الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(66) شروط صحة الصلاة- استقبال القبلة
|

(66) شروط صحة الصلاة- استقبال القبلة

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

لا يزال الحديث موصولًا عن شروط صحة الصلاة:

 شرط استقبال القبلة، والمراد بالقبلة: الكعبة، سميت قبلةً لأن الناس يستقبلونـها بوجوههم، ويؤمونـها ويقصدونـها.

حكم استقبال القبلة للصلاة

وقد أجمع العلماء على أن استقبال القبلة شرطٌ لصحة الصلاة، والأصل فيه قول الله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:150].

وقد كان النبي  والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس، فلـمَّا هاجر صلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، ثم حُوِّلت القبلة إلى الكعبة.

وقد أخرج البخاري ومسلمٌ في صحيحيهما عن البراء بن عازبٍ  قال: “كان رسول الله صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله يحب أن يُوجَّه إلى الكعبة، فأنزل الله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [البقرة:144]، فتوجَّه نحو الكعبة، سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:142].

فصلى مع النبي رجلٌ، ثم خرج بعدما صلى، وكانت أول صلاةٍ يصليها بعد تحويل القبلة إلى الكعبة، فمرَّ هذا الرجل على قومٍ من الأنصار في صلاة العصر، وهم يصلون نحو بيت المقدس، فقال لهم: أشهد أني صليت مع رسول الله ، وأنه تَوجَّه نحو الكعبة، فتحرَّف القوم -أي: انحرفوا- حتى توجهوا نحو الكعبة [1].

ومـحبَّة النبي للتوجه نحو الكعبة؛ لأنـها قبلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ ولأن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمدٌ، ويتبع قبلتنا؟!

فضل استقبال القبلة

وقد وردت السنة بتعظيم شأن القبلة: فقد نـهى النبي  عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائطٍ أو بولٍ تعظيمًا لشأن القبلة، يقول عليه الصلاة والسلام: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائطٍ ولا بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا [2]، متفقٌ عليه.

قال البخاري في صحيحه: “بابٌ: فضل استقبال القبلة” ثم ساق بسنده عن أنسٍ  قال: قال رسول الله : من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمَّة الله وذمَّة رسوله، فلا تُـخْفِروا الله في ذمته [3].

وفي لفظٍ آخر عند البخاري: …. وأكلوا ذبيحتنا، فقد حَرُمَت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابـهم على الله [4].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “في هذا الحديث تعظيم شأن القبلة، وذكر الاستقبال بعد الصلاة للتنويه به، وإلا فهو داخلٌ في الصلاة؛ لكونه من شروطها”.

أقسام الناس في استقبال القبلة

الناس في استقبال القبلة على ضربين:

  • الأول: من يلزمه إصابة عين الكعبة.
  • والثاني: من فرضه استقبال جهة الكعبة، ولا يلزمه إصابة عينها.

أما الأول: وهو من يلزمه إصابة عين الكعبة؛ فهو من كان قريبًا منها، بحيث يـمكنه معاينتها، وقد أجمع العلماء على ذلك، وبـهذا يتبيَّـن خطأ أولئك الذين يصلون في المسجد الحرام، ويـمكنهم مشاهدة الكعبة، ولا يستقبلون عين الكعبة في صلواتـهم، وإنـما يستقبلون جهتها، وبعضهم يتجه إلى يـمين الكعبة، وبعضهم يتجه إلى يسار الكعبة، فهؤلاء قد أخلوا بشرطٍ من شروط صحة الصلاة، وهو شرط استقبال القبلة.

وأضاف بعض الفقهاء: من كان يصلي بـمسجد النبي ، قالوا: فيلزمه إصابة عين الكعبة؛ لأن قبلته متيقَّنة؛ لِمَا روى الزبير بن بكَّار في (أخبار المدينة) عن جُبَير بن مطعم : أن رسول الله قال: ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى رُفِعت لي الكعبة، فوضعتها أَمَّها أي: اتجاهها.

وعللوا لقولهم: بأن قبلة النبي مُتيقَّنة؛ بأنه عليه الصلاة والسلام لا يُقَرُّ على الخطأ.

ولكن هذا القول محل نظر، فإن الحديث الذي استدل به أصحاب هذا القول: من أن الكعبة رفعت للنبي ، حتى رآها، ووضع قبلة مسجده عليها، حديث ضعيفٌ من جهة السند، لا تقوم به حجة.

وأما ما ذكروه من التعليل، فقد أجاب عنه الموفق ابن قدامة رحمه بقوله: “وفي ذلك نظر؛ لأن صلاة الصف المستطيل في مسجد النبي  صحيحةٌ، مع خروج بعضهم عن استقبال عين الكعبة، لكن الصف أطول منها، وقولهم: إنه   لا يُقَر على الخطأ صحيحٌ، لكن إنـما الواجب عليه استقبال الجهة، وقد فعله”.

ثم إنه يلزم على هذا التعليل الذي ذكروه: أن كل مكانٍ صلى فيه النبي ، فقبلته إلى عين الكعبة، وهذا يشمل مسجد قباء، وكل موضعٍ صلى فيه النبي ، ولـم يقل بذلك أحدٌ من العلماء.

أما الضرب الثاني من الناس بالنسبة لاستقبال القبلة: من كان فرضه إصابة جهة الكعبة، ولا يلزمه إصابة عينها: وهو البعيد عن الكعبة.

ويدل لذلك قول النبي : ما بين المشرق والمغرب قبلة [5]، أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ، وقال: “حديثٌ حسنٌ صحيح”.

ويدل لذلك أيضًا: ما جاء في الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري : أن النبي قال: لا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بولٍ ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا [6]، فقوله عليه الصلاة والسلام: ولكن شرقوا أو غربوا يريد بذلك عكس القبلة، فيكون ما بين المشرق والمغرب بالنسبة لأهل المدينة قبلة، فيكون الجنوب كله قبلةً لهم، وهكذا ما ماثل المدينة من البلدان، مـمن قبلتهم جهة الجنوب، ومثلهم من كان قبلتهم جهة الشمال، فما بين المشرق والمغرب قبلةٌ بالنسبة لهم.

أما من كانت قبلتهم جهة الشرق، أو جهة الغرب، فإن ما بين الشمال والجنوب قبلةٌ لهم.

وينبني على هذا: أن الانحراف اليسير عن القبلة لا يضر؛ لأن الواجب في هذه الحال إصابة الجهة، فلا يضر التيَامُن أو التيَاسُر اليسيران عُرْفًا، بحيث لا يخرج عن جهة القبلة.

حكم الصلاة في موضع عال عن الكعبة

ومن المسائل المتعلقة بـهذا الشرط:

أن من صلى في موضعٍ عالٍ يخرج عن مُسامَتة الكعبة، أو في مكانٍ ينزل عن مُسامَتتها؛ صحت صلاته؛ لأن الواجب استقبالها وما حاذاها من فوقها وتحتها، بدليل: أنه لو افترض أنَّـها زالت؛ صحَّت الصلاة إلى موضع جدارها.

أيها الإخوة، هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونستكمل الحديث عن بقية المسائل المتعلقة بـهذا الشرط، في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 399، ومسلم: 525.
2, 6 رواه البخاري: 394، ومسلم: 264.
3 رواه البخاري: 391.
4 رواه البخاري: 392.
5 رواه الترمذي: 342، وابن ماجه: 1011.

مواد ذات صلة