الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(74) آداب المشي إلى الصلاة- السكينة ومقاربة الخُطى
|

(74) آداب المشي إلى الصلاة- السكينة ومقاربة الخُطى

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه إلى يوم الدين.

تحدثنا عن شروط صحة الصلاة، وننتقل بعد ذلك للحديث عن صفة الصلاة؛ وسيكون حديثنا هنا: عن آداب المشي إلى الصلاة.

وهذه الآداب يتكلم عنها العلماء قُبَيل كلامهم عن صفة الصلاة، فنقول:

أن يمشي إليها بسكينةٍ ووقار

من آداب المشي إلى الصلاة: أن يمشي إليها بسكينةٍ ووقار، لِمَا جاء في الصحيحين عن أبي قتادة قال: “بينما نحن نصلي مع النبي ؛ إذ سمع جَلبَة رجال، أي: أصواتـهم وحركاتـهم، فلـمَّا صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسَّكِينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتـمُّوا [1].

وفي الصحيحين عن أبي هريرة ، عن النبي قال: إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسَّكِينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتـِمُّوا [2].

قال النووي رحمه الله: “الظاهر أن بين السكينة والوقار فرقًا، فالسكينة: التأنِّـي في الحركات، واجتناب العبث، والوقار يكون في الهيئة..، في غضِّ البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات”.

الحكمة من المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار

والحكمة من الأمر بالسكينة الوقار لمن يـمشي إلى الصلاة: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “الحكمة في هذا الأمر تستفاد من زيادةٍ وقعت في (صحيح مسلم) من طريق العلاء بن أبيه، عن أبي هريرة ، فذكر نحو هذا الحديث، وقال في آخره: فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة [3]، أي: أنه في حكم المصلي، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه”.

حكم الإسراع لإدراك تكبيرة الإحرام

وقد رخَّص بعض العلماء في الإسراع اليسير لإدراك تكبيرة الإحرام فلا يكره؛ لآثارٍ رويت في هذا عن بعض الصحابة.

قال الإمام أحمد: “إن طمع في أن يُدرك التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسرع شيئًا، ما لَـم تكن عجلةً تقبُح؛ لِمَا جاء أن أصحاب رسول الله  كانوا يعجلون شيئًا إذا تـخوَّفوا فوات التكبيرة الأولى، ولا يكره كذلك الإسراع مطلقًا، إذا خشي أن تفوته الجمعة أو الجماعة”.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “يُكره الإسراع الشديد مطلقًا، وإن فاته بعض الصلاة؛ لنهي النبي عن ذلك، ويكره الإسراع اليسير إلا إذا خاف فوات تكبيرة الإحرام، وطمع في إدراكها؛ لِمَا ذكره الإمام أحمد عن أصحاب رسول الله .

قال: فأما الإسراع لإدراك الركعة فباقٍ على عموم الحديث، بل هو المقصود منه؛ لأن الفوات إنـما يكون بفوات الركعة؛ ولأنه قال لأبي بكرة لـمَّا أسرع لإدراك الركوع: زادك الله حرصًا، ولا تَعُد [4].

قال رحمه الله: “وإن خشي فوات الجماعة أو الجمعة، فلا يكره له الإسراع؛ لأن ذلك لا ينجبـر إذا فات، وقد علل الأمر بالسكينة بقوله: ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتـموا [5]، فمن لا يرجو إدراك شيءٍ إذا مشى وعليه سكينة، فلا يدخل في هذا الحديث”.

أن يُقارب بين خُطَاه

وينبغي للماشي إلى المسجد: أن يُقارب بين خُطَاه لتكثر خُطَاه إلى المسجد؛ فيكون له زيادة أجر، لِمَا جاء في الصحيحين عن أبي هريرة : أن رسول الله قال: إن أحدكم إذا توضأ فأحسن، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لَـم يخط خطوةً إلا رفعه الله بـها درجة، وحطَّ عنه بـها خطيئة، حتى يدخل المسجد [6]، وقد روي في هذا آثارٌ عن بعض أصحاب النبي .

وفي (صحيح مسلم) عن أبي موسى  قال: قال رسول الله : إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها مـمشى فأبعدهم [7].

وفي الصحيحين من حديث جابر  قال: “خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سَلِمَة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ، فقال لهم: يا بني سَلِمة! دياركم تكتب آثاركم [8] والمعنى: الزموا دياركم، فإنكم إذا لزمتموها كتبت آثاركم وخطاكم الكثيرة إلى المسجد.

ولا يدل هذا الحديث على أن السُّكْنَـى بعيدًا عن المسجد أفضل من السُّكْنَـى بقرب المسجد، بل السكنى بقرب المسجد أفضل، وكراهية النبي لبني سلمة القرب من المسجد لأجل أن تبقى جهات المدينة عامرةً بسكانـها، كما يدل لذلك رواية البخاري، كما في حديث أنسٍ : “أن بني سلمة أرادوا أن يتحوَّلوا عن منازلهم، فينزلوا قريبًا من النبي ، قال: فكره رسول الله أن يُعْرُوا المدينة، فقال: ألا تحتسبون آثاركم؟! [9].

فقوله: “كره النبي أن يعروا المدينة” أي: أن يتركوها خالية، يُقَال: أعراه إذا أخلاه، والعراء: الأرض الخالية.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “ونَبَّه بـهذه الكراهة على السبب في منعهم من القرب من المسجد؛ لتبقى جهات المدينة عامرةً بسكانـها، واستفادوا بذلك كثرة الأجر؛ لكثرة الخطى في المشي إلى المسجد”.

قال الحافظ رحمه الله: “وفيه استحباب السُّكْنَـى بقرب المسجد، إلا لمن حصلت به منفعةٌ أخرى، أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي، ما لَـم يحمل على نفسه، ووجهه: أنَّـهم طلبوا السُّكْنـى بقرب المسجد للفضل الذي علموه من النبي ، فما أنكر النبي ذلك، بل رجَّح درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة، على المصلحة المذكورة، وأعلمهم بأن لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب المسجد، أو يزيد عليه”.

أيها الإخوة، الأجر الذي يُكتَب للماشي إلى المسجد بأن يُرفع له بكل خطوةٍ يخطوها درجةٌ، ويُـحَطَّ عنه بـها خطيئةٌ، لا يختص بالذهاب للمسجد فقط، بل يشمل أيضًا الرجوع من المسجد للمنزل.

ويدل لذلك: ما جاء في “صحيح مسلمٍ” عن أبي بن كعبٍ قال: كان رجلٌ لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تُـخطِئُه صلاة، فقيل له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي مـمشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال النبي : قد جمع الله لك ذلك كله [10].

قال النووي رحمه الله: “فيه إثبات الثواب في الخطى في الرجوع من الصلاة، كما يثبت في الذهاب”.

وهذا الرجل قد فهم أنه لو ركب الحمار؛ لَـم يكتب له أجر ذهابه إلى المسجد، وأجر رجوعه؛ ولهذا فضَّل أن يستمر على ما كان عليه من الذهاب إلى المسجد، والرجوع منه ماشيًا، وقد أقرَّه النبي على هذا الفهم، وقال له: قد جمع الله لك ذلك كله.

هل أجر الماشي إلى المسجد يكتب للراكب؟

وقد كانت أبرز وسيلةٍ للركوب في زمنهم الحمار، وفي وقتنا الحاضر من أبرز وسائل المواصلات: السيارات، وبناءً على ذلك: من ذهب إلى المسجد راكبًا السيارة، الظاهر أنه لا يُكتب له الأجر الوارد في فضل الذهاب للمسجد، من أن يُرفَع له بكل خطوةٍ يخطوها درجة، ويحط عنه بـها خطيئة، وإنـما يختص هذا الأجر بالماشي.

ولو كان أجر الراكب وأجر الماشي إلى المسجد سواءً، لقال النبي لذلك الرجل: إن ركوبك للحمار لا يـمنعك من أن تحصل على أجر الذهاب للمسجد، لكن النبي أقرَّ ذلك الرجل على فهمه، في أن الأجر إنـما يحصل للماشي فقط دون الراكب.

وينبغي لمن ذهب إلى المسجد لأداء الصلاة: أن يستشعر أنه من حين خروجه من بيته فهو في صلاة.

لقول النبي : فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى صلاةٍ فهو في صلاة وإذا كان في صلاةٍ فينبغي أن يكون في سكينةٍ في الألفاظ والحركات، وفي وقارٍ في الهيئة؛ لأنه في صلاة، أي: في حكم المصلي؛ ولأنه مقبلٌ على مكانٍ يقف فيه بين يدي رب العالمين.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا من المعظِّمين لشعائره وحرماته، وأن يوفقنا لِمَا يحب ويرضى من صالح القول والعمل، وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1, 5 رواه البخاري: 635، ومسلم: 603.
2 رواه البخاري: 636، ومسلم: 602.
3 رواه مسلم: 602.
4 رواه البخاري: 783.
6 رواه البخاري: 477، ومسلم: 649.
7 رواه مسلم: 662.
8 رواه البخاري: 1887، ومسلم: 665.
9 رواه البخاري: 1887.
10 رواه مسلم: 663.

مواد ذات صلة