الرئيسية/محاضرات/نعمة الإيمان
|categories

نعمة الإيمان

مشاهدة من الموقع

​​​​​إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

نعمة التوفيق للإيمان

فإن من أعظم النعم التي ينعم الله ​​​​​​​ بها على العبد: أن يوفقه للإيمان، وأن يحبب إليه الإيمان، والله ​​​​​​​ امتن على عباده بأنه حبب إليهم الإيمان: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات:7]، فالتوفيق لنعمة الإيمان من أعظم المنن.

والمسألة يا إخواني، هي مسألة توفيق من الله ​​​​​​​، ليست مسألة ذكاء، أو مسألة فطنة، أو مسألة عقل، المسألة مسألة توفيق من الله ​​​​​​​، فاحمد الله تعالى أن الله سبحانه وفقك للإيمان.

يقول أبو العباس ابن تيمية رحمه الله عن المعتزلة، وكانوا من أذكياء الناس، أناس عندهم عقليات عظيمة، يقول عنهم: “أوتوا ذكاءً ولم يؤتَوا زكاءً، وأوتوا علومًا ولم يؤتَوا فهومًا، وأوتوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة، فلم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء”.

فبعض الناس قد يُعطى ذكاءًا حادًّا، وعلمًا واسعًا، وعقلية كبيرة، لكنه لا يوفق، لا يوفق لهذا الخير، لا يوفق للإيمان.

فالمسألة يا إخواني هي مسألة توفيق من الله ​​​​​​​، فالتوفيق لنعمة الإيمان هي أعظم النعم التي ينبغي أن نحمد الله عليها، وأن نشكره على هذه النعمة العظيمة.

الإيمان يا إخوة عند أهل السنة والجماعة ليس على وتيرة واحدة؛ وإنما يزيد وينقص، قد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فما أحوجنا إلى أن نتعرف على الأمور التي يزيد بها الإيمان!

هذا الموضوع أيها الإخوة موضوع مهم بالنسبة للمسلم، لا بد أن يكون على علم وعلى معرفة بهذه الأمور التي يزيد بها إيمانه، خاصةً في وقتنا الحاضر، الذي كثرت فيه الفتن؛ فتن الشبهات، وفتن الشهوات، وأصبح العالم -كما يقال- «كالقرية الصغيرة»، أيُّ خبر أو أي شيء في العالم، تجد الجميع يعرفه، وحصل من جراء ذلك أمور وفتن، فالمسلم إذَنْ بحاجة لأن يتعرف على الأسباب التي يزيد بها إيمانه، وهي -ولله الحمد- موجودة ومذكورة في الكتاب والسنة، ولكن ينبغي أن نستحضرها وأن نستذكرها وأن نحرص على تطبيقها.

نماذج ممن وقر الإيمان في قلوبهم

قبل أن نشير إلى هذه الأمور التي يزيد بها الإيمان، أقول أيها الإخوة: إن الإيمان إذا وقر في القلب فإنه يصنع الأعاجيب، إذا وقر الإيمان في القلب فلا تسأل بعد ذلك عما يقدمه الإنسان من تضحيات، ولنا في سلفنا الصالح الأسوة الحسنة؛ فإن الصحابة لما وقر الإيمان في قلوبهم ضحوا التضحيات العظيمة، التي لو لم تنقل بالسند الصحيح لا يصدقها أحد.

هذا عبدالرحمن بن عوف ، لما هاجر مع المهاجرين إلى المدينة، والمهاجرون تركوا ديارهم وأموالهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح:29]، وكان من حكمة النبي أن آخى بين المهاجرين والأنصار، يعني: جعل كل واحد أخًا للآخر، فكان قد آخى بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، والقصة في «صحيح البخاري» أصح كتاب بعد كتاب الله ، فأتى سعد بن الربيع إلى عبدالرحمن فقال له: يا أخي، إني لَمِن أكثر الأنصار مالًا، وسأعمِد إلى مالي فأقسمه بيني وبينك نصفين، وعندي زوجتان فانظر أيتهما تريد فأطلقها، فتعتد فتتزوج أنت بها.

يعرض هذا العرض وهو جادٌّ، فماذا قال عبدالرحمن؟ انظر أيضًا إلى عزة النفس، انظر إلى هؤلاء الصحابة الذين رباهم رسول الله محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، فقال له: «بارك الله لك في مالك، وبارك الله لك في أهلك، ولكن دُلني على السوق»، لم يشأ أن يقبل هذا العرض، العرض كبير، والعرض من هذا الصحابي لرجل ليس بينه وبينه نسب ولا قرابة ولا مصالح دنيوية، ولا حتى معرفة سابقة؛ وإنما لمجرد أنه أخوه في الله.

انظر إلى أثر الإيمان في النفوس، ثم أيضًا انظر إلى عزة النفس لدى عبدالرحمن، فدلوه إلى السوق، وكان السوق يتحكم فيه اليهود، فأتى عبدالرحمن  ودخل بطريقة، ربما أنه اقترض، فدخل في التجارة، وبارك الله تعالى له في تجارته، حتى أصبح عبدالرحمن  من أثرياء الصحابة كما هو معلوم، وموقفه في تجهيز جيش العسرة معلوم .

فانظروا أيها الإخوة إلى هذه الأخلاق العالية العظيمة، نجد في وقتنا الحاضر من يقاطع أقاربه وأرحامه، بل ربما يقاطع أخاه من أجل لُعَاعَةٍ [1] من الدنيا، وانظروا إلى هذه الأخلاق العظيمة، هذا عَرْضٌ من هذا الصحابي يريد أن يتنازل عن نصف ثروته لرجل لمجرد أنه أخوه في الله فقط؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بينه وبينه.

وفي «صحيح مسلم»: عن عمير بن الحِمام الأنصاري، أن النبي في غزوة بدر لما حث الناس على الجهاد في سبيل الله، كان عليه الصلاة والسلام لا يخطب الناس خطبًا رنانةً؛ إنما كلمات يسيرة، لكن كان يربطهم فيها بالجنة، قال: والذي نفسي بيده لا يقاتل اليوم مؤمن مقبل غير مدبر إلا أدخله الله الجنة [2]. فقط هذه الكلمات كان لها عظيم الأثر على الصحابة ، قام عمير بن الحِمام، وكان في يده تمرات يأكلهن، قال يا رسول الله: جنة عرضها السماوات والأرض، بخٍ بخٍ! فألقى التمرات التي في يده وقال: والله لإن بقيت حتى آكل هذه التمرات إنها والله لحياة طويلة. وقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

ما الذي حمله على ذلك؟

إنها حرارة الإيمان وقوة الإيمان، وقوة اليقين بصدق وعد الله .

هذا ماعز بن مالك في لحظة ضعف إيمان ألَمَّ بمعصية، لكنَّ حرارة الإيمان أبَتْ عليه، ذهب واستشار أبا بكر  قال: يا أبا بكر، إني زنيت، ماذا ترى؟ قال: استتر بستر الله، وتب فيما بينك وبين الله. لكن حرارة الإيمان أبَتْ عليه، ذهب إلى عمر  واستشاره فقال له مثل ما قال له أبو بكر، لكن حرارة الإيمان أبت عليه، ذهب للنبي ، قال: يا رسول الله إني زنيت. أعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لعله يذهب ويستتر بستر الله، تنحى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، فأتى إليه مرة أخرى من وجهة أخرى، وقال: يا رسول الله، إني زنيت. حتى قال أربع مرات، فقال عليه الصلاة والسلام: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أَحْصَنْتَ؟ قال: نعم. فأمر النبي فرجم [3]، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ما الذي حمله على ذلك؟ قوة الإيمان.

وقريب من هذا: قصة المرأة التي أتت النبي فقالت: يا رسول الله إني زنيت فطهرني. فأعرض عنها النبي ، قالت: أتريد أن تردني كما رددت فلانًا؟ إني والله لَحُبْلَى من الزنا”، فدعا النبي وليَّها وأمره أن يحسن إليها، يعني: لا يسيء لها؛ لأنها أتت تائبة، وقال: حتى تضعي ما في بطنك. وتركها لم يرسل معها شرطة، لم يرسل معها أحدًا، لم يتعقبها، فلما وضعت المولود، يقول الراوي: أتت به للنبي في خرقة، فقالت: يا رسول الله ها قد وضعته فطهرني. قال: حتى تفطميه. والفطام: سنتان فبقيت سنتين، وحرارة الإيمان تأبى عليها إلا أن تأتي، ما استدعاها أحد، أتت بعد سنتين للنبي بهذا الصبي، يقول الراوي: وفي يده كسرة خبز؛ لتثبت أنها قد فطمته، تلح على النبي عليه الصلاة والسلام بأن يقيم عليها حد الرجم، فأمر النبي بها فحفر لها حفرة ثم رجمت، فقال أحد الصحابة  ترجمها وتصلي عليها! لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي عليها، قال: والذي نفسي بيده! لقد تابت توبةً لو قُسِمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ؟ [4].

توبة عظيمة صادقة، ما الذي حمل هذه المرأة؟ إنها حرارة الإيمان وقوة الإيمان.

وأيضًا جاء في «صحيح مسلم» موقف لامرأة أخرى، وهي أم سُليم، الصحابية الجليلة، وكان زوجها قد ذهب للسفر وترك غلامًا صبيًّا، وكان مريضًا، فلما رجع زوجها أبو طلحة  قدر الله تعالى -في تلك الليلة التي رجع فيها- أن مات هذا الغلام، مات ابنه، فلما مات ابنه أرادت ألا تُنَغص على زوجها، وأن تحسن التبعُّل له، وهي أمه، فقدم أبو طلحة من السفر، فقامت وصنعت له عشاء فتعشى، ثم تصنعت له فواقعها، وأخفت أثر المصيبة، لاحِظوا يا إخوان، فقدت أعز ما تملك، فقدت ابنها، أغلى إنسان لها، ابنها قطعة منها، فلذة كبدها، فقدت ابنها، ومع كذلك حاولت أن تخفي أثر المصيبة، صنعت له العشاء تصنَّعت له، ثم بعد ذلك أتت لزوجها، وقالت: يا أبا طلحة لو أن قومًا أعاروا لنا عاريَّة، ثم طلبوا عاريَّتهم، أفلنا الحق أن نرد طلبهم؟ قال: لا، هي عاريتهم. قالت: فإن ابنك هذا عاريَّة من الله، وإن الله تعالى قد أخذ عاريَّته فاحتسب ابنك. فغضب فقال: لماذا لم تخبريني لمَّا أتيت؟ فقالت: ابنك قد مات فأردت أن أحسن التبعل رجاء ما عند الله من الأجر والثواب. فضيلة عظيمة، اليقين والإيمان، فانطلق للنبي وأخبره، قال عليه والصلاة والسلام: بارك الله لكما في ليلتكما [5]. فحملت من تلك الليلة بولد صالح، يقول الراوي: فلقد رأيت منه عشرة من الولد كلهم يحفظون القرآن.

فانظروا إلى هذا الموقف العجيب! الذي يندر أن يوجد في نساء الدنيا، امرأة تفقد ابنها ومع ذاك تفعل هذا الفعل العظيم وهذه التضحية الكبيرة، لماذا؟ لأنها ترجوا ما عند الله ​​​​​​​ من الأجر والثواب.

والقصص في هذا أيها الإخوة كثيرة، وهي تدل على أن هذا الإيمان إذا وقر في القلب فإنه يصنع بصاحبه الأعاجيب؛ يكون له أثر على الإنسان في علاقته مع ربه ، وفي علاقته مع الآخرين، يكون هذا الإنسان صادقًا مع الله سبحانه وصادقًا مع الناس؛ لأنه يرجو ما عند الله سبحانه من الأجر والثواب؛ لأنه على يقين بصدق وعد الله .

أيها الإخوة

وكما يقول أحد السلف: إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما ينقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد إيمانه أم ينقص.

ومن فقه: العبد أن يعلم نزغات الشيطان من أين تأتي.

ضعف الإيمان وأبرز مظاهره

 نلحظ يا إخوان ضعف الإيمان في وقتا الحاضر لدى كثير من الناس، وهذا الضعف له مظاهر؛ من أبرز هذه المظاهر:

  • الجرأة على انتهاك حرمات الله تعالى.

فتجد جرأة عجيبة على انتهاك حرمات الله ، وأذكر على سبيل المثال: أعجب من كثرة الأسئلة والاستفتاءات عما يترتب على الجماع في نهار رمضان، فقد أتى إليَّ عدد ليس بالقليل من الناس، يقولون إنهم جامعوا أهلهم في نهار رمضان، عندما أسألهم: يا فلان، هل تجهل الحكم؟ قال: لا. طيب لماذا وقعت في هذا الأمر العظيم؟ قال: والله غلبتني نفسي.

استهتار بحرمات الله ، جرأة كبيرة على ارتكاب حرمات الله سبحانه، يسأل ماذا عليه؟ هذا إن سأل، هؤلاء الذين يسألون، ما بالك بمن لا يسأل؟! مع أن هذا الأمر عظيم، انتهاك لحرمات الشهر، ولذلك؛ يترتب عليه كفارة مغلظة، وهي عتق رقبة، ولا يوجد رقاب الآن، يترتب عليه صيام شهرين متتابعين.

وأذكر أن أحد الناس سأل، قال: إنه جامع امرأته في تسعة أيام، تسع مرات في تسعة أيام، فأُفتي بأن عليه الصيام ثمانية عشر شهرًا، عندما استثقل ذلك قلنا: جرم كبير، والجرأة على حرمات الله عظيمة، كيف تفعل هذا تسع مرات في تسعة أيام؟!

هذه يا إخوان أمور واقعية، أتحدث عن واقع لا أتحدث عن أمور مفترضة أو خيالية، هذا مظهر واضح وجلي من مظاهر ضعف الإيمان وقلة الخوف من الله ، لو كان هناك إيمان صادق لحجز هذا الإنسان، بإمكانه أن يؤجل هذا الأمر إلى الليل، الله تعالى أباح هذا الأمر في الليل، لكن جرأة على حرمات الله، مع ضعف إيمان واستهتار بحرمات الله ​​​​​​​ أدت إلى الوقوع في هذا الأمر، وربما تكون المرأة أسوأ حالًا من الرجل في هذا الأمر.

  • أيضًا من مظاهر ضعف الإيمان: التقصير في الواجبات.

فعندما نجد ونلاحظ المساجد في صلاة الفجر، كم نسبة الذين يصلون صلاة الفجر مع الجماعة إلى سكان الحي؟ نسبة قليلة جدًّا النسبة قليلة، أين هؤلاء؟! أين هؤلاء؟! أين هؤلاء الذين لا يصلون صلاة الفجر مع جماعة؟! ثم هؤلاء الذين لا يصلون صلاة الفجر مع الجماعة، هل يصلون صلاة الفجر في وقتها قبل طلوع الشمس؟ الغالب أن من لم يصل مع الجماعة لم يصلها في وقتها قبل طلوع الشمس، إذَنْ أمثَلُهم من إن قام صلى صلاة الفجر بعد طلوع الشمس، هذا مظهر عظيم من مظاهر ضعف الإيمان، جرأة على التقصير في هذه العبادة العظيمة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام، والتي هي عمود الدين.

  • أيضًا من مظاهر ضعف الإيمان: الجرأة على أكل أموال الآخرين.

حقوق الناس: تجد بعض الناس عليه ديون وحقوق للآخرين، وهو قادر على أن يسددها، لكنه يماطل، لا تطيب نفسه بأن يدفع لصاحب الحق حقه في وقته، وإن دفعه لا يدفعه إلا بعد إلحاح شديد، لو كان عنده قوة إيمان لأعطى صاحب الحق حقه، ولحرص على ذلك.

جاء في «صحيح البخاري»: أن رجلًا استسلف من رجل ألف دينار، ووعده أن يسدد له ألف دينار في يوم من الأيام، وحدد له التاريخ، ثم في ذلك الموعد ذهب هذا الرجل بألف دينار يريد أن يسدد المُقرض، وبحث ليجد له مركبًا -كان على البحر- بحث فلم يجد مركبًا على البحر، لم يجد، اجتهد واجتهد، لم يجد، أخذ خشبة، نخرها ووضع فيها ألف دينار، وكتب فيها كتابًا بأنها لفلان، ثم أخذ هذه الخشبة وفيها ألف دينار وقال: اللهم إني قد اجتهدت بأن أعطي صاحب الحق حقه في وقته وألا أبطله حقه، وإني لم أجد مركبًا، اللهم فأوصلها لصاحبها. فأخذها البحر، هذا المقرض خرج للبحر يريد أن يصيد سمكًا، فوجد هذه الخشبة لما نخرها وجد فيها ألف دينار ووجد فيها معها أيضًا هذا المكتوب، ثم إن هذا الرجل لقي صاحبه يومًا من الدهر وتجاهل الأمر، وقال: يا فلان أنت تطلبني بألف دينار، وإني قد اجتهدت في البحث عن مركب ولم أجد، قال: هلا كنت قد بعثت شيئًا؟ قال: نعم. قال فإن الله تعالى قد أوصل ما بعثته إليَّ.

فانظروا أيها الإخوة إلى التصرف الذي يدل على قوة إيمان، لم يرد أن يؤخر صاحبه ولو يومًا واحدًا، فعل هذا التصرف، ثم أيضًا هذا الرجل رأى أن هذا التصرف لا تبرأ به الذمة، كيف يأخذ ألف دينار وضعها في خشبة ويرميها في البحر؟! رأى أن التصرف هذا لا تبرأ به الذمة، فاجتهد حتى لقي الرجل يريد أن يدفع له الألف دينار مرة أخرى، لكنه قال له: إن الله تعالى قد أوفى عنك.

  • فيكون من مظاهر ضعف الإيمان المماطلة في أداء الحقوق، كذلك أيضًا: الجرأة في اكتساب المال من الحرام.

بعض الناس الحلال ما حل في يده من غير مبالاة، أكتفي بهذا القدر في الكلام عن مظاهر ضعف الإيمان، وأنتقل بعد ذلك للكلام عن أسباب هذا الضعف.

أسباب ضعف الإيمان

  •  نجد أن من أعظم الأسباب: الابتعاد عن الأجواء الإيمانية فترة طويلة.

فإذا ابتعد الإنسان عن مثل هذه الدروس وهذه المحاضرات والأجواء الإيمانية، وأصبحت مجالسه مجالس دنيا يقسو قلبه، ويضعف إيمانه، وأنت جرِّب هذا بنفسك، إذا حضرت مثل هذه المجالس، هذه المحاضرة تنصرف منها وتحس أن إيمانك قد زاد، لكن عندما تكون غالب جلساتك في استراحات وفي مجالس دنيا وفي لهو وفي قيل وقال، تجد أن الإيمان يضعف، فالابتعاد عن الأجواء الإيمانية مدعاة لضعف الإيمان؛ كما قال الله ​​​​​​​: ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16]، فدلت الآية على أن طول الوقت في البعد عن الأجواء الإيمانية مدعاة لضعف الإيمان.

  • كذلك أيضًا من الأسباب: الابتعاد عن الصحبة الصالحة.

الصحبة الصالحة تعين الإنسان إذا ذكر، وتذكره إذا نَسِي، ولهذا؛ الصحابة  لما توفي النبي يقولون: أنكرنا قلوبنا. يجدون النبي عليه الصلاة والسلام الموعظة والتذكير وربطهم بالأجواء الإيمانية، كان بعض الصحابة إذا لقي بعضًا قال: اجلس بنا نؤمن ساعة. فيجلسون ويتذاكرون أحوال الآخرة والجنة والنار، فيقومون وقد زاد إيمانهم وقوي يقينهم.

فصحبة الصالحين كلها خير، كلها بركة، والجليس الصالح كحامل المسك؛ إما أن تبتاع منه، وإما أن تشتري منه شيئًا ينفعك ويفيدك، فالابتعاد عن أجواء الصالحين وأهل الخير والاستقامة من أسباب ضعف الإيمان، فينبغي للمسلم أن يحرص على أن يجالس الصالحين أن يحرص على مثل هذه الجلسات مثل هذه المحاضرات التي يزيد بها الإيمان.

  • وأيضًا أسباب ضعف الإيمان: وجود الإنسان في وسط يَعُجُّ بالمعاصي.

إذا كان الإنسان في وسط يعج بالمعاصي، يعني: إذا دخل البيت وجد مثلًا أغاني، وجد مثلًا صور نساء، إذا خرج ذهب إلى مكان العمل وجد غيبة، و..، و..، إذا كان هذا المكان يعج بالمعاصي لا شك أنه مدعاة لضعف الإيمان فيضعف الإيمان شيئًا فشيئًا.

  • وكذلك أيضًا من الأسباب: الإغراق في الاشتغال في الدنيا.

فبعض الناس مجالسه في الدنيا، كلها في لهو، كلها في حديث الدنيا، أما حديث في الآخرة وفي الأمور التي ترقق القلوب فقليل، ولهذا؛ إذا كان في مجلس وأراد أحضر الحاضرين أن يذكر الناس، ربما وجد نفرة من هذا الحديث، هذا من أسباب ضعف الإيمان، فهذه المجالس -مجالس الدنيا- تسبب تعلق الإنسان بها، فيتعلق الإنسان بالدنيا تعلقًا شديدًا، وقد قال النبي : تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم [6]. بعض الناس كأنه عبد للدينار وعبد لهذه الدنيا، وكأنه خُلق لهذه الدنيا فحسب، ولذلك؛ فهو يتعلق بها وبالأحاديث فيها، ويبتعد عن الأحاديث التي يزيد بها الإيمان، والتي يحصل بها ترقيق القلوب.

  • من الأسباب أيضًا: طول الأمل.

طول الأمل من أسباب ضعف الإيمان، ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3]، إذا كان أمل الإنسان في الدنيا طويلًا فإن هذا مدعاة لقسوة القلب وضعف الإيمان، فيصبح الإنسان إن أدى العبادات أداها بصورة عادات؛ لا يحس بخشوع، لا يحس بحضور قلب، لا يحس بروحانية.

أسباب زيادة الإيمان

 ونأتي بعد ذلك للمبحث الأهم وهو «العلاج»، ما هي الأسباب التي يزيد بها الإيمان:

  • ننطلق أولًا من قول الله ​​​​​​​: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]. وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا؛ فدلت هذه الآية علي أن من أعظم أسباب زيادة الإيمان: تدبر القرآن العظيم؛ استماعًا وتلاوةً.

فهؤلاء وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ يعني: استمعوا وأنصتوا للقرآن، أو من باب أولى قرأوا القرآن بتدبر زَادَتْهُمْ إِيمَانًا، الارتباط بكتاب الله يا إخوان يزيد الإيمان، يقوي اليقين؛ لأن كتاب الله فيه نبأ ما قبلنا، وفيه خبر ما بعدنا، وفيه حُكم ما بيننا، فيه ذكر قصص السابقين، فيه ذكر الجنة والنار وأحوال يوم القيامة، فيه بيان حقيقة الدنيا، فيه الأمثلة التي ضربها الله في القرآن، فالارتباط بكتاب الله لا شك أنه يزيد الإيمان، لكن عندما تقرأ القرآن، اقرأه بتدبر؛ لا هَذْيًا كهذي الشعر، لكن يا إخوة ما نصيبنا من القرآن؟

نجد أن بعض الناس يجعل تلاوة القرآن -كما يقال- على الهامش؛ إن وجد وقتًا قرأ القرآن، إن أتى للمسجد مبكرًا قرأ القرآن، لكن إن لم يجد وقتًا ولم يأت للمسجد مبكرًا، ربما تمضي عليه أيام وربما أسابيع، بل بعض الناس شهور، وما فتح المصحف ليقرأ شيئًا من كتاب الله ، وهذا أخشى أن يدخل في هجر القرآن، وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30].

النبي كان له حزب -يعني قدر معين لا ينقص عنه- يقرأه كل ليلة، وكان الصحابة لكل منهم حزب يقرأه كل ليلة، ليس المقصود بالحزب الحزب المصطلح عنه عند أهل التجويد، المقصود: قدر معين من القرآن نحافظ عليه، مهما كان نحافظ عليه.

وقد جاء في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي  يقول: من نام عن حزبه، فقرأه بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب كأنما قرأه من الليل [7]. ما معنى هذا الحديث؟ من نام عن حزبه، يعني: عن القدر الذي خصصه لتلاوة القرآن، فعرض له عارض من مرض، من سفر، أي عارض، فقرأه قضاءً ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر فمن رحمة الله يُكتب كأنما قرأه من الليل. هذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للمسلم أن يكون له حزب -يعني قدر معين- من القرآن.

فينبغي إذَنْ -أيها الإخوة- من الآن أن يرتب كل واحد منا لنفسه وقتًا، لا بد أن يقرأ قدرًا كل ليلةٍ من القرآن، وإذا عرض له عارض يقضي هذا القدر، ويحافظ على هذا.

المحافظة على الأعمال الصالحة -يا إخواني- لها فائدة عظيمة:

أولًا: القليل مع القليل يكون كثيرًا، إذا حافظت على عمل قليل، القليل مع القليل يكون كثيرًا، يعني لو مثلًا حافظت على السنن الرواتب؛ فمعنى ذلك في السنة تكون قد صليت أكثر من ستة آلاف ركعة، القليل مع القليل، لو صمت ثلاثة أيام من كل شهر؛ فمعنى ذلك نهاية السنة تكون قد صمت أكثر من شهر؛ 3×10=30. يعني أكثر من شهر فالقليل يكون كثيرًا.

أيضًا من فوائد المحافظة على العمل الصالح: أن العبد إذا مرض أو سافر كتب الله ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا، إذا اعتدت أن تحافظ على العمل الصالح؛ سواء كانت صيام نافلة، سواء كانت تلاوة قرآن، سواء كانت صلاة، فإنك إذا عَرَض لك عارض؛ من مرض أو نوم أو سفر، إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له الأجر كاملًا ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا.

  • فإذَنْ، أعظم أسباب زيادة الإيمان: هو الارتباط بكتاب الله ، لكن ينبغي أن يصحب تلاوة القرآن تدبر، لا بد أن نعود أنفسنا على تدبر القرآن، ومعظم آيات القرآن واضحة وظاهرة، يعني ما يذكر الله تعالى من أحوال يوم القيامة، من أحوال الجنة، من أحوال النار، أوصاف الجنة، كلام عن أمور الدنيا، عن قصص السابقين واضحة، صحيح بعض الآيات تحتاج للرجوع لكتب التفسير لكن معظم الآيات -ولله الحمد- واضحة وكلٌّ يفهما، فينبغي إذَنْ أن نتدبر القرآن العظيم، أن نخصص وقتًا لتدبر كتاب الله .
  • وأيضًا من أسباب زيادة الإيمان: الخلوة بالله .

أن يكون للإنسان أوقات يخلو فيها بالله سبحانه، ويتذكر عظمة الله وعظيم قدرته، وكيف أنه خلق هذا الخلق بإبداع وإتقان؟ فيتذكر أن الله سبحانه له من العظمة شيءٌ لا يمكن أن يتصوره العقل البشري المحدود، فهو فوق تصور العقل البشري، كيف أن الله خلق هذا الخلق وقدره تقديرًا بإبداع وإتقان عجيب؟! يتأمل في خلق السماوات، يتأمل في خلق الأرض، يتأمل في تعاقب الليل والنهار، يتأمل في البشر من حوله، يتأمل في خلق نفسه، يتأمل في كل شيء.

وفي كل شيء له آية  تدل على أنه الواحد

قيل لأعرابي كيف عرفت ربك؟

قال: سبحان الله! البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجَاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟!

ومرّ رجل ومعه بعض الناس فقيل: إن هذا الرجل عنده ألف دليل على وجود الله، فقال أحد السلف: سبحان الله! لا يحتاج هذا إلى ألف دليل، دليل واحد يكفي. قالوا ما هو؟ قال: لو أن إنسانًا يسير في البر في المكان الخالي ما معه أحد، ثم سقط في بئر، وهذا الإنسان لا يعرف الله يفترض أنه إنسان ملحد، وسقط في بئر، ماذا يقول؟ يقول: يا الله. مهما كان عليه من الكفر والإلحاد، يقول: يا الله. تذكر أن هناك ربًّا يَلجأ إليه، هذا أمر قد فُطر عليه الإنسان، فُطر الإنسان على معرفة الله ، لكن هذه الفطرة قد تُغطَّى بالرغبات والشهوات والمطامع، فيَضِلُّ الإنسان، لكن عندما تأتي الشدائد تزول هذه كلها؛ فيعرف الإنسان ربه .

فأقول يتذكر المسلم عظمة الله ، ولهذا؛ كان من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه [8] فيرتبط بهذا السببِ التفكرُ في عظمة الله ، التفكر في بديع صنع الله سبحانه في هذا الكون، التفكر في عظمة السماوات والأرض، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۝الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[آل عمران:191]، يتفكر فيما ورد في النصوص من أحوال العوالم الأخرى، خذ على سبيل المثال عالم الملائكة، عالم الملائكة عالم عجيب جدًّا، يقول عليه الصلاة والسلام: أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط؛ ما من موضع أربع أصابع إلا عليه ملك واضع جبهته ساجدًا لله أو قائمًا [9].

ويخبر عليه الصلاة والسلام عن ملك من حملة العرش، يقول: أُذِن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش ما بين أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة [10]. أحد حملة العرش الثمانية، إذا كانت هذه عظمة مخلوق، فما بالك بعظمة الخالق جلا وعلا؟!

ويقول عليه الصلاة والسلام لما رأى جبريل قال له ستمائة جناح قد سد الأفق [11]، ويخبر عن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة لا يعودون إليه إلى يوم القيامة [12]، فعندما يتأمل المسلم هذا، وما ورد أيضًا في الحديث: أن السماوات السبع والأرَضِينَ السبع بالنسبة للكرسي كحَلْقة أُلقيت في فَلَاةٍ -في صحراء من الأرض- ما السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي -الذي هو موضع قَدَمَيِ الرب- إلا كحلقة أُلقيت في صحراء شاسعة، وما الكرسي بالنسبة للعرش إلا كحلقة في فلاة من الأرض [13]، عندما يتأمل المسلم هذه المعاني، لاشك هذا مما يزيد إيمانه ويقوي يقينه.

  • أيضًا من الأمور التي يزيد بها الإيمان: ذكر الله .

الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، إذا أكثرت من ذكر الله تعلقتَ بالله سبحانه؛ أما إذا أكثرت من ذكر الدنيا تعلقتَ بالدنيا، كما يقال: الدنيا والآخرة كالمرأتين الضرتين من أحب إحداهما أضر بالأخرى، وكما يقول ابن القيم: «إن الله تعالى جعل لكل شيء سببًا، وجعل من أسباب حصول الطمأنينة والسكينة وحضور القلب والراحة ذكر الله ».

متى يجد الإنسان لذة العبادة؟

فذكر الله سبحانه يجعل المسلم متصلًا قلبه بالله ، يذكر الله تعالى على كل حين، وجرب هذا بنفسك عندما تكثر من ذكر الله تجد روحانية، تجد خشوعًا في الصلاة، تجد لذة العبادة، لذة العبادة يا إخوان هي أثر من آثار قوة الإيمان، متى يجد الإنسان لذة العبادة؟ إذا قوِيَ إيمانه، يتلذذ بالعبادة، يجد لها طعمًا، كما كان عليه الصلاة والسلام يقول: أرحنا بالصلاة يا بلال [14]. وتأملوا يا إخوان هذه الآية: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

هذه الطمأنينة يقول بعض أهل العلم: مهما أتينا بألفاظ الفصاحة والبلاغة والبيان لا نستطيع أن نصفها، لا يستطيع أن يعرف هذه الطمأنينة إلا من جربها، يعجز اللسان عن التعبير عنها، ويعجز القلم عن وصفها، الطمأنينة عجيبة، يقول عنها أحد السلف: إننا لفي سعادة لو يعلم عنها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف. ويقول آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يطرب لها فرحًا، وإني لأقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم إنهم إذَنْ لفي عيش طيب.

هذه الطمأنينة، وهذه الراحة وقرة العين إنما تكون عند زيادة الإيمان، وعند قوة الإيمان، يكون هذا عندما يتعلق المسلم بالله ، ويكثر من ذكر الله سبحانه.

ومن رحمة الله بعباده أن جعل الذكر يثاب عليه المسلم، حتى وإن كان بغير حضور قلب، فعندما تقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر. لا شك أنها بحضور قلب أعظم أجرًا، لكن لو قلتها بغير حضور قلب تؤجر وتثاب عليها، عندما تقرأ القرآن ولو بغير فهم تؤجر عليه الحسنة بعشر أمثالها، وسمعت حديثًا من شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى، يقول: لو أنفق المسلم ملايين في سبيل معرفته، لم يكن كثيرًا، هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، يقول فيه النبي : من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. مائة مرة، كانت له عَدْلَ عشرِ رقاب، وكُتب له مائة حسنة، ومحي عنه مائة سيئة، وكانت له حِرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد يوم القيامة بأفضل منه، إلا من عمل مثل ما عمل أو زاد، ومن قال: سبحان الله وبحمده. مائة مرة حُطّت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر [15].

تأملوا يا إخواني هذا الحديث العظيم الذي رواه «البخاري ومسلم» عندما تقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) مائة مرة، تحوز على هذا الفضل العظيم كأنك اعتقت عشرة عبيد، ومن اعتق عبدًا اعتق الله عنه بكل عضو منه عضوًا من النار، وكُتبت لك مائة حسنة، ومُحي عنك مائة سيئة، وكانت حرزًا لك من الشيطان، تأملوا هذا، حرز من الشيطان، الشيطان يضعف مع هذا الإنسان الذي أتى بهذا الذكر حتى يمسي، ولم يأت يوم يوم القيامة أحد بأفضل منه، إلا من عمل مثلما عمل أو زاد، ماذا تُكلِّف الإنسان؟

جاء في «صحيح مسلم»: عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا عند النبي جلوسًا فقال: أيَعجِز أحدكم أن يَكسِب في اليوم ألف حسنة؟ قلنا يا رسول الله، كيف نكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة، فيُكتب له بها ألف حسنة، أو يُحَط عنه بها ألف خطيئة [16]. كم تأخذ من الوقت؟ سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، كم تأخذ من الوقت؟ تكسب بها ألف حسنة، أو يحط بها عنك ألف خطيئة، طرق الخير يا إخوان كثيرة والموفَّق من وفقه الله .

أقول أيها الإخوة: الارتباط بالله ، وكثرة ذكر الله سبحانه، هذه من أعظم أسباب زيادة الإيمان، ومن أعظم أسباب قوة الإيمان.

  • أيضًا من أسباب زيادة الإيمان: المبادرة للأعمال الصالحة.

هذه المبادرة لها أثر عظيم في زيادة الإيمان، يكون عند المسلم روح المبادة، لا ينتظر أحدًا يحثه على العمل الصالح، جاء في «صحيح مسلم»: عن أبي هريرة  أن النبي قال يومًا للصحابة -سألهم أربعة أسئلة، وانتبهوا لهذه الأسئلة الأربعة- قال: من أصبح اليوم منكم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: من عاد اليوم منكم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: من تبع اليوم منكم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: من أطعم اليوم منكم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة [17].

انظر أولًا كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام طرح هذه الأسئلة على الصحابة لكي يغرس فيهم روح المبادرة للعمل الصالح، وانظر إلى مبادرة الصِّدِّيق في يوم واحد جمع هذه الأمور كلها؛ أصبح صائمًا، أطعم مسكينًا، عاد مريضًا، تبع جنازة، وربما له أعمال أخرى لم تذكر في الحديث، لكن النبي عليه الصلاة والسلام اكتفى بهذه الأمور الأربعة، أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يغرس في الصحابة  روح المبادرة.

تجد بعض الناس يحتاج حتى يعمل عملًا صالحًا إلى من يحثه ويلح عليه ويذكره، ينبغي أن يكون عنده روح المبادرة، يكون عند المسلم دائمًا المبادرة إلى العمل الصالح، فإذا مثلًا سمع بأن أخًا له في الله مريض بادر مباشرة لعيادته، سمع بجنازة ذهب للصلاة عليها، صيام النافلة يكون له حظ من صيام النوافل، يكون له حظ من الذكر وتلاوة القرآن، يكون صاحب مبادرة لا يمضي عليه يوم إلا وقد ازداد رصيد حسناته، فهذه من الأمور التي ينبغي أن نتربى عليها، يكون لدينا مبادرة للعمل الصالح، ونقتدي بالصديق رضي الله تعالى عنه، الذي كان أفضل الأمة بعد نبيها ، مع ذلك انظر إلى عظيم مبادرته، في يوم واحد جمع هذه الأعمال كلها رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

  • أيضًا من أسباب زيادة الإيمان -وقد يستغرب بعض الناس كيف نجعله سببًا لكنه في الحقيقة لو تأملت فيه وجدته من أعظم الأسباب-: قيام الليل.

قيام الليل -أيها الإخوة- هو زاد الصالحين، قيام الليل هو الأمان من النفاق، وكما قيل: ما قام الليل منافق. والله يقول: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ۝إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا [المزمل: 6-7]، الإنسان في النهار قد يكون مشغولًا، قد لا يتهيأ له حضور القلب، مشغول بكسب لقمة العيش، مشغول بأعماله، لكن نَاشِئَةَ اللَّيْلِ، ما هي نَاشِئَةَ اللَّيْلِ؟ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ: هي الصلاة التي تصليها بعد القيام من النوم، هذه هي ناشئة الليل كما قال السلف، فهذه الصلاة التي تصليها قيام الليل الذي يكون بعد النوم.

أَشَدُّ وَطْئًا: يعني أكثر مواطأة واتفاقًا ما بين القلب واللسان، وَأَقْوَمُ قِيلًا، يعني: أصوب قراءة، ولذلك؛ يستطيع المسلم أن يتدبر القرآن، يحس بلذة العبادة، يحس بانشراح الصدر بقيام الليل.

جاء في «الصحيحين»: عن أبي هريرة أن النبي قال: يَعقِد الشيطان على قافِيَة رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد؛ فإن هو قام فذكر الله انحلت عقدةٌ، وإن توضأ انحلت عقدةٌ، وإن صلى انحلت عقدةٌ، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا، أصبح خبيث النفس كسلان [18]. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن الإنسان إذا نام فإن الشيطان يقعد عليه ثلاث عقد: عليك ليل طويل؛ فارقد.

اختلف العلماء: هل هذه العقد عقد حِسِّيَّة كعُقَد السحر أو أنها عُقَدٌ معنويةٌ؟

قولان لأهل العلم، والأقرب: أنها عقد معنوية، وأن المقصود تثبيط الشيطان له عن الصلاة وتكسيله عنها، ولذلك؛ يقول: عليك ليل طويل؛ فارقد. كلما أراد أن يقوم الليل ثبطه الشيطان، وألقى عليه الكسل، كسلًا عظيمًا لا يأتيه إلا إذا أراد أن يقوم الليل، لكن لو كان أمرًا من أمور الدنيا لَمَا وجد هذا الكسل؛ فهذا من عقد الشيطان، فإن هو قام وذكر الله، انحلت عقدة، وإن توضأ انحلت العقدة الثانية، وإن صلى ولو ركعتين انحلت العقد كلها، فقام نشيطًا طيب النفس يجد لذة للعبادة وللطاعة، يذهب لصلاة الفجر وهو منشرح الصدر، وإلا، قام خبيث النفس كسلان.

فينبغي أيها الإخوة للمسلم: أن يجعل لنفسه أيضًا نصيبًا من صلاة الليل؛ لأنها تزيد الإيمان، لها أثر على المسلم، لها أثر على سلوكه، كأنها هي الزاد للمسلم في حياته اليومية؛ لأن مشاغل الإنسان كثيرة، وأكثر ما ينشغل الإنسان في النهار، لكن إذا جعل له نصيبًا من قيام الليل فهذا مما يعينه على العبادة وعلى الطاعة، ومما يحصل به زيادة الإيمان.

  • أيضًا من الأسباب: قراءة سير الصالحين، أو الاستماع لسير الصالحين، هذه مما تحيي معاني الإيمان في النفوس.

عندما يتأمل الإنسان في سير الصالحين، وأنهم كانوا على جانب وحظ عظيم من العبادة والطاعة والاستقامة على طاعة الله ، فيكون هذا من أعظم الأسباب التي تقوده إلى زيادة الإيمان لكي يقتدي بهم ويبادر إلى الطاعة.

  • ومن الأسباب أيضًا: محاسبة النفس.

فينبغي أن يكون المسلم على جانب عظيم من محاسبة نفسه؛ لأنه إذا أطلق الإنسان لها العنان تقوده إلى الهوى؛ فتحتاج إلى كَبْحٍ، تحتاج إلى نهي؛ كما قال الله : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ، وَنَهَى النَّفْسَ، تحتاج إلى نهي، ونَهَى النفس عن ماذا؟ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

فهذه النفس إذا وجدت من الإنسان حزمًا وعزمًا وقوة تنقاد له، لكن إذا وجدت من الإنسان ترددًا وتسويفًا وكسلًا تقوده للهوى، حتى يصبح الإنسان عبدًا لهواه؛ كما قال الله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43].

والله قد أمر المؤمنين بمحاسبة النفس؛ كما قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] قال أهل العلم: هذه الآية أصلٌ في محاسبة النفس، وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني: انظر ماذا قدمت لغد يوم القيامة؟ ماذا قدمت؟ كما يقول أحد السلف: هب أن ملك الموت أتى إليك في هذه اللحظة، فقلت له: أريد أن تمهلني، أنت الآن في زمن المهلة، انظر ماذا قدمت لغد؟

ولا يزال المسلم بخير مادام على جانب عظيم من محاسبة نفسه، أما إذا انعدمت المحاسبة تجد أن الإنسان يضعف الإيمان لديه، ويتجرأ على الحرمات شيئًا فشيئًا، ويأكل أموال الناس بالباطل، ويتساهل في الوقوع في الحرمات، وذلك؛ لأن جانب المحاسبة عنده منعدم، هذا نلحظه أيها الإخوة، تجد بعض الناس تمر عليه الأيام تلو الأيام، والشهور تلو الشهور، والمواسم تلو المواسم، وهو في ضلالة، تجده لا يصلي، أو مقصر في صلاته مع الجماعة، أو يقع في الربا، أو يقع في المعاصي، وتجده على هذا مستمرًّا؛ لأنه انعدم عنده جانب المحاسبة، لو وجد عنده جانب محاسبة للنفس تجد أنه عنده ضمير يؤنبه، ويحاسب نفسه من حين لآخر.

مقامات النفس

قال أهل العلم: النفس لها مقامات:

  • مقام المحاسبة.
  • ومقام المعاتبة والمعاقبة.
  • ومقام المشارطة.

أما “مقام المحاسبة” الذي تحدثنا عنه الذي أمر الله تعالى به؛ كقوله تعالى: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18].

 وكان السلف على جانب عظيم من محاسبة النفس؛ كان عمر يقول: أيها الناس، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. وكان ابن مسعود يقول: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص به عمري ولم يزدد به عملي.

فالسلف كانوا على جانب عظيم من محاسبة النفس؛ قال البخاري في «صحيحه»: عن أبي مُلَيكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي كلهم يخاف النفاق على نفسه. من شدة محاسبتهم لأنفسهم.

وأما “المعاتبة والمعاقبة” فإذا وقع الإنسان في معصية ينبغي أن يعاتب نفسه ويعاقبها؛ حتى لا تعود إلى هذا، ولهذا تأملوا قول الله : وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ۝إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ يعني: في آخر النهار بعد العصر الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ الخيل الجياد، فانشغل بها عن الصلاة، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي يعني: عن الصلاة حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ يعني: حتى غربت الشمس رُدُّوهَا عَلَيَّ قال: مالٌ أشغلني عن الصلاة، لا بارك الله فيه! فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص:30-33] فقام وقطع أعناقها وسُوقها، وتصدق بها على الفقراء والمساكين، فعوضه الله ، لمَّا ترك هذا لله سبحانه عوضه الله تعالى، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ۝وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص:36-37]، فانظر لمَّا رأى أن مالًا أشغله عن ذكر الله بادر إلى التخلص منه، فالإنسان يكون على جانب من معاقبة النفس، رُوي أن أحد السلف فاتته صلاة العصر بسبب انشغاله ببستانه فتصدق بهذا البستان، قال لا بارك الله في مال يشغلني عن طاعة الله .

 وأما جانب “المشارطة” للنفس، فهذا يسمى بلغة العصر، «التخطيط»، «تخطيط الوقت»، ويسميه السلف: “المشارطة”، ولا مُشَاحَّة في الاصطلاح يعني مثلًا عندما يحاسب الإنسان نفسه، يعرف وجوه التقصير عنده، وجد مثلًا من وجوه التقصير أنه فاتته صلاة الفجر مع جماعة، أو فاتته صلاة العصر اليوم الثاني، يشارط نفسه ويخطط على ألا تفوته الصلوات مع الجماعة مطلقًا، ثم ينطلق لدرجة أعلى، يقول: لا تفوتني تكبيرة الإحرام خلف الإمام مطلقًا، ويأتي للمسجد مبكرًا، وجد من وجوه التقصير عنده مثلًا كلمة جارحة ألقاها على أخ له فتأذى من هذه الكلمة، يحاسب نفسه عليها، ذهب وتحلل منه مثلًا، وأيضًا شارط نفسه علي ألا يتعود على جرح مشاعر الناس بمثل هذه الكلمات، هذا هو جانب المشارطة.

جانب المشارطة مثلًا: أنه لا بد أن يقرأ حزبًا من القرآن، لا بد أن يحافظ على السنن الرواتب كلها ما يفوته منها شيء، يصلي ركعتي الضحى مثلًا، فيخطط لوقته ويشارط نفسه، بهذا إذا اجتمعت المحاسبة والمعاتبة، والمعاقبة والمشارطة للنفس؛ فإن النفس تسمو وتزكو، وإذا زكت حصل الفلاح قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

 أيها الإخوة في الله، هذا الإيمان يحتاج من المسلم إلى تعاهد، قد جاء في «مسند الإمام أحمد»: أن النبي قال: تعاهدوا إيمانكم؛ فإنه يَخلِقُ كما يخلق الثوب [19]، وهذا في سنده مقال ولكن معناه صحيح؛ فالإيمان يحتاج إلى تعاهد يتعاهده المسلم من حين لآخر؛ لأنه يعتريه ما يعتريه خاصة في هذا الزمن الذي نعيش فيه، فلا بد من تعاهد الإيمان.

جاء في سنن الترمذي: أن النبي قال: إن لكل عمل شِرة، ولكل شِرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد هدي، ومن كانت فترته إلى غير ذلك، فقد هلك [20]. ما معنى هذا الحديث؟

(لكل عمل شِرَّة): يعني نشاطًا، يعقب هذا النشاط فتور، وهذا الفتور فيه خطورة كبيرة على الإنسان، فمرحلة الفتور هذه معظم انتكاسات من انتكس تكون فيها، فالنفس لها إقبال وإدبار، مرحلة إدبار النفس خطيرة جدًّا.

(فمن كانت فترته إلى سنتي فقد هُدي) يعني: من كانت مرحلة الفتور هذه إلى السنة، فإنه يكون قد هدي، فليحذر المسلم هذه المرحلة، مرحلة إدبار النفس، إذا أقبلت النفس فاحرص على الإكثار من النوافل، وإذا أدبرت النفس فاحرص على المحافظة على أداء الفرائض وفعل ما تيسر من النوافل، ولا بد أن يكون المسلم فقيهًا بأحوال النفس؛ لأنه ما لم يكن كذلك؛ فإن النفس تقوده إلى الهوى، وتُرديه للهلاك وهو لا يشعر.

فينبغي أيها الإخوة إذَنْ، ونحن سمعنا إلى هذه المعاني في هذه المحاضرة: أن نطبقها إلى واقع عملي، وألا نعيش في الأماني، بعض الناس عندما يسمع هذا الكلام يعيش في الأمنيات؛ يتمنى الخير، يتمنى العمل الصالح، يتمنى الاستقامة، يتمنى المبادرة بالطاعة، يتمنى ..، لكن يعيش في بحر الأماني حتى يباغته الموت وهو يتمنى، هل الأماني نفعت أحدًا؟ من يعيش في بحر الأماني يظل طيلة عمره غارقًا في الأماني، والأماني لا تنفع أحدًا، ولذلك؛ لا بد أن نبادر إلى أن نُحِيل هذه الأماني إلى عمل، إلى واقع، أما مجرد أن يحب الإنسان الخير، ويعيش في الأماني، فلا يكفي هذا، لا يكفي.

كم من إنسان كان يتمنى الاستقامة، يتمنى الإنفاق في سبيل الله، يتمنى أن يعمل صالحًا، وباغته الموت وهو على تلك الأمانيِّ، وندم حين لا ينفع الندم! والإنسان قد غُيِّب عنه الأجل؛ لا يدري متى يفجأه الأجل، أيصبحه أم يُمَسِّيه؟ ولهذا؛ فينبغي أن نبادر بالطاعات، وأن نغتم ما تبقى من العمر، فإن الإنسان لا يدري، ربما يكون ما تبَقَّى من عمره قليلًا، فنُحِيل هذه الأمانيَّ إلى واقع ملموس، ونكون على جانب من محاسبة النفس؛ فإن هذا مما يزيد به الإيمان، ويقوى به اليقين، ويحصل به الفلاح في الدنيا والآخرة، والله قد أقسم في كتابه الكريم أحد عشر قسمًا متواليًا ليس له نظير في القرآن: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ۝وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا [الشمس:1-2]، لو حسبت القسم هذا وجدته أحد عشر قسمًا، ليس لهذا نظيره في القرآن، ما هو جواب القسم؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فمن زكَّى هذه النفس فقد أفلح الفلاح العظيم، ومن دسّى هذه النفس فقد خسر الخسران العظيم.

نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، كما أسأله سبحانه أن يستعملنا في طاعته، وأن يعيننا على شكره وعلى ذكره وعلى حسن عبادته، وأن يبارك لنا فيما تبقى من أعمارنا في هذه الدنيا، وأن يرزقنا الإنابة إليه، وأسأله سبحانه الذي جمعنا في هذا المكان في بيت من بيوته أن يجمعنا فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ۝فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 اللُّعاعة: الشيء اليسير التافه، ينظر تاج العروس: 11/ 434
^2 ذكره الطبري في تاريخه: 2/ 448
^3 رواه البخاري: 6815، ومسلم: 1691، دون تصريح باسم ماعز رضي الله عنه.
^4 رواه مسلم: 1696.
^5 رواه مسلم: 2144.
^6 رواه البخاري: 2886.
^7 رواه مسلم: 747.
^8 رواه البخاري: 660، ومسلم: 1031.
^9 رواه الترمذي: 2312، وابن ماجه: 4190، وأحمد: 21516.
^10 رواه أبو داود: 4727.
^11 رواه البخاري: 4858، من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه موقوفًا.
^12 رواه البخاري: 3207، ومسلم: 164.
^13 رواه الطبري في تفسيره: 4/ 539، وابن حبان في صحيحه: 361.
^14 رواه أبو داود: 4986، وأحمد: 23088.
^15 رواه البخاري: 3293، ومسلم: 2691.
^16 رواه مسلم: 2698.
^17 رواه مسلم: 1028.
^18 رواه البخاري: 1142، ومسلم: 776.
^19 رواه الطبراني في الكبير: 14668، والحاكم في المستدرك: 1/ 4.
^20 رواه الترمذي: 2453، بنحوه، ورواه أحمد: 6764.
مواد ذات صلة