الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(99) أحكام سترة المصلي- سترة الإمام سترة لمن خلفه
|

(99) أحكام سترة المصلي- سترة الإمام سترة لمن خلفه

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

تحدثنا في الحلقة السابقة عن أحكام سترة المصلي، وكانت آخر مسألة تحدثنا عنها أحكام المرور بين يدي المصلي، ونستكمل في هذه الحلقة الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع، فنقول:

حكم المرور بين يدي المصلي

يحرم المرور بين يدي المصلي إذا لَـم يكن بيد يديه سترة، أو كان له سترةٌ، ومرَّ بين يديه وبين السترة، وهذا المرور يُنقِص من أجر المصلي، إذا لَـم يكن المآرُّ امرأةً، أو حمارًا، أو كلبًا أسود، ويبطل الصلاة إذا كان المآرُّ امرأةً، أو حمارًا، أو كلبًا أسود، وذكرنا الأدلة، ونقلنا كلام أهل العلم في ذلك في الحلقة السابقة.

حكم المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام

واستثنى بعض العلماء المسجد الحرام من هذه الأحكام، فقالوا: المسجد الحرام لا يحتاج فيه المصلي إلى سترة، ويجوز المرور فيه بين يدي المصلي، حتى لو كان المآرُّ بين يديه امرأة.

وقد روي في ذلك حديثٌ عن النبي ، وترجم عليه عبدالرزاق في مصنفه، حيث قال: “بابٌ: لا يقطع الصلاة بـمكة شيءٌ، ثم ساق بسنده عن كثير بن كثير بن المطَّلب عن أبيه عن جده قال: “رأيت النبي يصلي في المسجد الحرام، والناس يطوفون بالبيت بينه وبين القبلة بين يديه ليس بينه وبينهم سترة” [1].

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله: “وأخرجه من هذا الوجه أيضًا أصحاب السنن، ورجال موثَّقون، إلا أنه معلول، فقد رواه أبو داود عن أحمد عن ابن عُييْنة قال: كان ابن جُريج أخبرنا به هكذا، فلقيت كثيرًا فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن عن بعض أهلي عن جدي، وبـهذا يتبيَّن ضعف هذا الحديث.

ولهذا: ذهب طائفةٌ من أهل العلم إلى أنه لا فرق بين مكة وغيرها، وممن ذهب إلى ذلك الإمام البخاري، حيث ترجم عليه في صحيحه بقوله: “بابٌ: السترة بـمكة وغيرها” ثم ساق بسنده عن أبي جُحَيفة قال: “خرج رسول الله بالهاجرة فصلى ببطحاء -أي: بطحاء مكة- الظهر والعصر ركعتين، ونصب بين يديه عَنَزَةً وتوضأ” [2].

وبـهذا يتبيَّـن أن هذه المسألة محل خلافٍ بين أهل العلم.

والأقرب -والله تعالى أعلم- هو القول باستثناء المسجد الحرام، فلا يحتاج المصلي فيه إلى سترة، ويجوز فيه المرور بين يدي المصلي؛ وذلك لأن المسجد الحرام مظِنَّةٌ للزحام الشديد، خاصةً في زماننا هذا، والقول باتخاذ السترة فيه، ومنع المآرِّ بين يدي المصلي فيه حرجٌ كبير، وقد قال الله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

ولـِمَا أُثِر عن بعض السلف رحمهم الله تعالى من آثارٍ في هذا.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “ولا بأس أن يصلي بـمكة إلى غير سترة، روي ذلك عن ابن الزبير، وعطاء، ومجاهد، وقال الأثرم: قيل لأحمد: الرجل يصلي بـمكة ولا يستتر بشيءٍ؟ فقال: “قد روي عن النبي أنه صلى ثـمَّ ليس بينه وبين الطُّوَّاف سترة، قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها؛ لِمَا روى الأثرم بإسناده عن المطَّلب، قال: “رأيت رسول الله  إذا فرغ من سبعة، جاء حتى يحاذي الركن بينه وبين السقيفة، فصلى ركعتين في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطُّوَّاف أحد.

وقال عمار بن أبي عمار: “رأيت ابن الزبير جاء يصلي والطُّوَّاف بينه وبين القبلة، تـمر المرأة بين يديه فينتظرها حتى تَـمرُّ، ثم يضع جبهته في موضع قدمها، رواه حنبل في كتاب المناسك”.

قال المعتمر: “قلت لطاوس: الرجل يصلي ركعتين بـمكة، فيمر بين يديه الرجل والمرأة، فقال: أو لا ترى أن الناس يَبُكُّ بعضهم بعضًا؟!”.

فهو يرى أن لهذا البلد حالًا ليس لغيره؛ وذلك لأن الناس يكثرون بـها لأجل قضاء النسك، ويزدحمون فيها، ولذلك سُـمِّيَت: بكة؛ لأن الناس يتباكُّون فيها، أي: يزدحمون، ويدفع بعضهم بعضًا، فلو منع المصلي من يجتاز بين يديه؛ لضاق على الناس.

قال: “وحكم الحرم كله حكم مكة في هذا، بدليل قول ابن عباس رضي الله عنهما : “أقبلت راكبًا على حمارٍ أتان، والنبي يصلي بالناس بـمِنَـى إلى غير جدار” [3]، متفقٌ عليه؛ ولأن الحرم كله محل المشاعر والمناسك، فجرى مجرى مكة في ذلك”.

وقال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله: “المسجد الحرام لا يحتاج المصلي فيه إلى سترة، وليس لمن في المسجد الحرام أن يـمنع المارَّ بين يديه، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم؛ لأنه لا يـمكن التحرُّز من المار، فإذا مرَّت امرأةٌ أو غيرها لَـم تقطع الصلاة، والصلاة صحيحة، وقد جاء في ذلك حديثٌ ضعيفٌ عن النبي ، وورد في ذلك آثارٌ عن السلف الصالح، أنَّـهم كانوا لا يـمنعون المارَّ بين أيديهم في المسجد الحرام من الطائفين وغيرهم، فقد روي عن ابن الزبير رضي الله عنهما: أنه كان يصلي والناس أمامه يطوفون.

ولأن المسجد الحرام مَظنَّة الزحام، والعجز عن منع المارِّ بين يدي المصلي، فوجب التيسير في ذلك”.

سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه

ومن أحكام السترة: أن سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه، وقد روي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما، ونصَّ عليه الإمام أحمد.

قال الترمذي: “قال أهل العلم: سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه، وهو قول الفقهاء السبعة، والنخعي، ومالك، والشافعي وغيرهم؛ لأن النبي  صلى إلى سترةٍ، ولـم يأمر أصحابه بنصب سترةٍ أخرى”.

قال البخاري في صحيحه: “بابٌ: سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه” ثم ساق بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “أقبلت راكبًا على حمارٍ أتانٍ، والنبي يصلي بالناس بـمِنّـى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر عليَّ أحد” [4]، وقد أخرجه كذلك مسلمٌ في صحيحه.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “ومعنى قولهم: سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه: أنه متى لَـم يحل بين الإمام وسترته شيءٌ يقطع الصلاة لَـم يضرَّ المأمومين مرور شيءٍ بين أيديهم في بعض الصف، ولا فيما بينهم وبين الإمام، وإن مرَّ بين يدي الإمام ما يقطع صلاته قطع صلاتـهم”.

حكم المرور بين صفوف المصلين

ومن فروع هذه المسألة: أنه يجوز للإنسان أن يـمرَّ بين يدي المصلين خلف الإمام، كأن يتذكر أثناء الصلاة انتهاء مدة المسح على الخفين مثلًا، أو يسبقه الحدث أثناء الصلاة، ونحو ذلك، فيجوز له حينئذٍ أن يـمرَّ بين يدي المصلين، ويخرج ليتطهَّر، ويعيد الصلاة.

حكم جعل الإنسان أو الحيوان سترة

ومن أحكام السترة: أنَّـها تكون بأي شاخص، ولا يشترط أن يكون الشاخص جمادًا، بل يصح أن يستتر بالحيوان.

قال البخاري في صحيحه: “بابٌ: الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل” ثم ساق بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما: “أنه كان يُعرِّض راحلته فيصلي إليها” [5]، وقوله: “يُعرِّض راحلته” أي: يجعلها عرضًا، فيصلي إليها.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “ولا بأس أن يستتر ببعيرٍ أو حيوان، فعله ابن عمر وأنس ، فإن استتر بإنسانٍ فلا بأس؛ لأنه يقوم مقام غيره، وقد روي عن حُميد بن هلال، قال: “رأى عمر بن الخطاب رجلًا يصلي والناس يـمرون بين يديه، فولَّاه ظهره، وقال: “صلِّ ولا تعجل”.

وعن نافعٍ قال: “كان ابن عمر إذا لَـم يجد سبيلًا إلى سارية من سواري المسجد، قال لنافع: ولِّني ظهرك”.

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي كان يصلي من الليل وهي معترضةٌ بين يديه [6]”.

والحاصل: أن السترة كما تكون بالجماد، فإنـها تكون كذلك بالحيوان، وتكون كذلك بالإنسان.

وبناءً على ذلك: من أراد أن يتنفَّل بعد صلاة الفريضة مثلًا، ولـم يجد سترةً، فلا بأس أن يجعل ظهر أحد المصلين في المسجد سترةً له، كما كان يفعل ذلك ابن عمر رضي الله عنهما.

أسأل الله تعالى أن يوفقنا لاتباع سنة نبيه ، وأن يرزقنا الفقه في دينه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه: 2387.
2 رواه البخاري: 501.
3 رواه البخاري: 76، ومسلم: 504.
4 سبق تخريجه.
5 رواه البخاري: 507، ومسلم: 502.
6 رواه  البخاري: 512، ومسلم: 744.

مواد ذات صلة