الرئيسية/محاضرات/التفقه بالدين
|categories

التفقه بالدين

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فضل مجالس الذكر

أسأل الله أن يجعل هذا المجلس من مجالس الذكر مجلسًا مباركًا، عامرًا بذكر الله ​​​​​​​، شاهدًا لنا يوم نلقاه.

وهذه المجالس الإيمانية كل مسلم بحاجة لها، لو لم يكن له منها إلا الأجر والثواب لكفى، كيف وهو يُحَصل أجرًا وثوابًا، ويحصل علمًا وفائدةً وتبصرًا في أمور دينه، ولذلك؛ ينبغي للمسلم أن يحرص على التفقه في دين الله ​​​​​​​.

هذا الحرص إذا وُجِد لدى الإنسان، وهذا النَّفَس نَفَس الحرص على التفقه، دليل على أنه أريد بالإنسان الخير، والدليل على هذا: قول النبي : من يُرِدِ الله به خيرا يفقهه في الدين [1]. فينبغي أن تَكثُر مثلُ هذه المجالس، وأن يكثر رُوَّادها؛ فهي مجالس خير تحفها الملائكة، ويَذكُر اللهُ تعالى المجتمعين فيها فيمن عنده، حتى إن الملائكة -وهي الملائكة السيارة الخاصة بالتماس مجالس الذكر- تقول: يارب إن فيهم فلانًا ليس منهم؛ وإنما أتى لحاجة فجلس. فيقول الله: أشهدكم أني قد غفرت لهم، هم القوم لا يَشقَى بهم جليسهم يعني: حتى هذا الذي ليس منهم، وإنما جلس معهم شملته البركة؛ هم القوم لا يَشقَى بهم جليسهم [2].

أهمية تعظيم الله ​​​​​​​

وأما بالنسبة لما طرَحَه فضيلة الدكتور عادل عن موضوع تعظيم الله ​​​​​​​، فهذا الموضوع في غاية الأهمية، كلما عظَّم المسلم ربه كان لذلك الأثر العظيم على سلوكه وعلى تعبده وعلى جميع أموره، ولهذا؛ يقول الله : وَمَا ‌قَدَرُوا ‌اللَّهَ ‌حَقَّ ‌قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67]. إذا عظم الإنسان ربه؛ فإنه يخشى الله ​​​​​​​، فإنه يمتثل لأوامره ويجتنب نواهيَه، وكلما كان أكثر تعظيمًا لله؛ كان أشد خشية لله ​​​​​​​.

ولذلك؛ ينبغي أن نغرس في نفوسنا أولًا تعظيم الله ​​​​​​​؛ فإن هذا التعظيم أثره عظيم جدًّا على النفس البشرية.

بعض مظاهر عظمة الله ​​​​​​​

عندما يستشعر المسلم -ويستشعر الإنسان عمومًا-أنه مخلوق ضعيف في هذا الكون الفسيح، وأن هذه الأرض التي نعيش عليها بجبالها وَوِهَادِها وسهولها وجميع ما فيها، هي بالنسبة لهذا الكون الفسيح كحبة رمل في صحراء شاسعة، بل إن هذه الأرض بالنسبة للمجموعة الشمسية مجرد كوكب صغير، والمجموعة الشمسية بالنسبة لمجرة درب التَّبانة جِرْمٌ صغيرٌ جدًّا، ومجرة درب التبانة التي نعيش عليها الآن هي مجرة من بلايين المجرات في هذا الكون الفسيح، تسبح بحمد الله ​​​​​​​، أخرج أبو داود في «سننه» بسند جيد: أن النبي قال: أُذِنَ لي أن أحَدِّث عن مَلَك من حَمَلَة العرش، ما بين أُذِنِه إلى عاتِقِه مسيرةُ سَبْعِمِئة سنة [3].

إذا كانت هذه عظمة مخلوق فكيف بعظمة الخالق؟! وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67]، يطوي الله ​​​​​​​ السماوات بيمينه والأرض بشماله، ويقول: أنا الجبار! أين المتكبرون؟! [4]. فالله له من العظمة والجلال والكبرياء شيء عظيم لا يخطر على البال، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [الشورى:5]، السماوات -على شدتها وعظمتها وبهائها- تكاد تتفطَّر -يعني: تتشقق من فوقها- خوفًا وفَرَقًا من عظمة الرب ​​​​​​​، فالله له من العظمة شيء عظيم، لا يمكن أن يحيط به العقل البشري المحدود، العقل البشري يا إخوان محدود جدًّا، لا يستطيع أن يحكم إلا على شيء يسير من ظاهر عالم المادة، أما العوالم الأخرى فلا يستطيع، لا يحيط بها، حتى روح الإنسان التي بين جنبيه لا يعرف حقيقتها. روحك التي بين جنبيك ما هي؟ هل تعرف ما هي حقيقتها؟ وَيَسْأَلُونَكَ ‌عَنِ ‌الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85] يعني من عالم آخر، ليس من عالم المادة الذي تعرفونه أيها البشر؛ إنما هو من عالم آخر لا تعرفونه، وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

أثر تأمُّل عظمة الخالق

فإذا تأملت في عظيم خلق الله ​​​​​​​ وبديع آياته، فإن هذا يورث التعظيم لله سبحانه، وخشية الله ​​​​​​​، ويكون لهذا الأثر الكبير على عبادة الإنسان وعلى سلوكه، وعلى صلاحه وعلى استقامته، وكما يقول أحد السلف: (لا تجعل الله أهون الناظرين إليك). يعني: إذا كبرت للصلاة تقول: الله أكبر، تذكر عظمة الرب سبحانه، وأنه أكبر من كل شيء، وأكبر من كل ما يخطر بالبال، هو العظيم جل وعلا، ونحن البشر في هذه الأرض ما نحن إلا خلق ضعيف صغير في حجم خلق الله .

الجنة التي أعدها الله للمتقين، عرضها فقط -ليس طولها- عرض السماوات والأرض، فما بالك بطولها وهي الجنة، فما بالك بخلق الله ​​​​​​​ من غيرها؟ يقول النبي : أَطَّتِ السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَّ؛ ما من موضع أربع أصابع إلا عليها ملك واضع جبهته لله ساجدًا أو قائمًا [5]. ويقول عن البيت المعمور: يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة [6].

فالله العظيم إِنَّمَا ‌أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وخلق الإنسان ليس لحاجته، الله تعالى غني عن طاعة الطائعين، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين.

يقول في الحديث القدسي: يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا [7]. لكن من اهتدى فلنفسه، ومن ضل فعليها.

الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، الله خلق الملائكة وهم لا يعصون الله ما أمرهم، وهم يفعلون ما يؤمرون، ولما أراد أن يخلق البشر: قَالُوا ‌أَتَجْعَلُ ‌فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]. وكان لله تعالى الحكمة البالغة في خلق البشر، فحتى تظهر، يعني من أبرز الحكم: ظهور آثار أسماء الله الحسنى، فالله تعالى من أسمائه: الغفور، فلو لم يخلق خلقًا تقع منهم الذنوب، ويستغفرون فيغفر لهم، فكيف يظهر أثر اسم الغفور؟

ومن أسمائه: التَّوَّاب، فلو لم يخلق خلقًا تقع منهم الذنوب ويتوبون، فكيف يظهر أثر اسم التواب؟ وهكذا.

وأيضًا: الله تعالى يحب أن يتخذ من عباده الأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين، والله ​​​​​​​ يريد أيضًا أن يخلق خلقًا تظهر منهم العبودية الاختيارية، الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ليس عندهم شهوات، ولا يمكن أن تقع منهم المعصية أصلًا، بينما البشر تقع منهم المعاصي عندما يعبدون الله، يعبدون الله العبودية الاختيارية، ولذلك؛ يجزيهم الله تعالى الجزاء العظيم بالعطاء من عنده في الدنيا والآخرة، فلله تعالى الحكمة في خلق البشر.

فإذا تأمل الإنسان في عظمة الرب سبحانه وعظيم خلقه وبديع صنعه وآياته يزداد خشية لله سبحانه، ويزداد تعظيمًا لله ؛ ينبغي إذَنْ: أن نغرس تعظيم الله في نفوسنا، وأن نغرس تعظيم الله في أولادنا من بنين وبنات، وفي أهلنا وفي أسرنا، وفي مجتمعنا، فإذا كان الإنسان معظمًا لله فهو على خير وإلى خير، لكن المصيبة عندما يضعف لديه التعظيم لله ، ولهذا؛ قال نوح  لقومه: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ ‌وَقَارًا [نوح: 13]، عندما لا يبالي الإنسان بتصرفاته ولا بأفعاله، ولا يبالي عن هذا الفعل حلال أو حرام، معنى ذلك أن تعظيم الله ​​​​​​​ في نفسه ضعيف، أو حتى عند بعض الناس منعدم، لكن المؤمن الذي يعظم الله ​​​​​​​ يورث هذا مراقبة الله ، إذا أراد أن يقدم على معصية فإنه يستشعر أن الله تعالى مطلع عليه، إذا أراد أن يفعل طاعة يستشعر أن الله تعالى مطلع عليه فينشط في تلك الطاعة، ويحتسب الأجر والثواب،.. وهكذا.

فهذا الموضوع حقيقةً موضوع مهم وطويل، ولكنْ حسْبي أني ذكرت إشارات حول هذا الموضوع الذي ينبغي أن نتواصى على طرحه، وأن نسعى إلى تحقيقه.

أسئلة وأجوبة

هل حزن المؤمن يعتبر اعتراضًا على قضاء الله وقدره؟

س: نفع الله بكم معالي الشيخ، نحن نعلم أن من أركان الإيمان: الإيمان بالقضاء والقدر؛ فهل حزن المؤمن على مصيبة أصابته يعتبر اعتراضًا على الله ​​​​​​​، وعلى قضائه وقدره، كونه يحزن هل يعتبر اعتراضًا؟

ج: مجرد الحزن الذي لا يصحبه كلام فيه اعتراض، ولا أفعال تنبئ عن الاعتراض، هذا لا يدل على الاعتراض على القضاء والقدر؛ وإنما هذا يَتبَع جِبِلَّة الإنسان وطبيعته؛ فالنبي لمَّا مات ابنه إبراهيم حزِن، ودَمَعَت عيناه، فقال أحد الصحابة: حتى أنت يا رسول الله؟! قال: إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون [8]. وقال أيضًا: إن الله لا يعذب بحزن القلب، ولا بدمع العين، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم [9].

والإنسان عندما تقع عليه مصيبة لا تخلو أموره من أحوال:

الحالة الأولى: التسخط بالقول والفعل والجزع، وهذا محرم، بل من كبائر الذنوب، ومن ذلك: أن يلطم وجهه، أو يشق جيبه، أو يقص شعره، أو يأتي بعبارات فيها اعتراض على القضاء والقدر، مثل قول بعض الناس: يا رب لماذا ابتلى بهذه المصيبة من سائر الناس؟ وقول بعضهم: يا رب ماذا أذنبت، وماذا فعلت حتى تصيبني بهذه المصيبة؟ ونحو ذلك، فهذا من الاعتراض الذي لا يحوز وهو مناف للصبر وهو من كبائر الذنوب.

الحالة الثانية: الصبر، والصبر -يا إخواني- هذا من الأخلاق العظيمة التي يقول عنها : ما أعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر [10]. تأملوا هذا الحديث: ما أعطي أحد عطاء خيرًا، ولا أوسع من الصبر. والله يحب الصابرين، ما معنى الصبر؟ الصبر معناه: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، وعن الأفعال المحرمة، هذا هو الصبر.

قد يكون الإنسان صابرًا، ولكنه ليس راضيًا عن المصيبة، وحكم الصبر: الوجوب.

الحالة الثالثة: الرضا، وهذه لا يصل إليها سائر الناس، لا يصل إليها إلا أولياء الله ​​​​​​​. الرضا معناه: أن تكون حاله بعد المصيبة وقبلها سواءً، يعلم أن هذه المصيبة بقضاء الله وقدره فيرضى ويسلم، ويرى أن هذه الدنيا متاع الغرور فيصبر، ويرى أنه إذا صبر جزاه الله بصلواتٍ وهدايةٍ ورحمةٍ؛ فيرضى، ومرتبة الرضا ليست واجبة؛ وإنما هي مستحبة؛ لأن أكثر الناس لا يستطيع الوصول لها، فهذه مرتبةٌ علِيَّةٌ.

وهناك مرتبة أعلى منها: وهي الشكر، وهي تتضمن الرضا وزيادة، يعني: يرضى ويحمد الله ويشكره.

المقدم: على المصيبة؟

الشيخ: على المصيبة نفسها؛ لأنه ينال منها درجاتٍ ورحمةً وهدايةً: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ ‌صَلَوَاتٌ ‌مِنْ ‌رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة: ١٥٧]، ويرى أن هذه الدنيا لا تستحق من الإنسان التعب والنصب والحزن، فهذه مرتبة أعلى، وهي أيضًا حكمها الاستحباب. فأصبحت المراتب عندنا أربعًا:

الجزع والاعتراض على القضاء والقدر: هذه محرمة.

الصبر: واجبة.

الرضا والشكر: مستحبة.

هذه هي المراتب، والصبر لا بد منه، وأما الرضا فيسعى الإنسان إلى تحقيقه قدر المستطاع.

حكم معرفة الأبراج

س: انتشر في الآونة الأخيرة بين الشباب والشابات ما يسمى بالأبراج؛ اعرف برجك، اعرف حظك، فهل من كلمة توجيهية، وبيان الحكم الشرعي في ذلك؟

ج: هذه من أعمال الدجل والشعوذة والكهانة التي أبطلها الإسلام، وهي من أمور الجاهلية التي لا زالت تُعَشِّش عند بعض الناس، ولا يجوز مطالعة هذه الأبراج، ولا الاعتماد عليها، ولا الركون لها، وفعل ذلك يؤَثِّر على عقيدة الإنسان، النبي  يقول: من أتى كاهنًا فسأله عن شيء فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد  [11]. وفي الحديث الآخر: من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا [12]، والغيب لا يعلمه إلا الله: قُلْ ‌لَا ‌يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، وَلَوْ ‌كُنْتُ ‌أَعْلَمُ ‌الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188].

فهذه الأبراج من الخرافات والخُزَعْبِلات، ثم إن هذه الأبراج عند الفلكيين يقولون: هي ليست الأبراج الحقيقية، هي متأخرة برجًا، فعندما يقال مثلًا: برج كذا، برج الحمل، هي في الحقيقة ليس هذا البرج؛ وإنما البرج الذي قبله، فهي أصلًا تعطي نتيجة غير صحيحة وخاطئة، وليس لها أي دلالة على أي شيء، لكنها فتنة يبتلى بها بعض الناس، والواجب أن نتواصى جميعًا على إنكارها، وعلى إنكار من يراها أو يهتم بها، أو يتعلق بها.

ونحن في هذه البلاد -المملكة العربية السعودية- من أعظم نعم الله تعالى علينا صفاء العقيدة، هذه النعمة -يا إخوان- نعمة عظيمة، بعض الناس لا يعرف قدر هذه النعمة.

يا إخوان! صفاء العقيدة هذه من أعظم النعم على الإنسان، الأمم السابقة؛ قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، والأمم السابقة عمومًا، التي بعث الله لها الأنبياء والرسل، هل كانت هذه الأمم تنكر وجود الله ​​​​​​​؟

الجواب: لا، ما كانت تنكر وجود الله، بل تقر بأن الله الخالق الرازق المدبر للكون، كما قال الله تعالى: وَلَئِنْ ‌سَأَلْتَهُمْ ‌مَنْ ‌خَلَقَهُمْ ‌لَيَقُولُنَّ ‌اللَّهُ [الزخرف: 87]، وَلَئِنْ ‌سَأَلْتَهُمْ ‌مَنْ ‌خَلَقَ ‌السَّمَاوَاتِ ‌وَالْأَرْضَ ‌لَيَقُولُنَّ ‌اللَّهُ [لقمان: ٢٥].

إذَنْ، ما المشكلة عندهم؟

المشكلة: انحراف العقيدة؛ قالوا: نريد أن نعبد الله بطريقتنا، نجعل بيننا وبين الله وسائط، هذا الصنم إنسان صالح، فنريد هذا الصنم يقربنا إلى الله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]، فأرسل الله لهم الرسل تبين لهم أن الإنسان يعبد الله مباشرة، لا يجعل بينه وبين الله وسائط، وهذا الآن هو الشرك الأكبر، الذي أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الكتب لإبطاله وتحقيق التوحيد.

هل هناك فرق بينه وبين من يطوف الآن بالقبر ويقول: هذا قبر إنسان صالح أريد أن يقربني إلى الله؟

ليس هناك فرق، فالشرك الذي أنكره الأنبياء على أقوامهم السابقين موجود الآن، يضرب بأطنابه في العالم الإسلامي، مع الأسف، عند الأضرحة والقبور تجد أنهم يطوفون بالقبور، ويسألون أصحاب القبور المدد، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، مَن فعَل هذا فقد وقع في الشرك الأكبر، الذي يخلد صاحبه في النار، نسأل الله العافية: إِنَّهُ ‌مَنْ ‌يُشْرِكْ ‌بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة: 72]، إِنَّ ‌اللَّهَ ‌لَا ‌يَغْفِرُ ‌أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48].

فأقول: يا إخواني! صفاء العقيدة نعمة عندنا في هذا البلد، ولله الحمد، ليس عندنا شركيات ظاهرة، وليس عندنا بدع ظاهرة، هذه من أعظم النعم، ولذلك؛ ينبغي أن نتواصى على محاربة كل من أتى بأمر فيه انحراف في العقيدة، ومن ذلك هذه الأبراج، هذه الأبراج كلها من الخرافات والخُزَعْبِلات التي أبطلها الإسلام، والتي لا تقرها شريعة الإسلام، ومن يتعلق بها فإنه على خطر عظيم.

حكم تارك الصلاة تكاسلًا وتهاونًا

س: شيخنا الصلاة عمود الدين، فما حكم من تركها تكاسلًا وتهاونًا؛ لا جحودًا ولا إنكارًا؟

ج: نعم، الصلاة -يا إخواني- أحَبُّ عبادة إلى الله، يقول ابن مسعود : سألت النبي : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها [13] هذا الحديث رواه البخاري ومسلم.

لماذا كانت الصلاة هي أحب عبادة إلى الله؟

لأنه يجتمع فيها من العبادات القلبية والفعلية ما لا يجتمع في غيرها؛ فيها تلاوة القرآن، فيها تعظيم لله في الركوع والسجود، فيها التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وتحقيق التوحيد؛ فكثير من الأعمال القولية والفعلية تجتمع فيها.

ولهذا؛ لما فرضها الله على هذه الأمة، فرضها في أول الأمر خمسين صلاة، ثم خففها إلى خمس صلوات في الفعل، ولكن أجرها أجر خمسين صلاة، ثم لما فرضها الله فرضها مباشرة من غير واسطة، عرج بنبينا محمد حتى جاوز السبع الطباق، ووصل إلى أعلى مكان وصله البشر، وكلمه الله مباشرة، وفرض عليه وعلى هذه الأمة خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم خففها الله رحمة بعباده إلى خمس صلوات، وهذا يدل على محبة الله تعالى لهذا النوع من العبادة.

خمسون صلاة لو أنها بقيت ما خففت، معنى ذلك: كل نص ساعة تقريبًا صلاة، هذا يدل على أن الله يحب هذا النوع من العبادة؛ ولهذا إذا استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل، ما عدا أوقات النهي، وهي:

  • من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع قِيدَ الرمح، يعني بعد الشروق بعشر دقائق.
  • وقبيل أذان الظهر حين يقوم قائم الظهيرة، قُبَيل صلاة الظهر بنحو سبع دقائق.
  • ومن بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.

ما عدا ذلك تصلي ما شئت.

الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ذُكر في ترجمته: أنه كان يصلي لله تعالى في اليوم والليلة تطوعًا من غير فريضة ثلاثمئة ركعة.

وكان الحافظ عبدالغني المقدسي رحمه الله يقتدي بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في هذا، صاحب «عمدة الاحكام» كان يقتدي بالإمام أحمد في هذا.

لماذا كانوا يحرصون على الصلاة؟

لعلمهم أنها أحب عبادة إلى الله، والنبي  يقول: واعلم أنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة [14]، ما دام أن الصلاة بهذه المنزلة العلية الرفيعة فإن من تركها جاحدًا لوجوبها هذا يكفر بإجماع المسلمين.

أما من تركها تهاونًا وكسلًا، فإن كان قد تركها بالكلية لا يركع لله ركعة لا جمعة ولا جماعة، فهذا قد قطع صلته بالله ​​​​​​​.

وهذا على القول الراجح: أنه قد خرج عن دائرة الإسلام؛ يقول النبي : بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة [15]، رواه مسلم، ويقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر [16]. كيف يكون مسلمًا وهو قد قطع صلته بالله؟! ما يركع لله ركعة؛ لا جمعة ولا جماعة، لا يعرف الله طرفة عين.

أما إن كان يصلي أحيانًا، وهذا حال معظم المقصرين من المسلمين، يصلي أحيانًا ويترك الصلاة أحيانًا، قد اختلف العلماء هل يكفر أم لا؟

من أهل العلم من قال: إنه يكفر.

والقول الثاني، وهو قول الجمهور: أنه لا يكفر، لكنه يكون فاسقًا، ويكون من الساهين الذين توعدهم الله ​​​​​​​ بقوله: فَوَيْلٌ ‌لِلْمُصَلِّينَ ۝الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: 4، 5] تأمل الآية: فَوَيْلٌ ‌لِلْمُصَلِّينَ، مصلون لكنهم عن صلاتهم ساهون، يعني: يصلون أحيانًا، أو يؤخرونها عن وقتها، فتوعدهم الله ​​​​​​​ بالويل.

هذا القول هو القول الراجح؛ ومما يدل له: حديث عبادة بن الصامت : أن النبي قال: خمس صلوات كتبهن الله على العباد؛ من حافظ عليهن كانت له نورًا ونجاةً وبرهانًا يوم القيامة، وكان له عهد عند الله ​​​​​​​ أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله ​​​​​​​، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه [17] هذا الحديث أخرجه أبو داود بسند صحيح، وله شواهد وطرق متعددة.

ووجه الدلالة قوله: ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. دل هذا على أنه لا يكفر، لكنه على خطر، وهذا حالُ معظمِ مَن عنده تقصير في الصلاة، تجد أنه أحيانًا يصلي وأحيانًا لا يصلي، لا زال في دائرة الإسلام ومسلمًا، لكنه من الساهين المتوعَّدِين بالويل.

وأيضًا قد وقع في الفسق وهو على خطر عظيم، وفي تقديري: أن التساهل في الصلاة هو أعظم منكر في مجتمعنا الآن، فعندنا -ولله الحمد- ما عندنا الشركيات، ولا بدع ظاهرة، لكن عندنا مشكلة تساهل في الصلاة، والدليل لهذا: خذ مقارنة في أي مسجد بين عدد المصلين في صلاة الفجر، وعدد المصلين في صلاة المغرب في رمضان، كم نسبة عدد المصلين في صلاة المغرب في رمضان؟ يعطيك النسبة الحقيقية لسكان الحي؛ لأن عامة المسلمين يصلون صلاة المغرب في رمضان، لو أخذت مقارنة بين من يصلي الآن صلاة الفجر نسبةً لمن يصلي صلاة المغرب في رمضان؛ ستجد أن النسبة قليلة، أجرى بعضهم تقديرًا في هذا بحدود (20-30%)، معنى هذا: أن الأكثر عندهم إخلال في الصلاة.

هذا المنكر من أعظم المنكرات، وينبغي أن يَجتهد العلماء وطلبة العلم، والخطباء والدعاة والوعاظ، في توعية الناس بأهمية الصلاة، وخطورة التساهل في أمر الصلاة.

ينبغي أن تكون هناك حملات، ويكون هناك توعية، ويكون هناك تذكير للناس بهذا الموضوع من حين لآخر.

كيفية إدراك المسبوق للركعة

س: فضيلة الشيخ، إذا دخلت المسجد والإمام راكع فكيف أدرك الركعة معه؟

ج: الركعة تدرك بإدراك الركوع، في قول أكثر أهل العلم، ولكن كيف يُدرك الركوع؟ هذا محل خلاف بين الفقهاء، والأقرب: أن المأموم يكون مدركًا للركوع إذا كان على هيئة الراكع أقرب منه للقائم.

المقدم: الإيماء يعني هو الإدراك؟

الشيخ: إذا كان المأموم أدرك الإمام قبل أن يرتفع الإمام، وكان على هيئة الركوع، والركوع أقرب منه للقيام، والإمام أيضًا لا زال إلى الركوع أقرب منه إلى الرفع، يعني إذا كان بهيئة الركوع أقرب منه إلى الرفع، فالإمام والمأموم جميعًا يكون قد أدرك، أما إذا كان إلى هيئة الرفع أقرب منه إلى الركوع، فإنه لا يكون أدرك الإمام، لو مثلًا: إذا كان الإمام إلى هيئة الرفع أقرب منه إلى الركوع لا يكون قد أدركه، أو أنه لم يدرك الإمام إلا وقد رفع الإمام، بحيث يكون المأموم إلى هيئة الرفع أقرب منه إلى الركوع لم يكن مدركًا له.

إذا شك هل أدرك الإمام أم لم يدرك الإمام نرجع إلى الأصل، والأصل أنه لم يدرك الإمام، لا بد أن يغلب على ظنك أنك أدركت الركوع.

ما يلزم المسافر إذا أدرك ركعتين مع إمام مقيم؟

س: إذا ائتم المسافر بمقيمٍ مُتِمٍّ، وقد أدرك الركعتين الأخيرتين فماذا يفعل؟

ج: إذا ائتم المسافر بالمقيم فيلزمه الإتمام على القول الراجح؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما، لمَّا قيل له: ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين، وإذا ائتم بمقيم صلى أربعًا؟ قال: تلك السنة. أي: سنة النبي ، وعلى هذا فالمسافر إذا صلى خلف إمام مقيم يلزمه الإتمام.

حكم تسليم المسافر من الصلاة قبل الإمام

المقدم: نرى بعض الشباب -هداهم الله- يصلي ركعتين بنية أنه مسافر، ثم ينوي المفارقة، فإما أن يسلم قبل الإمام، وإما أن ينتظر حتى يسلم الإمام فيسلم بعده، فبماذا توجهون وفقكم الله؟

الشيخ: هذا له عدة صور، إذا كان قد دخل مع الإمام مثلًا، والإمام في صلاة المغرب، وهو يريد أن يصلي صلاة العشاء وهو مسافر، والواجب في حقه أن يصليها ركعتين، فهنا اختلف العلماء في هذه المسألة، والأظهر: أن له أن يصلي ركعتين ثم يَنْفَتِل [18]، ويجزئ ذلك في حقه؛ لأنه ليس هناك دليل ظاهر يدل على المنع، ولأن هذا الانفتال حصل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا صلى معاذ بأصحابه وأطال، كان يقرأ سورة البقرة في صلاة العشاء، وكان خلفه رجل من الأنصار متعب من أول النهار وهو يعمل في مزرعته، ومعاذ يقرأ بهم سورة البقرة، فأكمل لنفسه وانصرف، فلما سلم معاذ أُخبرَ عنه، قال: إنه منافق، فبلغ الرجلَ هذه الكلمة، فذهب واشتكى للنبي عليه الصلاة والسلام، فدعا النبي معاذًا  وقال: أفتان أنت يا معاذ، إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف، فإن من ورائه الضعيف والكبير وذا الحاجة، هلَّا قرأت بـسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى؟ [19].

الشاهد من هذه القصة: أن هذا الرجل انفتل عن الجماعة وأكمل صلاته وحده، والسبب: مجرد تطويل الإمام، فإذا كان السبب هو أيضًا صلاته صلاة مسافر، وصلاته هي صلاة مغرب، فهنا لا بأس بالانفتال، هذه صورة.

الصورة الثانية: أن يدرك المأموم الإمام المقيم في الصلاة الرباعية، فهنا يلزمه الإتمام ليس له أن يصلي ركعتين ثم ينفتل، ليس له ذلك، بل كما ذكرنا يلزمه الإتمام.

حكم القصر والجمع لأهل الدمام والخبر عند السفر للبحرين

س: يقول: نحن أهل الدَّمَّام والخُبَر نسافر للبحرين، وهي قرابة (20 كيلو) أو أقل، فهل نقصُر الصلاة ونجمع؟

ج: جمهور أهل العلم على أن أقل مسافة للسفر هي الواردة في قول النبي : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم [20] متفق عليه.

كأنه عليه الصلاة والسلام قال: لا يحل لامرأة تسافر أدنى مسافة سفر إلا ومعها ذو محرم، لكنه عبر عن ذلك باليوم والليلة، وكان العرب يقدرون بالزمن فاليوم أو الليلة تعادل بسير الإبل المحَمَّلة (40 كيلو)، فاليوم والليلة تعادل (80 كيلو)، تعادل بتقديرات الفقهاء: أربعة بُرُد، والبَرِيد: أربعة فراسخ، فتكون ستة عشر فرسخًا، والفرسخ: ثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلًا.

الخلاصة: أنها بالتقديرات المعاصرة تعادل (80 كيلو مترًا).

و(80 كيلو مترًا) كيف تحسب؟

تحسب من مفارقة العمران، من آخر عمران البلد، مثلًا الدَّمَّام، من آخر عمران الدمام إلى أول عمران البلد الذي تريده، فإذا كان (80 كيلو) فأكثر، فهي مسافة سفر، فلَكَ أن تترخص فيها بجميع رخص السفر، إذا كانت أقل من (80 كيلو) فليست بمسافة سفر.

وهذا هو القول الأظهر، وهو المروي عن عدد من الصحابة، رُوي عن ابن عباس وابن عمر أنهما كانا يقولان: يا أهل مكة، لا تقصروا في أقل من أربعة بُرُد.

ولا شك أن الصحابة أعلم الناس بشريعة الله ​​​​​​​، وأيضًا بمدلول لغة العرب، وبمعنى السفر لغةً وشرعًا، ثم أيضًا هذا هو الذي عليه أكثر أهل العلم، ثم إن الأقوال الأخرى؛ كالتحديد بالعرف لا تنضبط، الآن لو خرج طلبة علم ربما اختلفوا في تقدير العرف؛ هل هذا في العرف سفر، أو ليس بسفر؟ خاصة في وقتنا الحاضر، الذي أصبح فيه السفر مريحًا، وبالسيارات، فيصبح هناك خلاف في التحديد بالعرف، فالأضبط والأقرب: هو التحديد بالمسافة، وهي (80 كيلو مترًا)، وعلى ذلك؛ ما دام أن المسافة للبحرين أقل من (80 كيلو) لا تعد مسافة سفر، وكذلك أيضًا ما بين الدَّمَّام والجُبَيل الآن أصبحت أقل من (80).

المقدم: (70)، (67).

الشيخ: ما بين آخر عمران الدمام إلى أول الجبيل أقل من (80)، كذلك ما بين مكة وجدة الآن أصبحت أقل من (80)، ما بين الرياض والخَرْج أقل من (80)، فمثل هذه لا تعد سفرًا، ثم أيضًا الأصل في الإنسان الإقامة أو السفر؟

المقدم: الإقامة.

الشيخ: الإقامة، ما نقول: إنه مسافر إلا لشيء واضح، فالأصل: هو الإقامة، فهذه المسألة يترتب عليها أمور عظيمة، يترتب عليها الفطر في رمضان، يترتب عليها قصر، يترتب عليها الجمع، يترتب عليها مدة المسح على الخفين، ثلاثة أيام بلياليهن، فهذه لا ننتقل لها إلا بأمر واضح، بحيث يصدق على هذا الإنسان أنه مسافر، فأكثر أهل العلم على أنها لا بد أن تكون مسافة (80 كيلو مترًا)، وهذا ضابط جيد وواضح (80 كيلو مترًا)، ضابط واضح تمامًا وسهل في التطبيق.

من فاتته الجماعة، هل يصلي منفردًا أم يأتم بمتنفل؟

س: يقول: دخلت المسجد وقد فاتتني الجماعة، فأيهما أفضل؛ أن أصلي منفردًا، أو أءتم بمتنفل؟

ج: إذا فاتتك جماعة؛ أولًا: إن كان هناك جماعة أخرى، فادخل مع الجماعة الأخرى؛ لأنك تُحَصِّل بهذا أجر الجماعة.

لكن إذا لم توجد جماعة أخرى، ووجدت من هو متنفل، فالأفضل: أن تدخل مع المتنفل؛ لأن هذا خير من أن تصلي وحدك؛ لأنك إذا صليت وحدك فقد فاتك أجر الجماعة، وإذا صليت مع هذا المتنفل تنال أجر الجماعة، تنال سبعًا وعشرين درجة، وإن كان في المسألة خلاف، لكن القول الراجح: هو الجواز؛ ومن أدلة الجواز: فعل معاذ ؛ كان معاذ يصلي مع النبي صلاة العشاء، ثم يرجع ويصلي بقومه صلاة العشاء مرة أخرى، وهي في حقه نافلة وفي حقهم فريضة، فهم يصلون فريضة خلف إمام متنفل، ومع ذلك أقره النبي على ذلك، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا عادة للإنسان دائما تفوته الصلاة، ويدخل مع متنفل، لكن لو كان أحيانًا بصفة عارضة فلا بأس بهذا.

من سافر بعد دخول الوقت هل يقصر أم يتم؟

س: لو كنت في دار الإقامة، وأُذِّنَ لدخول الوقت، ثم سافرتَ ووقفت في السفر وصليت، فهل أصليها تامة أو مقصورة؟

ج: نعم، من دخل عليه الوقت في الحضر ثم سافر، هل يقصر أو لا يقصر؟

هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء على قولين:

القول الأول: أنه يتم. وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وعندهم ضابط في هذا: أنه إذا اجتمع السفر والحضر غلب جانب الحضر.

والقول الثاني، وهو قول الجمهور: أنه يقصر. وهذا هو القول الراجح، وذلك؛ لأنه يَصدُق عليه وصف السفر، ولأنه تتناوله النصوص الدالة على أن المسافر يترخص برخص السفر، وهذا مسافر فما الذي يخرجه عن وصف السفر، هذا رجل الآن مسافر، والنبي كان إذا سافر يقصر إذا سار ثلاثة أميال فقط، يعني: من حين يبدأ ثلاثة أميال، يبدأ بالترخص برخص السفر.

على هذا؛ فالقول الراجح، وقد اختاره جمع من المحققين من أهل العلم: أنه يقصر، ويترخص برخص السفر ولو كان قد دخل عليه وقت الصلاة وهو في الحضر.

ومما يدل على رجحان هذا القول: أنه لو كانت المسألة بالعكس؛ دخل عليه الوقت وهو في السفر، ثم أراد أن يصليها في الحضر فبالإجماع أنه يتم، فإذا كان هذا محل إجماع، فلماذا لا يكون العكس كذلك أيضًا؟

لأن العبرة إذَنْ بحال المصلي، فما دام حال المصلي أنه مسافر فيقصر ولو كان دخل عليه الوقت وهو في الحضر، وإذا كان حاله وهو مقيم فيتم ولو كان دخل عليه الوقت وهو في السفر.

حكم العمرة الرجبية

المقدم: ما رأي الشرع -من وجهة نظركم- فيما يسمَّى بـ(العمرة الرَّجَبِيَّة) معتقدًا أفضليَّتها دون سُنِّيَّتها؟

الشيخ: العمرة الرجبية، رُوي فيها أحاديث عن النبي ، ولكن جميع ما ورد فيها ضعيف، لا يثبت من جهة الصناعة الحديثية، وقد صنف الحافظ ابن حجر رحمه الله، وهو المحدث الفقيه المشهور، صاحب “فتح الباري”، صنف رسالة سماها: “تبيين العجب بما ورد في شهر رجب”، وخَلَص إلى أنه لا يثبت في فضل شهر رجب شيء، وعلى ذلك؛ لا يجوز تخصيص شهر رجب بعبادة معينة لا بعمرة ولا بغيرها؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف والحظر والمنع، إلا ما ورد الدليل بمشروعيته، أَمْ ‌لَهُمْ ‌شُرَكَاءُ ‌شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: 21]، فعندنا قاعدة: (الأصل في العبادات المنع، إلا ما ورد الدليل بمشروعيته)، عكسها المعاملات: (الأصل فيها الحل والإباحة إلا ما ورد الدليل بمنعه)، فالعبادات إذَنْ، الأصل فيها المنع، فمن خصص وقتا معينًا بعبادة، هنا يطالب بالدليل، فإن وُجد دليل وإلا فعمله مردود عليه؛ لقول النبي : من عمل عملًَا ليس عليه أمرنا فهو رد [21].  وقوله: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد [22]. فما دام أنه لم يثبت من جهة الصناعة الحديثية شيء في شهر رجب؛ فلا يجوز تخصيصه بعبادة، لا بعمرة ولا بغيرها.

ونحن -ولله الحمد- هنا في المملكة على رأي علمائنا ومشايخنا: أنه لا يجوز تخصيص المواسم بعبادات، إلا بما ورد به الدليل، فلا يجوز تخصيص رأس السنة الهجرية، ولا بالمولد النبوي، ولا بليلة سبع وعشرين من شهر رجب، باعتقاد أنها ليلة الإسراء والمعراج، ولا منتصف شهر شعبان، كل هذه ليس عليها دليل، وإنما يفعلها بعض الناس من باب الاستحسان، والاستحسان العقلي هو أصل البدع، أصل البدع هو الاستحسان العقلي، دائمًا أُرْجِع المسألة إلى الدليل، إذا قال مثلًا: إنه تشرع العمرة الرجبية، طيب ما الدليل؟ إذا أتى بالدليل فمَحِّصْ؛ هذا الدليل ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام أم لا؟ قال مثلًا: إحياء ليلة سبع وعشرين من رجب، فما الدليل؟.. وهكذا، إذَنْ ينبغي أن يتمسك المسلم بالدليل، أن يكون معظِّمًا للدليل من كتاب الله وسنة رسوله .

ما يجب على من دخل عليها رمضان وعليها قضاء

س: تقول المرأة السائلة عليها أيام من رمضان الماضي أفطَرَتها، فلو دخل عليها رمضان كيف تعمل؟ طبعا هذا إذا كان قَرُب الشهر، يعني: يدخل رمضان هذا العام وعليها أيام من رمضان الماضي، فكيف تفعل وتعمل، وَجِّهُوها وفقكم الله تعالى؟

ج: يجب عليها أولًا الآن: أن تبادر بالقضاء، ولا يجوز لها أن تؤخر القضاء حتى يدركها رمضان، فإن فعلت فإنها تأثم، لكن لو قدر أنه أدركها رمضان ولم تقض الأيام التي عليها؛ إن كان ذلك بعذر فإنها لا تأثم، ويلزمها أن تقضي هذه الأيام بعد رمضان.

أما إن كان بغير عذر فإنها تأثم، وعليها التوبة إلى الله ​​​​​​​، ويلزمها أن تقضي هذه الأيام بعد رمضان.

وبعض أهل العلم يوجب عليها في هذه الحال -فيما إذا كانت بغير عذر- أن تطعم عن كل يوم مسكينًا، ولكن هذا ليس عليه دليل إلا مجرد آثار عن بعض الصحابة؛ كأبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم، وهذه الآثار لا تقوى لإثبات حكم شرعي؛ لأن الإيجاب يقتضي التأثيم، والله ​​​​​​​ قد ذكر القضاء فقط، فقال: فَمَنْ ‌كَانَ ‌مِنْكُمْ ‌مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184]. لا نستطيع أن نُلزم الناس بما لم يلزمهم به الله ​​​​​​​.

والقول الراجح في هذه المسألة: أنه لا يلزم الإطعام، لكنه يستحب، مَنْ أخَّر أيامًا من رمضان حتى أدركه رمضان آخر؛ إن كان بعذر يلزمه القضاء فقط، وإن كان بغير عذر فعليه التوبة وعليه القضاء، ويستحب في حقه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا.

حكم إبرة الإنسلين والبخاخ والمغذي وحقنة الشرج للصائم

س: يقول السائل: ما حكم إبرة (الإنسولين) للصائم، وكذلك البخاخ والبخار لمرضى الربو، وهل المغذي مفطّر، وكذلك حقنة الشرج؟

ج: أما بالنسبة لإبرة الإنسولين والإبر العلاجية عمومًا، فهذه لا تفطر الصائم؛ لأنها ليست أكلًا ولا شربًا، ولا بمعنى الأكل والشرب، والأصل صحة الصيام، ولا نعدل عن هذا الأصل إلا بشيء واضح.

وأما بالنسبة لبخاخ الربو فأيضًا لا يفطر الصائم؛ لأنه إنما يذهب أكثره لمجاري النفس، والقصبة الهوائية، وإن كان ينفذ منه شيء يسير جدًّا للمعدة، لكن هذا الشيء اليسير معفو عنه؛ لأنه هو أقل من ملوحة الماء التي تبقى في الفم بعد المضمضة للوضوء، بعدما تريد أن تتوضأ لصلاة الظهر مثلًا وأنت صائم وتتمضمض، يختلط بالريق هنا أثر ملوحة الماء، ويجوز ابتلاع الريق هنا في هذه الحال بالإجماع، فما ينفذ للمعدة من بخاخ الربو هو أقل من ملوحة الماء التي تنفذ مع الريق المعفو عنها بالإجماع، وعلى هذا؛ فبخاخ الربو لا حرج فيه للصائم، وأيضًا الأوكسجين لا حرج فيه للصائم، كل هذه ليس فيها حرج.

أما الإبر المغذية فهذه تفطر الصائم؛ لأن الإبر المغذية -هذه المغذيات- تقوم مقام الأكل والشرب، ولهذا؛ يعتمد عليها المريض مدة طويلة، فهي في الحقيقة طعام وأكل وشرب، وتقوم مقام الأكل والشرب.

فإذَنْ، الإبر المغذية، نقول: تفطر الصائم؛ أما الأمور الأخرى التي ذكرت في السؤال فهذه كلها لا تفطر الصائم.

يبقى الكلام عن حقنة الشرج، أيضًا حقنة الشرج لا تفطر الصائم، على القول الراجح؛ لأنها ليست بأكل ولا شرب، ولا في معنى المنصوص عليه من المفطرات.

حكم الهدايا التي يقدمها البنك للمستفيد وهدايا الشركات للموظف

س: بارك الله فيكم وفي علمكم، يقول السائل: ما حكم الهدايا التي يقدمها البنك للمستفيد دون طلب لها ولا اتفاق، وكذلك هدايا الشركات لمن هو موظف براتب معروف.

ج: أما بالنسبة لهدايا البنوك لمن لديه حساب جارٍ في البنك، فإن هذه الهدايا لا تجوز؛ لأن التكييف الفقهي للحساب الجاري أنه قرض، فأنت تقرض البنك، القرض ما هو؟ دفع مال لمن ينتفع به ورد بدله، فأنت تقرض البنك المال، وتقول: متى ما أردت سحبت منه، ولا يجوز أن يهدي المقترض للمقرض هدية قبل الوفاء، فحينئذ البنك يعتبر مقترضًا، والعميل مقرض، فلا يجوز إذَنْ للبنك أن يهدي هدية للعميل، والبنك ما أهدى هذه الهدية للعميل لسواد عينيه؛ إنما أهدى له لأجل هذا القرض، وهذه الهدايا لا تجوز، إلا الهدايا التي لا تختص بالعملاء؛ مثل التقاويم يشترك فيها العملاء وغيرهم، والهدف منها الدعاية للبنك، هذه لا بأس بها، أما هدية تخص العميل فهذه لا تجوز، لكن لو كانت الهدية ليست لأجل الحساب الجاري؛ وإنما بسبب البطاقات الائتمانية غير المغطاة، أي أن البنك هو المقرض وأنت المقترض، يعني بطاقة (فيزا) ما عندك رصيد، والبنك أقرضك عشرة آلاف، ثم أهدى لك البنك هدية، فهذه لا بأس بها؛ لأنها هدية من مقرض إلى مقترض، والممنوع هو الهدية من المقترض إلى المقرض، وهذه بعض المصارف الإسلامية عندنا تفعلها، استنكر هذا بعض الناس، لكن الهيئة الشرعية لهذه المصارف أجابوا بهذا الجواب قالوا: إن هذه هدية من مقرض لمقترض، وهذه لا بأس بها؛ إنما الممنوع الهدية من المقترض إلى المقرض.

حكم التعامل بالعملات الرقمية (بيتكوين) وأمثالها

س: يقول: ما حكم التعامل بالعملات الرقمية (بيتكوين) وأمثالها، ولو بين لنا الشيخ صورتها؟

ج: قبل هذا، الشق الثاني من السؤال السابق: وهو هدايا الشركات، هدايا العمال غُلُول؛ فلا يجوز للموظف أن يُهدِيَ لمديره في العمل هدية، ولا يجوز أيضًا للإنسان أن يهدي للموظف هدية لأجل وظيفته، ولم تَجرِ عادة بينهما بالتهادي قبل ذلك، هذا كله لا يجوز، والنبي بعث أحد عماله لقبض الصدقات، فأعطاه الناس هدايا، فأتى وقال: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ. فعَظَّم النبي شأن هذه المسألة، وخطب الناس وقال: ما بال الرجل منكم نستعمله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ؟! أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه شيء أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد من هذا شيئًا إلا أتى به يوم القيامة يحمله على رأسه [23]. ولذلك؛ القاعدة في هذا الباب: هي قول النبي : أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه شيء أم لا؟ إذا أشكلت عليك مسألة الهدية فطبق هذه القاعدة، لو كنت في بيت أبيك وأمك هل هذا سيهديك الهدية؟ إذا كان الجواب: لا. فمعناه: أهداك هذه الهدية؛ لأجل منصبك الوظيفي؛ فلا يجوز لك أن تقبلها.

أما إذا كان الجواب: نعم، بينك وبينه صداقة وزمالة أو قرابة وسيهدي إليك، بغض النظر عن كونك موظفًا أو غير موظف، هنا لا بأس بهذه الهدية.

أما بالنسبة للعملات الرقمية (البيتكوين) فهذه العملات يكتنفها الغموض في كثير من أمورها:

أولا: لا يعرف منشؤها ومصدرها، ليس لها مرجعية.

ثانيا: المخاطرة فيها عالية، والتذبذب فيها كبير، يعني: وصلت في بعض الأوقات ثمانية عشر ألف دولار، ثم هبطت في وقت وجيز إلى ثمانية آلاف هبوطًا مفاجئًا وارتفاعًا مفاجئًا؛ ولذلك؛ نجد أن كثيرا من الدول حذرت منها، ومنها مؤسسة النقد العربي السعودي، قبل مدة أصدرت بيانًا حذرت فيه الناس من التعامل بهذه العملات الرقمية، فهذا نقوله على سبيل النصيحة.

وأما على سبيل الحكم، فأنا متوقف فيها، لم يظهر لي الحكم بشكل واضح، تحتاج مزيد تأمل، وتحتاج أيضًا مزيد تصور تام؛ لأنه لازال فيها جوانب غامضة وغير واضحة، ولا نريد أن نتعجل لإصدار حكم فيها ثم ربما مستقبلًا تكتسح العالم ويصبح التعامل بها، أو أنه على العكس، يقال مثلا بالجواز، ثم يخاطر الناس فيها، ويحصل في ذلك الغرر، لا بد لإصدار الحكم من التصور التام لجميع ما يتعلق بجوانب هذه العملات الرقمية، وهذه تحتاج حقيقة إلى اجتهاد جماعي من المجامع الفقهية والهيئات العلمية في نظرنا، لا يكفي نظر شخص واحد، تحتاج إلى أن يحضر المختصون والخبراء والاقتصاديون ويتباحثوا في شأن هذه العملات، وتوضح بعض الجوانب والنقاط الغامضة فيها، ثم على ضوء ذلك يصدر الحكم فيها، لكن على سبيل النصيحة: نحن ننصح بما نَصَحَت به مؤسسة النقد وغيرها من الجهات، من أن هذه العملات فيها مخاطرة كبيرة، وتذبذبٌ عالٍ في الأسعار، وأن الإنسان إذا دخل فيها ربما يتعرض لقدر كبير من المجازفة والمخاطرة.

حكم وضع زكاة المال والكفارة في مشاريع تفطير الصائمين

س: يقول: فضيلة الشيخ، هل يجوز أن أضع زكاة مالي، أو ما يعرف بإطعام مسكين في مشاريع تفطير الصائمين في رمضان، زكاة المال، وكذلك الكفارة؟

ج: لا يجوز وضع زكاة المال ولا الكفارة في مشاريع تفطير الصائمين؛ لأن هؤلاء الذين يفطرون ليسوا جميعًا من أهل الزكاة؛ قد يكون فيهم غير المسلمين، كثير من موائد التفطير فيهم من غير المسلمين، وبعضهم أيضًا ليسوا من الفقراء والمساكين، يعني وضعهم جيد، ولكنهم وجدوا مائدة إفطار ودخلوا مع الناس، فلا يضمن أن هؤلاء الذين يُفَطَّرون من أهل الزكاة، أو أنهم من أهل الكفارة، لكن لو قُدِّر أن الإنسان عرف أن جميع هؤلاء الموجودين على مائدة الإفطار من الفقراء أو المساكين، فهنا لا بأس؛ لأنهم مستحقون، خاصة في الكفارة لا بأس؛ لأنهم مستحقون للإطعام، أما في الموائد المفتوحة العامة الآن الموجودة عند المساجد فهذه لا يجوز أن يوضع فيها الزكاة ولا الكفارة؛ إنما يكون فيها الصدقات والتبرعات العامة.

حكم طلاق الغضبان

س: يقول: نسمع بطلاق الغضبان، وهل يمكن أن يطلق وهو سعيد ومبسوط ومسرور؟! فما حكم طلاق الغضبان؟ ومن هو الغضبان في نظر الفقهاء؟

ج: أولًا: الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، والغضب يقود إلى سوء الخلق، بينما الحلم هو سيد الأخلاق، وعلى الإنسان أن يسعى لاكتساب صفة الحلم، حتى وإن كان في طبيعته أنه سريع الغضب، جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله، أوصني. قال: لا تغضب. قال: أوصني. قال: لا تغضب. قال: أوصني. قال: لا تغضب. فردد مرارا قال: لا تغضب. [24] رواه البخاري، فلولا أن ترك الغضب مستطاع ما أوصاه النبي عليه الصلاة والسلام بترك الغضب، وهذا -كما يقول أرباب الأخلاق والسلوك- بالتدرج، يقول مثلًا: هذا اليوم، مثلا هذه الساعة لن أغضب فيها مهما كان السبب، اليوم الثاني اجعلها ساعتين، اليوم الثالث أربع ساعات،.. وهكذا، فتصبح مع مرور الوقت حليمًا، والحلم سيد الأخلاق.

ثم إن الغضب أثره سيئ على الإنسان:

أولا: هو -كما ذكرنا- يؤدي إلى سوء الخلق، وإلى نُفْرَة الناس وكراهيتهم للإنسان الشديد الغضب وسريع الغضب.

ثانيا: يؤدي إلى الأمراض، وابن القيم له كتاب اسمه: “إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان”، ذكر: أن الغضب قد يقتل الإنسان، والحقيقة عندما نسمع هذا الكلام من بعض العلماء السابقين، يتعجب الإنسان كيف يقتل الغضب الإنسان؟! التفسير الطبي في الوقت الحاضر: أنه يتسبب في ارتفاع ضغط الدم؛ فينفجر شريان ويتسبب في قتل الإنسان، قال: وقد يمرض الإنسان، وهذا كذلك، وذكر ابن القيم رحمه الله عن رجل من العرب أتاه أحد الناس وأغضبه، قال كلمة، وكان معروفًا بشدة الغضب، فأراد أن يرد عليه، فأتى أحد الحاضرين ووضع يده على فيه، فقال: قتلتني. ومات، ربما أن السبب -كما ذكرت- شدة الغضب أدت إلى ارتفاع الضغط فأدى إلى انفجار شريان، أو نحو ذلك.

إذَنْ ابن القيم يقول: إن الإنسان قد يغضب غضبًا شديدًا ويمرض، وربما عاده الناس وهو لا يدري ما السبب؟

السبب هو شدة الغضب هذه، فليحذر الإنسان من الغضب.

بالنسبة للطلاق حال الغضب، يقسم العلماء الغضب إلى ثلاث حالات:

الحالة الأولى: الغضب اليسير، وهذا يقع الطلاق منه بالإجماع، ولا يطلب من المطلق أن يكون مبتسما أثناء الطلاق، من يُطَلِّق لا بد أن يصحب الطلاق شيء من الغضب، فهذه الحالة يقع فيها الطلاق بالإجماع.

الحالة الثانية: الغضب الشديد الذي يفقد الإنسان معه عقله، هذه توجد لدى بعض الناس، وإن كانت لا توجد لدى أكثر الناس، وأذكر مرة من المرات أن مستفتيًا أتى إليَّ وقال: إن زوجتي أغضبتني غضبًا شديدًا حتى فقدت عقلي، وأنه لما عاد إلي عقلي أخبرتني بأني قد طلقت، فهنا لا يقع الطلاق بالإجماع.

الحالة الثالثة: الحالة الوسطى ليس بالغضب اليسير، ولا بالغضب الذي يفقد معه عقله، لكنه غضب شديد، لكن عقله معه ويعرف ما يقول فهذه محل خلاف بين العلماء.

والقول الراجح: أنه لا يقع الطلاق؛ لقول النبي : لا طلاق في إغلاق [25].

وقد ذكر ابن القيم أدلة كثيرة في ترجيح ونصرة هذا القول في كتابه السابق: “إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان”، وذكر أن هذا هو المأثور عن الصحابة ، وهذا هو المفتَى به عندنا، كيف نعرف الغضب؟

الحالة الوسطى من علامته: أن الإنسان يجد نفسه مدفوعًا بالتلفظ بكلمة الغضب، يشعر أنه قد دفع دفعًا للتلفظ بكلمة الطلاق، فهو يحس بأنه مدفوع أولًا.

ثانيا: من علامة هذه الحالة: أنه قبل الموقف الذي تسبب في إغضابه لم يخطر بباله الطلاق أصلًا.

ثالثا: أنه بعدما يهدأ وتذهب ثورة الغضب يندم، هذه كلها ثلاث علامات لهذه الحالة الوسطى.

القول الراجح: أن الطلاق لا يقع فيها؛ لأنه كالمكره، بل قال ابن القيم: إنه أشد من المكره، ولأن الأصل صحة النكاح لا نخرج عن هذا الأصل إلا بشيء واضح كالشمس.

هذا الإنسان طلق وهو مشوش فكره، بسبب شدة الغضب تشوش فكره، فكأنه أكره على التفوه بكلمة الطلاق؛ فإذَنْ لا يقع الطلاق في مثل هذه الحال.

وأقول: من خلال الممارسة للفتيا في مسائل الطلاق، معظم الذين يستفتون في مسائل الطلاق يطلقون في حالة الغضب الشديد في هذه الحالة الوسطى، ونجد لهم مخرجًا فيها -ولله الحمد- ربما لا يقل عن (90%) نجد لهم مخرجًا في حالة الغضب.

والإنسان -يا إخواني- لا يجعل الطلاق على لسانه، إذا أراد أن يطلق فليطلق امرأته طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، وتبقى معه في العدة ثلاث حِيَض إن كانت ممن تحيض، وثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض، وهو بالخيار إن شاء أرجعها، فإذا مضى على ذلك ثلاثة أشهر ولم يرجعها، معنى ذلك: أن نفسه طابت منها ولن يندم على طلاقها، ولذلك؛ من اتقى الله في الطلاق لم يحتج أصلًا إلى الاستفتاء؛ لأنه سيطلقها أصلا طلقة واحدة وعنده ثلاثة أشهر للإرجاع.

كيفية سداد الدين لمن أخذ قرضًا من عملة وانخفضت قيمتها

س: يقول: أخذت قرضًا من سنين، وكانت قيمة الجنيه مرتفعة، والآن انخفضت قيمة الجنيه إلى النصف أو أكثر، فكيف أسدد ديني؟

ج: الأصل في تسديد القروض والديون أنها تسدد بأمثالها، فإذا اقترضت مثلًا ألف جنيه تردها ألف جنيه، هذا هو الأصل، إلا إذا انخفضت قيمة العملة انخفاضًا كبيرًا يصل إلى الثلث فأكثر، فهنا تُخَرَّج على مسألة وضع الجوائح، وهو أنها ترد بالقيمة بقيمة الجنيهات في ذلك الوقت وليس بمثلها.

كيفية إخراج صاحب العقار والمحالات التجارية الزكاة

س: يقول: كيف يخرج صاحب العقار والمحلات التجارية زكاة ماله والبضائع ونحو ذلك؟

ج: أما صاحب العقار؛ فإذا كان هذا العقار مؤجرًا فليس فيه زكاة في أصله؛ وإنما تجب الزكاة في أجرته إذا بقيت عنده وحال عليه الحول، وهكذا العقار الذي يسكنه الإنسان (بيته) هذا ليس فيه زكاة، أما من كان يبيع ويشتري في العقارات فهذه عروض تجارة يقيمها عند تمام الحول ويزكيها، وأما المحلات التجارية: فهي أيضًا من عُروض التجارة، يُقَيِّم السلع المعروضة للبيع بقيمتها عند تمام الحول كأنه يريد أن يبيع (يصفي)، يَجْرُدها في نهاية السنة، يجرد كم عنده من السلع المعدة للبيع؛ يخرج (2.5%) ربع العشر، وهنا لا يشترط في السلعة أن يمضي عليها الحول، حتى لو مضى عليها يوم واحد تدخل في الجرد؛ لأن طبيعة عُروض التجارة أن مبناها على التقليب والاستبدال، والسلعة لا تبقى عند الإنسان سنة كاملة، عروض التجارة لا تبقى سنة كاملة.

فالعبرة إذن بتمام الحول عليه، نقول: متى فتحت هذا المحل؟ يقول: فتحت المحل في عشرين رجب من العام الماضي، نقول: عشرين رجب من هذا العام اجرُد هذا المحل كأنك تريد أن تبيع جميع البضاعة التي فيه، وأخرج ربع عشر القيمة.

المقدم: لا زال السؤال قائما يقول مثلا: هل أُقَيِّمُها بقيمة الشراء، أو قيمة البيع، أو التقدير الحالي لليوم، مثلًا أنا اشتريت بثلاثين ألفًا ولو بعتها بالسعر أبيعها بخمسين ألفًا، لكن لا تباع بذلك الثمن، كيف أخرصها؟

الشيخ: هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، والربح الذي يرجوه ببيعها غير محقق وغير مضمون، ولذلك؛ فالقول الراجح: أنه يجردها بقيمتها بشرائها بوقت الشراء، اشتريتها بكم؟ اشتريتها مثلا هذه بمائة تردها بمائة، أنت تريد أن تبيعها بمائة وعشرة ومائة وعشرين، لكن هذا غير محَقَّق، قد تباع وقد لا تباع، قد تباع بهذا المبلغ أو أقل، فهذا شيء غير محقق، فالمحقق هو السعر الذي اشتريتها به؛ فتزكَّى بسعرها وقت الشراء.

حكم صلاة الجمعة للمسافر

س: يقول: ما حكم صلاة الجمعة بالنسبة للمسافر؟

ج: المسافر لا تجب عليه صلاة الجمعة، بل لا يجوز له أصلا أن يقيم الجمعة، لو أقام الجمعة فهذه بدعة (لو خرج جماعة في سفر ليس لهم من يقيم الجمعة)؛ لأنه من شروط صحة الجمعة الاستيطان في بلد يقيم فيه صيفًا وشتاءً، لكن إذا أراد المسافر أن يصلي الجمعة مع مقيمين فهذا هو الأفضل في حقه، لكن هذا لا يجب لو أراد أن يصليها ظهرًا، كان مثلًا في فندق أو كذا، وأراد أن يصليها ظهرًا فلا بأس، له ذلك.

المقدم: ولو صلاها جمعة لا إشكال؟

الشيخ: لو صلاها جمعة هذا هو الأفضل.

المقدم: تجزئ؟

الشيخ: نعم تجزئ.

حكم أكل ذبائح أهل البدع العقدية

س: ما حكم أكل ذبائح أهل البدع العَقَدِيَّة؟

ج: هذا فيه تفصيل؛ إن كانت البدعة مكفرة فلا يجوز، أما إذا كانت البدع مفسقة، فلا زال في دائرة الإسلام فلا بأس بذلك.

هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية جهات معينة؟

س: يقول: كيف أكون آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر؟ وهل هذا مسؤولية جهات معينة أو عامة المسلمين؟

ج: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية كل مسلم ومسلمة، الله ​​​​​​​ يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ ‌وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71]. ويقول النبي : من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. ومَن مِن صيغ العموم، من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان [26].

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤوليتنا جميعًا: وَلْتَكُنْ ‌مِنْكُمْ ‌أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]، فهي مسؤوليتنا جميعًا، من رأى المنكر يجب عليه أن ينكره بحسب استطاعته، إن كان مثلًا داخل البيت يستطيع الأب أن يغير المنكر بيده، إن كان خارج البيت يكون مَن ولَّاه ولي الأمر مسؤولية التغيير باليد، أو ينتقل الإنسان للإنكار باللسان، وإن كان لا يستطيع الإنكار باللسان فلا أقل من أن ينكر بقلبه، وهذا يستطيعه جميع الناس.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيها الإخوة يفيد المجتمع كله، ففيه فائدة لكل المجتمع؛ لأن المنكر إذا أُعلن ولم ينكَر فإن هذا مؤذن بعقوبة الله للمجتمع، ولهذا؛ يقول ربنا ​​​​​​​: وَمَا ‌كَانَ ‌رَبُّكَ ‌لِيُهْلِكَ ‌الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]. ولم يقل: صالحون. ولما ذكر الله تعالى قصة أصحاب السبت الذين وقعوا في المنكر، واحتالوا على الصيد في يوم السبت، وهو محرم عليهم، فذكر الله تعالى عن أهل هذه القرية أنهم انقسموا قسمين:

قسم وقعوا في المنكر، واحتالوا على الصيد في يوم السبت.

القسم الثاني: قسم صالحون لم يقعوا في المنكر.

ثم إن الصالحين انقسموا قسمين:

قسم أنكروا على هؤلاء الذين وقعوا في المنكر.

والقسم الثاني: لم ينكروا، بل مارسوا التثبيط للمنكرين: وَإِذْ ‌قَالَتْ ‌أُمَّةٌ ‌مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [الأعراف: 164]، لِمَ تَعِظُونَ يعني: تأنيب وتثبيط، يقولون: هؤلاء ما منهم فائدة، اتركوهم. ماذا قالوا؟ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف: 164]. مَعْذِرَةً الإعذار إلى الله، هذا هو الغرض الأساسي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر الثاني: ما تدري قد يستجيبون، فماذا كانت النتيجة؟

النتيجة: أن الله ​​​​​​​ عاقب الذين وقعوا في المنكر: قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف: 166].

أما الذين لم يقعوا في المنكر، أخبر الله تعالى عن نجاة المنكرين للمنكر: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ [الأعراف: 165]، الذين لم ينكروا المنكر لم يعاقبوا، ولكن تُرك ذكرهم تحقيرًا لهم، لا يستحقون أصلًا أن يذكروا، ولهذا؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه حماية للمجتمع يستفيد من المجتمع كله.

وإذا قوي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان في هذا الخيرُ العظيم للمجتمع، وتنزلت البركات من السماء والأرض على المجتمع.

وإذا ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان هذا مُؤْذِنًا بحلول العقوبات على هذا المجتمع، حسبما تقتضيه حكمة الله ​​​​​​​: وَلَوْ ‌أَنَّ ‌أَهْلَ ‌الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: 96].

ومن أعظم التقوى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا أردنا حلول البركات من السماء والأرض على مجتمعنا، فينبغي تعزيز جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فضل الترديد خلف المؤذن

س: نتوقف للأذان ونكمل بعض الأسئلة إن شاء الله تعالى بعد الأذان..

لو ذكرتنا فضيلة الشيخ بفضل الترديد خلف المؤذن وفقك الله.

ج: يقول النبي : إِذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة [27].

ولما سئل قيل: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا. قال: قل مثلما يقول، ثم سَل تُعْطه [28].

فالسنة إذَنْ أن يقول المستمع مثلما يقول المؤذن، إلا في الحَيْعَلَتَين؛ حي على الصلاة، حي على الفلاح، فيقول: لا حول ولا قوة الا بالله، ثم بعد فراغ المؤذن يقول: اللهم صل وسلم على رسولك محمد، اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته.

وأيضًا يشرع أن يقول بعد قول المؤذن: أشهد أن محمدًا رسول الله. في المرة الثانية يقول: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا ورسولًا [29]، هذه هي الأذكار المحفوظة عن النبي  في هذا.

المقدم: وعند قوله: الصلاة خير من النوم. ماذا يقول؟

الشيخ: عند قول: الصلاة خير من النوم. يقول: الصلاة خير من النوم.

المقدم: ما يقول صدقت؟

الشيخ: صدقت. روي في حديث، لكنه ضعيف، فيقول الصلاة خير من النوم؛ لعموم قوله : قولوا مثلما يقول.

حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للميت

س: يقول السائل: ما حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للميت؟ وهل يصل؟ وَجِّهونا بارك الله فيكم.

ج: إهداء ثواب قراءة القرآن للميت: يجوز، ويصل الثواب للميت، وهكذا أيضًا سائر القُرَب والعبادات، من أهدى ثوابها لميت نفعه ذلك، ولكن هذا من قبيل الجائز غير المشروع، يعني: لا يُحَثُّ الناس عليه، لم يرد عن النبي ولا عن الصحابة أنهم كانوا يتسابقون على إهداء الثواب للأموات، لكن من فعل هذا فقد ورد ما يدل على جوازه، والثواب يصل للميت، فالأفضل أن يقتصر المسلم على الدعاء للميت والصدقة، وكذلك أيضًا الحج والعمرة، خاصة إذا كان له عليه حق متأكِّد؛ كأبيه أو أمه. الدعاء هو الذي ذكره النبي في قوله: أو ولد صالح يدعو له [30]. دعاء الحي للميت ينفعه، وأيضًا الصدقة الجارية ذكرها النبي  في هذا الحديث في قوله: صدقة جارية الصدقة إما أن تكون صدقة عادية، صدقة غير جارية يصل ثوابها للميت، أو صدقة جارية وهي الوقف، وهذه أعظم أجرًا وثوابًا، فهذه الأفضل الاقتصار عليها.

وأيضًا إذا كان له عليه حق متأكِّد؛ كوالده أو والدته فالحج والعمرة أيضًا، أما ما عدا ذلك، من تلاوة القرآن وغيرها من القُرَب، لو فعلها إنسان لا ينكر عليه، ولكن لا يُحَثُّ الناس على ذلك، لكن نجد أن بعض الناس عنده وَلَع بإهداء الثواب بالقُرَب، شخص يقول: كل أعمالي أهديها. قلت: فماذا يبقى لك؟ قال: كنت أظن أنه يكون لي من الثواب مثل الثواب الذي أهديه للميت، قلت: هذا غير صحيح، أنت إذا أهديت الثواب للميت ذهب الثواب للميت، أنت تؤجر على نيتك، لكن الثواب أنت أهديته للميت، فهو ينتقل للميت مباشرة، أنت لا يصلك شيء، كان في هذا تصحيح لهذه المعلومة، بعض الناس عندهم هذا الفهم.

سائل: حتى الصدقات يا شيخ؟

الشيخ: حتى الصدقات، إذا أهديت ثوابها لغيرك يذهب الثواب له، إلا إذا قلت: عني وعنه فيكون الثواب لكما جميعًا، لكن إذا قلت: لفلان. فالثواب يصله مباشرة، فبعض الناس عنده هذا الولع، كل عمل يعمله يهدي ثوابه لغيره، وكأنه سيعمر، لماذا؟! كما أن هذا الميت بحاجة إلى عمل صالح؛ فأنت أيضًا بحاجة إلى عمل صالح، فالأحسن أن تكتفي بالدعاء له والصدقة له ونحو ذلك، أما بقية الأعمال فتجعلها لنفسك.

حكم العمرة بعد العمرة في السفرة الواحدة

س: يقول: نحن الوافدين إلى هذه البلاد المباركة، إذا ذهبنا إلى مكة، يحب الواحد منا أن يعتمر عن نفسه، ثم عن أبيه ثم عن أمه ثم عن أهله، فبماذا توجهون حفظكم الله؟

ج: أداء العمرة بعد العمرة لا بأس به من حيث الحكم؛ لقول النبي : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما [31]. ولكن من حيث الأفضلية: الأفضل الاقتصار في السفرة الواحدة على عمرة واحدة؛ لأن هذا المنقول عن النبي عليه الصلاة والسلام، والمأثور عن أكثر الصحابة أنهم يفعلون ذلك، إلا إذا كان الإنسان لن يأتي لمكة إلا في أحوال قليلة أو نادرة، ويريد أن يعتمر عن نفسه ثم يخشى ألا يستطيع أن يأتي لمكة مرة أخرى، فيعتمر عن أبيه أو عن أمه، يذهب للتنعيم ويعتمر عن أبيه أو عن أمه، هذا لا بأس به، لكن من كان هنا من الإخوة المقيمين، فالذهاب لمكة متيسر في أي وقت، فننصحهم أن يقتصروا على عمرة واحدة في سفرة واحدة، هذا هو الأفضل والأكمل، لكن لو كرروا العمرة فلا بأس.

هل طلب العلم الشرعي والدعوة من الجهاد؟

س: هل طلب العلم الشرعي والدعوة يعتبر جهادًا في سبيله جَلَّ في عُلاه؟

ج: نعم، بل من أعظم الجهاد؛ فالله ​​​​​​​ لما ذكر الجهاد بالقرآن في الفترة المكية قال: وَجَاهِدْهُمْ ‌بِهِ. يعني: بالقرآن جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: 52]. وصفه الله تعالى بالجهاد الكبير، بل إن جهاد السلاح إنما شرع لنشر الدعوة، فجهاد الدعوة هو الأصل، وهو في الفترة المكية قد كان الموجود هو جهاد الدعوة فقط، ولذلك؛ فإن الدعوة إلى الله ​​​​​​​ ونشر العلم، لا شك أن هذه من أعظم أبواب الجهاد، ومن أعظم القربات إلى الله ​​​​​​​، وينبغي لنا جميعًا أن نحرص على الدعوة إلى الله ​​​​​​​ على بصيرة، ومعنى على بصيرة: أن يغلب على ظنك أن هذا الذي تدعو إليه من شرع الله، وهذا كثير من الناس يستطيعه في أمور كثيرة؛ مثلًا: عندما تأمر بالصلاة، هذا من مجالات الدعوة إلى الله، تأمر ابنك، زوجتك، قريبك، جارك، تأمرهم بالصلاة مثلًا، هذا من مجالات الدعوة إلى الله ​​​​​​​ في أمور واضحة، لا يشترط في الدعوة إلى الله تعالى ألا تكون إلا من العلماء، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: بلغوا عني ولو آية [32]. المهم: أن يغلب على ظنك أن هذا الذي تدعو إليه من شرع الله ​​​​​​​، ونحن الآن في حاجة ماسَّة إلى أن ينشط الدعاة إلى الله تعالى، ونحن الآن نرى نشاط دعاة الباطل، والله تعالى ذكر عن المنافقين والمنافقات أن لهم نشاطًا كبيرًا: الْمُنَافِقُونَ ‌وَالْمُنَافِقَاتُ ‌بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة:67]. يعني لهم نشاط، ما يبقون ساكنين، لهم أمر ونهي، لكن أمر بماذا؟ أمر بمنكر ونهي عن معروف، ولذلك؛ ينبغي لأهل الحق أن يكون لهم نشاط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الدعوة إلى الله ​​​​​​​، ينبغي أن يكون نَفَس الدعوة إلى الله موجودًا وحاضرًا لدى كل مسلم ومسلمة، مثلًا: قابلك إنسان غير مسلم، ينبغي أن تغتنم الفرصة وتدعوه للإسلام، ما تدري ربما كلمة تقولها أنت تكون سببًا في إسلامه، وإذا أسلم على يدك فلك من الأجر صلاته وصيامه وزكاته وحجه، وجميع أعماله الصالحة، كأنه كتب لك عمر جديد، فهذا كلٌّ منا يقابل أناسًا غير مسلمين، فينبغي أن يكون جانب الدعوة إلى الله والحس الدعوي موجودًا وحاضرًا لدى كل واحد منا، بل أعجب من ذلك: أن بعض الناس يكون لديه في البيت الخادم أو السائق، وهو غير مسلم، ولم يدْعُه يوما من الأيام إلى الإسلام، وهذا تقصير كبير، فعليه مسؤولية كبيرة في أن يدعوه للإسلام، وأن يرغبه أيضًا، لا بأس حتى إذا رأى منه ميلًا للإسلام أن يعطيه من الزكاة فهو من المؤلفة قلوبهم.

ما يعمل من دخل وقت أذان العشاء ولم يصل المغرب؟

س: يقول: إذا فاتتني صلاة المغرب، ودخلت المسجد، وللتو كبر الإمام للعشاء، فكيف أتصرف؟

ج: أولا لم أخرت المغرب حتى حان وقت صلاة العشاء؟ إذا كان ذلك لعذر فلا بأس، أما إذا كان لغير عذر فهذا لا يجوز؛ تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر من كبائر الذنوب، وتأخير الصلاة لغير عذر يدخل صاحبه في الساهين الذين ذكرهم الله في قوله: فَوَيْلٌ ‌لِلْمُصَلِّينَ ۝الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]، لكن لو افترضنا أن ذلك وقع لعذر أو حتى لغير عذر ودخلت مع الإمام وهو يصلي صلاة العشاء، فهذا محل خلاف بين الفقهاء، والقول الراجح: أنه يجوز أن تدخل معه، فإذا قام الإمام للركعة الرابعة تجلس أنت وتكمل التشهد وتسلم، ثم تدخل مع الإمام في الركعة الرابعة، وهي الأولى في حقك، هذا هو القول الراجح، وليس هناك ما يمنع منه، وأما الاختلاف الذي بين الإمام والمأموم الذي نهى عنه النبي ، هو الاختلاف في الأفعال وليس الاختلاف في النية، وهو عليه الصلاة والسلام يقول: إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه [33]. ثم فسر هذا الاختلاف: فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع [34].

أما الاختلاف في النية فقد ورد ما يدل على جوازه؛ كما ذكرنا في قصة معاذ أنه كان يصلي بقومه، وهي في حقه نافلة وفي حقهم فريضة، وهو اختلاف في النية ولم يضر، وعلى ذلك؛ نقول: إذا قام الإمام إلى الرابعة فاجلس وأكمل التشهد وسلم، ثم لا بأس أن تدخل معه في الرابعة لتكون الأولى في حقك في صلاة العشاء، هذا -على القول الراجح- لا بأس به.

حكم التيمم وجمع الصلاة للكبير الذي تصعب عليه الحركة

س: يقول: والدي كبير في السن وحركته صعبة جدًّا، فهل يجمع الفجر مع الظهر والعصر، هل يصلي كل صلاة في وقتها بالتيمم، أو يجمع الظهر والعصر بالوضوء، والمغرب والعشاء بالوضوء؟

ج: يجوز له في هذه الحالة الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، أما الفجر فلا تجمع مع غيرها، لكن الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، ويجوز له أيضا في هذه الحال التيمم؛ لأن الوضوء يَشُق عليه، كذلك أيضا كونه يصلي كل صلاة في وقتها يشق عليه، وهذا الدين يسر، والله تعالى يقول: وَمَا ‌جَعَلَ ‌عَلَيْكُمْ ‌فِي ‌الدِّينِ ‌مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78]، يُرِيدُ ‌اللَّهُ ‌بِكُمُ ‌الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥]. فمادام يلحقه الحرج والعسر بالوضوء فله أن يعدل إلى التيمم، وأيضا إذا كان يلحقه الحرج بترك الجمع جاز له أن يجمع.

حكم استعمال المراحيض التي باتجاه القبلة

س: يقول أكرمكم الله: إذا كان المرحاض قُبَالَةَ القِبلة في دورة المياه المبنية بجدار، فماذا أفعل؟

ج: استقبال القبلة واستدبارها في البنيان، هذا محل خلاف بين العلماء؛ هل يجوز أو لا يجوز؟

والقول الراجح: أنه لا يجوز مطلقًا؛ لعموم قول النبي : إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها [35].

ثم أيضًا من أجاز ذلك في البنيان ما ضابط البنيان؟ هل ضابطه هذا الجدار؟ ثم من يقضي حاجته في الفضاء بينه وبين القبلة جبال وأودية وأشجار وأحجار، ثم أيضا هل المقصود من عدم استقبال القبلة واستدبارها تعظيم القبلة أو الكعبة؟ المقصود هو القبلة وإذا كانت القبلة، فلا يحول بينه وبينها جدار ولا بنيان؛ وعلى هذا فلا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها، هذا هو القول الراجح، اختاره جمعٌ من المحققين من أهل العلم؛ كابن تيمية وابن القيم، وجمع من المحققين من أهل العلم.

وإذا كان المرحاض متوجهًا إلى القبلة فماذا يفعل؟

أقول يفعل كما كان يفعل الصحابة، يقولون: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض باتجاه القبلة أو قال: مستقبلة الشام مستدبرة الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله ​​​​​​​.

حكم الجلوس للعزاء وصنع الطعام للمعزين

س: ما حكم الجلوس للعزاء وصنع الطعام لمن يأتي؟

ج: الجلوس للعزاء إذا لم يكن بذلك توسع، وإنما جلوس من أقارب الميت لاستقبال المعزين لا بأس به، وقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أنه كان إذا مات الميت اجتمع عندها الناس فإذا خرج الناس ولم يبق إلا أهل بيتها صنعت لهم التلبينة، وهي حساء يصنع من دقيق وشعير ونحوه، ثم قالت: سمعت النبي يقول: التَّلبينة مُجِمَّة لفؤاد المريض، تَذهب ببعض الحزن [36] وهذا في صحيح البخاري.

وأما حديث جرير : كنا نعد الاجتماع لأهل الميت وصنع الطعام من النياحة. فهو حديث ضعيف، رواه الإمام أحمد وضعفه، كما في مسائل أبي داود، وقد ضعفه الإمام أحمد نفسه.

واجتماع أقارب الميت يحقق مقصودًا شرعيًّا، وهو التكافل الاجتماعي؛ لأن هؤلاء الذين أصيبوا بهذه المصيبة إذا اجتمع عندهم قرابتهم وواسوهم يحصل لهم من الأنس ومن الجبر شيٌء عظيمٌ، ولهذا؛ يجدون الوحشة بعد انتهاء أيام العزاء، ولهذا؛ فهذا الاجتماع لا بأس به، وكان شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله يجيزه ويقول: لا بأس به، ومن منع ذلك من العلماء وشدد فيه، فهو معتمِد على حديث جرير ، وكما قلنا هو حديث ضعيف، لكن ينبغي عدم التوسع في ذلك، يعني لا يجعل العزاء كأنه فرح، ويوضع هناك سُرَادِق، ويوضع هناك أمور كما تصنع في أوقات الفرح، ينبغي عدم التوسع، وأيضا صنع الطعام لا يكون من أهل الميت؛ إنما يكون من غير أهل الميت، كأن يكون من جيرانهم أو من أقاربهم؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد أتاهم ما يشغلهم [37] إلا إذا قدم ضيوف على أهل الميت ولم يوجد من يصنع الطعام من الجيران أو من أقاربهم، فهنا لا بأس أن يصنعوا الطعام باعتباره إكرامًا للضيف، هذا هو القول الوسط في هذه المسألة، وهو وسط بين من يشدد فيها ويمنع مجرد الاجتماع، وبين من يفتح المجال والباب على مِصرَاعيه.

القول الوسط في نظري، وهو الأقرب: أنه لا بأس باجتماع قرابة الميت وأهل الميت، لكن لا يصنعون للناس الطعام؛ وإنما يُصنَع من قرابتهم أو جيرانهم ونحو ذلك، لكن أهل الميت أنفسهم لا يصنعون الطعام، إذا كان كذلك لا بأس به إن شاء الله.

هل يكفي غسل الجمعة عن الوضوء؟

المقدم: نختم بهذا السؤال: هل يكفي غسل الجمعة عن الوضوء ما لم يتوضأ؟

الشيخ: غسل الجمعة هو مستحب وليس واجبًا، في قول أكثر أهل العلم، والوضوء واجب؛ فالله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌إِذَا ‌قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6]. والغسل المستحب لا يكفي عن الوضوء الواجب؛ إنما الذي يكفي هو ما ذكره جمهور الفقهاء من الغسل الواجب، قالوا: يكفي عن الوضوء؛ لأنهما طهارتان: صغرى وكبرى، دخلت الصغرى في الكبرى.

أما غسل الجمعة فإنه مستحب، لا يكفي عن الوضوء الواجب، على القول الراجح، هذا القول أيضًا اختاره شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين رحمهما الله تعالى، أن غسل الجمعة لا يكفي عن الوضوء، وحينئذ نقول: من اغتسل يوم الجمعة فالسنة أن يكون غسله على صفة غسل الجنابة، وصفة غسل الجنابة يبدأ فيه بالوضوء، وهذا يكفي، أو أنه إذا اغتسل غسل يوم الجمعة يتوضأ بعد هذا الغسل.

أما أن يغتسل غسل الجمعة وغسل التبرد وغسل النظافة، ثم يأتي للمسجد ويصلي فهذا لا يجزئ، لا بد من الوضوء، لا بد أن يتوضأ، والأصل أن المسلم مطالب بالوضوء: إِذَا ‌قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: 6]، لا يجزئ الوضوء عن الغسل إلا إذا كان الغسل واجبًا، حتى يقال بتداخل الطهارتين الصغرى والكبرى، لكن إذا كان الغسل غير واجب، فالتداخل هنا غير وارد، ويبقى المسلم مطالبًا بالوضوء أصلًا.

ثم أيضًا -يا إخواني- المسائل التي الأثر المترتب عليها كبير، صحةً وعدمَ صحةٍ، ينبغي الاحتياط فيها، صحيح هذه المسألة محل خلاف، لكن ينبغي لك أن تحتاط في مثل هذه المسائل التي الأثر فيها كبير؛ لأنك لو اغتسلت للجمعة ثم أتيت للمسجد فعلى رأي أكثر العلم أنه لا تصح صلاة الجمعة بالنسبة لك، فلماذا تعرض صلاتك للبطلان؟ توضأ، والحمد لله الماء متيسر والوضوء لا يكلفك شيئًا كثيرًا.

المقدم: لا يسعنا في نهاية مجلسنا إلا أن نتوجه لله العظيم رب العرش العظيم: أن يوفق وأن يجزل المثوبة والعطاء لفضيلة معالي الشيخ الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، سائلين الله جل في علاه: أن يفتح له وعليه، وأن يزيده علمًا وفقهًا إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

والحمد لله رب العالمين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
^2 رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689.
^3 رواه أبو داود: 4727.
^4 رواه مسلم: 2788.
^5 رواه الترمذي: 2312، وابن ماجه: 4190.
^6 رواه البخاري: 3207، ومسلم: 164.
^7 رواه مسلم: 2577.
^8 رواه البخاري: 1303.
^9 رواه البخاري: 1304، ومسلم: 924.
^10 رواه البخاري: 1469، ومسلم: 1053.
^11 رواه أبو داود: 3904، والترمذي: 135، وابن ماجه: 639.
^12 رواه مسلم: 2230.
^13 رواه البخاري: 527، ومسلم: 85.
^14 رواه أحمد: 22140.
^15 رواه مسلم: 82.
^16 رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 462، وابن ماجه: 1079.
^17 رواه أبو داود: 1420.
^18 ينفتل: يعني يَنصرِف، أي: يسلم. ينظر لسان العرب: 11/ 514 (فتل).
^19 رواه البخاري: 705.
^20 رواه البخاري: 1086، ومسلم: 1339، واللفظ له.
^21, ^22 رواه مسلم: 1718.
^23 رواه البخاري: 6636، ومسلم: 1832.
^24 رواه البخاري: 6116.
^25 رواه أبو داود: 2193، وابن ماجه: 2046.
^26 رواه مسلم: 49.
^27 رواه مسلم: 384.
^28 رواه أبو داود: 524.
^29 رواه مسلم: 386.
^30 رواه مسلم: 1631.
^31 رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349.
^32 رواه البخاري: 3461.
^33 رواه البخاري: 378، ومسلم: 411.
^34 رواه أبو داود: 603.
^35 رواه البخاري: 394، ومسلم: 264.
^36 رواه البخاري: 5417.
^37 رواه أبو داود: 3132، وابن ماجه: 1610.