الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(75) آداب المشي إلى الصلاة- مسائل متنوعة
|

(75) آداب المشي إلى الصلاة- مسائل متنوعة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه إلى يوم الدين.

تحدثنا عن جملةٍ من آداب المشي إلى الصلاة، ونستكمل الحديث عن بقيَّتها:

دعاء الخروج من المنزل

أن يقول بعد خروجه من المنزل ما ورد في ذلك من الذكر؛ ومنه: ما جاء في حديث أنسٍ : أن النبي قال: إذا خرج الرجل من بيته فقال: باسم الله، توكَّلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقال له حينئذٍ: هُدِيْت، وَكُفِيت، ووُقِيْت، ويتنَحَّى عنه الشيطان، ويقول الشيطان لآخر: كيف لك برجلٍ قد هُدِي وكُفِي ووُقِي؟! [1]، أخرجه أبو داود والترمذي، وله شاهدٌ من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه [2]؛ والحديث صحيحٌ بـمجموع طرقه وشواهده.

وهذا الذكر: باسم الله، توكَّلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله ليس خاصًّا بالذهاب للمسجد، وإنـما هو شاملٌ للخروج من المنزل، سواءٌ كان خروجًا للمسجد أو لغيره.

وجاء في “صحيح مسلمٍ” من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي كان يقول إذا خرج إلى الصلاة: اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا [3].

لكن جاء في بقية روايات مسلمٍ لهذا الحديث: أن النبي كان يقول في صلاته، أو في سجوده، وجاء في رواية البخاري: وكان يقول في دعائه: اللهم اجعل في قلبي نورًا.. الحديث [4]، وجاء في رواية الترمذي: أن النبي  قال ذلك حين فرغ من صلاته.

وجاء عند البخاري في “الأدب المفرد”: “كان النبي إذا قام من الليل يصلي فقضى صلاته، يثني على الله بـما هو أهله، ثم يكون آخر كلامه: اللهم اجعل في قلبي نورًا.. الحديث [5].

وجمع الحافظ ابن حجر رحمه الله بين هذه الروايات: بأن النبي  كان يقول ذلك عند القرب من فراغه، أي: من الصلاة.

والحاصل: أن أكثر الروايات تدل على أن هذا الذكر إنـما يُقال في صلاة الليل، أو بعد الفراغ منها، وليس عند الذهاب للمسجد، والله تعالى أعلم.

ومـما رُوى من الأذكار الضعيفة عند الخروج للمسجد، ونذكره هنا للتنبيه على ضعفه: ما أخرجه أحمد وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري : أن النبي قال: من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق مـمشاي هذا، فإني لـم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا رياءً، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله إليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملكٍ [6].

وهذا الحديث ضعيفٌ لا يصح، ولا يثبت عن النبي ، وقد ضعَّفه النووي وغيره من أهل العلم.

تجنب تشبيك الأصابع

ومن آداب المشي إلى الصلاة: أن يتَجنَّب تشبيك أصابعه؛ وقد نـهى النبي عن تشبيك الأصابع لمن خرج إلى المسجد، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة : أن النبي قال: إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاةٍ حتى يرجع، فلا يفعل هكذا، وشبَّك بين أصابعه [7]، أخرجه الدارمي والحاكم بسندٍ صحيحٍ.

وإذا كان من خرج للمسجد منهيًا عن تشبيك أصابعه، فمن كان داخل صلاته فهو أولى بالنهي عن تشبيك الأصابع؛ ولهذا عدَّه كثيرٌ من الفقهاء من مكروهات الصلاة.

الحكمة من النهي عن تشبيك الأصابع في هذه الحال

قيل: لكونه من الشيطان، ويدل لذلك: ما رواه ابن أبي شيبة عن كعب بن عُجْرة : أن النبي قال: إذا صلى أحدكم فلا يُشبِّكنَّ بين أصابعه؛ فإن التشبيك من الشيطان [8]، لكن هذا الحديث ضعيفٌ من جهة الإسناد، قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله: “في إسناده ضعيفٌ ومجهولٌ”.

وقيل: الحكمة أن التشبيك نوعٌ من العبث، فلا يليق بالمصلي، سواءٌ كان قد دخل في الصلاة، أو كان في طريقه إليها، فإنه إذا خرج من بيته إلى المسجد فهو في صلاة.

ولعل هذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

تشبيك الأصابع بعد الفراغ من الصلاة

وأما تشبيك الأصابع بعد الفراغ من الصلاة فلا بأس به، ولو كان داخل المسجد.

قال البخاري في صحيحه: “بابٌ: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره” ثم ساق بأسانيده عدة أحاديث عن النبي ، فيها: أنه عليه الصلاة والسلام شبك بين أصابعه.

ومن هذه الأحاديث: حديث ذي اليدين في قصة سهوه عليه الصلاة والسلام، حين صلى بالناس صلاة الظهر أو العصر ركعتين، ثم سلَّم، فقام إلى خشبةٍ معروضة في المسجد، فاتكأ عليها، كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبَّك بين أصابعه، فنبَّهه ذو اليدين على السهو، فقام فصلى ركعتين، ثم سجد سجدتي السهو [9].

ففي هذه القصة شبَّك النبي  بين أصابعه لـمَّا ظنَّ أنه فرغ من الصلاة، فدل ذلك على جواز التشبيك بين الأصابع، وعدم كراهته بعد الفراغ من الصلاة.

حالات تشبيك الأصابع

والحاصل: أن التشبيك بين الأصابع له ثلاث حالات:

  • الأولى: حال خروجه إلى الصلاة، وهذا قد ورد النهي عنه كما سبق.
  • الثانية: حال الصلاة، وهذه الحال أشد نـهيًا من الحال الأولى.
  • الثالثة: بعد الفراغ من الصلاة، فلا بأس بتشبيك الأصابع حينئذٍ، ولا كراهة في ذلك.

الوضوء قبل الخروج إلى المسجد

ومن الآداب أيضًا: أن يتوضأ المسلم في بيته قبل خروجه إلى المسجد؛ وإن توضأ في دورات المياه الملحقة بالمسجد، فلا بأس بذلك، لكن الأفضل والأكمل أن يتوضأ في بيته.

ويدل لهذا: حديث أبي هريرة  السابق ذكره: أن النبي قال: إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاةٍ حتى يرجع [10].

فقد ورد في هذا الحديث التنصيص على أن يكون الوضوء في البيت، والحكمة من هذا -والله أعلم-: أن من خرج إلى الصلاة فهو في صلاة، فيكون اللائق به أن يكون مُتطهِّرًا.

التبكير إلى المسجد للصلاة

والسنة: أن يبادر المسلم في الذهاب للمسجد مبكرًا من حين سماع المؤذن.

وقد قال النبي : لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه [11] متفقٌ عليه، والتهجير: هو التبكير إلى الصلوات.

وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة : أن النبي قال: إن أحدكم إذا توضأ فأحسن، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لـم يخطُ خطوةً إلا رفعه الله بـها درجة، وحط عنه بـها خطيئة، حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاةٍ ما كانت تحبسه، وتصلي عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لـم يُحدِث [12].

وفي “صحيح مسلمٍ” عن أبي هريرة : أن النبي قال: إن أحدكم ما قعد ينتظر الصلاة في صلاة، ما لـم يُحدِث، تدعو له الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه [13].

فالذي يبادر بالذهاب للمسجد من حين سماع المؤذن، يستفيد عدة فوائد:

منها: أن الملائكة تدعو له طيلة مدة انتظاره الصلاة، تدعو له بالمغفرة وبالرحمة، ولك أن تتصوَّر رجلًا يبادر للذهاب للمسجد كل يومٍ من حين يؤذن المؤذن، فينتظر صلاة الفجر قرابة نصف ساعة مثلًا، وينتظر صلاة الظهر والعصر والعشاء قرابة ثلث ساعةٍ لكل منها، وينتظر صلاة المغرب قرابة عشر دقائق، فمجموع انتظاره يزيد على ساعةٍ ونصف، قرابة ساعة ونصف من كل يومٍ وليلة، تدعو له الملائكة بالمغفرة والرحمة، فما أحرى إجابة دعوتـهم.

ثم إن الذي يذهب للمسجد مبكرًا يتشغل في الغالب بعبادة: من صلاةٍ، أو قراءة قرآن، أو ذكرٍ، أو غير ذلك، فيكسب بسبب ذلك التبكير زيادة أجرٍ وثواب.

ثم إنه أدعى للخشوع في الصلاة، وأحرى للصلاة في الصف الأول، الذي يقول عنه النبي : لا يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لـم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا [14]، أي: ثم لـم يجدوا إلا أن يقترعوا عليه لاقترعوا.

أيها الإخوة، هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم  على خيرٍ في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 5095، والترمذي: 3426، وقال: هذا حديث حسن غريب.
2 رواه ابن ماجه: 3886.
3 رواه مسلم: 763.
4 رواه البخاري: 6316، ومسلم:  763.
5 رواه البخاري في الأدب المفرد: 695.
6 رواه ابن ماجه: 778، وأحمد: 11156.
7 رواه الحاكم: 744، والدارمي: 1444.
8 رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: 4824.
9 رواه البخاري: 482، ومسلم: 573.
10 سبق تخريجه.
11, 14 رواه البخاري: 615، ومسلم: 437.
12 رواه البخاري: 477، ومسلم: 649.
13 رواه مسلم: 649.

مواد ذات صلة