الرئيسية/محاضرات/الصبر ضياء
|categories

الصبر ضياء

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

نعمة الصبر

فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي  قال ما أعطي أحد عطاء خيرًا ولا أوسع من الصبر [1]، تأملوا أيها الإخوة هذا الحديث العظيم ما أعطي أحد عطاء خيرًا ولا أوسع من الصبر أعظم عطاء يعطاه الإنسان الصبر، أن يرزق قوة الصبر، فهذا من النعم العظيمة، والمنح الكبيرة التي يعطاها المسلم؛ لأن الإنسان في هذه الحياة لا بد أن يواجه مصاعب ومتاعب ومصائب، فلا بد له من الصبر، وبدون الصبر فإن حياته تتحول إلى شيء من البؤس والمتاعب، فلا بد من أن يكون لديه الصبر حتى يحقق ما يريد.

أقسام الصبر

والصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

  1. صبر على طاعة الله.
  2. صبر عن معاصي الله.
  3. صبر على أقدار الله المؤلمة.

الصبر على طاعة الله

أما الصبر على طاعة الله تعالى فمعناه أن المسلم يصبر نفسه على الإتيان بالطاعة، ومادة الصبر معناها الحبس، فيحبس نفسه عن الجزع، وعن أن تصدر منه أقوال وأفعال محرمة، فيصبر الإنسان نفسه، ويحملها على أن تقوم بطاعة الله ​​​​​​​، فعلى سبيل المثال القيام لصلاة الفجر، وأداء هذه العبادة مع الجماعة في المسجد من الأمور الصعبة على كثير من الناس؛ كما قال الله تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، فهي تحتاج من المسلم إلى صبر، أن يصبر نفسه حتى يقوم، ويستيقظ من فراشه، ويذهب للمسجد، ويصلي مع الجماعة في المسجد، وهكذا بالنسبة لسائر الطاعات.

الصبر عن المعاصي

القسم الثاني: صبر عن معاصي الله، فإن كثيرًا من المعاصي توافق هوى النفوس، وقد يجد الإنسان لها لذة، فهي تحتاج إلى أن يصبر نفسه عن هذه المعصية؛ كالنظر المحرم مثلًا، أو الغيبة، تحتاج إلى أن يصبر الإنسان نفسه عنها عن مثل هذه المعاصي، ويكف نظره، ويكف لسانه، ويكف سائر جوارحه عن المعاصي.

الصبر على أقدار الله المؤلمة

أما القسم الثالث فهو: الصبر على أقدار الله المؤلمة، فإن من حكمة الله ​​​​​​​ أنه يبتلي عباده يبتليهم بشيء من الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ويختبر الله تعالى العباد هل يصبروا أو لا يصبروا؛ كما قال سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155-157]، فمعنى الصبر عند المصيبة أن الإنسان يحبس نفسه عن الجزع، وعن الأقوال والأفعال المحرمة؛ كالاعتراض على القضاء والقدر، ونحو ذلك.

أحوال الإنسان عند المصيبة

والإنسان عندما تصيبه مصيبة له أحوال:

  • الحال الأولى: الجزع، فيجزع عندما تأتيه المصيبة يجزع، وتصدر منه إما أقوال أو أفعال محرمة، إما أقوال محرمة كأن يعترض على قضاء الله وقدره، أو يقول: ماذا يا رب فعلتُ حتى تصيبني بهذه المصيبة؟ أو لماذا أُصب بهذه المصيبة من بين سائر الناس؟ ونحو ذلك، هذه من الأقوال المحرمة.
    والأفعال المحرمة، مثل: لطم الخدود، وشق الجيوب، ونحو ذلك، فهذا الجزع حكمه محرم، ومن كبائر الذنوب؛ كما قال النبي : ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية [2].
  • الحال الثانية: الصبر، ولا يلزم من الصبر الرضا، يصبر يحبس نفسه عن الأقوال والأفعال المحرمة، فهو قابض على نفسه من أن يتكلم بكلام محرم، ومن أن يصدر منه فعل محرم، فهذه الحال حكمها الوجوب يجب على المسلم أن يصبر عند المصيبة.
  • الحال الثالثة: الرضا، أن يرضى بالمصيبة، وهذه حال كمال لا يوفق لها إلا من عظم حظه عند الله إلا أولياء الله ​​​​​​​، ولهذا فهذه المرتبة حكمها الاستحباب، وليست واجبة؛ لأن كثيرًا من الناس لا يستطيع أن يصل إلى هذه الحال، أن يرضى بالمصيبة، يعلم بأنها من عند الله تعالى، وبقضائه وقدره، ويرضى بها ويسلم، هذا الرضا لا يكون إلا من إنسان قوي الإيمان، صادق مع الله ​​​​​​​، هذه المرتبة مرتبة الرضا بالمصيبة لا يوفق لها إلا القلة من الناس، ولذلك فحكمها الاستحباب، وليست واجبة في أرجح أقوال أهل العلم.
  • الحال الرابعة: الشكر، تقع له المصيبة فيحمد الله ويشكره؛ لأنه يرى أن هذه الدنيا لا تساوي شيئًا، ويقول: أنا إذا صبرت على هذه المصيبة عوضني الله تعالى بصلوات ورحمة وهداية وأجور وكفارات، فيرضى، ويحمد الله تعالى، ويشكره، وهذه إذا قلنا: إن مرتبة الرضا مستحبة، فهذه مستحبة من باب أولى.

فهذه إذن هي حالات الإنسان عند وقوع المصيبة:

  • الجزع، حكمها محرمة.
  • الصبر، الوجوب.
  • الرضا، مستحبة.
  • الشكر، مستحبة.

ينبغي لك أخي المسلم أن تحرص على تقوية جانب الصبر لديك، فإن بعض الناس قليل الصبر، وتجد أنه كثير الجزع، وكثير القلق، والتشكي والتسخط، لا يعجبه العجب، ولا يرضيه شيء، يغضب لأتفه موقف، وأدنى كلمة، فهذا يتعب نفسه، ويتعب غيره كذلك، ولو أنه قوى جانب الصبر عنده لارتاح وأراح.

والإنسان في هذه الحياة لا بد أن تأتيه مصائب ومتاعب، فطريق الحياة ليس مفروشًا بالورود، وإنما كما أخبر ربنا ​​​​​​: لَقَدْ ‌خَلَقْنَا ‌الْإِنْسَانَ ‌فِي ‌كَبَدٍ [البلد:4]، الإنسان يكابد مصاعب هذه الحياة ومتاعبها، فلا بد له من أن يوطن نفسه على الصبر، وعلى التحمل على ما قد يقع له من المصائب والبلايا.

الصبر في معاملة الناس

أيضًا هناك جانب آخر من جوانب الصبر، وهو الصبر في معاملة الناس، فإن الإنسان عندما يعامل الناس سيواجه طبقة غير محترمة تحب إيذاء الآخرين وتتسلط عليهم؛ هذه الطبقة طبقة الجاهلين، الواجب هو الصبر وعدم مقابلة السيئة بمثلها.

أقول ينبغي الصبر وعدم مقابلة السيئة بمثلها وأن يُعرض المسلم عن الجاهلين، ولهذا نجد أن ربنا ​​​​​​​ أمر نبيه بالصبر في آيات كثيرة: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [المزمل:10]، فأمره الله بأن يصبر على ما يقوله هؤلاء الكفار مع أنهم يسخرون به، ويستهزؤون به، ويقذفونه بالكلام السيء البذيء، ومع ذلك أمره الله تعالى بالصبر.

فالمطلوب من المسلم أن يصبّر نفسه على ما قد يلاقيه من هذه الشرائح في المجتمع، وربما يلاقي الأذى في قعر بيته: إما من زوجة أو والد أو والدة أو أخ أو قريب أو ذي رحم؛ فعليه أن يصبر وأن يُعرض عن الجاهل، بل وأن يحرص على أن يقابل السيئة بالحسنة؛ فإنه بهذا الصبر والإعراض عن الجاهلين يسلم من شرور كثيرة، لكن لو أنه لم يتحمل ولم يصبر وعندما يسمع أدنى كلمة سيئة يغضب ويقابل بالسيئة بسيئة أعظم منها فإنه يبقى في مشاكل، ويبقى في قلق، ويبقى في كدر.

الصبر ضياء

الصبر أيها الإخوة يقول النبي كما في حديث أبي مالك الأشعري يقول: الصبر ضياء [3] رواه مسلم، فالصبر ضياء للمسلم يستضيء به في الحياة، هو منهج للمسلم، ومدرسة في الحياة، وبدون الصبر لا يمكن أن يعيش الإنسان ويحيا الحياة المطمئنة، الحياة السعيدة، بدون الصبر لا يمكن أن يسعد الإنسان في حياته؛ فعلى المسلم أن يصبّر نفسه، وأن يقوّي هذا الخُلق لديه حتى يتصف به، والله تعالى يقول: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146]، فأخبر ربنا سبحانه بأنه يحب من اتصف بهذه الصفة.

إذا قوي عندك الصبر وأصبحت توصف بالصابر فإن الله تعالى يحب الصابرين، وقال: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، والمقصود المعية الخاصة التي تقتضي النصرة والتأييد والإعانة والتوفيق.

فالصبر فضائله عظيمة، ولهذا قال بعض السلف: لا نعلم خلقًا من الأخلاق أثنى الله عليه في القرآن، وحث عليه مثل الصبر، فهو من الأخلاق الكريمة التي ينبغي أن يحرص المسلم على تقويتها لديه، فإذا قويت لديه نال بذلك خيرًا عظيمًا، قوي صبره على أداء الطاعات، وقوي صبره عن المحرمات، وقوي صبره عندما تقع له المصائب، وقوي صبره عندما يتعامل مع الناس، ومع الآخرين، فبذلك يستريح من كثير من العناء، ومن كثير من التعب والشقاء في هذه الحياة بسبب تقوية جانب الصبر عنده.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا من الصابرين الذين يحبهم الله.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 1469، ومسلم: 1053.
^2 رواه البخاري: 1294، ومسلم: 103.
^3 رواه مسلم: 223.