|

(1) مقدمة في الفقه

مشاهدة من الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران: 102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء: 1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].

أما بعد:

فهذه هي أولى حلقات هذا البرنامج، الذي أسأل الله تعالى أن يجعل فيه البركة، وأن ينفع به المستمع والمتحدث.

أيها الإخوة المستمعون: هذا البرنامج يتناول المسائل الفقهية التي يحتاج إليها الناس في حياتهم العملية، والواقع أن الناس بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى تجلية الأحكام الشرعية في تلك المسائل، وإذا أردت البرهان على ذلك فتأمل في برامج الإفتاء عبر وسائل الإعلام، تجد أن معظم استفتاءات الناس متعلقةٌ بالأحكام الفقهية.

أيها الإخوة: ومنهجنا في هذا البرنامج، هو عرض أبرز المسائل الفقهية في أبواب الفقه، مع التركيز على المسائل الواقعة التي يحتاج الناس إلى بيانها، وأن يكون ذلك العرض بأسلوبٍ سهلٍ واضحٍ يناسب جميع طبقات الإخوة المستمعين، وأن يكون مقرونًا بالدليل من الكتاب والسنة، مع نقل عباراتٍ من كلام بعض العلماء المحققين الذين تلقت الأمة علومهم بالقبول؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.

وحيث إن المسائل الخلافية كثيرةٌ، بل إن معظم مسائل الفقه لا تخلو من خلافٍ بين الفقهاء، فلا نشير للخلاف بين الفقهاء إلا إذا كان قويًّا أو مشهورًا، مع بيان القول الراجح فيما نشير إليه من المسائل الخلافية، والإشارة إلى آراء المحققين من أهل العلم فيها، مع نقل بعض قرارات الهيئات العلمية والمجامع الفقيهة في المسائل المعاصرة.

وفيما تبقى من وقت هذه الحلقة، نبدأ أيها الإخوة بمقدمة في الفقه تتضمن: تعريفه، وبيان الفرق بينه وبين أصول الفقه، ومميزات الفقه الإسلامي.

تعريف الفقه

فنبدأ أولًا بتعريف الفقه، فنقول:

الفقه في اللغة: الفهم، ومنه قول الله تعالى عن موسى عليه السلام: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ۝  يَفْقَهُوا قَوْلِي[طه: 27، 28]، وقوله سبحانه: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا[الأعراف: 179]، وقوله جل وعلا: قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ[هود: 91].

قال ابن القيم رحمه الله: “الفقه أخَصُّ من الفهم؛ لأن الفقه: فَهْمُ مراد المتكلم من كلامه، وهو قدرٌ زائدٌ على مجرد فهم اللفظ في اللغة”[1].

ومعنى الفقه في الاصطلاح: أُطلق الفقه في صدر الإسلام على فهم الأحكام الشرعية، سواءٌ كانت اعتقاديةً أو عمليةً، ولهذا صنف الإمام أبو حنيفة رحمه الله كتابًا في مسائل الاعتقاد سماه: “الفقه الأكبر”، ثم صار الفقه يطلق على العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وبهذا التعريف تَخرُج مسائل التوحيد والاعتقاد؛ لأنها ليست عمليةً، وإنما هي أحكامٌ اعتقاديةٌ.

الفرق بين الفقه وأصول الفقه

وبهذا التعريف يتبين الفرق بين الفقه وأصول الفقه؛ فالفقه يبحث في الأدلة التفصيلية من حيث الوجوب والندب والإباحة والحرمة والكراهة والصحة والفساد، بينما أصول الفقه يبحث في أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد، ولا يتعرض أصول الفقه لآحاد المسائل إلا من باب ضرب المثال.

مميزات الفقه الإسلامي

أيها الإخوة المستمعون:

وقد تميز الفقه الإسلامي عن غيره من الأحكام والقوانين الوضعية بمميزات أصيلةٍ وفريدةٍ، ويمكن تلخيصها في الآتي:

أولًا: أنه من عند الله تبارك وتعالى، فما من حكمٍ شرعيٍّ إلا وله دليلٌ من الكتاب أو السنة أو مما استنبط منهما، وأما القوانين الوضعية فهي تنظيمٌ بشريٌّ من صنع الناس، تخضع للأهواء والعواطف وعدم الإدراك الكامل للمصالح؛ ولهذا فإنها تخضع للتغيير والتبديل، فما هو ممنوعٌ اليوم قد يكون غدًا غير ممنوعٍ، والعكس.

ثانيًا: أنه شاملٌ لجميع جوانب الحياة، وهو يشمل الجوانب التعبدية وعلاقة الإنسان بربه وخالقه جل وعلا، ويشمل علاقة الإنسان بنفسه: إن لنفسك عليك حقًّا[2]، وعلاقة الإنسان بغيره من البشر، بل حتى علاقة الإنسان بالبهائم والحيوانات؛ ولهذا تعجب أحد اليهود لما علم أن النبي علم أمته آداب قضاء الحاجة، فقال: “علمكم نبيكم كل شيءٍ”[3]. حتى هذا الأمر!

وهذا الذي قد تعَجَّب منه اليهودي، نجد أن عامة كتب الفقه تعقد له بابًا مستقلًّا، تذكر فيه جملةً من الأحكام والتفصيلات الدقيقة، مما لا يوجد له نظيرٌ في أي دينٍ من الأديان، أو في أي نظامٍ من أنظمة البشر.

ثالثًا: أنه صالحٌ لكل زمانٍ ومكانٍ؛ إذ إنه ما من قضية تقع إلا ولله تعالى فيها حكمٌ، علمه من علمه وجهله من جهله، ولهذا فإن الفقه الإسلامي ظلَّ مستوعبًا لجميع القضايا والنوازل والمشكلات التي حلت بالأمة الإسلامية على مدار أربعة عشر قرنًا، واجتهد فقهاء تلك العصور في تقرير الأحكام الشرعية لتلك النوازل والقضايا، وفي الوقت الحاضر نجد أن الفقهاء يجتهدون في تنزيل الأحكام الشرعية على القضايا والمسائل المستجدة.

رابعًا: التيسير ورفع الحرج عن المكلفين؛ فإن هذه الشريعة قد جاءت باليسر ورفع الحرج عن العباد، قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[البقرة: 185]، وقال: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج[الحج: 78]، وقال: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[البقرة: 286].

خامسًا: تعظيم الدليل من الكتاب والسنة، ولهذا؛ فإن فقهاء الإسلام يعتمدون في تقرير الأحكام الفقهية على الأدلة الشرعية، بل نجد أنهم يستنبطون من الدليل الواحد أحكامًا كثيرةً، والعلم إنما هو معرفة الحق بدليله، ولهذا؛ فإن المقلد ليس معدودًا من العلماء.

قال الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله: “أجمع العلماء على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم”، قال ابن القيم -رحمه الله- معلقًا: “وهذا كما قال أبو عمر بن عبدالبر رحمه الله؛ فإن الناس لا يختلفون في أن العلم هو: المعرفة المتأصلة عن الدليل، أما بدون الدليل فإنما هو تقليد”[4].

كتب الحديث لا تغني عن كتب الفقه

أيها الإخوة المستمعون:

بقي أن نشير إلى مقولة قد تتردد على ألسنة بعض الناس، مفادها: أنه لا حاجة لكتب الفقه، وأنه يمكن أن يُستغنى عنها بكتب الحديث، وهذه المقولة غير صحيحةٍ، فلا غنًى للناظر في كتب الفقه عن كتب الحديث، ولا غنًى للناظر في كتب الحديث عن كتب الفقه، والذي يقتصر على كتب الحديث دون كتب الفقه، تفوته مسائل كثيرةٌ؛ إذ إن كثيرًا من المسائل الفقهية تعتمد على النظر والبناء على الأصول والقواعد الشرعية، بل إن بعض الأبواب الفقهية -وبخاصةٍ أبواب المعاملات- لا يوجد فيها سوى حديثٍ أو حديثين، بينما يذكر فيها الفقهاء عشرات المسائل المبنية على الأصول والقواعد والنظر الصحيح.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يجعلنا من ورثة الأنبياء والمرسلين.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 إعلام الموقعين: 1/ 167.
2 رواه أبو داود: 1369، وأحمد: 26308.
3 رواه مسلم: 262/ 57.
4 إعلام الموقعين: 1/ 6.

مواد ذات صلة