الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(140) أحكام صلاة المسافر- المسافة والإقامة والائتمام بمقيم
|

(140) أحكام صلاة المسافر- المسافة والإقامة والائتمام بمقيم

مشاهدة من الموقع

إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

تكلمنا في الحلقة السابقة عن جملة من أحكام صلاة المسافر، ونستكمل في هذه الحلقة الحديث عن بقيتها، فأقول وبالله التوفيق:

أقل مسافة للسفر ومن أين تحسب؟

أقل مسافة للسفر تُقصر فيها الصلاة هي مسيرة يوم وليلة أو يومين قاصدَين، وقد سبق الحديث مفصّلًا عن هذه المسألة في الحلقة السابقة، وذكرنا أنها تعادل ثمانين كيلو متر تقريبًا.

ولكن من أين تُحسب هذه المسافة؟

أقول: تُحسب من مفارقة عمران البلد، وقد نص الفقهاء على ذلك، قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “ليس لمن نوى السفر القصر حتى يشرع في السفر بخروجه من بيوت قريته، وهذا قول مالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق؛ لقول الله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101]، ولا يكون ضاربًا في الأرض حتى يخرج.

وقد روي عن النبي أنه إنما كان يبتدئ القصر إذا خرج من المدينة، قال أنس : “صليت مع النبي بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين” [1]، متفقٌ عليه.

قال الموفق: “فإذا خرج من البلد وصار بين حيطان بساتينه فله القصر؛ لأنه قد ترك البيوت وراء ظهره، وإن كان حول البلد خراب قد تهدّم وصار فضاءً أُبيح القصر فيه كذلك”.

ويحسن التنبيه هنا إلى أمور:

  • الأول: أن بعض الناس يبدأ في الترخُّص برخص السفر وهو لم يفارق عمران البلد، يظن أن الترخُّص يبدأ بمفارقة المنزل، وهذا فهمٌ غير صحيح، وإنما يبدأ الترخّص بمفارقة العمران، ومثل ذلك ما إذا كان المطار داخل عمران البلد، فمن كان في المطار فليس له الترخُّص برخص السفر في هذه الحال.
  • الثاني: أن بعض الناس يعتمد في حساب مسافة السفر على اللوحات الموجودة على الطرقات، والتي تحسب كم مضى من المدينة المغادر منها وكم بقي على المدينة المقبل عليها، وهذه اللوحات إنما تحسب المسافة من وسط المدينة لا من مفارقة العمران، ولذلك لا بد من أن يُنقص من المسافة ما بين وسط المدينة إلى مفارقة العمران.
  • الثالث: أن بعض البلدان قد اتصل بعضها ببعض وأصبحت كالبلد الواحد، فالمعتبر هنا هو مفارقة عمران البلد الذي هو مقيمٌ فيه.
    قال المرداوي رحمه الله في الإنصاف: “الظاهر جواز القصر إذا فارق بيوت قريته، سواء اتصل به بلدٌ آخر أو لا”.
  • الرابع: أن من شك في قدر المسافة هل هي مسافة قصرٍ أم لا فالأصل هو الإقامة، فلا يقصر في هذه الحال، ولا يترخص برخص السفر.

أحوال المسافر إذا أقام ببلد

ومن أحكام السفر: أن المسافر إذا أقام ببلدٍ فلا تخلو حاله من أمرين:

  • الأول: أن يكون له حاجة لا يدري متى تنقضي، بل يقول: اليوم أرجع غدًا أرجع، وكذا لو مرض أو حُبِس ولا يدري متى يزول المانع، ومتى يرجع إلى بلده فله في هذه الحال الترخُّص بجميع رخص السفر وإن طالت المدة، وإن بقي سنين في قول عامة أهل العلم.
    قال ابن المنذر رحمه الله: “أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يُجمع إقامة ولو أتى عليه سنون.
    ويدل لذلك ما جاء في صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما: “عن النبي أقام بتبوك تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة” [2]، ووردت آثار عن عددٍ من الصحابة في أنهم كانوا يترخّصون برخص السفر في هذه الحال ولو مع طول المدة، ومن ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين حبسه الثلج. وقال أنس : “أقام أصحاب رسول الله برامهرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة”.
  • الأمر الثاني: أن ينوي الإقامة مدة معيّنة، كأن ينوي الإقامة في بلد عشرة أيام أو شهرًا أو شهرين مثلًا، فهل له الترخُّص برخص السفر في هذه الحال؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة:

  • فمنهم من جعل هذه المسألة كالمسألة السابقة فقال: يترخص برخص السفر وإن طالت المدة.
  • وذهب أكثر العلماء إلى أنه إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام فليس له الترخُّص برخص السفر، أما إذا نوى الإقامة أربعة أيام فأقل فله الترخص برخص السفر.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “ذكر أحمد حديث جابر وابن عباس رضي الله عنهما: “أَنَّ النَّبِيَّ قَدِم مكة لصبح رابعة، فأقام النبي اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام”، وقد أجمع على إقامتها، قال -أيْ الإمام أحمد-: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم”.

وهذا القول هو الأقرب والأحوط في هذه المسألة، وأما القول بأن المسافر إذا أقام يترخَّص برخص السفر وإن طالت المدة فمحل نظر؛ إذ يترتب على هذا القول أن كثيرًا من الناس اليوم كالمبتعثين والعمّال والخدم يترخصون برخص السفر من القصر والجمع والفطر في نهار رمضان، وهذا محل نظر وخاصة أن بعض الدول يشكل فيها العُمّال الأجانب الأغلبية.

فهل يقال إن لهؤلاء الفطر في نهار رمضان والترخُّص برخص السفر؟

هذا لا يتفق مع الأصول والقواعد الشرعية، ولهذا فالأقرب -والله أعلم- أن المسافر إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام فليس له الترخُّص برخص السفر، والله تعالى أعلم.

حكم المسافر إذا ائتم بمقيم

ومن أحكام السفر: أن المسافر إذا ائتمَّ بمقيمٍ لزمه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو بعضها، ويدل لذلك ما روي أن ابن عباس رضي الله عنهما قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعًا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة. رواه الإمام أحمد، وهذا ينصرف إلى سنة النبي ، وقد روي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.

قال الموفق ابن قدامة: “ولا يُعرف لهما مخالفٌ في عصرهم فكان إجماعًا، حتى لو لم يدرك المسافر مع الإمام المقيم إلا التشهد فإنه يتم أربعًا، قال الأثرم: سألت أبا عبدالله -يعني الإمام أحمد- عن المسافر يدخل في تشهد المقيمين؟ قال: يصلي أربعًا”.

من سافر بعد دخول الوقت هل يقصر أم يتم؟

ومن أحكام السفر: أن من سافر بعد دخول الوقت كمن دخل عليه وقت صلاة الظهر في بلده ثم سافر، وأراد أن يصلي في الطريق، فهل له القصر في هذه الحال أم يلزمه الإتمام؟

اختلف العلماء في هذه المسألة:

  • فمنهم من قال يلزمه الإتمام؛ لأنها وجبت عليه في الحضر فلزمه إتمامها، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.
  • وذهب أكثر العلماء إلى أن له القصر وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عند الحنابلة، بل حكاه ابن المنذر إجماعًا، وهذا القول هو الأقرب في هذه المسألة، والله أعلم؛ وذلك لأنه قد سافر قبل خروج وقتها، أشبه ما لو سافر قبل وجوبها، ولأنه حين أداء الصلاة مسافرٌ فله الترخُّص برخص السفر ومنها القصر.

ولكن لو كانت المسألة بالعكس، أيْ دخل عليه الوقت في السفر ولم يصلها إلا بعد وصوله بلد الإقامة؛ فإنه يتمها قولًا واحدًا؛ لأنه بوصوله بلد الإقامة انقطعت في حقه جميع رخص السفر.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، واتباع سنة نبيه ، وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 1089، ومسلم: 690.
2 رواه أبو داود: 1235، وأحمد: 14139.

مواد ذات صلة