الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
اللهم تقبل صلاتنا، واستجب دعواتنا، واستعملنا جميعًا في طاعتك، وبارك لنا في شهر رمضان يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
ونسأل الله تعالى أن يجزي فضيلة الإمام الشيخ ناصر على هذه القراءة المتأنية المتدبرة التي حركت القلوب، وسنقف مع آياتٍ من كتاب الله من الآيات التي تليت على مسامعنا، وهي هذه الآيات العظيمة في المحاورة بين أهل الجنة وأهل النار.
نهاية الرحلة البشرية
أيها الإخوة، الإنسان يعيش في هذه الحياة الدنيا في رحلةٍ، كان منشؤه من العدم، خلقه الله تعالى من العدم، هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: 1]، الإنسان لم يكن شيئا مذكورًا، فخلقه الله وحمَّله هذه الأمانة، أمانة التكاليف التي عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبت، وأشفقن منها، وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72].
وأرسل الله تعالى الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجة، وأنذر وأعذر، ثم بعد ذلك، بعدما يعيش الإنسان في هذه الحياة الدنيا ما كتب الله له أن يعيش؛ ينتقل إلى الدار الآخرة، ينتقل أولًا إلى البرزخ، وهي الفترة التي ما بين الدنيا والآخرة، ما بين الدنيا وقيام الساعة، ثم بعد ذلك يبعث الإنسان من قبره ويحاسب، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، ويجتاز جميع الناس الصراط، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم: 71]، ثم تكون نهاية مستقر البشرية، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: 7]، هذه هي نهاية المطاف: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
فنحن الآن نسير في هذه الرحلة، لكن ما نهاية هذه الرحلة التي نحن فيها الآن؟ نهايتها الجنة أو النار، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، هذه هي نهاية البشرية، وهذا هو مصير البشرية الذي ينبغي أن نستحضره وألا نغفل عنه، كيف يغفل الإنسان عن مصيره الذي هو صائر إليه، والذي كل يوم يمضي يقربه من هذا المصير؛ ولذلك فإن السعادة كل السعادة أن يستعد الإنسان لهذا المصير، وأن يتزود بزاد التقوى ما دام باب العمل مفتوحًا، وما دام باب التوبة مفتوحًا.
إذا دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار؛ فإن الله تعالى بعد ذلك يأذن بأن يخرج من النار من مات على التوحيد، حتى يكون آخرَهم رجلٌ، آخر أهل النار دخولًا الجنة -كما جاء في الصحيح- رجل يقول يا رب أخرجني من النار، التي قشبني ذكاؤها وأحرقني نارها، وهو ممن مات على التوحيد، فيقول الله له: وهل عساك إن أخرجتك من النار أن تسألني شيئا غيره؟ قال: لا والله، لا أسألك شيئا غير هذا، فيأخذ عليه العهود والمواثيق، فإذا أخرجه من النار ورأى الجنة من بعيدٍ؛ سأل الله تعالى أن يقربه من الجنة، فيقول الله له: ألم تعاهدني ألا تسألني شيئا؟ فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك بك، فيقربه الله تعالى عند باب الجنة، فيسأل الله تعالى أن يدخله الجنة، فيقول الله : ويحك يا ابن آدم، ما أغدرك! ألم آخذ عليك العهود والمواثيق ألا تسألني شيئا بعد ذلك؟! فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك بك، فيضحك الرب ، فيدخله الله تعالى الجنة، فإذا أدخله الجنة قال: تمنَّ، فيتمنى، ثم يقول: تمنَّ، فيتمنى، ثم يقول: تمنَّ، فيتمنى حتى تنقطع جميع أمانيه ويتحقق له جميع ما تمنى، فيقول الله له: فإن لك مثله ومثله ومثله وعشرة أمثاله، فذلك أدنى أهل الجنة منزلةً [1]، أدنى أهل الجنة منزلةً يا إخوان!
فالجنة دارٌ عظيمةٌ أعدها الله تعالى لعباده المتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، النعيم الذي في الجنة فوق مستوى تخيل العقل البشري المحدود، نعيمٌ لا يمكن تتخيله أصلًا، العقل البشري يعجز عن أن يتخيله، وكما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: “ليس في الجنة شيءٌ مما في الدنيا إلا الأسماء”، الاسم هو الاسم، لكن الحقيقة مختلفةٌ تمامًا، الجنة ليس فيها مرضٌ ولا تعبٌ ولا هرمٌ ولا موتٌ ولا شقاءٌ، نعيمٌ متواصلٌ، وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف: 71]، مقام الإنسان في الجنة ليس مئة سنةٍ، ولا مليون سنةٍ، إلى ما لا نهاية، وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، الدنيا حتى لو تحقق فيها النعيم، وحتى لو افترضنا أن نعيم الدنيا صفا للإنسان، مع أنه لا يصفو، لكن لو افترضنا هذا افتراضًا، هب أن الدنيا أتت إليك صفوًا؛ أليس مصيرها إلى الفناء؟ مهما عاش الإنسان فيها؛ في النهاية لا بد من لقاء الله وترك هذا النعيم الذي هو فيه، يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: 6].
وفي المقابل: النار التي أعدها الله تعالى لمن عصاه، يصف النبي عذابها يقول: ناركم هذه التي توقدون في الدنيا جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله، إن كانت واحدة لكافية، قال: إنها ضُعِّفت عليها تسعًا وستين مرةً [2]، هل يستطيع أحدٌ أن يضع يده في نار الدنيا دقيقة واحدة؟ كيف بنارٍ ضُعِّفت عليها تسعًا وستين مرةً؟!
فالجنة والنار هما نهاية المطاف للبشرية، فإذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار؛ أُتِيَ بكبشٍ أملح، وهو الموت، والله على كل شيءٍ قديرٌ، ثم يقال: يا أهل الجنة، أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هو الموت، فيقال: يا أهل النار، أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هو الموت، فيُذبح في مكانٍ بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار، خلودٌ فلا موت [3]، فيَعظم نعيم المؤمنين، وتعظم حسرات العصاة.
هذه هي نهاية مطاف البشرية، وهذه هي نهاية الرحلة البشرية التي نعيشها الآن.
محاورة بين أهل الجنة وأهل النار
وقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات التي استمعنا إليها محاورة بين أهل الجنة وأهل النار: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ [الأعراف: 44]، يريهم الله تعالى إياهم، يُرِي اللهُ تعالى أهل الجنة أهل النار وهم يعذبون، مع أن الجنة في أعلى عليين، والنار في أسفل سافلين، لكن الله على كل شيءٍ قديرٌ، فتكون هذه المحاورة؛ ينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الأعراف: 44]، كنا نصلي ونصوم ونتعبد لله، والله تعالى وعدنا بجناتٍ عظيمةٍ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فوجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم أنتم -يا أهل النار- ما وعد ربكم حقا؟ قَالُوا نَعَمْ، كلٌّ وجد ما وعده ربه حقًّا، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: 87]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: 122]، والله لا يخلف الميعاد جل وعلا، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [الأعراف: 44، 45]، لا يكتفون فقط بما هم فيه من الفسوق والمجون، بل يصدون عن سبيل الله، يصدون عن الخير، يصدون عن الطاعة، يصدون عن الصراط المستقيم ويبغونها عوجًا.
ثم ذكر الله تعالى في الآيات التي بعدها محاورةً أخرى بينهم، أن أهل النار ينادُون أهل الجنة: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأعراف: 50]، يرى أهل النار أهل الجنة وهم يتنعمون في هذا النعيم العظيم، وهؤلاء عطشى يُسقَون الحميم، يقطع أمعاءهم، فيسترحمونهم ويترجَّونهم: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الأعراف: 51]، هذا الذي عاش في الدنيا غَرَّته الحياة، وغرته الدنيا بزخارفها، ويعيش في لهوٍ ولعبٍ وغفلةٍ، هذا هو جزاؤه، وهذا هو مصيره.
من هم أهل الأعراف؟
وذكر الله تعالى مع أهل الجنة وأهل النار قسمًا ثالثًا، وهم أهل الأعراف، فمَن هم أهل الأعراف الذين سميت هذه السورة باسمهم؟
أهل الأعراف: هم قومٌ تساوت حسناتهم وسيئاتهم، سبحان الله! انظر إلى الميزان يوم القيامة ودقة الميزان، أعمال الإنسان التي عملها في الدنيا توضع في هذا الميزان؛ الحسنات كلها في كفةٍ، والسيئات كلها في كفة، إن رجحت كفة الحسنات ولو بحسنةٍ واحدةٍ؛ كان من أهل الجنة، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [القارعة: 7]، وإن رجحت كفة السيئات ولو بسيئةٍ واحدةٍ؛ كان من أهل النار إلا أن يعفو الله عنه.
القسمة المنطقية العقلية تقول: هناك قسمٌ ثالثٌ: وهو قومٌ تتساوى حسناتهم وسيئاتهم، فهؤلاء هم أهل الأعراف، سبحان الله! لم ترجح كفة الميزان ولا بحسنةٍ واحدةٍ، ولم ترجح كفة السيئات ولا بسيئةٍ واحدةٍ، فهؤلاء يُحبسون في مكانٍ بين الجنة والنار، وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ [الأعراف: 46]، فمن حكمة الله أنهم لا يُسوَّون بأهل الجنة، وإنما يتأخر دخولهم الجنة، وإن كانت رحمة أرحم الراحمين أنهم في النهاية يدخلون الجنة، لكن يدخلون الجنة بعدما يدخل أهل الجنة الجنة، يدخلون الجنة بعدهم، فالله من تمام عدله: أنه لا يسوي بين هؤلاء وبين من رجحت كفة حسناتهم، لكن رحمة الله سبقت غضبه؛ فيدخلون الجنة برحمة أرحم الراحمين، وتكون هذه هي نهاية البشرية؛ يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ويتنعم أهل الجنة بنعيمها العظيم، الذي لا يخطر على قلب بشر، وأما أهل النار فإنهم يكونون في عذابٍ وفي جحيمٍ عظيمٍ جدًّا.
فينبغي -أيها الإخوة- أن نستحضر هاتين الدارين، نستحضر ما في الجنة من النعيم، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا إياه، ونستحضر ما في النار من العذاب، ونكون مشفقين خائفين منها؛ فإن الله أثنى على الخائفين من النار، وقال عن أهل الجنة أنهم يقولون: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ، يعني خائفين، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور: 26-27]، ويقول أيضًا عن أهل الجنة: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران: 192]، رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان: 65]، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: 66]، أخرج الترمذي وغيره بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرة أن النبي قال: إذا سأل العبد ربه الجنة ثلاث مراتٍ قالت الجنة اللهم أدخله الجنة وإذا استعاذ بالله من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أعذه من النار [4]، فهذا الدعاء أعظم ما يكون من الأدعية، أن تسأل الله الجنة، وأن تستعيذ بالله من النار.
يا أخي المسلم، لا تغفل عن هذا النعيم، نعيم الجنة لا تغفل عنه، ولا تغفل أيضًا عن عذاب الجحيم، فتتعوذ بالله منه، اجعل هذا المصير الذي تصير إليه البشرية نُصْب عينيك، المصيبة -يا إخواني- عندما تنعدم المحاسبة عند الإنسان، عندما يعيش في لهوٍ وفي غفلةٍ، تمر عليه الليالي والأيام والشهور والأعوام وهو في غفلة، حتى ينتبه بماذا؟ ينتبه بالموت، عندما يأتيه الموت فجأةً، يندم الندم العظيم حين لا ينفع الندم.
فنحن الأحياء في دار يتمناها الأموات، لازال باب العمل مفتوحًا، لازال باب التوبة مفتوحًا، لازال بإمكاننا أن نعمل، فينبغي أن نغتنم ما تبقى من أعمارنا في طاعة ربنا ، وفيما ننال به سعادة الدنيا والآخرة.
وأكتفي بهذا القدر، وأسأل الله تعالى أن يستعملنا جميعًا في طاعته، وأن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى من الأقوال والأعمال.
اللهم كما جمعتنا في بيتٍ من بيوتك؛ نسألك أن تجمعنا في جناتٍ ونَهَرٍ، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ.
اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.