سبق تخريجه.

مواد ذات صلة