الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(146) أحكام صلاة الجمعة- تابع أحكام متعلقة بخطبة الجمعة
|

(146) أحكام صلاة الجمعة- تابع أحكام متعلقة بخطبة الجمعة

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

الأحكام المتعلقة بخطبة الجمعة

لا يزال الحديث موصولًا عن المسائل والأحكام المتعلقة بخطبة الجمعة، فأقول وبالله التوفيق:

تقصير الخطبة

من المسائل المتعلقة بخطبة الجمعة: أن السنة تقصير الخطبة وعدم تطويلها؛ لحديث عمار بن ياسر : “أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته؛ مئنةٌ من فقهه رواه مسلم.

وتقصير الخطبة فيه فائدتان:

  • الأولى: ألا يحصل الملل للمستمعين؛ لأن الخطبة إذا طالت فإنها تُمَل، لا سيما إذا كان الخطيب يلقيها إلقاءً عابرًا لا يحرّك القلوب.
  • الثانية: أن تقصير الخطبة أوعى للسامع؛ لأن الخطبة إذا طالت أضاع آخرها أولها، وإذا قُصِرت أمكن وعيها وحفظها.

فإن قال قائل: إن هذا يشكل عليه ما هو معروف من هدي النبي من أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، وأحيانًا بالجمعة والمنافقون، ومعلومٌ أن سورتي الأعلى والغاشية ليستا من السور الطويلة، ولو خطب خطبة أقصر من سورة الأعلى والغاشية كانت قصيرة جدًا، ولم يحصل بها المقصود من الخطبة.

فالجواب: أن المراد بالطول والقصر في قوله : إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنةٌ من فقهه الطول والقصر النسبي، فخطبة الجمعة ينبغي أن تكون قصيرة بالنسبة للخطب الطويلة، وليس معنى ذلك أنها تكون أقصر من قراءة سورة الأعلى والغاشية.

ولهذا قدّر بعض العلماء خطبة الجمعة بأن تكون في حدود قراءة سورة ق مرتّلة؛ فإن النبي كان يكثر من قراءتها في خطبة الجمعة، حتى إن أم هشام بنت حارثة بن النعمان تقول: “ما حفظت سورة ق إلا من في رسول الله يقرأها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس”.

ولهذا فالمشروع في خطبة الجمعة أن تكون قصدًا، أيْ معتدلة بين الطول الممل، والقصر المخل، فإن من الخطباء من تكون خطبته طويلة مملّة، وهذا خلاف السنة، ومنهم من تكون خطبته قصيرة مخلّة لا يحصل بها المقصود من الخطبة، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: “كنت أصلي مع رسول الله فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا”، وَقَوْلُهُ: “وخطبته قصدًا” أيْ معتدلة؛ ما بين الطول الممل، والاختصار المخل.

اختيار الألفاظ المفهومة

وينبغي للخطيب أن يبتعد عن الألفاظ الغريبة أو الألفاظ التي لا يفهمها غالب المستمعين؛ فإن اختيار الخطيب لألفاظٍ غير مفهومة لغالب المستمعين ينافي المقصود من الخطبة، فإن المقصود من الخطبة موعظة الناس وتذكيرهم وتحريك القلوب، ولهذا سماها الله تعالى والصلاة ذكر الله؛ فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9].

ولا يحصل المقصود من الخطبة مع التشدُّق في العبارات والألفاظ، قال علي بن أبي طالب : “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكذَّب الله ورسوله؟”.

قال النووي رحمه الله: “يُستحب كون الخطبة فصيحة بليغة مرتّبة مبيَّنة من غير تمطيط ولا تقعير، ولا تكون ألفاظًا مبتذلة؛ فإنها لا تقع في الناس موقعًا كاملًا، ولا تكون وحشيّة -يعني غريبة- لأنه لا يحصل مقصودها، بل يختار ألفاظًا جزْلة مفهمة”.

قال رحمه الله: “ويُستحب للخطيب أن يفخّم أمر الخطبة، وأن يرفع صوته وأن يجزل كلامه، وأن يكون مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيبٍ أو ترهيب، ولهذا كان إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذرُ جيشٍ يقول: صبّحكم ومسّاكم”.

الاستشهاد بنصوص الكتاب والسنة

وينبغي للخطيب أن يكثر من الاستشهاد بالنصوص من الكتاب والسنة، وقد كان النبي يعظ الناس بالقرآن في خطبة الجمعة حتى إن أم هشام بنت حارثة تقول: “ما حفظت سورة: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلا من في رسول الله يقرأها كل جمعة على المنبر”، وفي الصحيحين عن يعلى بن أمية قال: “سمعت النبي يقرأ على المنبر: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ [الزخرف:77]”.

وإنك لتعجب من خطب بعض الناس التي يغلب عليها الطابع الإنشائي، ويقل فيها الاستشهاد بالنصوص من الكتاب والسنة، وقد قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء:45].

وينبغي عند الاستشهاد بالأحاديث التأكد من ثبوتها، فإنه لا يحسن بالخطيب أن يستشهد بأحاديث ضعيفة لا تصح، والعامة عندهم أن ما قيل في المحراب هو الصواب، ولهذا لا بد أن يتأكد الخطيب من صحة الأحاديث التي يوردها في خطبته.

حضور الخطيب وقت الخطبة

والسنة للخطيب ألا يحضر إلا وقت الخطبة، وما ورد من فضل التبكير لمن أتى الجمعة إنما هو في حق غير الخطيب.

قال النووي رحمه الله: “يُستحب للخطيب ألا يحضر للجمعة إلا بعد دخول الوقت، بحيث يشرع فيها أول وصوله المنبر؛ لأن هذا هو المنقول عن رسول الله ، وإذا وصل المنبر صعده ولا يصلي تحية المسجد، وتسقط هنا تحية المسجد بسبب الاشتغال بالخطبة، كما تسقط في حق الحاج إذا دخل المسجد الحرام بسبب الطواف”.

الدعاء للمسلمين في الخطبة

واستحب بعض العلماء أن يدعو في الخطبة للمسلمين، وذهب بعضهم إلى أن خطبة الجمعة موعظةٌ وتذكير، وأنه لا يُشرع فيها الدعاء، لأنه لم يثبت عن النبي أنه كان يدعو في خطبة الجمعة، وما روي في ذلك من أنه كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فضعيفٌ لا يصح، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: “إسناده فيه لين”.

ولكن الأقرب والله تعالى أعلم: أنه لا بأس بالدعاء في خطبة الجمعة؛ لأن ذلك الوقت ساعةٌ تُرجى فيها الإجابة، ولأن النبي دعا بنزول المطر لما طلب منه الأعرابي أن يستسقي، ولكن ينبغي ألا يطيل في الدعاء؛ فإنه يلاحظ أن بعض الخطباء وفّقهم الله وخاصة في الخطبة الثانية يطيل الدعاء، والدعاء في خطبة الجمعة مختلفٌ في مشروعيته أصلًا؛ فينبغي ألا يغلب على الموعظة والتذكير الذي هو المقصود من خطبة الجمعة.

حكم الكلام أثناء الخطبة

ويحرم على من حضر الجمعة أن يتكلّم أثناء الخطبة، ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة  أن رسول الله قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت أيْ قلت اللغو، وهو الكلام الملغي الساقط الباطل المردود.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: من تكلّم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول لصاحبه “أنصت” ليست له جمعة قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: “رواه أحمد بإسنادٍ لا بأس به”.

والذي يقول لمن يتكلم وقت الخطبة “أنصت” إنما هو في الحقيقة ينهى عن منكر، ومع ذلك فإنه يلغو ولا جمعة له، فإذا كان من يأمر بمعروفٍ أو ينهى عن منكرٍ أثناء الخطبة يلغو فغيره من باب أولى، ولهذا قال العلماء: إن من يحضر الجمعة لا يرد السلام إلا بالإشارة، كما لو كان يصلي؛ فإن المصلي إنما يرد السلام بالإشارة فكذلك المستمع للخطبة، وكذا لا يشمّت العاطس.

هذا التشديد من الشارع في شأن الإنصات لمن يحضر الجمعة إنما هو لأجل الانتفاع والاستفادة من خطبة الجمعة، ومن أجل أن يتعود المسلم على التأدُّب بآداب الحديث، فعندما يتحدث إنسانٌ لقومٍ فينبغي لهم الإنصات لحديثه وعدم التشاغل عنه بأحاديث جانبية أو غيرها، فانظروا إلى عظمة دين الإسلام، وقد شمل بتعاليمه كل ما يحتاج له الإنسان؛ فهو هنا يربّي أتباعه على التأدُّب بآداب الحديث، وعلى التأدُّب بأدب المجلس وعلى الإنصات للمتحدث.

ومن تكلم والخطيب يخطب هل معنى كونه قد لغا أنه يعيدها ظهرًا؟

الجواب: أن معنى كونه قد لغا أنه قد بطل أجر وثواب جمعته، ولكن جمعته صحيحة؛ ولا يؤمر بإعادتها ظهرًا باتفاق العلماء، ويدل لذلك ما رواه أبو داود وابن خزيمة عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: ومن لغا وتخطى الناس كانت له ظهرًا قال ابن وهب أحد رواته: “معناه أجزأت عنه الصلاة، وحُرِم فضيلة الجمعة”.

هذا ما اتسع له وقت هذه الحلقة، ونلتقي بكم على خير في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مواد ذات صلة