اغتنام مواسم الخيرات
أيها الإخوة، دقائق نتذاكر فيها بعض ما يهمنا في أمر ديننا.
نحن الآن -أيها الإخوة- في هذا الوقت الذي نعيشه في موسمٍ من مواسم التجارة مع الله بالأعمال الصالحة، موسمٌ تُضاعف فيه الحسنات، وتُرفع فيه الدرجات، وتُكفَّر فيه الخطايا والسيئات؛ فينبغي أن نجتهد في أيام هذا الشهر ولياليه، فإن الله تعالى وصفها بقوله: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184]، وإذا كانت أيامًا معدوداتٍ؛ فسرعان ما تنقضي، وسرعان ما تُطوى صحائفها، ومن تعب في الطاعات؛ فإن التعب يذهب ويبقى أجرها، ومن الْتَذَّ بالمعاصي؛ فإن اللذة تذهب ويبقى عقابها، فاجتهدوا -رحمكم الله- في هذه الأيام والليالي.
مصير الإنسان بعد الموت
أيها الإخوة، الإنسان في هذه الحياة الدنيا يكدح ويكدح، ولكنه في النهاية لا بد من لقاء الله : يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق:6]، لا بد في النهاية من لقاء الله ، مهما امتَدَّ به العمر؛ فلقاء الله هو مصير كل واحدٍ منا، وبعد لقاء الله سبحانه ينتقل الإنسان من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، ومن دار العمل إلى دار الجزاء والحساب، ويبقى فترة البرزخ ما شاء الله أن يبقى، ثم بعد ذلك يأتي البعث، وبعث الناس من قبورهم في يومٍ طويلٍ جدًّا، يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنةٍ.
سبحان الله! ما نسبة عمر الإنسان إلى يوم القيامة؟ كم يعيش الإنسان؟ ستين سنةً، سبعين، مئةً، كم نسبتها إلى خمسين ألف سنةٍ؟
فينال الناس في الموقف كربٌ عظيمٌ، ثم بعد ذلك يأتي ميزان الأعمال، وتتطاير الصحف، ثم يَعبُر الناس الصراط، ثم يكون مستقر البشرية؛ فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير، هذه نهاية البشرية: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.
الجنة ونعيمها
وأريد أن أقف، وربما لا يتسع الوقت للحديث عن وصف الدارين، فأقف وقفاتٍ مع مصير المؤمنين، وهو الجنة.
هذه الدار العظيمة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، يقول الله تعالى في سعتها: عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133]، وفي الآية الأخرى: عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الحديد:21]، هذا هو العرض، لو أتيت لعرض الجنة؛ فإن عرضها عرض السماوات والأرض، لو أتيت بالسماوات السبع، وأُلصِقَت كل سماءٍ بسماءٍ، والأرض، هذا عرض الجنة، فما بالك بطولها؟! فسعتها عظيمةٌ جدًّا.
وأما ما فيها من النعيم: فشيءٌ فوق مستوى تصور العقل البشري، لا يستطيع العقل البشري أن يتصور النعيم العظيم الذي فيها؛ كما قال الله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17]، ويقول النبي في وصفها: فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ [1]، حتى الشيء الذي يخطر على بالك فالجنة فوق هذا.
فنعيم الجنة العقل البشري المحدود الصغير لا يستطيع أن يتخيله، لا يستطيع أن يتصوره، وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71]، ليس فيها شيءٌ من نعيم الدنيا إلا التشابه فقط في الأسماء، الاسم هو الاسم، ولكن الحقيقة مختلفةٌ تمامًا، فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:68]، فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15]، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [البقرة:25]، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ [الغاشية:10-16]، وفيها أيضًا ما تشتهيه الأنفس من المطاعم ومن المشارب ومن المناكح، يقول النبي في الحديث الذي أخرجه البخاري في “صحيحه”، أصح كتابٍ بعد القرآن: لو أن امرأةً من نساء الجنة اطلعت على أهل الدنيا؛ لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحًا، ولَنَصِيفُها -يعني: خمارها- على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها [2]، وهذه للرجال وللنساء، ولهذا جاء في “صحيح مسلمٍ” أن النبي قال: ما في الجنة أعزب [3]، أي: ليس في الجنة أحدٌ أعزب.
ثم فيها أيضًا: الأمن، نعيم الجنة يأمن الإنسان، آمنون من كل ما يُكدِّر هذا النعيم، نعيم الدنيا فيه ما يُكدِّره، الإنسان في نعيم الدنيا إذا كان عنده أموال؛ يخشى أن هذه الأموال تذهب أو تنقص أو يعتريها ما يعتريها، إذا كان في صحة؛ يخشى أن الصحة تتغير ويمرض، يخشى أن يتقدم به العمر ويهرم، يخشى من الموت، فهو لا يأمن في الدنيا مهما حصَّل من النعيم، مهما حصَّلتَ في الدنيا من النعيم؛ فأنت على وجلٍ أن يذهب هذا النعيم عنك، أو تذهب أنت عنه، أما نعيم الجنة فإنه نعيمٌ دائمٌ وآمنٌ، ليس فيها تعبٌ ولا نصبٌ ولا همٌّ ولا غمٌّ ولا مرضٌ ولا هرَمٌ ولا موتٌ، لذَّاتُها متتابعةٌ، وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71]، هَبْ أن الدنيا أتت إليك صفوًا، أليس مصيرها إلى الفناء؟ افترض أن الدنيا صَفَت لك، مع أن الدنيا لا تصفو لأحدٍ، لكن افترض أن نعيم الدنيا صفا لك، لكن في النهاية لا بد من الفناء، ولا بد من الموت، أما نعيم الجنة فأنتم فيها خالدون، مقام الإنسان في الجنة ليس ألف سنةٍ، ولا مليون سنةٍ، ولا ملايين، إلى ما لا نهاية، ثم أيضًا نعيم الدنيا الإنسان يمل منه ويسأم، أما نعيم الجنة لا يُمَلُّ: لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108].
ثم أيضًا في نعيم الجنة يجمع الله تعالى الإنسان مع من كان من أهل الجنة من ذريته وأحبابه، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21]، إذا كانوا كلهم في الجنة لكنهم في درجاتٍ متفاوتةٍ، فإن الله تعالى يرفع مَن في الدرجة الدنيا؛ ليكونوا مع من في الدرجة العليا، فيجتمعون في الجنة ويأنسون، وينزع الله الغِلَّ من قلوب أهل الجنة، فليس فيها غِلٌّ ولا حسدٌ ولا حقدٌ، فيا إخواني نعيم الجنة نعيمٌ عظيمٌ جدًّا، فينبغي أن نجتهد في طلب هذا النعيم.
يا سلعة الرحمن لست رخيصةً | بل أنت غاليةٌ على الكسلان |
والله لو أنفق الإنسان عمره كله طلبًا لهذا النعيم؛ لم يكن هذا كثيرًا.
دائمًا اجعل نعيم الجنة على بالك، لا تغفل، إذا أردت أن تُصلِّي؛ تذكَّر نعيم الجنة، فهذا يُعينك على الخشوع في الصلاة، إذا أردت أن تعمل طاعةً؛ تذكَّر نعيم الجنة، إذا ضاقت بك الدنيا وأتتك الهموم والغموم؛ تذكَّر نعيم الجنة؛ تَزُل عنك الغموم والهموم تمامًا.
آخر أهل الجنة دخولًا الجنة
يُخبر النبي عن آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، فإن الله تعالى أولًا يكرم المؤمنين الذين ثقلت موازين حسناتهم، يدخلهم الجنة، والكفار والمشركون يدخلهم النار، لكن هناك المؤمنون الذين ماتوا على التوحيد وعندهم معاصٍ، هؤلاء يعذَّبون في النار، لكنهم لا يخلَّدون فيها، يُخرجهم الله من النار، آخر إنسانٌ يخرج من النار ويدخل الجنة، يصف النبي حاله كما في “الصحيحين”، فيقول: يا رب اصرف عني جهنم، فقد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيقول الله: إن صرفت عنك جهنم لا تسألني شيئًا غيره؟ فيقول: والله لا أسألك شيئًا غيره، فيأخذ الله عليه العهود والمواثيق، فيصرف الله عنه جهنم، ثم يرى الجنة من بعيدٍ فيقول: يا رب، أسألك أن تُقرِّبني من الجنة، فيقول الله: ويحك ابن آدم ما أغدرك! ألستُ أخذتُ عليك العهود والمواثيق ألا تطلب غيره؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيُقَرِّبه الله تعالى من باب الجنة، فإذا رأى الجنة اشتاق إليها وقال: يا رب، أدخلني الجنة، فيقول الله: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك! ويضحك الرب ، على الوجه الذي يليق بجلاله، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيأخذ الله عليه العهود ألا يسأل غيره، فيُدخله الله تعالى الجنة، فإذا أدخله الجنة يقول الله له: يا عبدي تمنَّ، فيتمنى، ثم يقول: تمنَّ، فيتمنى، ثم يقول: تمنَّ، تمنَّ، تمنَّ، إلى أن يأتي بجميع أمنياته، فإذا أتى بجميع ما يتمنى؛ يقول الله : فإن لك مثله ومثله ومثله، وعشرة أمثاله، فذلك أدنى أهل الجنة منزلةً [4].
سبحان الله! أدنى أهل الجنة منزلةً يأتيه فوق ما يتمنى عشرات المرات، فما بالك بمن هو أعلى منه؟! فنعيم الجنة نعيمٌ عظيمٌ جدًّا، هو فوق مستوى تصورنا وإدراكنا، فيها ما لا يخطر على قلب بشرٍ، لكن المهم أن المسلم يجعل هذه المعاني نُصْبَ عينيه، لا يغفُل عنها، هذه تَحْدُوه إلى مزيدٍ من الطاعة، وتعينه على الثبات وعلى الاستقامة على الخير وعلى الطاعات.
الإنسان لا يعيش في لهو وفي غفلة، بعض الناس يعيش غافلًا لاهيًا، تمُرُّ عليه الليالي والأيام والشهور والأعوام وهو في غفلةٍ، ثم متى ينتبه؟ متى يعرف حقيقة الدنيا؟ عندما يأتيه الموت، عندما يموت يتندَّم ويتحسَّر، لكن لا تنفع الحسرة ولا الندامة.
فلنتدارك -أيها الإخوة- ما تبقى من أعمارنا فيما ينفعنا في الدار الآخرة، لنتذكر هذه الجنة العظيمة التي عرضها السماوات والأرض، التي فيها هذا النعيم العظيم الذي لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ.
وأختم هذه الكلمة بحديثٍ صحيحٍ أخرجه أصحاب السنن، يقول فيه النبي : إذا سأل العبد ربه الجنة ثلاث مراتٍ؛ قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، وإذا استعاذ بالله من النار ثلاث مراتٍ؛ قالت النار: اللهم أعذه من النار [5].
فينبغي كل يوم أن تسأل الله الجنة، وأن تستعيذ بالله من النار، هذه أعظم دعوةٍ، إن استُجيبت لك؛ سعدتَ السعادة العظيمة التي ما بعدها سعادة، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185].
ويا إخواني، من نجح في علاقته بربه سبحانه؛ فهو والله الفائز والناجح مهما حصل له من تعثُّراتٍ في الحياة، لكن من فشل في علاقته بربه؛ يبقى فاشلًا مهما حقَّق من نجاحاتٍ في الدنيا، مهما حقَّق من ثروةٍ، من مالٍ، من.. قُلْ ما شئت من أمور الدنيا، في النهاية يبقى فاشلًا.
أسأل الله تعالى -الذي جمعنا في بيتٍ من بيوته- أن يجمعنا في جناتٍ ونَهَرٍ، في مقعد صدقٍ عند مَلِيكٍ مقتدرٍ.
اللهم إنا نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.