الرئيسية/محاضرات/البركة في حياة المسلم
|categories

البركة في حياة المسلم

مشاهدة من الموقع

المقدم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين.

أما بعد:

فحياكم الله أيها الأحبة، حيا الله هذه الوجوه النيرة الطيبة المباركة في هذه الديوانية الدورية في منزل شيخنا الفاضل الشيخ صالح بافضل، وهذه الوجوه التي اجتمعت، وهذه الأرواح التي ائتلفت مستبشرة باحتفال الملائكة في مجلس من مجالس الرحمات، يذكر فيها كلام الله، ويؤنس بهذا الذكر الطيب المبارك، يسعدنا كثيرًا في هذه الليلة وفي هذه الأمسية أن نكون بصحبة معالي الشيخ الدكتور سعد الخثلان عضو هيئة كبار العلماء سابقًا، وفي موضوع إيماني تربوي يهب على القلب بنسمات الإيمان، حول: (البركة في حياة المسلم).

وقبل أن نبدأ بإذن الله هذا اللقاء خير ما يبدأ به ويستفتح به المجالس آيات قرآنية مع القارئ الشيخ/ حسن نايف، فليتفضل مشكورًا مأجورًا.

القارئ:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ۝وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ۝يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ۝وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ۝وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ۝وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ۝يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ۝وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ۝تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ۝وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [آل عمران:100-109].

المقدم: جزى الله القارئ/ حسن نايف بهذه التلاوة المباركة، وهذا الاستفتاح الطيب المبارك، نسأل الله أن يجعل هذه التلاوة في ميزان حسناته، نحن كما ذكرنا في بداية المقدمة نسعد كثيرًا في هذا اللقاء الذي يجمعنا بمعالي الشيخ الدكتور سعد بن تركي الخثلان عضو هيئة كبار العلماء سابقًا للحديث عن معنى من معان كثيرًا ما نذكرها وندعو بها لبعضنا؛ البركة.

(البركة في حياة المسلم)، هذا العنوان الذي سيكون بإذن الله محور حديثنا ولقائنا بشيخنا المبارك، فليتفضل مشكورًا مأجورًا.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأحمد الله تعالى الذي يسر هذا اللقاء، وأرجو أن يكون هذا اللقاء مجلسًا من مجالس الذكر إن شاء الله تعالى، ثم إنني أشكر الإخوة الذين رتبوا لهذا اللقاء، وأشكر صاحب هذه الديوانية الشيخ صالح بافضل، وأسال الله تعالى أن يزيده من فضله، وأن يبارك له، وأن يبارك لنا جميعًا.

قلة البركة في هذا الزمان

والموضوع الذي أريد الحديث عنه متعلق بالبركة في حياة المسلم، نحن الآن في هذا العصر الذي نعيشه تيسرت كثير من سبل العيش، وأصبح لدى كثير من الناس رفاهية، وتيسرت أمور كثيرة لم تكن متيسرة في أزمنة مضت، وأصبح يشتكي كثير من الناس من قلة البركة:

البركة في الوقت: فما إن يبدأ اليوم إلا وسرعان ما ينقضي، ما إن يبدأ الشهر إلا وسرعان ما ينقضي، ما إن يبدأ العام إلا وسرعان ما تذهب أيامه ولياليه جميعًا وتمضي سريعًا.

البركة في المال: يشعر بعض الناس وربما كثير من الناس أن ماله يذهب ولا يدري أين ذهب، يستلم في آخر الشهر مرتبًا، ثم لا يدري أين ذهب ماله؛ مصاريف من هنا وهنا، ونفقات وكذا وكذا، ثم لا يدري أين ذهب المال.

البركة في الأولاد: بعض الناس عنده عدد من الأولاد لكن لا يجد منهم بركة إذا أراد أن يعينوه على أمر من الأمور ما يجد منهم نفعًا كثيرًا.

البركة في الزوجة: بعض الناس عنده زوجة دائمًا متشكية، متسخطة، طلّابة؛ لا يجد فيها البركة.

البركة في العلم: فبعض الناس عنده علم غزير لكن ليس في علمه بركة، ليس له كبير نفع، وليس له عظيم أثر، وهكذا نجد أن البركة تشمل نواحي كثيرة.

أيضًا البركة في الصحة: بعض الناس ما يجد البركة في الصحة، ما إن يأتيه مرض إلا ويشفى منه إلا ويأتيه مرض آخر؛ من أمراض إلى أمراض، ومن علل إلى علل.

وهكذا نجد أن البركة تشمل نواحي كثيرة تمسنا جميعًا، فالحديث عن هذا الموضوع عن معنى البركة وحقيقة البركة، وكيف نجد البركة، وما أسباب تحصيل البركة.

معنى البركة

البركة عندما تطلق فالمقصود بها الثبوت والدوام والاستقرار، وتطلق على التماس الزيادة، فهي شيء معنوي، وقيمة معنوية لا ترى بالعين، ولا تقاس بالكم، ولا تحويها الخزائن، لكن يجد الإنسان آثارها، يجد آثار هذه البركة: آثارها في نفسه، آثارها في صحته، آثارها في ماله، آثارها في ولده، يجد آثارها في الجو الذي يعيش فيه، هذه هي البركة.

حرص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على البركة

هذه البركة كان الأنبياء وهم صفوة البشر يحرصون عليها، ويسألون الله تعالى إياها، عيسى عليه السلام قال: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ [مريم:31].

وقبله نوح عليه السلام: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون:29].

أيضًا إبراهيم عليه السلام: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ [الصافات:113].

البركة في حياة النبي

أيضًا محمد عليه الصلاة والسلام خير البشر عندما نتأمل في سيرته نجد العجب، نبينا محمد بعث وعمره كم سنة؟ أربعون، وتوفي وعمره ثلاث وستون، يعني بقي في البعثة والرسالة كم سنة؟ ثلاثًا وعشرين سنة فقط، غيَّر وجه التاريخ، وأخرج الله تعالى به الناس من الظلمات إلى النور في ثلاث وعشرين سنة فقط، يعني مدة ليست طويلة، بقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله تعالى، ما دعاهم في تلك الفترة لا إلى الصلاة والصيام والزكاة والحج؛ دعاهم فقط يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، يدعو الناس إلى تحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله وترك الشرك.

ثم لما هاجر إلى المدينة بقي عشر سنوات فقط، دعا الناس إلى بقية شرائع الإسلام، عشر سنوات فقط، ومع ذلك هذه الأحاديث التي تروى أحاديث كثيرة بالألوف، الإمام أحمد كان يحفظ ألف ألف حديث، يعني مليون حديث، انظروا إلى بركة وقت النبي عليه الصلاة والسلام.

أبو هريرة أسلم في السنة السابعة من الهجرة، يعني بقي مع النبي عليه الصلاة والسلام الذي توفي في ربيع الأول من السنة الحادية عشرة بقي معه ثلاث سنوات ونصف تقريبًا من ثلاث سنوات ونصف إلى أربع سنوات، يعني أسلم أواخر السنة السابعة إلى ربيع الأول من السنة الحادية عشرة، ومع ذلك حفظ هذا العدد الكبير من الأحاديث بالألوف، فانظر إلى بركة وقت النبي عليه الصلاة والسلام.

في حجة الوداع في يوم النحر دفع من مزدلفة بعد الإسفار وقبل طلوع الشمس، ثم ذهب إلى الجمرة جمرة العقبة ورماها سبع حصيات، ثم ذهب إلى المنحر ونحر بيده الشريفة ثلاثًا وستين من الإبل، وأمر عليًا فأكمل البقية إلى مائة، ثم أمر بأن يؤخذ من كل بدنة قطعة لحم فجمعت في قدر وطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها، ثم أتاه الحلاق وحلق رأسه، ثم طيبته عائشة رضي الله عنها، وذهب من منى إلى مكة وطاف طواف الإفاضة ولم يسع؛ لأنه كان قد سعى بعد طواف القدوم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان قارنًا ثم لما طاف طواف الإفاضة صلى بالناس في المسجد الحرام صلاة الظهر، وذهب إلى بئر زمزم وشرب من ماء زمزم ثم رجع إلى الناس في منى فوجدهم ينتظرون لصلاة الظهر فصلى بهم مرة أخرى؛ وهي في حقه نافلة وفي حقهم فريضة.

انظروا إلى هذه الأعمال العظيمة كلها ما بين طلوع الشمس إلى أذان الظهر، انظر للبركة في الوقت، يعني فقط يكفينا نحر مائة من الإبل في وقتنا الحاضر أن تنحر مائة من الإبل، ثم تطبخ، كم ستأخذ من الوقت؟ وكل هذه الأعمال كلها أنجزها عليه الصلاة والسلام ما بين طلوع الشمس إلى أذان الظهر، فانظروا إلى عظيم بركة وقته عليه الصلاة والسلام.

البركة في حياة الصحابة

إذا انتقلنا إلى سير الصالحين أبو بكر الصديق ولي الخلافة سنتين وبضعة أشهر ومع ذلك نقرأ الآن في إنجازاته العظيمة المجيدة.

سعد بن معاذ الصحابي الجليل هذه قصته، يعني فيها العجب أسلم وعمره واحد وثلاثون ومات وعمره سبع وثلاثون؛ يعني بقي في الإسلام ست إلى سبع سنين فقط، ومع ذلك جاء في الصحيحين أن النبي قال: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ [1]، اهتز عرش الرحمن لموت هذا الرجل طيب ست أو سبع سنوات فقط ما بقي في الإسلام إلا ست أو سبع سنوات تعتبر سنوات قليلة ومع ذلك لما مات اهتز لموته عرش الرحمن! اهتز فرحًا بقدومه، وهذا يدل على بركة وقته وكيف أنه ملأ هذه السنيات القليلة بالأعمال الصالحة العظيمة.

كذلك عندما ننتقل إلى سير بعض الصالحين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، نقرأ سيرته وما فيها من الإنجازات العظيمة مدة خلافته سنتان وبضعة أشهر فقط ومع ذلك نقرأ في سيرته وفي إنجازاته وفي أعماله مع أنها سنتان وبضعة أشهر فانظر إلى عظيم البركة في وقته.

أيضًا قبل عمر بن عبدالعزيز رحمه الله قبله من الصحابة الزبير بن العوام ، الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرين بالجنة لما كان الناس يأتونه ويعطونه الوديعة فيقول لا إني أخشى عليها الضياع ولكنها سلف -يعني: قرض- ثم تراكمت عليه الديون فدعا ابنه عبدالله بن الزبير وقال يا عبدالله إن عليّ ديونًا سددها بعد وفاتي، وإذا عجزت عن سداد ديني فاستعن عليه بمولاي، من يقصد؟ الله ​​​​​​​ قال عبدالله: فوالله ما وقعت في كربة إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه، فيقضي الله عنه، وما خلف درهمًا ولا دينارًا، لكن خلف دورًا وأراضين فبارك الله تعالى فيها، سبحان الله يعني وجد من يشتريها بأثمان باهظة وبيعت هذه الدور والأراضين، وكان له أربع زوجات فأتى نصيب كل واحدة من زوجاته ألف ألف ومائة ألف، يعني مليون ومائة، انظر إلى كيف أن الله بارك في مال الزبير مع أن الذي خلفه قليل؛ ولهذا بوب البخاري في صحيحه قال: باب بركة الغازي حيًّا وميتًا، فبارك الله تعالى له في ماله، فانظروا إلى عظيم البركة، كان ابنه عبدالله كلما وقع في كربة قال: يا مولى الزبير اقض عنه فيقضي الله عنه.

البركة في سير العلماء الأعلام

إذا نظرنا أيها الإخوة لسير الأعلام العلماء نجد أيضًا العجب في حياتهم.

الإمام الشافعي رحمه الله: كان يختم القرآن كل يوم، وفي رمضان له ختمتان في كل يوم، يعني يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، وهذا مشهور عنه، وكنت أنا أتعجب من هذا، أتعجب من هذا كيف يختم ستين ختمة حتى أتيت في سنة من السنوات في مقرأة قرآنية هنا في جدة وجدت ما شاء الله يختمون ستين ختمة، فهذا فضل الله فضل الله يؤتيه من يشاء، بل قال لي بعضهم أن هناك من يختم أكثر من ستين في رمضان، لكن ما شاء الله حفاظ ويقرأون بسرعة طيلة الوقت، كان لهم يعني دورة في رمضان في المسجد وطيلة الوقت هم يقرأون القرآن، هذا فضل الله، فضل الله يؤتيه من يشاء.

الإمام الشافعي رحمه الله أحد الأئمة الأربعة، وله إنجازات عظيمة ومصنفاته، وأول من صنف في أصول الفقه، له كتاب: “الرسالة”، وأيضًا كان يشتكي من بعض العلل والأمراض، ومع ذلك نجد البركة العظيمة في وقته.

الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ذكر في ترجمته أنه كان يصلي لله تعالى في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة، ولما حصلت له المحنة كان يضرب بالسياط إلى أن يُغمى عليه ضعف بدنه فأصبح يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة.

وكان الحافظ عبدالغني المقدسي صاحب: “عمدة الأحكام”، كان يقتدي بالإمام أحمد رحمه الله في هذا؛ فيصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة، ويعني عندما نسمع هذه الأخبار والقصص ربما بعض الناس يقول كيف هذا؟

نقول: هؤلاء جعل الله البركة في أوقاتهم، جعل الله بركة عظيمة في أوقاتهم، فيفعلون الأفعال الكثيرة في الوقت الوجيز.

كذلك عندما نجد مثلا ابن تيمية رحمه الله هذا الإمام العظيم يقول عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله يقول: كان يكتب في اليوم ما يكتبه غيره في أسبوع، في التأليف اليوم الواحد يكتب فيه ما يكتبه غيره في أسبوع، ويكتب في الأسبوع ما يكتبه غيره في شهر؛ بركة عظيمة في وقته، ونرى هذه المؤلفات العظيمة له، يعني فقط مجموع الفتاوى سبعة وثلاثون مجلدًا غير كتبه الأخرى.

ابن القيم رحمه الله: له كتب عظيمة ومؤلفات كثيرة، وأتينا أيضًا لابن قدامة المقدسي رحمه الله انظر فقط “المغني” هذه الموسوعة الفقهية العظيمة غير كتبه الأخرى، غير “الكافي”، غير “المقنع”، غير “العمدة”، غير “روضة الناظر”، “لمعة الاعتقاد”، “مختصر منهاج القاصدين”، كتب كثيرة.

النووي رحمه الله: هذا الإمام العظيم مات في شبابه ومع ذلك صنف هذه المصنفات العظيمة.

وغيرهم وغيرهم من الأئمة والأعلام خلفوا نتاجًا علميًّا عظيمًا، مع أن أعمارهم لم تكن طويلة، والسبب في هذا والله أعلم هو البركة العظيمة التي وجدوها في أوقاتهم وفي أعمارهم.

أسباب الحصول على البركة

فهذه البركة نريد أن نعرف أسباب الحصول عليها، كيف نحصل على هذه البركة؛ سواء كانت البركة في الوقت أو البركة في العمر أو البركة في المال أو البركة في الصحة أو البركة في الزوجة أو البركة في الأولاد أو البركة في العلم أو البركة في أي شيء.

البركة هذه كلنا يجد آثارها، تجد أحيانًا بعض الأشياء يجعل الله فيها بركة؛ سيارة عندك تكون قليلة الخراب، وتنفعك منفعة عظيمة مددًا طويلة أليس كذلك؟ يجعل الله فيها بركة، بينما ربما سيارة أخرى تشتريها تكون كثيرة الخراب، والمشاكل والعلل، فهذه يعني شيء نراه في عالمنا المحسوس، نجد البركة في أشياء، ونجد عدم البركة في أشياء أخرى، فما هي أسباب الحصول على البركة؟ كيف نجد البركة في هذه الأشياء؟

تقوى الله تعالى

أعظم سبب للحصول على البركة هو: ما ذكره الله تعالى في قوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96]، ليس بركة بركات، بركات من أين؟ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.

إذن، من أعظم أسباب تحصيل البركة: التقوى لله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فالتقوى من أسباب حصول البركة: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا۝وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5] الخير كل الخير في التقوى، في طاعة الله ، هل رأيتم أحدًا اتقى الله وأطاع الله وندم؟

لا والله، بل يغتبط بالتقوى، وبالعمل الصالح في حياته، وبعد مماته، إنما الذي يندم من عصى الله .

إذن من أعظم أسباب تحصيل البركة في كل شيء: التقوى لله .

الشكر لله سبحانه

أيضًا من أسباب تحصيل البركة: الشكر لله سبحانه، أن يكون الإنسان شكورًا، احرص على أن تكون شكورًا حامدًا لله سبحانه، وأن تطبق المنهج النبوي الذي ذكره النبي في قوله: انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم [2]، لا تنظر إلى من هو أعلى منك وأكثر منك مالًا وجاهًا وصحة، انظر إلى من هو أقل منك حتى تعرف قدر نعمة الله عليك.

الشكر يقول الله فيه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] ليس فقط الشكر سبب لثبوت النعمة، بل لزيادتها، فلنحرص على أن تلهج ألسنتنا وقلوبنا بشكر الله وحمده، تجد بعض الناس سبحان الله دائمًا شكورًا دائمًا، تجد أحيانًا مريضًا على سرير في المستشفى ويحمد الله ويتشكر، يصاب بمصيبة يأتي يحمد الله ويشكره، تأتيه نعم فيحمد الله ويشكره، دائمًا الحمد والشكر على لسانه، وفي المقابل تجد بعض الناس دائمًا متسخطًا متشكيًا متبرمًا لا يعجبه العجب، يتسخط من كل شيء، يتسخط من أهله، من أولاده، من جيرانه، من المجتمع، من كل شيء، ما يمكن أن تجده راضيًا وشاكرًا، فكن من الصنف الأول الشكور.

إبراهيم عليه السلام لما أتى بابنه إسماعيل عليه السلام في مكة عند المسجد الحرام حصل ما قصه علينا النبي عليه الصلاة والسلام من أن إسماعيل عطش، ثم بعد ذلك أتى الملَك، وبحث بجناحه ونبع بئر زمزم، ثم لما كبر إسماعيل وترعرع، وتزوج امرأة؛ أتى إبراهيم، فلما أتى إبراهيم عليه السلام لم يجد ابنه إسماعيل، لما أتى وجد زوجة إسماعيل الأولى قال: أين إسماعيل؟ قالت: ذهب للصيد، الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يقومون يكسبون لقمة العيش من أعمال يديهم، كان زكريا عليه السلام نجارًا، وما من نبي إلا ورعى الغنم، وإسماعيل عليه السلام كان يذهب للصيد، هم بشر، ولذلك: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ [الفرقان:7] يقولها المشركون، الله تعالى قال هذا بشر قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:93].

إسماعيل عليه السلام ذهب للصيد إبراهيم عليه السلام سأل امرأة إسماعيل عن عيشهم، قالت: نحن بِشر، ونحن كذا، وفي ضيق، وفي كذا.. وقامت تتشكى وتتسخط، فقال إبراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام مني، وقولي له يغير عتبة بابه، هي لم تفهم ما المقصود، هذا مصطلح يفهمه إسماعيل كما يُقال: شفرة، لما أتى إسماعيل عليه السلام ما أخبرته بشيء، لكنه كأنه رأى آثار يعني إنسان دخل، قال: هل أتاكم أحد؟ قالت: نعم أتانا رجل كبير، وسألني عن عيشنا وأخبرته بكذا، قال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، قال أقرئيه السلام وقولي له يغير عتبة بابه، قال: أنت عتبة بابي، وقد أمرني بطلاقك، فطلقها وتزوج امرأة أخرى.

ثم إن إبراهيم عليه السلام أتى وسأل عن إسماعيل عليه السلام، قالت: ذهب للصيد أيضًا، لم يجده وسأل عن حالهم، والحال هي نفس الحال، فحمدت الله، وشكرت الله ، وقالت: نحن بخير، ونحن كذا وكذا، وقامت تتشكر، فقال: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام، وقولي له يثبت عتبة بابه، فلما أتى إسماعيل عليه السلام بادرته، وقالت: أتانا رجل على صفة كذا وكذا، وإنه سأل عن عيشنا، وأخبرته بكذا، وأوصاني بأن أقرئك السلام، ويقول: ثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني بأن أمسكك وأبقيك.

فانظروا إلى الفرق بين هاتين الزوجتين: الأولى: متشكية، متسخطة، متبرمة، والثانية: متشكرة، راضية، والحال هي الحال، فإبراهيم عليه السلام رأى أن الزوجة الأولى لا تليق بمقام إسماعيل وهو نبي من الأنبياء، فأمره أن يفارقها، وتزوج بامرأة أخرى، وأخلف الله عليه خيرًا بهذه المرأة الشكور.

فالمقصود أن من أسباب حلول البركة: الرضا والشكر، يكون الإنسان شكورًا، احرص دائمًا على الشكر لله ، أن تحمد الله وأن تشكره دائمًا في كل شيء كما قال النبي : إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمدها عليها وأن يشرب الشربة فيحمدها عليها [3]، دائمًا احمد الله واشكره.

ومن أذكار الصباح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، اللهم إني أصبحت في نعمة وعافية وستر فأدم نعمتك وعافيتك وسترك علي في الدنيا والآخرة، وفي المساء تقول بدلا منها إني أمسيت.

فاجعل الحمد والشكر لله اجعله مبدأ لك في الحياة دائمًا، احمد الله دائمًا، اشكر الله، ابتعد عن التسخط، غلّب جانب التفاؤل والإيجابية، وابتعد عن التسخط والتشكي.

الصدق والبيان

أيضًا من أسباب البركة: الصدق والبيان، يكون الإنسان صادقًا واضحًا بعيدًا عن الكذب بعيدًا عن الغش، يكون صادقًا في كل شيء في أقواله في أعماله في تعاملاته، فهذا من أسباب حلول البركة، والدليل قول النبي : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما [4]، فمن أسباب حلول البركة في البيع والشراء: الصدق والبيان، ومن أسباب محق البركة: الكذب والكتمان.

الصدقة

أيضًا من أسباب البركة: الصدقة، الصدقة هي من أسباب حلول البركة، الصدقة يا إخواني شأنها عظيم، الصدقة أولًا هي رفعة في الدرجات، وتكفير للسيئات، والصدقة أيضًا هي برهان على صدق إيمان الإنسان، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: والصدقة برهان [5] رواه مسلم، يعني دليل على صدق إيمان المتصدق، والصدقة تدفع أنواعًا من البلاء، يقول ابن القيم رحمه الله: حتى لو كانت الصدقة من فاجر أو كافر، وهذا أمر قد علمه الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم؛ لأنهم قد جربوه.

ولهذا جاء في الحديث الحسن: داووا مرضاكم بالصدقة؛ لأنها نوع من الإحسان، طيب كيف تكون الصدقة سببًا للبركة؟ يقول الله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276]، ويقول: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39]، ويقول النبي : ما نقصت صدقة من مال [6]، بل تزيده، ما نقص مال من صدقة بل تزيده، الربا سبب لمحق البركة: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا يعني عندما يقول رب العالمين خالق هذا الكون في كتابه الذي يقرأه الناس جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، عندما يقول: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ لا بد أن يقع، لا بد كما نقول الشمس تشرق من الشرق وتغرب من الغرب، فعندما يقول رب العالمين الخالق لهذا الكون والخالق لسنن هذا الكون، والخالق لكل شيء: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ لا بد أن المحق للمرابي يحصل لا بد إما في ماله إما في صحته، إما في أي شيء، ولا بد أن الزيادة تربو، لا بد أن الصدقة تربو: وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ، ما معنى تربو:  يعني تزيد، ولهذا قال: ما نقص مال من صدقة؛ بل تزيد.

كيف تكون هذه الزيادة؟

إما أن تكون زيادة حسية أو تكون زيادة معنوية بالبركة، ولهذا تجد أن المتصدق يبارك الله له في ماله، يدفع الله عنه آفات المال، يدفع الله تعالى عنه السراق، يدفع الله عنه الحريق، يدفع الله عنه من يتسلط عليه، يدفع الله عنه شرورًا عظيمة، وأيضًا يفتح الله له أبوابًا من الرزق، فالصدقة شأنها عظيم، ولهذا قرأت دراسة مترجمة غربية، تقول: إن تجار الغرب أدركوا أنهم كلما أنفقوا في الأعمال التطوعية زادت ثروتهم، سبحان الله مصداق هذا في ديننا، موجود في ديننا: ما نقص صدقة من مال بل تزيده.

فالصدقة إذن من أسباب حلول البركة.

صلة الرحم

أيضًا من أسباب حلول البركة: صلة الرحم، والدليل قول النبي : من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه [7] متفق عليه، يبسط له في رزقه يعني يوسع له في رزقه إما بزيادة حسية، أو بالبركة في الرزق، وهذا أحد الأقوال في معنى: وينسأ له في أثره يعني يطول له في عمره إما بزيادة حسية في طول العمر، أو ببركة في عمره.

فإن قال قائل كيف تقولون: إن صلة الرحم سبب لبسط الرزق وطول العمر ونجد في الواقع من هو واصل لرحمه وهو فقير، ونجد من هو واصل لرحمه ويموت صغيرًا، فكيف نوفق بين الحديث وبين ما نراه في الواقع؟

المقصود ببسط الرزق وطول العمر بسط الرزق النسبي، وطول العمر النسبي، هذا الفقير الواصل لرحمه لو لم يصل رحمه لكان أفقر، وهذا الذي مات وهو صغير لو لم يصل رحمه لمات قبل ذلك، وهذا الغني الذي لم يصل رحمه قاطع لرحمه لو وصل رحمه لكان أغنى.

فالمقصود إذن بسط الرزق وطول العمر النسبي؛ لأن الصحف التي بأيدي الملائكة يدخلها المحو والإثبات، بينما اللوح المحفوظ لا يتغير؛ كما قال الله تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39]، يمحو الله ما يشاء ويثبت يعني في الصحف التي بأيدي الملائكة، فيقال مثلًا هذا عمره كذا مثلًا ستين سنة بسبب صلته لرحمه يكون عمره سبعين، والذي يثبت في اللوح المحفوظ أن عمره سبعون، أما التي في الصحف التي بأيدي الملائكة يدخلها المحو والإثبات: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ فانظروا إلى عظيم صلة الرحم.

القصد في الإنفاق

أيضًا من أسباب حلول البركة: القصد في الإنفاق، والمراد هنا بالقصد الاعتدال، وهو خُلق كريم بين خلقين مذمومين، بين البخل وبين التبذير، والله تعالى يقول: إِنَّ ‌الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27] وأي شيء دخله الشيطان نزعت منه البركة، فالمبذر تنزع منه البركة بسبب التبذير، ولذلك نقول من أسباب حلول البركة: الاعتدال والقصد، وَلَا تَجْعَلْ ‌يَدَكَ ‌مَغْلُولَةً ‌إِلَى ‌عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء:29].

القناعة والرضا

أيضًا من أسباب حلول البركة: القناعة والرضا، بأن يرضى الإنسان بما أعطاه الله ، ويكون قنوعًا؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: ليس الغنى بكثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس [8] متفق عليه، ولذلك الإنسان غير القنوع مهما حصل لا يمكن أن يرضى، لا يمكن يبقى فقيرًا فقير النفس، بينما القنوع تجد أنه راضي يحصل على الرضا، ولذلك يعني يقولون في الحكمة ليس الغني من يملك أكثر مما يملك الناس، أو ليس السعيد من يملك أكثر مما يملك الناس، ولكن السعيد من يرضى أكثر مما يرضى الناس.

أعيدها مرة أخرى ليس السعيد من يملك أكثر مما يملك الناس، ولكن السعيد من يرضى أكثر مما يرضى الناس، فبحصول الرضا تحصل القناعة، وتحصل البركة.

ما الدليل على أن القناعة من أسباب حلول البركة؟

الدليل هو في الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه أن النبي قال: إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس يعني بتعلق وطمع لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع [9]، وهذا الحديث في الصحيحين فتأمل قول النبي من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه.

فالذي يأخذ المال بسخاوة نفس ورضا وقناعة، ولا يكون متعلقًا متشبثًا طماعًا، هذا يبارك له في ماله، لكن من أخذه بإشراف نفس، وتعلق وطمع فإنه تنزع منه البركة، جاء في صحيح البخاري وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان عندنا شعير نأكل منه فلما كِلته فني، يعني كنا نأكل منه وما حسبته، لما بدأت أحسبه وكِلته كم يزن؟ كم يصل من صاع؟ فني، انتهى، فيعني المقصود من هذا: أن سخاوة النفس والقناعة والرضا من أسباب حلول البركة.

الدعاء

وأختم بسبب عظيم من أسباب حلول البركة يغفل عنه كثير من الناس، وهو: الدعاء، أن تسأل الله البركة، اجعل هذا من الأدعية التي تدعو الله بها تقول: يا رب اجعلني مباركًا أينما كنت، تقول: يا رب بارك لي في صحتي، بارك لي في مالي، بارك لي في أهلي، بارك لي في علمي، بارك لي في أولادي، فتسأل الله البركة، تدعو الله تعالى بالبركة؛ لأن هذا الدعاء من الأدعية العظيمة.

إن بارك الله لك في وقتك وفي عمرك حصلت على خير عظيم، إذا بارك الله لك أيضا في مالك انتفعت بهذا المال حيًّا وميتًا، بعض الناس عنده ثروات عظيمة لكن ما يبارك له فيها، هو في الحقيقة أنا أشبهه بالحارس حارس يحرسها طيلة حياته لمن؟ للورثة، حارس قوي أمين على هذه الثروة يحرسها للورثة، وربما أن الورثة لا يحمدونه عليها، حدثني أحد مدير أحد فروع البنوك، يقول: كان عندنا حساب بنكي لأحد كبار السن كان بالملايين، يقول وافتقدناه مدة طويلة، فقلت: ربما أتاه شيء، أتاه.. اتصلت على أهله، فقالوا: فلان مات، أين أنت؟ قلت: طيب يكلمني أكبر الأبناء، فلما اتصل بي عرفته بنفسي، وقلت: معك مدير البنك الفلاني أريدك أن تمر علي، فلما مر سلمت عليه، وعزيته في والده، قلت: الوالد له عندنا حساب، قال: كم الرصيد؟ قلت: كذا مليون مدري، قال أربعين مليون أو خمسين مليون، فانهار بالبكاء، وأصبح يدعو على والده، فجعلت أهدئ منه، فقال: لا، لا، عاش فقيرًا، وعشنا معه فقراء، نحن نسكن في أفقر حي من أحياء مدينة الرياض.

طيب إذن ما الذي استفاد هذا الرجل؟ ماذا استفاد من هذه الثروة؟

لا انتفع بها في حياته ولا بعد مماته، بل خلفها لمن لا يحمده عليها، بل يدعو عليه، فانظر إلى نزع البركة من المال إذا نزعت البركة من المال، ما يستفيد منها الإنسان، بل يحاسب عليها يوم القيامة، وينتقل لغيره، لغيره غنمه وعليه غرمه، لكن ماذا لو أن هذا الإنسان حمد الله وشكره في هذا المال، وأكل منه، وتصدق، ووصل رحمًا، وأكرم ضيفًا، وأعطى أولاده ما يحتاجون إليه، وأكرمهم، ووقف وقفًا من هذا المال، ووصى منه مثلًا، ووضع فيه وصية انتفع من هذا المال، واستفاد منه حيًّا وميتًا.

فأقول من أعظم الأسباب البركة: تسأل الله البركة في كل شيء: البركة في العمر، في الوقت، في المال، في الأهل، في الصحة، في العلم، في الأولاد، في كل شيء، اجعل هذا من الأدعية التي تدعو الله تعالى بها.

أسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أوقاتنا، وأن يبارك لنا في أعمارنا، وأن يبارك لنا في أموالنا، وأن يبارك لنا في أولادنا، وأن يبارك لنا في صحتنا، وأن يجعلنا مباركين أينما كنا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأسئلة

المقدم: شكر الله لمعالي الشيخ الدكتور سعد بن تركي الخثلان هذا الطرح المبارك، والذي عرج في بدايته بأهمية البركة، من ثم ذكر أحوال من الناس الذين فقدوا البركة في حياتهم وصحتهم وأموالهم، ومن ثم عرف البركة، وعرج بنماذج من حياة المباركين من الأنبياء والصحابة والتابعين، أخيرًا تطرق للأسباب الجالبة للبركة في حياة المسلم؛ مثل التقوى، والشكر، والصدق والبيان، والصدقة، وصلة الرحم، والقصد في الإنفاق، والقناعة والرضا، وختم هذا اللقاء المبارك بأهم سبب من الأسباب الجالبة للبركة، وهو ما يتعلق بالدعاء، فشكر الله للشيخ هذا الطرح، ونسأل الله أن ينفعنا بما قال، وأن يجعله حجة لنا لا علينا.

نستأذنك فضيلة الشيخ بعرض مجموعة من الأسئلة: هل يجوز للمسبوق الذي فاتته من الصلاة ركعة أو ركعتين أن يكون إمامًا لغيره ممن فاتته الصلاة كلها؟

الشيخ: نعم، يجوز ذلك على القول الراجح أنه يجوز هذا، وينتقل من كونه مأمومًا ثم منفردًا، ثم يصبح إمامًا وليس هناك مانع يمنع من هذا، النبي كان يصلي صلاة الليل منفردًا، ثم أتى ابن عباس رضي الله عنهما فأصبح إمامًا فانتقل من كونه منفردًا إلى كونه إمامًا، فعلى القول الراجح أنه لا بأس بهذا لكن يكون هذا في الحالات العارضة لا يكون دائمًا، وبصفة دائمة أن هذا المسبوق يصبح إمامًا يكون ذلك في الحالات العارضة.

المقدم: شكر لك فضيلة الشيخ، ما حكم البوفيهات المفتوحة التي تكون في المطاعم؟ وهل يعتبر هذا من بيع الغرر؟

الشيخ: لا بأس بالبوفيهات المفتوحة، والغرر الموجود فيها غرر يسير، وليس كل غرر محرمًا شرعًا، هناك أنواع من العقود أجازتها الشريعة وفيها غرر وهي جائزة، السلم مثلًا السلم عقد على موسوم في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد فيه غرر، ومع ذلك جاز للحاجة والمصلحة، الجعالة فيها غرر ومع ذلك هي جائزة، فليس كل غرر ممنوع شرعًا، الغرر الموجود في هذه البوفيهات هو غرر يسير، وغرر مغتفر.

لماذا حرمت الشريعة الغرر؟ حرمت الشريعة الغرر؛ لأنه مظنة للنزاع والخصومة التي هي سبب للشحناء والبغضاء بين المسلمين.

طيب هل وجد ولو واحد من مليون خلاف بين صاحب البوفيه وبين من يأتي ويأكل لأجل مقدار الأكل؟

أبدًا ما يمكن، ما حصل هذا، بل كلاهما منتفع، هذا ينتقي مما يناسبه من الطعام، وأيضًا صاحب البوفيه يقتصد أيضًا، فيضع هذه للأعداد الكثيرة.

فإذن هو لا بأس، والأصل في هذا الباب الحل والإباحة، فلا بأس بالبوفيهات المفتوحة، ولا حرج فيها.

المقدم: أثابكم الله فضيلة الشيخ، يقول السائل سمعنا أن الحاجم يفطر بسبب أنه يمتص الدم لكن اليوم تطورت الحجامة وأصبحت هناك أدوات أغنت عن امتصاص الدم؛ فهل يجري الحكم على الحاجم إذا لم يمتص الدم واستخدم الأدوات الحديثة؟

الشيخ: أولًا الحديث الوارد في ذلك حديث رافع بن خديج أن النبي مر برجل يحجم آخر في نهار رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم [10]، وهذا الحديث حديث صحيح، وقد روي عن عدد من الصحابة، رواه عدد من الصحابة، وأما المحجوم فظاهر، والحجامة تفطر الصائم، وما كان في معناها أيضًا يفطر، مثل مثلًا في وقتنا الحاضر تحليل الدم إذا كان الدم المسحوب كثيرًا مثلًا أربع براويز، خمس براويز، هذه تفطر الصائم؛ لأنه في معنى دم الحجامة، أما إذا كان الدم المسحوب يسيرًا مثل تحليل السكر هذا لا يفطر المحجوم.

إذن ظاهر في أن الحجامة تفطره، أما بالنسبة للحاجم فإنما قال عليه الصلاة والسلام: أفطر الحاجم؛ لأنهم كانوا في زمن النبي الحاجم يمص الدم بفمه، وهذا كان موجود إلى وقت ليس ببعيد عندنا هنا في المملكة، فربما علق بفمه أجزاء لطيفة من الدم، أما في وقتنا الحاضر فقد تغيرت الحجامة طريقة الحجامة، فأصبحت بطريقة تفريغ الهواء، وعلى ذلك فالحاجم لا يفطر، إنما الإفطار أو إفساد الصيام بالحجامة إنما هو خاص بالمحجوم دون الحاجم.

المقدم: أثابكم الله فضيلة الشيخ، يقول: ما هي الأوقات المنهي عنها في الصلاة؟ وهل إذا دخلت المسجد في خلال هذه الأوقات أصلي تحية المسجد أم أجلس؟

الشيخ: أوقات النهي عن الصلاة ثلاثة:

من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، يعني تضيف للشروق الموجود في التقويم تضيف له عشر دقائق حتى يزول وقت النهي من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد الشروق بعشر دقائق، هذا الوقت الأول.

الوقت الثاني: قبيل أذان الظهر حين يقوم قائم الظهيرة، يعني قبيل أذان الظهر بحدود عشر دقائق.

الوقت الثالث: من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، هذه أوقات النهي الثلاثة، هذه لا يجوز أن تصلى فيها صلاة النوافل.

اختلف العلماء في ذوات الأسباب مثل تحية المسجد وركعتي الطواف ونحو ذلك، فالقول الراجح: أنها تجوز في أوقات النهي، التي النهي فيها مخفف؛ لأن أوقات النهي تنقسم إلى قسمين:

  1. أوقات النهي فيها مغلظ.
  2. أوقات النهي فيها مخفف.

التي النهي فيها مغلظ، هي: وقت شروق الشمس، ووقت غروبها، وقبيل أذان الظهر حين يقوم قائم الظهيرة، هذه حتى لا يجوز دفن الأموات، فيها ثلاث ساعات نهانا رسول الله على أن نصلي فيهن، وأن ندفن فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة، وحين تغرب، وحين يقوم قائم الظهيرة.

هناك وقتان إنما نهي عن الصلاة فيهما من باب سد الذريعة النهي فيهما مخفف؛ وهو ما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، هذه التي النهي فيها مخفف، يؤتى فيها بذوات الأسباب، لو أتيت المسجد بعد الفجر أو بعد صلاة العصر لا بأس تأتي بتحية المسجد، بركعتي الطواف، ونحو ذلك.

أما التي النهي فيها مغلظ فينبغي ألا يصلي فيها مطلقًا وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، وقبيل أذان الظهر، هذه يعني ورد فيها النهي، حتى ورد النهي عن دفن الموتى، فينبغي عدم الصلاة فيها مطلقًا، وقت طلوع الشمس حدود عشر دقائق ووقت غروبها كذلك، وحين يقوم قائم الظهيرة، يعني قبيل أذان الظهر بنحو عشر دقائق أو حتى أقل يعني قبيل أذان الظهر بنحو سبع دقائق من سبع إلى عشر.

هو من حيث الحكم جائز من فاتته ركعتي الفجر قبل الصلاة يصليها بعد الصلاة لكنه خلاف الأفضل خلاف السنة، السنة أن الإنسان يبكر ويأتي بركعتي الفجر قبل الصلاة، أما أن يجعلها عادة له فهذا خلاف الأولى، لكن من حيث الجواز جائز.

الأفضل أن يجعلها بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، يعني بعد طلوع الشمس بعشر دقائق أفضل من أن يصليها بعد صلاة الفجر إلا إذا خشي أن ينساها، بعض الناس يقول: لو أخرت ركعتي الفجر إلى الضحى ربما أنسى، فنقول: صلها إذن بعد الفريضة.

المقدم: أثابكم الله فضيلة الشيخ؛ ولكن في وقت النهي المغلظ يشكل على البعض في يوم الجمعة قبل الصلاة؟

الشيخ: يوم الجمعة قبل أذان الظهر أو قبل الأذان الثاني أو النداء الثاني يوم الجمعة هل في الجمعة وقت نهي أم لا؟

هذا محل خلاف الجمهور على أن الجمعة كغيره، وأن فيه وقت نهي، وذهب الشافعية أنه ليس فيه وقت نهي، وأنه مستثنى، والقول الراجح قول جماهير العلماء: أن يوم الجمعة كغيره، وليس هناك دليل يدل على تخصيص الجمعة بأنه ليس فيه وقت نهي، وإنما الجمعة كغيرها، ولذلك من أتى المسجد الجامع يوم الجمعة فيتنفل بالصلاة إلى وقت النهي إذا أتى وقت النهي قبيل الزوال تقريبًا بعشر دقائق يتوقف عن الصلاة.

المقدم: أثابكم الله فضيلة الشيخ، يقول السائل: ما حكم مصافحة وتقبيل رأس المرأة الكبيرة الأجنبية؟

الشيخ: الأوْلى البُعد عنه، لكن العلماء لا يشددون بالنسبة للمرأة الكبيرة التي من القواعد من النساء لأمن الفتنة، وإن كان الأولى البعد عن ذلك، ولهذا قال الله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا يعني عجائز لا يرجون نكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ومع ذلك انظر ماذا قال الله بعد ذلك؟ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ مع أنهن عجائز لا يرجون نكاحًا، ومع ذلك قال الله: غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ لكل ساقطة لاقطة، وأيضًا ماذا قال الله بعد ذلك؟ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60] يعني انظر إلى عناية الشريعة بهذه القضية، قضية حجاب المرأة، عناية كبيرة؛ لأن قضية الحجاب هي قضية مفصلية إذا تحجبت المرأة، ولبست اللباس المحتشم قطعت دابر الفتنة، وسدت الأبواب التي ينفذ عن طريقها الشيطان للفتنة، ولهذا قال الله تعالى: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ يعني بالعفة فَلَا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59] المرأة إذا عرفت بالعفة لا أحد يؤذيها، ولا أحد يتعرض لها، بل كل يحترمها، لكن إذا لبست لباسًا متبرجًا هي توجه رسالة خاصة لمن في قلبه مرض بأن يتحرش بها.

حدثني أحد الإخوة: أنا كنت مرة أتيت للعمرة وركبت مع سائق أجرة الحقيقة أفادني، قال: كنت مبتلى بمعاكسة النساء، ثم من الله عليّ وتبت، يقول: والله إننا لنفرق بين المرأة العفيفة وغيرها من لباسها، يقول: إذا رأينا المرأة ذات اللباس المحتشم والله لا ننظر إليها، ننظر للأرض إكرامًا واحترامًا لها، يقول: أما المرأة المتبرجة هذه توجه لنا رسالة لأن نتحرش بها، فيقول: نحن نستدل على المرأة من لباسها، وهذا يبين لنا أهمية وقضية الحجاب بالنسبة للمرأة.

المقدم: أثابكم الله فضيلة الشيخ، يقول السائل: ما حكم التصوير مع الأصدقاء أو مع الأهل سواء كان بالجوال أو بالكاميرا الفتوغرافية من باب الذكريات؟

الشيخ: التصوير الذي ورد في النصوص النهي فيه شديد، والنبي : لعن المصورين [11]، ويقول : أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون [12]، فالتصوير من كبائر الذنوب.

لكن ما المقصود بالتصوير هذا هو السؤال، التصوير المحرم هو الذي فيه مضاهاة لخلق الله، يضاهئون خلق الله: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي [13]، ما معنى مضاهاة خلق الله؟ يعني محاكاة وتقليد لخلق الله هذه هي علة النهي عن التصوير، وهذا يتحقق في المجسمات لذوات الأرواح التماثيل تماثيل لذوات الأرواح الإنسان أو حيوان هذه صور محرمة وتمنع دخول الملائكة للبيت أو المكان التي هي فيه.

أيضًا الرسومات لذوات الأرواح هذه أيضا فيها محاكاة لخلق الله ، فهي من الصور المحرمة.

أما الصور التلفزيونية والفوتوغرافية فهل فيها محاكاة لخلق الله؟ أو أنها صورة الإنسان الحقيقية كما خلقه الله؟ الجواب الثاني هي كصورة الإنسان في المرآة لكنها بحكم التقنية في الصور التلفزيونية مسرعة، وفي الصور الفوتوغرافية مثبتة؛ فهي لا تدخل في الصور المحرمة أصلًا، فإن قال قائل: الناس يسمونها صورًا وتصويرًا؟

نقول: التسمية لا تغير من الحقيقة شيئًا، أرأيت لو سُمي الخمر بغير اسمه، لو سُمي الخمر مشروبًا روحيًّا، أو بغير اسم هل يتغير حكمه؟

أبدًا، الخمر هو الخمر، حتى لو سمي بغير اسمه، فكون الناس يسمونه صورة وليست صورًا بالمعنى الشرعي، لا يغير من حقيقتها، ولهذا كان الناس قديمًا عندنا في المملكة العربية السعودية قديمًا ما كانوا يسمونها صورًا؛ يسمونها ماذا؟ عكس وعكوس، يقول: أذهب أعكس، وهذا هو الوصف الدقيق لها، هذا أحسن من تسميتها صور فهي في الحقيقة عكس ليست صورة هي عكس وعكوس، وعلى هذا هي لا تدخل في الصور المحرمة، لكن إذا أجزناها بضوابط لا تكون صور لنساء لأنها قد تقع في أيدي رجال أجانب ولا تُعلق أيضًا؛ لأن التعليق قد يكون ذريعة لتعظيمها كما حصل لقوم نوح، وأيضًا لا تكون صورًا لأموات؛ لأن الميت أيضا قد لا يرضى بهذا، وقد يعذب بسبب ذلك، فإذا تحققت هذه الضوابط، فأرجو ألا يكون في هذا بأس.

المقدم: أثابكم الله فضيلة الشيخ، يقول السائل: انتشر عند كثير من الناس في يوم الجمعة قول: “جمعة مباركة”؛ فهل في ذلك من حرج؟

الشيخ: إذا كان هذا بصفة عارضة فلا بأس كأن تقول: جمعة مباركة أو اليوم مبارك، أو الساعة مباركة التي رأيناك فيها، أما أن يكون كل جمعة كل جمعة، فهذا لا أصل له، ينبغي اجتنابه إذا كان كل جمعة يقول: جمعة مباركة، ينبغي اجتنابه، أما إذا كان بصفة عارضة، وأحيانًا فلا بأس بذلك.

المقدم: أثابكم الله فضيلة الشيخ، يقول السائل: ما المقصود بالصدقة برهان؛ فما هو البرهان المقصود في هذا الحديث؟

الشيخ: البرهان معناه الدليل؛ الدليل على صدق إيمان المتصدق؛ لأن غير الصادق في إيمانه المنافق والمرائي لا يتصدق، كون الإنسان يخرج المال المحبوب، ويتصدق به على هذا الفقير، هذا برهان على صدق إيمانه مع ربه سبحانه؛ لأنه ما أخرج هذا المال المحبوب، وأعطى هذا الفقير إلا وهو يرجو ما عند الله تعالى، فهي برهان على صدق الإيمان.

ولذلك يا إخواني ينبغي أن يعوِّد الإنسان نفسه على الصدقة، احرص أن تتصدق كل يوم لو بريال حتى تنال دعوة الملكين، يقول النبي في الحديث المتفق على صحته: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وينزل ملكان من السماء، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا [14]، حتى تنال دعوة الملك بالخلف تصدق لو بمبلغ يسير، كان أحد السلف لا يمر يوم إلا تصدق فيه لله بصدقة ذات يوم بحث لم يجد شيئًا إلا بصلًا، أخذ بصلًا يريد يتصدق به، لقيه أحد الناس قال: رحمك الله لم يوجب الله عليك هذا، يعني هي صدقة تطوع، قال: لا، إني أردت أن لا يمر علي يوم إلا تصدقت فيه لله بصدقة، إنه بلغني عن رسول الله أنه قال إن المؤمن يكون في ظل صدقته يوم القيامة.

فاحرص أن تتصدق كل يوم ما أمكن، كل يوم بعض الناس غير موفق، لا هو الذي يتصدق، ولا هو يترك الناس يتصدقون، يخذل ويثبط، كلما أراد أحد أن يتصدق، قال: ترى هذا ربما كذاب، هذا كذا كذا كذا، فيبدأ يخذل الناس، فيكون من الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، إذا كنت أنت غير مقتنع ولن تتصدق اترك غيرك يتصدق، لا تكن من الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، فالصدقة شأنها عظيم، الصدقة تدفع البلاء عن الإنسان، والصدقة أيضًا هي مخلوفة؛ يُخلف الله تعالى على الإنسان ما بذله، وما تصدق به.

المقدم: أثابكم الله فضيلة الشيخ، نستأذنكم من الأسئلة الورقية إلى أسئلة الحضور المباركين إذا كانت هناك أسئلة تفضل:

السؤال: ما رأيكم فيمن يقفون على باب المسجد دائمًا يطلبون الصدقة؟
الشيخ: نعم هؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: إذا عرفت أنه كذاب ويعني أخبرك ثقة أو عرفت بأي طريقة أنه كذاب هذا لا يُعطى؛ بل ينبغي أن يرفع للجهات المختصة.

الحالة الثانية: إذا عرفت أنه فقير أنت تعرف أنه فقير فهذا يُعطى.

الحالة الثالثة: أنه مجهول ما تدري عنه هو فقير أو ليس بفقير فالأصل أنه يُعطى، الأصل أنهم فقراء ويعطون، هذا هو الأصل.

سؤال: عمر الرسول  هو ثلاثة وستون سنة، فهل قضية البركة في العمر نسبية؟

يعني عمر النبي عليه الصلاة والسلام هو متوسط أعمار هذه الأمة؛ لأنه قال: أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك، يقول ابن الجوزي: وتأملت واقع الناس وأخذتها بالنسبة من أكثر من يموت من الشباب أو من كبار السن؟ من الشباب خذها خذ أعداد الشباب في أي مجتمع، وخذ أعداد كبار السن خذها بالنسبة والتناسب تجد أكثر من يموت من الشباب قليل من يجوز السبعين أو الستين أو السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك، فعمر النبي عليه الصلاة والسلام هو متوسط أعمار هذه الأمة ثلاثة وستين، وأبو بكر أيضًا ثلاثة وستين، وعمر ثلاثة وستين، سبحان الله كلهم أعمارهم على ثلاثة وستين، فهذا هو متوسط أعمار الأمة، هذا والعمر النسبي أو متوسط أعمار أمة محمد ما بين الستين إلى السبعين من يتجاوز السبعين، يحمد الله خيركم من طال عمره وحسن عمله، لكنهم قليل قليل بالنسبة لمجموع الناس من يتجاوز السبعين عامًا.

نعم صحيح هذا قد يكون من آثار البركة، آثار البركة كثيرة هذا من آثار البركة.

سؤال: هل عقد النكاح في المسجد مستحب؟

نعم هذا ذكره بعض الفقهاء، ومنهم فقهاء الحنابلة، قالوا إنه يستحب عقد النكاح في المسجد؛ لكن ليس عليه دليل ظاهر، ويظهر أن الأمر يبقى على الإباحة، مباح إذا عقدوا في الجامع، أو عقدوا في البيت، أو في أي مكان، يبقى الأمر على الإباحة؛ لأن القول بالاستحباب يحتاج إلى دليل، والمسألة ما فيها دليل واضح يدل على استحباب عقد النكاح في المسجد الجامع.

سؤال: لو قصدوا البركة؟

لا، ما في حاجة للعقد في المسجد يعقدها في البيت، يعني عقده في المسجد وفي البيت سواء، أما اعتقاد بعض الناس أنه إذا عقد في المسجد يكون فيه بركة هذا غير صحيح؛ لأن هذا يحتاج إلى دليل يبقى الأمر على الإباحة، لا يقال إنه مستحب، إنما مباح.

سؤال: ما معنى قول الترمذي “حسن غريب”؟

إذا قال الترمذي: “حسن غريب” يشير للتضعيف؛ معنى ذلك فيه ضعف الحديث.

سؤال: ….

لا، لا، هذا ليس أبدًا، ليس عليه دليل، وهذه أشياء نفسية فقط.

سؤال: حكم وضع الغترة أثناء الصلاة والسجود عليها؟

نعم، هذا مكروه أن يضع الإنسان دائمًا الغترة بدون سبب وبدون حاجة، هذا مكروه، السنة أن يباشر بجبهته الأرض إلا إذا كان هناك سبب من شدة حر أو شدة برد أو شوك أو مثلًا حصى هنا لا بأس، أما بدون سبب هذا مكروه.

سؤال: مال يملكه ولكنه ليس في حوزته، في بضاعة، هل عليه زكاة؟

نعم، إذن هذا يعتبر سببًا هنا لا بأس، لكن البضاعة التي في المحل يملكها؟ ما دام يملكها وهي معدة للتجارة عروض تجارة، هذه تجارة ضرب من ضروب التجارة، كيف ما فيها زكاة، كيف نوجب على هذا الإنسان الذي ما عنده إلا خمسة آلاف ريال، نقول: زكِ، وهذا الذي يتاجر وله سلع في المحلات ما عليه زكاة؟ هذا إذن يزكي، لا بد أن يزكي، يحصي جميع ما عنده من السلع، ويخرج ربع العشر 2.5% حتى اشترط أن تكون في حوزته هذا غير صحيح، ليس هذا من شروط الزكاة.

سؤال: هل الأفضل صلاة ركعتين ركعتين قبل خطبة الجمعة أم الذكر وقراءة القرآن؟

الأمر في هذا واسع من يأتي للمسجد الجامع يوم الجمعة يشتغل بما هو الأصلح لقلبه، والأحسن، يعني أحب عمل إلى الله الصلاة إذا استطعت أنك تشغل وقتك بالصلاة فافعل، فإذا أتيت المسجد الجامع كنت تنشغل بالصلاة أفضل، يعني اجعل قراءة القرآن داخل الصلاة صل ركعتين ركعتين، مثنى مثنى إلى قبيل الزوال بعشر دقائق هذا هو الأفضل ومأثور عن السلف، كان الأوزاعي يذهب إلى المسجد الجامع، ويقول أحد من معه يقول: حسبت له ستة وثلاثين ركعة، أيضًا الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام.

يقول: واعلم أنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة [15]، فأنت يمكن أن تنشغل بالصلاة وتقرأ القرآن ولو من المصحف، وأنت في الصلاة هذا هو الأفضل، ولو أنك اقتصرت على تلاوة القرآن وأنت جالس الأمر واسع، هي المسألة مسألة مفاضلة، يعني فاضل ومفضول فقط.

سؤال: ما حكم الخوف من المصيبة؟ وهل هو من التشاؤم؟

إذا كان هذا الخوف من وقوع المصيبة مبالغًا فيه فيدل على ضعف التوكل على الله؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يتوكل على الله ، يفعل الأسباب، ويفوض أمره إلى الله، بعض الناس عنده خوف شديد، خوف من العين، خوف من المصيبة، خوف من الحسد، خوف من المس، هذا دليل على ضعف التوكل على الله ؛ عليه أن يرفع مستوى التوكل، إذا توكل على الله زالت عنده هذه المخاوف، يعني المصيبة يقول: أنا أفعل أسباب والله تعالى بيده الأمور، والذي يقدر الأمور، فلماذا هذا الخوف لا داعي لهذا الخوف، هذا الخوف وهذا القلق بسبب ضعف التوكل على الله ، فينبغي أن يقوي جانب التوكل على الله سبحانه، والله تعالى يقول: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3]، يعلق قلبه بالله، لا يقصر في فعل الأسباب، لكن يعلق قلبه بالله تعالى، ويبتعد عن الخوف؛ لأن الخوف دليل على ضعف التوكل، وضعف التوكل دليل على ضعف الإيمان.

سؤال: هل يعتبر سوء ظن؟

لا، ما يعتبر سوء ظن، لكنه مؤشر على ضعف الإيمان.

المقدم: شكر الله لكم فضيلة الشيخ معالي الدكتور سعد بن تركي الخثلان، هذا الطرح المبارك وهذا المجلس الطيب.

كما نشكر فضيلة الشيخ صالح بافضل هذه الديوانية المباركة، وهذا الجمع الطيب أن يكون عامرًا دائمًا بذكر الله ، ونشكر لكم حضورنا الكريم هذا المجلس الطيب المبارك، إلى هنا انتهت ديوانيتنا إلى هذا اليوم، والشيخ صالح تفضلوا الله يبارك فيكم، ويعطيكم العافية.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 3803، ومسلم: 2466.
^2 رواه مسلم: 2963.
^3 رواه مسلم: 2734.
^4 رواه البخاري: 2079، ومسلم: 1532.
^5 رواه مسلم: 223.
^6 رواه مسلم: 2588.
^7 رواه البخاري: 2067، ومسلم: 2557.
^8 رواه البخاري: 6446، ومسلم: 1051.
^9 رواه البخاري: 2750.
^10 رواه أبو داود: 2368، والترمذي: 774، والنسائي في الكبرى: 3124، وابن ماجه: 1681.
^11 رواه البخاري: 5347.
^12 رواه البخاري: 5950، ومسلم: 2109.
^13 رواه البخاري: 5953، ومسلم: 2111.
^14 رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010.
^15 رواه مسلم: 488.