الرئيسية/برامج إذاعية/فقه المعاملات/(52) الإجارة- أحكام ومسائل
|

(52) الإجارة- أحكام ومسائل

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أحكام ومسائل الإجارة

يتجدد بكم اللقاء في هذه الحلقة والتي نستكمل فيها أحكام ومسائل الإجارة.

أنها عقدٌ لازمٌ بين الطرفين

فنقول: من أحكام الإجارة: أنها عقدٌ لازمٌ بين الطرفين -أيْ المؤجِّر والمستأجر- وذلك؛ لأنها نوعٌ من البيع، فهي بيع منافع، والبيع عقدٌ لازم فالإجارة كذلك.

ومعنى قولنا: إن الإجارة عقدٌ لازم أي أنه ليس لأحدٍ من الطرفين فسخها إلا برضا الطرف الآخر، مثال ذلك: رجلٌ استأجر من آخر بيتًا وفي اليوم التالي بدا للمؤجِّر أو للمستأجر فسخ عقد الإجارة، فنقول: ليس له ذلك إلا برضا الطرف الآخر.

ويُستثنى من هذا ما إذا وجد المستأجر بالعين المستأجَرَة عيبًا لم يعلم به حال العقد، فله فسخ عقد الإجارة حينئذ عند عامة أهل العلم.

حكم الإجارة مع موت المؤجر أو المستأجر

ولكن ما الحكم في الإجارة مع موت المؤجِّر أو المستأجر، هل تنفسخ أو لا تنفسخ؟

مثال ذلك: رجلٌ استأجر من آخر عقارًا لمدة خمس سنين مثلًا، ثم مات المؤجِّر أو المستأجر، فهل تنفسخ الإجارة؟

نقول: إن الإجارة لا تنفسخ بموت المؤجِّر أو المستأجر في قول جمهور الفقهاء؛ وذلك لأنها عقدٌ لازم فلم ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه.

حكم بيع العين المستأجرة

ومن أحكام الإجارة: أنه يصح بيع العين المستأجرة سواء باعها للمستأجر أو لغيره.

مثال ذلك: رجلٌ أجر آخر عقارًا لمدة ثلاث سنين، ثم بدا للمؤجِّر بعد مضي شهرين مثلًا أن يبيع ذلك العقار، فلا بأس بذلك، ويبقى المستأجر على عقد الإجارة؛ لأن الإجارة -كما سبق- من العقود اللازمة فلا تبطل بمجرد بيع المؤجِّر للعين المؤجَّرة.

وأما المشتري لتلك العين المؤجَّرة فلا يخلو إما أن يكون عالمًا بذلك التأجير، أو لا يكون عالمًا بذلك.

فإن لم يكن عالمًا بأن تلك العين التي اشتراها مؤجَّرة، فإن الخيار له حينئذ بين الفسخ أو إمضاء البيع؛ وذلك لأن بيعه عين المؤجَّرة يعتبر عيبًا ونقصًا، فإذا لم يعلمه البائع بذلك حال العقد كان له الخيار بين إمضاء ذلك البيع أو فسخه.

أما إذا كان المشتري عالمًا بأن تلك العين التي قد اشتراها أنها مؤجَّرة فإنه لا يتسلّم تلك العين إلا بعد انقضاء تلك الإجارة، وإن كان يملك تلك العين، ولكن يملكها مسلوبة المنفعة إلى حين انقضاء الإجارة.

حكم تنازل المستأجر عما استأجره لشخص آخر

ومن أحكام الإجارة: أنه يجوز للمستأجر التنازل عمّا استأجره لشخصٍ آخر مقابل مقدارٍ من المال؛ وذلك لأن الإجارة بيع منافع والمستأجر يملك منفعة ما يستأجره، ومن ثمَّ فله التصرُّف فيها مدة إجارته بالتأجير لمستأجرٍ آخر، أو بالتنازل عمّا استأجره مقابل مبلغٍ من المال.

تعريف “بدل الخلو” وحكمه

ويتفرّع عن هذه المسألة مسألةٌ مهمة جديرة بالعناية وتفصيل الكلام فيها، وهي ما تُعرف بمسألة “بدل الخلو”، فما هو بدل الخلو، وما حكمه الشرعي؟

نقول: بدل الخلو: هو المنفعة التي يملكها دافع النقود إلى المالك أو إلى المستأجر قبله ليحصل على حق القرار في العقار.

وقيل في تعريفه: بأنه مبلغٌ من المال يدفعه الشخص نظير تنازل المنتفع بعقارٍ عن حقه في الانتفاع به، ويسمي بعض الناس بدل الخلو في الوقت الحاضر يسمونه بـ “نقل القدم”، أو “تقبيل المحل” ونحو ذلك.

وله عدة صور أبرزها: أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين مستأجرٍ جديد في أثناء مدة عقد الإجارة، ونوضح هذا بالمثال، فنقول مثال ذلك: أن يستأجر رجل محلًا تجاريًّا، ويدخل عليه تحسينات وإصلاحات، فيأتي إليه من يريد منه أن يتنازل عنه باقي مدة عقد الإجارة ليحل محلَّه فيه، ويعطيه مقابل ذلك مبلغًا من المال، فما حكم ذلك من الناحية الشرعية؟

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في مسألة “بدل الخلو”

نقول: هذه المسألة قد بُحِثت من قِبل مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، وذلك في دورة مؤتمره الرابع، المنعقد بمدينة جدة، وقد قرر الجواز في هذه المسألة، وذكر صورًا أخرى تدخل تحت مسمى “بدل الخلو”، وفيما يأتي أنقل قرار المجمع:

إن مجمع الفقه الإسلامي بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع بخصوص بدل الخلو، وبناء عليه قرر ما يلي:

أولًا: تُقَسَّم صور الاتفاق على بدل الخلو إلى أربع صور وهي:

  1. أن يكون الاتفاق بين مالك العقار وبين المستأجر عند بدء العقد.
  2. أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين المالك، وذلك في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.
  3. أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين مستأجر جديدٍ، في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.
  4. أن يكون الاتفاق بين المستأجر الجديد وبين كلٍّ من المالك والمستأجر الأول، قبل انتهاء المدة، أو بعد انتهائها.

ثانيًا: إذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغًا مقطوعًا زائدًا عن الأجرة الدورية -وهو ما يسمى في بعض البلاد خلوًا-، فلا مانع شرعًا من دفع هذا المبلغ المقطوع على أن يُعَد جزءًا من أجرة المدة المتفق عليها، وفي حالة الفسخ تطبّق على هذا المبلغ أحكام الإجارة.

ثالثًا: إذا تم الاتفاق بين المالك وبين المستأجر أثناء مدة الإجارة، على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغًا مقابل تخلِّيه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة، فإن بدل الخلو هذا جائزٌ شرعًا؛ لأنه تعويضٌ عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك.

أما إذا انقضت مدة الإجارة، ولم يتجدد العقد، صراحة أو ضمنًا، عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له، فلا يحل بدل الخلو؛ لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.

رابعًا: إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول والمستأجر الجديد في أثناء مدة الإجارة، على التنازل عن بقية مدة العقد لقاء مبلغٍ زائدٍ عن الأجرة الدورية، فإن بدل الخلو هذا جائزٌ شرعًا، مع مراعاة عقد الإجارة المبرم بين المالك والمستأجر الأول، ومراعاة ما تقضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية.

أما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المدة فلا يحل بدل الخلو؛ لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين.

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، وإلى لقاءٍ في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مواد ذات صلة