الرئيسية/برامج إذاعية/فقه العبادات/(177) أحكام صيام التطوع- الأيام المنهي عن صومها
|

(177) أحكام صيام التطوع- الأيام المنهي عن صومها

مشاهدة من الموقع

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

حكم تبييت النية للصيام

من أحكام صيام التطوُّع: أنه لا يجب فيه تبييت النية من الليل؛ بل يصح بنيةٍ أثناء النهار، بشرط: ألا يأتي مُفطِّرًا من بعد طلوع الفجر، مثال ذلك: رجلٌ أصبح ولـم ينو الصيام، فلـمَّا كان بعد الظهر، ورأى نفسه لَـم يأت بـمفطِّرٍ من أكلٍ أو شربٍ أو جماعٍ أو غيره، أراد أن ينشئ نية الصيام من ذلك الحين، فلا بأس بـهذا، وصومه صحيح.

ويدل لذلك: ما جاء في (صحيح مسلمٍ) عن عائشة رضي الله عنها قالت: “دخل عليَّ النبي ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ فقلت: لا، فقال: إني صائمٌ [1].

ففي هذا الحديث أنشأ النبي  النية أثناء النهار، فدل ذلك على جواز إنشاء نية صوم النافلة أثناء النهار، ويبقى النظر بعد ذلك: هل يثاب ثواب يومٍ كامل، أو يثاب من حين النية؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

  • الأول: أنه يثاب ثواب يومٍ كاملٍ؛ لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون يومًا كاملًا، ولا يصح أن يكون أقل من يومٍ، كنصف يومٍ مثلًا، وهو قد صام يومًا كاملًا، فيثاب ثواب يومٍ كامل.
  • الثاني: أنه يُثاب من حين إنشاء النية، وفي مثالنا السابق: يثاب من بعد الظهر، أي: ثواب صيام نصف يومٍ؛ لقول النبي : إنـما الأعمال بالنيات، وإنـما لكل امرئٍ ما نوى [2]، وهذا الرجل لَـم ينو الصيام إلا أثناء النهار، فيحسب له الأجر من حين نيته.

وهذا القول الأخير لعله هو الأقرب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

ويتفرَّع عن هذه المسألة مسألةٌ أخرى، وهي: أن ما عُلِّق ثواب الصوم فيه باليوم، أو بأيامٍ، فإنه لا يحصل على ذلك الثواب، إلا بتبييت نية الصيام من الليل، كصيام يومي الاثنين والخميس، وستٍّ من شوال مثلًا، فمن أنشأ نية صيام يوم الاثنين أثناء النهار، لا يثاب ثواب من صام يوم الاثنين؛ لأنه لا يصدق عليه أنه صام يوم الاثنين، وإنـما صام بعضه، وإن كان الصوم صحيحًا لكونه صوم نافلةٍ، ولكن محل البحث هنا: إنـما هو في حصول الأجر والثواب المرتَّب على صيام يوم الاثنين.

وهكذا من أنشأ نية صيام يومٍ من أيام الستِّ من شوال أثناء النهار، ولـم يُبيِّت النية من الليل، لا يصدق عليه أنه صام جميع الست، وإنـما بعضها.

حكم الإفطار في صيام التطوع

ومن أحكام صيام التطوُّع: أنه يجوز قطعه، ولا يلزم إتـمامه.

ويدل لهذا: ما جاء في (صحيح مسلمٍ) عن عائشة رضي الله عنها قالت: “دخل عليَّ رسول الله ، فقلت له: أُهدي إلينا حَيْسٌ -والحيس: هو التمر مع السمن والأقِط- فقال : أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا، فأكل [3].

ولهذا: فالمتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر، ولكن الأولى ألا يقطع صومه إلا لغرضٍ صحيح، مثل أن يدعى لوليمةٍ وهو صائم، فيجيب الدعوة، ويرى أن فطره فيه جبرٌ لقلب أخيه المسلم، وإدخالٌ للسرور عليه، فهذا غرضٌ صحيحٌ للفطر.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله: “وسائر النوافل من الأعمال، حكمها حكم الصيام، في أنَّـها لا تلزم بالشروع، ولا يجب قضاؤها إذا أفسدها، إلا الحج والعمرة، فإنـهما يُخالفان سائر العبادات في هذا؛ لتأكُّد إحرامهما، ولا يخرج منهما بإفسادهما.

من شرع في صيام واجب هل يجوز له قطعه؟

قال الموفق ابن قدامه رحمه الله: فإن دخل في صومٍ كقضاء رمضان، أو نذرٍ معيَّـنٍ أو مطلقٍ، أو صيام كفارةٍ، لَـم يجز له الخروج منه؛ لأن المتعيِّـن وجب بالدخول فيه، وغير المتعيِّـن تعيَّـن بدخوله فيه، فصار بـمنزلة المتعيِّـن، وهذا لا خلاف فيه بحمد لله تعالى”.

ونُنبِّه هنا: إلى أن بعض العامَّة يجهل هذه المسألة، فيشرع في صيامٍ واجبٍ كقضاء رمضان، ثم يعرض له عارضٌ فيقطعه، وهذا لا يجوز؛ إذ أن من شرع في صومٍ واجبٍ، وجب عليه إتـمامه، وحرم عليه قطعه.

الأيام المنهي عن الصيام فيها

وبعد أن انتهينا من الحديث عن أحكام صيام التطوع، ننتقل بعد ذلك للحديث عما يحرم صومه:

يومي العيدين

فيحرم صوم يومي العيدين بإجماع العلماء؛ لِمَا جاء في الصحيحين عن أبي سعيدٍ  قال: “نـهى رسول الله عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر” [4].

والحكمة من ذلك، والله أعلم:

أما عيد الفطر: فلأنه يوم الفطر من رمضان، ولا يتميَّز تحديد رمضان إلا بفطر يوم العيد؛ ولهذا كان النبي  يأكل تـمراتٍ صبيحة عيد الفطر، قبل ذهابه إلى المصلى، ويقطعها على وتر، تحقيقًا للفطر في هذا اليوم.

وأما عيد الأضحى: فلأنه يوم النحر، ولو صام الناس فيه؛ لعدلوا عما يحب الله ​​​​​​​، مـمَّا أمر به في قوله سبحانه: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28]، وكيف يأكل منها من كان صائمًا؟

أيام التشريق

ومـمَّا ورد النهي عنه: صيام أيام التشريق، وهي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر.

ففي (صحيح البخاري) عن عائشة وعن ابن عمر ، قال: “لَـم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمنَ، إلا لمن لَـم يجد الهدي” [5].

وفي (صحيح مسلمٍ) عن نُبَيشة الهذلي  قال: قال رسول الله : أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ، وذكر لله ​​​​​​​ [6].

وهذا يدل على أن هذ الأيام لا تصلح أن تكون أيام إمساك، وإنـما هي أيام أكلٍ وشربٍ، وذكرٍ لله تعالى.

ويستثنى من هذا: الصيام في حق المتمتِّع والقارن إذا لَـم يجد الهدي، فيلزمه أن يصوم ثلاثة أيامٍ في الحج، وسبعة أيامٍ إذا رجع إلى أهله، ويصح أن يكون صيام الثلاثة أيامٍ في الحج في أيام التشريق.

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله: “ويُستفاد من إباحة النبي  الصيام أيام التشريق للمتمتَّع والقارن الذي لَـم يجد الهدي، أنه إذا تعارض واجبٌ ومـحرَّم، تعيَّـن تقديم الواجب، وبـهذه الحال لا يصبح حرامًا في حقِّ المؤدي للواجب، كما يجب على المتمتِّع الذي يريد أن يضحي، يجب عليه الحلق أو التقصير إذا فرغ من عمرته بعد دخول ذي الحجة، مع أنه يحرم على المضحِّي أخذ شيءٍ من شعره بعد دخول العشر”.

يوم الجمعة منفردًا

ومـمَّا ورد النهي عنه: إفراد يوم الجمعة بالصوم، بقصد تخصيصها وتعظيمها؛ وقد سبق الكلام عن هذه المسألة بالتفصيل.

صيام الدهر

ومـمَّا ورد النهي عنه: صيام الدهر، فقد قال عليه الصلاة والسلام: لا صام من صام الدهر [7]، وقال: لا صام ولا أفطر [8].

إفراد رجب

ومـمَّا نصَّ العلماء على المنع منه: إفراد رجب، أو إفراد أيامٍ منه بالصوم، بقصد تعظيمها؛ لأن هذا من شعائر الجاهلية، فهم الذين يعظمون هذا الشهر، ولـم يرد في السنة ما يدل على تعظيمه.

ولهذا: فكل ما يروى في فضل صومه، أو في فضل الصلاة فيه، فكذبٌ باتفاق أهل العلم بالحديث.

هذه الأيام هي التي ورد النهي عنها، وما بقي من أيام السنة من غير رمضان فمحلٌ لصيام التطوُّع الذي هو من أفضل الأعمال الصالحة.

يقول الله تعالى في الحديث القدسي: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به [9].

أسأل الله تعالى أن يوفقنا لِمَا يرضيه من الأقوال والأعمال، وأن يعيننا على شكره وذكره وطاعته وحسن عبادته.

وإلى الملتقى في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1, 3 رواه مسلم: 1154.
2 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
4 رواه البخاري: 1991، ومسلم: 1138.
5 رواه البخاري: 1997.
6 رواه مسلم: 1141.
7 رواه البخاري: 1979.
8 رواه مسلم: 1162.
9 رواه البخاري: 1904، ومسلم: 1151.

مواد ذات صلة