الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(4) الطهارة وأقسام الماء
|

(4) الطهارة وأقسام الماء

مشاهدة من الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المستمعون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله تعالى في هذه الحلقة الجديدة من هذا البرنامج.

يفتتح الفقهاء كتب الفقه بأحكامِ ومسائلِ الطهارة، وذلك؛ لأن الطهارة مفتاح الصلاة التي هي آكد أركان الصلاة بعد الشهادتين، وما كان مفتاحًا للشيء وشرطًا له فهو مقدمٌ عليه طبعًا، فيقدم عليه وضعًا، ولأنها تخلية من الأذى، والتخلية قبل التحلية.

تعريف الطهارة

ومعنى الطهارة لغةً: النظافة والنزاهة عن الأقذار.

ويعرفها الفقهاء بأنها: ارتفاع الحَدَث وما في معناه، وزوال الخَبَث.

فقولهم في التعريف: “ارتفاع الحدث”. أي: زوال الحدث، و”الحدث”: وصفٌ يكون بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة، أي أن الحدث وصفٌ معنويٌّ، وليس شيئًا حسيًّا يمكن مشاهدته، وهذا الوصف يمنع من الصلاة وما يشترط له الطهارة.

وقولهم: “وما في معناه”. أي: ما في معنى ارتفاع الحدث، كالحاصل بالوضوء المستحب.

وقولهم: “وزوال الخبث”. أي: النجاسة.

الأصل في الأشياء الطهارة

واعلم أخي المستمع أن “الأصل في الأشياء الطهارة”، وبناء على ذلك؛ إذا شككت في نجاسة ماءٍ أو ثوبٍ أو إناءٍ أو بقعةٍ أو غير ذلك، فالأصل الطهارة.

مثال ذلك: أراد رجلٌ أن يصلي في مكانٍ ما، فقال له آخر: يحتمل أن هذا المكان الذي تريد أن تصلي فيه به نجاسةٌ، فنقول: الأصل الطهارة، فإذا لم يتيقن أن بهذا المكان نجاسةً، فله أن يصلي فيه. قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله: “وأدلة هذا الأصلِ من الكتاب والسنة كثيرةٌ، وما أنفع هذا الأصل وأكثر فائدته! وهو من نعم الله على عباده وتيسيره وعفوه، ونفيه الحرج عن هذه الأمة”.

فإن قال قائلٌ: إذا وجدتُ ماءً ولا أدري هل هو طهورٌ أو نجسٌ، فهل يشرع تركه احتياطًا؟

نقول: لا يشرع، إلا إذا وجدت أماراتٍ ظاهرةً على نجاسته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “الاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه، ليس مستحبًّا ولا مشروعًا، بل ولا يستحب السؤال عن ذلك، بل المشروع أن يبني الأمر على الاستصحاب؛ فإن قام دليلٌ على النجاسة نجسّناه، وإلا فلا يستحب أن يجتنب النجاسةَ بمجرد احتمال النجاسة، وأما إذا قامت أمارة ظاهرةٌ فذاك مقامٌ آخر”[1].

قال: “والدليل القاطع: أنه مازال النبي والصحابة والتابعون يتوضؤون ويغتسلون ويشربون من المياه في الآنية والدِّلاء الصغار والحياض وغيرها، مع وجود هذا الاحتمال، بل كل احتمالٍ لا يستند إلى أمارةٍ شرعيةٍ لم يلتفت إليه.

وأما الماء فهو في نفسه طهورٌ، ولكن إذا خالطته النجاسة وظهرت فيه صار استعماله استعمالًا لذلك الخبيث؛ فيكون إنما نُهي عن استعماله لما خالطه من الخبيث، لا لأنه في نفسه خبيثٌ، فإن لم يكن هنا أمارةٌ ظاهرةٌ على مخالطة الخبيث له، كان هذا التقدير والاحتمال -مع طيب الماء وعدم التغيير فيه- من باب الحرج الذي نفاه عن شريعتنا، ومن باب الآصار والأغلال المرفوعة عنا، وقد ثبت أن عمر بن الخطاب توضأ من جرةِ نصرانيةٍ مع قيام هذا الاحتمال، ومر عمر بن الخطاب وصاحبٌ له بميزابٍ[2]، فقال صاحبه: يا صاحب الميزاب ماؤك طاهرٌ أو نجسٌ؟ فقال عمر: “يا صاحب الميزاب لا تخبره”. وقد نصّ على هذه المسألة الأئمة كأحمد وغيره، ونصوا على أنه إذا سقط عليه ماءٌ من ميزابٍ ونحوه، ولا أمارةَ تدل على النجاسة لم يلزم السؤال عنه، بل يكره”[3].

أقسام الماء

أيها الإخوة المستمعون:

يقسم بعض الفقهاء الماء إلى ثلاثة أقسامٍ: طهورٍ وطاهرٍ ونجسٍ.

أما الطهور: فهو الطاهر في نفسه المطهر لغيره.

وأما الطاهر: فهو الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، كما لو تغير طعم الماء أو لونه أو ريحه بطاهرٍ، كزعفرانٍ مثلًا.

وأما النجس: فهو ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسةٍ.

ولكن الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم: هو أن الماء ينقسم إلى قسمين: طهورٍ ونجسٍ، ولا وجود لقسم ثالثٍ يكون فيه الماء طاهرًا غير مطهرٍ، بل إذا تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه بنجاسةٍ فهو نجسٌ، وإلا فهو طهورٌ، وأما إذا خالط الماء شيءٌ طاهرٌ؛ فإن كان غلب عليه، حتى غير اسمه فلم يعد يسمى ماءً، بل يسمى مرقًا أو لبنًا أو خلًّا أو صبغًا ونحو ذلك، فهذا ليس بماءٍ أصلًا، والطهارة لا تصح بغير الماء.

قال الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا[النساء: 43]. وهذا لا يقع عليه اسم الماء أصلًا.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “لا نعلم فيه خلافًا”[4].

وأما إذا غير هذا الطاهرُ طعم الماء أو لونه أو رائحته؛ فالصحيح: أنه طهورٌ مادام التغير بطاهرٍ وليس بنجسٍ، ومادام أن اسم الماء لا زال باقيًا، وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة

وإذا تغير لون الماء أو طعمه أو رائحته بنجاسة، فهو نجسٌ بالإجماع، وأما إذا وقعت فيه نجاسةٌ، ولم يتغير طعمه ولا لونه ولا رائحته، فهل ينجس؟

اختلف الفقهاءُ في ذلك على أقوال؛ أشهرها قولان:

القول الأول: إذا كان الماء دون قلتين، فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، وأما اذا كان أكثر من قلتين، فلا ينجس إلا بتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وإليه ذهب الشافعية، والحنابلة في ظاهر المذهب.

واستدلوا بقول النبي : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث [5].

والقول الثاني: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير مطلقًا، سواءٌ بلغ قلتين أو لم يبلغ، ولكن ما دون القلتين ينبغي للإنسان أن يتحرز إذا وقعت فيه النجاسة؛ لأن الغالب أن ما دونهما يتغير، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، والله تعالى أعلم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وجمع من المحققين من أهل العلم.

ويدل لهذا القول حديث أبي سعيدٍ الخدري  أن النبي  سُئل: أنتوضأ من بئر بضاعة؟ -وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن- فقال رسول الله : إن الماء طهورٌ لا ينجِّسه شيءٌ [6]، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، وقد صححه الإمام أحمد وابن معينٍ.

ويدل لهذا القول من النظر: أن علة النجاسة: الخَبَث، فمتى وُجد الخبث والنجاسة في الماء فهو نجسٌ، وإلا فهو طهورٌ.

الجمع بين حديث القلتين وحديث: إن الماءَ طهورٌ…

بقي أن يقال: إن حديث القلتين قد صححه بعض أهل العلم، وهو يدل بمفهومه على أن ما كان دون القلتين فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، فكيف يجاب عن ذلك؟

نقول: إن حديث القلتين قد دل بمنطوقه على أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس، وهذا ليس على عمومه؛ بل يستثنى منه: إذا تغير الماء بالنجاسة، فإنه ينجس ولو بلغ قلتين فأكثر، بإجماع العلماء.

ودل حديث القلتين بمفهومه على أن الماء إذا كان دون قلتين فإنه ينجس، فنقول: إن المراد: أنه ينجس إذا تغير بنجاسة، وأما إذا لم يتغير بنجاسة فلا ينجس؛ جمعًا بين هذا الحديث وحديث إن الماءَ طَهورٌ لا ينجسه شيءٌ[7].

ويتفرع عن هذه المسألة: ما إذا أخذ رجل ماءً ليتوضأ به، وهذا الماء قليلٌ دون القلتين، فأصابه رشاش بولٍ لم يتغير به الماء، فهل نقول إن هذا الماء قد تنجس برشاش البول الذي أصابه؟

الجواب:

على القول الأول: نعم، يكون قد تنجس وإن لم يتغير؛ لأن الماء القليل عندهم، وهو ما دون القلتين يتنجس بأدنى نجاسةٍ تلاقيه.

وعلى القول الثاني: يبقى هذا الماء على طهوريته؛ لكونه لم يتغير بالنجاسة، وسبق القول بأن هذا القول الأخير هو القول الراجح في المسألة الذي تجتمع به الأدلة.

أيها الإخوة المستمعون:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 مجموع الفتاوى: 21/ 56.
2 الميزاب وهو أنبوبة من الحديد ونحوه تركب في جانب البيت من أعلاه لينصرف منها ماء المطر المتجمع. المعجم الوسيط: (زرب).
3 مجموع الفتاوى: 21/ 56، 57.
4 المغني: 1/ 24.
5 رواه أبو داود: 63، والترمذي: 67، وابن ماجه: 517، وأحمد: 4605.
6 أبو داود: 66، والترمذي: 66، والنسائي: 326، وأحمد: 11257، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
7 سبق تخريجه.

مواد ذات صلة