logo
الرئيسية/محاضرات/فتنة المال

فتنة المال

مشاهدة من الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فتنة المال في اكتسابه وإنفاقه

فإن الله قد أحلَّ الحلال، وحرم الحرام وجعل الحلال غنيةً عن الحرام، وما أباح الله تعالى أكثر بكثيرٍ مما حرمه.

وقد جعل الله تعالى هذا المال فتنةً للناس؛ فتنةً في اكتسابه، وفتنةً في إنفاقه؛ ولهذا فإن الإنسان يوم القيامة يُسأل عن عمره فيما أفناه سؤالًا، ويُسأل عن ماله سؤالين:

  • السؤال الأول: من أين اكتسبه؟
  • والسؤال الثاني: فيم أنفقه؟

هذا المال الذي يكتسبه الإنسان يُسأل عنه يوم القيامة؛ ولهذا فإن على المسلم أن يتفقَّه في أحكام ومسائل كسب المال؛ حتى لا يقع في الحرام من حيث لا يشعر، وعليه أن ينظر النظرة الصحيحة إلى المال، فإن هذا أمرٌ في غاية الأهمية؛ لأن من الناس من تكون نظرته للمال نظرةً غير صحيحةٍ، فينظر للمال وكأنه سيُخلَّد في هذه الدنيا، فتجد أنه نَهِمٌ في جمع وتحصيل المال، وإذا حصَّل شيئًا من المال فهو شحيحٌ بخيلٌ ممسِكٌ، لا يُؤدِّي حقَّ الله فيه، ثم هو لا بد من مفارقة هذا المال؛ إما أن يفارق المال، وإما أن يفارقه المال ولا بد، لا بد من مفارقة هذا المال، وإنك لتعجب عندما ترى أناسًا يجمعون الكثرة الكاثرة من الأموال، ولا ينتفعون بها لا في الدنيا ولا في الآخرة! وهم بهذا الواحد منهم يَصدُق عليه أنه كالحارس القوي الأمين على هذا المال، يحرسه لمن؟ للورثة من بعده، فسبحان الله العظيم! تجد أن هذا الإنسان يشقى ويتعب وينصب في تحصيل هذا المال، ثم يحرسه حراسة قوية محكمة لمن بعده من الورثة؛ ولذلك تجد أن مثل هذا الرجل يتحسَّر عند موته، يرى أن هذه الأموال ستذهب إلى من بعده، لم ينتفع بها، لم يأكل منها ويُطعِم ويتصدَّق ويُكرِم ضيفًا، ولم يجعل منها شيئًا للآخرة؛ كأن يجعل منها وقفًا، صدقةً جاريةً، أو نحو ذلك، وإنما فقط تعب وكدَّ واجتهد في تحصيلها، وحرسها إلى أن مات، عليه الغُرْم ولغيره الغُنْم، وربما أن الورثة من بعده لا يُخرجون من هذا المال عنه شيئًا، ربما بخلوا فلم يُخرجوا عنه شيئًا، وحينئذٍ يكون هذا المال حسرةً عليهم.

ألسنا -أيها الإخوة- نجد أن هذا واقعًا في المجتمع؟ هذا بسبب النظرة غير الصحيحة للمال، ولو أن هذا الإنسان نظرَ نظرةً صحيحةً للمال، فاتقى الله تعالى وأجمل في الطلب، واكتسب المال من طريقٍ مباحٍ، ونظر إليه نظرةً صحيحةً، اكتسبه من طريقٍ مباحٍ، ثم بذله وأنفقه في أمور الخير وسبل البر؛ لكان هذا المال بركةً عليه، وانتفع به في الدنيا والآخرة، ولكن -كما ذكرنا- بعض الناس محرومٌ من الانتفاع بماله، وإنما هو حارسٌ لهذا المال يحرسه لمن بعده، وإن السعيد من وُعِظَ بغيره أيها الإخوة.

وحديثنا عندما نتحدث في هذه المحاضرة عن المعاملات المعاصرة، نقول: إن الأصل في هذا الباب، وهو باب المعاملات، الحل والإباحة،…، وإن الفرق بين الحلال والحرام قد يكون دقيقًا، وهذا أمرٌ قد ذكره الله تعالى عن المشركين حينما قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275]، قالوا: أي فرقٍ بين البيع والربا؟ البيع مثل الربا، فردَّ الله عليهم وقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275].

فقد يكون الفرق دقيقًا، ثم إن المخرج من الحرام قد يكون سهلًا ويسيرًا ويؤدي الغرض الذي يسلكه هذا الذي يسلك الطريق الحرام، فقد يسلك الإنسان طريق الحرام، وقد يسلك طريقًا حلالًا والنتيجة واحدةٌ، لكن هذا يأثم وهذا لا يأثم.

وأذكر لهذا مثالًا يتضح به المقال: جاء في “صحيح مسلم” أن النبي أُتي بتمرٍ من تمر خيبر فقال عليه الصلاة والسلام: أَكُلُّ تمرِ خيبر هكذا؟، قالوا: لا يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، يعني: نأخذ الصاع من التمر الجيد بالصاعين من التمر الرديء، والصاعين من التمر الجيد بثلاثة آصُعٍ من التمر الرديء، فقال عليه الصلاة والسلام: أَوَّه! هذا عين الربا، رُدُّوه، ثم أرشد إلى المخرج، انتبه للمخرج: ولكن بِعْ الجَمْعَ -يعني التمر الرديء- بالدراهم، واشتر بالدراهم جَنِيبًا [1]، يعني: تمرًا جيدًا، مع أن النتيجة واحدةٌ.

المحصَّل في النهاية: أن هذا أراد أن يشتري تمرًا جيدًا مقابل هذا التمر الرديء الذي عنده، لكن إذا باع تمرًا رديئًا بتمرٍ جيدٍ؛ مباشرةً وقع في الربا، بل بعين الربا، إذا باع التمر الرديء بدراهم، ثم اشترى بالدراهم تمرًا جيدًا؛ لم يقع في الربا، النتيجة واحدةٌ، ولكن هذا الربا، قال : عين الربا، وهذا طريقٌ مباحٌ، والله تعالى أعلم وأحكم، فقد يصل الإنسان لغرضه بطريقٍ مباحٍ.

وهذا من ثمرة التفقه في هذه المسائل: أن الإنسان يستطيع أن يصل لمراده ولغرضه بطريقٍ مباحٍ، فلماذا يلجأ الإنسان إلى الحرام؟! ولهذا سنذكر أمثلةً معاصرةً في مثل هذا: أن الإنسان يستطيع مثلًا عن طريق التورُّق أو غيره أن يصل للحلال من غير وقوعٍ في الربا، ويكون هذا عن طريق التفقُّه في هذه المسائل، إذا كان الإنسان يُمكنه الوصول إليها بالتفقُّه وبالتعلُّم، أو بسؤال أهل العلم إن كان لا يعلم، المهم أن يوجد لديه الاهتمام بأن يكون كسبه حلالًا، وأن يبتعد عن الحرام، وإذا وُجد عنده هذا الاهتمام؛ فسيوفَّق.

فانظروا -أيها الإخوة- كيف أن المسلم يستطيع الوصول إلى الحلال بطريقٍ مباحٍ.

أصول المحرمات في أبواب المعاملات

وأصول المحرمات في أبواب المعاملات ترجع إلى أربعة أمورٍ:

  • الأمر الأول: الربا.
  • الأمر الثاني: الميسر.
  • الأمر الثالث: الجهالة والغرر.
  • الأمر الرابع: الظلم والتعدي.

أما الأمر الأول: وهو الربا، فإنه من أكبر الكبائر، وقد عدَّه النبي من السبع الموبقات [2]، ولعن النبي آكله وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم في الإثم سواءٌ [3]، حتى مجرد شهادةٍ على الربا، مجرد كتابةٍ على الربا، معلونٌ على لسان الرسول ، واللعنة معناها: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وتوعَّد الله آكل الربا بالحرب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278-279]، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: “يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب”، من باب أن يُبَكَّت آكل الربا، هذا من باب التبكيت له، وهل أحدٌ يُطيق حرب الله ورسوله؟!

وذكر الله عن آكلي الربا أنهم يقومون كما يقوم المصروع: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ من قبورهم إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275]، يعني: كما يقوم المصروع، فهم لا يقومون من قبورهم إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، وذلك عندما يُبعثون يوم القيامة؛ يقوم آكل الربا كالإنسان المصروع يتخبَّط.

ولهذا جاء رجلٌ إلى الإمام مالك بن أنسٍ رحمه الله -وذكر هذه القصة القرطبي في “جامع أحكام القرآن”- جاء رجلٌ إلى الإمام مالكٍ فقال: إني رأيت البارحة رجلًا سكران يتعاقر يُريد أن يصطاد القمر، يعني: من شدة سكره، فتأثَّر هذا الذي رآه وحلف بالطلاق أن امرأته طالقٌ إن كان يدخل جوفَ ابن آدم شيءٌ أخبث أو أشَرُّ من الخمر، فالآن الرجل يستفتي الإمام مالكًا ويقول: هذا امرأته تطلق بهذا أم لا؟
والإمام مالكٌ استعظم هذه المسألة، وقال: دعني ثلاث ليالٍ، وائتني بعد ثلاثٍ، فأتاه هذا الرجل بعد ثلاثة أيامٍ، فقال الإمام مالكٌ: امرأتك طالقٌ، إني تصفحت كتاب الله، فلم أرَ شيئًا يدخل جوف ابن آدم أخبثَ ولا أشرَّ من الربا، فأفتاه بوقوع طلاق امرأته؛ لأن هذا الرجل طلق امرأته أن لا شيء أخبث من الخمر، فقال الإمام مالكٌ: لا، بل هناك شيءٌ أخبث من الخمر، وهو الربا؛ ولذلك أفتاه بوقوع طلاق امرأته.

وقد بالغت الشريعة في سد جميع الأبواب الموصلة للربا ولو من وجهٍ بعيدٍ، وأذكر في هذا حديث سعد بن أبي وقاصٍ  عند أصحاب السنن، وهو حديثٌ صحيحٌ، أن النبي سُئل عن بيع الرُّطَب بالتمر، فقال عليه الصلاة والسلام: أينقص الرطب إذا يبس؟، قالوا: نعم، قال: فلا إذنْ [4]، يعني: لو أردت أن تبيع كيلو تمرٍ بكيلو رطبٍ مع التقابض والتماثل، لا يجوز، مع أن هذا كيلو وهذا كيلو، التقابض تحقَّق، لماذا؟ لأن هذا الرطب سوف ينقص إذا يبس، الفرق يسيرٌ جدًّا، ومع ذلك منع منه النبي ، تجد أن الشريعة شدَّدت في شأن الربا وبالغت؛ لأن النفوس مجبولةٌ على حب المال؛ ولهذا تجد أن الشريعة سدت الذرائع الموصلة للربا، فالربا أمره عظيمٌ.

والأمر الثاني في أصول المعاملات المحرمة: الميسر، وقد قرنه الله تعالى بالخمر وأمر باجتنابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ۝ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [المائدة:90-92]، فقرن الله تعالى الميسر بالخمر.

قال العلماء: ووجه اقتران الميسر بالخمر: أن كلًّا منهما يُدمِن عليه صاحبه، فكما أن الذي يشرب الخمر يدمن عليه؛ فكذلك الذي يتعاطى الميسر يدمن عليه، وهذا أمرٌ مشاهَدٌ، تجد أن الذي يلعب بالميسر ويتعاطى الميسر يصبح كمدمن الخمر تمامًا، ثم إن الخمر يدعو قليلُه إلى كثيره، وكذلك الميسر قليله يدعو إلى كثيره.

الأمر الثالث: الجهالة والغرر، نجد أن الشريعة حرمت ما كان فيه جهالةٌ أو غررٌ من البيوع ونحوها؛ وذلك لأن الجهالة والغرر تُفضي إلى المنازعة والخصومة بين الناس.

والأمر الرابع: الظلم والتعدِّي، كما نهى عن بيع المُسلِم على بيع أخيه، وشرائه على شراء أخيه [5]، ونحو ذلك؛ وذلك لأن في هذا تعديًا على حق مسلمٍ، وحقوقُ العباد أمرها عظيمٌ جدًّا عند الله ، حتى إن النبي أخبر بأن الشهيد الذي باع نفسه لله يُغفر له كل شيءٍ إلا الدين [6]، إلا ما كان متعلِّقًا بحقوق العباد.

هذه أصول المعاملات المحرمة.

وقد استجد في الوقت الحاضر معاملاتٌ كثيرةٌ لم تكن معروفةً من قبل، وأكثر هذه المعاملات أصبحت في زمننا هذا مرتبطةً بالبنوك، وسنذكر صورًا لأبرز المعاملات الموجودة التي يتعامل بها الناس اليوم، وقبل ذلك أُشير إلى أن نظرة الإسلام إلى بعض العقود تختلف اختلافًا كليًّا وجذريًّا عن نظرة البنوك وما يسمى بالاقتصاد العالمي المعاصر لها.

فعلى سبيل المثال: الإسلام ينظر إلى القرض على أنه من عقود الإرفاق، فإذا أصبح يُراد به الربح والمعاوضة؛ أصبح محرمًا؛ لأن صورة القرض في الأصل صورةٌ ربويةٌ، كوني أعطيك عشرة آلاف ريالٍ تردُّها لي بعد سنةٍ، هذه في الأصل صورةٌ ربويةٌ، لكن الشريعة الإسلامية استثنتها من باب تشجيع الناس على الإرفاق والإحسان والتعاون، فإذا أصبح لا يُراد هذا، لا يُراد الإرفاق والإحسان، إنما أصبح يُراد المعاوضة والربح، رجع القرض لصورته في الأصل، لكن نظرة البنوك ونظرة ما يسمى بالاقتصاد العالمي الآن ينظرون للقروض على أنها وسيلةٌ ربحيةٌ استثماريةٌ.

الأمر الثاني: الضمان، الإسلام ينظر له أيضًا على أنه من عقود الإرفاق، فلا يجوز أخذُ عوضٍ مقابل الضمان، بينما البنوك تنظر إلى إلى الضمان على أنه من وسائل الربح والاستثمار لديها؛ ولهذا لا تستغرب أن يُفتِي بعض العلماء بتحريم كثيرٍ من المعاملات البنكية، مع أن الأصل في باب المعاملات الحل والإباحة؛ لأن نظرة البنوك إلى هذه العقود تختلف اختلافًا كليًّا وجذريًّا عن نظرة الإسلام لها.

صور لأبرز المعاملات المحرمة

ننتقل بعد ذلك إلى صورٍ من المعاملات المحرمة، ونذكر منها ما يتسع له الوقت، وإلا فهي كثيرةٌ ربما لا نستطيع أن نستوعبها في هذه المحاضرة، ولكن نَذكر أبرزها وأهمها على حسب ما يتسع له الوقت.

ونبتدئ بأهم هذه الأمور، وهو الذي اشتغل به كثيرٌ من الناس الآن، وأصبح الشغل الشاغل في كثيرٍ من المجالس الآن: وهو الأسهم، والمساهمة في الشركات، وأحكامها، فنريد أولًا أن نُعرِّف الأسهم:

الأسهم: جمع سهمٍ، والسهم: هو حصةٌ في رأس مال شركةٍ، وبذلك مجموع هذه الحصص يكون رأس مال هذه الشركة؛ على سبيل المثال: نحن الموجودين الآن في هذا المسجد، لو اتفقنا على إنشاء مشروعٍ معينٍ، نقول: مكتبة مثلًا، أو أي مشروعٍ تجاريٍّ، وقلنا: السهم خمسمئة ريالٍ، فمنَّا من يساهم بسهمٍ، ومنا من يساهم بعشرة أسهمٍ، ومنا من يساهم بخمسةٍ، ومنا من يساهم بعشرين سهمًا، مجموع هذه الأسهم يكون رأس مال هذا المشروع، إذا قام هذا المشروع يسمى “شركة مساهمة”، هذا مثالٌ بسيطٌ طبعًا، وإلا رءوس أموال الشركات تكون ضخمةً، لكن هذا هو مثالٌ بسيطٌ.
هكذا أيضًا بالنسبة للشركات المساهمة، تُطرح للتداول على شكل أسهمٍ متساوية الحصص، فيقال مثلًا: قيمة السهم خمسون ريالًا، وأنت تساهم مثلًا بعشرة أسهمٍ، أو خمسةٍ، أو أكثر أو أقل، فإذا ساهم عددٌ كبيرٌ من الناس، هنا يتكون رأس مال الشركة، وإذا طُرحت الشركات في الاكتتاب العام؛ ففي الغالب أنه يتحصل مبلغٌ كبيرٌ من المال، هذا المبلغ تُكوَّن به الشركات المساهمة، ولا شك أن هذه الشركات تقوم بأعمالٍ كبيرةٍ في المجتمع؛ مثلًا: شركات الكهرباء تقوم بخدمةٍ كبيرةٍ، والكهرباء ينتفع بها الناس، وشركات مثلًا الألبان، وشركات العصائر، وشركات الأسْمَنْت، وهكذا، فنجد أن هذه الشركات تقوم بأعمالٍ كبيرةٍ في المجتمع؛ ولذلك نقول: الأصل في المساهمة في هذه الشركات هو الحل والإباحة؛ لأنه مجرد اشتراكٍ في هذه الشركة، اشترك مجموعةٌ من الناس في هذه الشركة، فالأصل هو الحل والإباحة.

ولكن مجالس إدارات كثيرٍ من الشركات أفسدت هذه الشركات بالإقراض والاقتراض بالربا؛ لأن ما يحُصِّلونه من المساهمين مبالغ كبيرةٌ بالملايين، ويرون أن بقاءها بدون أخذ فوائد ربويةٍ عليها، يعتبرونه ما يسمى بالاقتصاد المعاصر، الاقتصاد الغربي غير الإسلامي، يعتبرونه خسارةً، وعندهم نظرية: أن المال لا يبقى ساكنًا، لا بد أن يُحرَّك.
ولذلك هذه الملايين التي يُحصِّلونها من المساهمين يرون أنه لا بد أن تُوضع في البنوك الربوية، ويؤخذ عليها فوائد، وربما تحتاج الشركة إلى مبلغٍ ماليٍّ، فيقترضون أيضًا من البنوك بفوائد، وهذا هو الذي أفسد هذه الشركات، وإلا فالأصل هو الحل والإباحة، وإلا لو أن هذه الشركات التزمت بعدم الإقراض والاقتراض بالربا والبُعد عن المحظورات الشرعية؛ لكان فيها خيرٌ عظيمٌ للمجتمع، ولكن كما ذكرتُ: أن مجالس إدارات هذه الشركات أفسدوها بالإقراض والاقتراض بالربا، حتى إنه قد أصبح قبل سنواتٍ إلى وقتٍ قريبٍ لا يوجد ولا شركةٌ واحدةٌ لا تتعامل بالربا، ولا شركةٌ واحدةٌ، كل الشركات تتعامل بالربا، وهذه مصيبةٌ؛ ولهذا -ولله الحمد- كان لأهل العلم في هذا جهدٌ كبيرٌ في مناصحة القائمين على تلك الشركات وتذكيرهم بالله ، فوُجِد -ولله الحمد- شركاتٌ نقيةٌ، وإن كانت لم تصل إلى النصف بعد، لكنها -ولله الحمد- في ازديادٍ، وهذا يقودنا إلى معرفة حكم المساهمة في الشركات.

فنقول: إن هذه الشركات تنقسم إلى ثلاثة أقسامٍ:

  • القسم الأول: شركاتٌ محرمةٌ، غرضها الأساس ونشاطها الأساسي محرمٌ؛ كشركات الخمور والخنزير ونحو ذلك، هذه شركات الخمور، والشركات التي تصنع من الخنزير ونحو ذلك، هذه لا إشكال في تحريمها وتحريم المساهمة فيها.
  • القسم الثاني: شركاتٌ مباحةٌ، ولا تتعامل بالربا إقراضًا ولا اقتراضًا، وهذه لا إشكال في جواز المساهمة فيها كما قدمنا.
  • القسم الثالث: شركاتٌ غرضها الأساسي مباحٌ، ولكنها تتعامل بالربا إقراضًا أو اقتراضًا، وهذا هو حال معظم الشركات المساهمة اليوم، كأن تكون شركة ألبان أو عصائر، أو مثلًا صناعاتٍ، أو نحو ذلك، لكنها تتعامل بالربا إقراضًا واقتراضًا، فهل تجوز المساهمة فيها؟ وهل يجوز الدخول فيها أو لا يجوز؟

اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين مشهورين:

  • القول الأول: أنه تجوز المساهمة فيها، بشرط أن يقوم المساهم بالتطهير، ومعنى التطهير: أن يتصدق بمقدار الربا، بنية التخلص لا بنية التقرب، وهذا القول قال به عددٌ من العلماء، ومنهم الهيئة الشرعية في البنوك، وكذلك من أبرز من قال بهذا القول: الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، وحجتهم في هذا، قالوا: إن هذا مالٌ حلالٌ اختلط بمالٍ حرامٍ، فغُلِّب جانب الحلال؛ لأن الحلال هو الأكثر، وأما ما فيه من الحرام فيمكن لصاحبه أن يتخلص منه بالتطهير.
  • القول الثاني في المسألة: أنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات، لا يجوز الاكتتاب فيها، ولا المساهمة فيها مطلقًا، ولو كانت نسبة الربا قليلةً، على أن أصحاب القول الأول -قبل أن ننتقل للقول الثاني- اختلفوا في تحديد النسبة، فلا يُجيزون الدخول فيها بإطلاقٍ، لكن منهم من اشترط أن تكون نسبة الربا (5%)، ومنهم من اشترط أن تكون (10%)، ومنهم من اشترط أن تكون (3%)، وهذا أكثر ما قيل، أما إذا زادت على (30%)؛ فلا أحد يقول بجواز الدخول فيها، القول الثاني: أنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات التي غرضها الأساسي مباحٌ لكنها تتعامل بالربا، ولو كانت نسبة الربا (1%)، لا يجوز الدخول فيها مطلقًا، وهذا هو رأي شيخنا عبدالعزيز بن بازٍ رحمه الله، وهو الذي قررته المجامع الفقهية، ومنها: “مجمع الفقه الإسلامي” التابع لرابطة العالم الإسلامي، وكذلك “مجمع الفقه الإسلامي الدولي” التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهذا القول الراجح في هذه المسألة والله أعلم: أنه لا يجوز الدخول في الشركات التي تتعامل بالربا ولو كانت نسبة الربا فيها قليلةً؛ وذلك لأن المساهِم يُنسَب له مالٌ وعملٌ؛ أما المال: فهو المال الذي بذله للدخول في هذه الشركة، وأما العمل: فإن جميع أنشطة الشركة تُنسَب إلى المساهمين، شاءوا أم أبوا، ففي مثالنا السابق الذي ذكرناه، نحن قلنا: لو اشتركنا مثلًا في مشروعٍ تجاريٍّ، جميع أنشطة هذا المشروع تُنسَب لنا نحن المساهمين، وحينئذٍ إذا تعاملت هذه الشركة تعاملاتٍ محرمةً؛ تُنسب للمساهمين، إذا أقرضت بالربا أو اقترضت بالربا؛ تُنسب للمساهمين، والربا أمره عظيمٌ، حتى إن النبي لعن شاهده وكاتبه [7]، فكيف بمن يتعامل بالربا لكن بالوكالة؟!

حقيقةً المساهم لو دخل في شركةٍ غير نقيةٍ؛ أنه يتعامل بالربا لكن بطريقٍ غير مباشرٍ، بالوكالة، وَكَّلَ مجلس الإدارة بأن يقوم عنه بجميع أعمال الشركة، ومنها التعاملات الربوية، فهو في الحقيقة تُنسَب له أعمال الشركة شاء أم أبى، وهذا هو القول الراجح في المسألة، ولذلك نقول: إنه إذا كانت الشركة تتعامل بالربا قل أو كثر؛ فإنه لا يجوز الدخول فيها، ولو أن هذا القول أُشِيع وظهر وبرز وانتشر؛ لكان في ذلك أكبر رادعٍ لتلك الشركات، ولمجالس إدارة تلك الشركات التي أفسدت تلك الشركات بتلك التعاملات الربوية، وبهذا نعرف أن الدخول في المساهمات فيه خطورةٌ من هذه الناحية، لا بد إذا أردت أن تدخل في مساهمةٍ أن تسأل: هل هذه الشركة نقيةٌ لا تتعامل بالربا، أم أنها غير نقيةٍ؟ فإذا كانت غير نقيةٍ، تتعامل بالربا ولو كان قليلًا؛ تبتعد عنها، ومن ترك لله شيئًا عوضه الله خيرًا منه، أما إذا كانت الشركة نقيةً؛ فلا بأس بالدخول فيها.

وقد قام بعض الإخوة بتصنيف الشركات الموجودة الآن، وأصدروا قوائم للشركات النقية، ويمكن الاستعانة بها لمن أراد الدخول في المساهمات، يمكن أن يستعين بتلك القوائم ولا يدخل إلا في الشركات النقية.

حكم الدخول في صناديق الاستثمار

وهذا يقودنا إلى مسألةٍ أخرى وهي: صناديق الاستثمار، صناديق الاستثمار ما حكم الدخول فيها؟

الواقع أننا إذا تأملنا صناديق الاستثمار الموجودة الآن؛ نجد أنها على أقسامٍ:

  • القسم الأول: صناديق استثمارٍ تتعامل مع شركاتٍ محرمةٍ، هذه لا إشكال في عدم جواز الدخول فيها، تتعامل مع جميع الشركات، ومنها الشركات المحرمة، خاصة الشركات الدولية، هذه لا إشكال في عدم جواز الدخول فيها.
  • القسم الثاني: صناديق تتعامل مع الشركات المختلطة، وهذه اختلف فيها العلماء المعاصرون، وخلافهم فيها فرعٌ عن الخلاف في المسألة السابقة؛ من أجاز الدخول في الشركات المختلطة أجاز هذه الصناديق، ومن منع الدخول في الشركات المختلطة منع هذه الصناديق، ونحن رجحنا: أنه لا يجوز الدخول في الشركات المختلطة؛ وبناءً على ذلك: لا يجوز هذا النوع من الصناديق.
  • القسم الثالث: صناديق استثمارٍ تتعامل مع الشركات النقية فقط، وهذه الصناديق كانت قبل ستة أشهرٍ غير موجودةٍ، لكنها -ولله الحمد- في الستة الأشهر الأخيرة وُجِد منها صندوقان فقط، فهذه لا بأس بالدخول فيها، وينبغي أن تُشجَّع، بل ينبغي أن تُشجَّع صناديق الاستثمار النقية والشركات النقية؛ لأننا إذا شجعناها؛ نهضت وقامت، ولأننا إذا شجعناها أيضًا؛ كان في ذلك مدعاةٌ للشركات الأخرى والصناديق الأخرى لكي تُطهِّر تعاملاتها من الربا، لا شك أنه إذا قام الصندوق الاستثماري النقي، وانكب الناس عليه وتعاملوا معه،… سوف يقومون بتنقية صناديقهم من الربا حتى يجلبوا المستثمرين.

التورُّق المنظم

وما أن تُذكَر الأسهم؛ إلا وتُذكر معها السندات، والسندات هذه في الغالب التعامل فيها يكون لفئةٍ خاصةٍ من الناس ومحدودًا: وهي تعهدٌ يَصدر من البنك لحامل هذا السند…. مثله مع فوائد ربويةٍ، وهذا التعهُّد يصدر من الشركات ومن البنوك، أو شركاتٍ عن طريق البنوك، وهذه السندات لا شك أنها محرمةٌ؛ لأنها مرتبطةٌ بفوائد ربويةٍ، فتدفع شركةٌ من الشركات مثلًا سندًا إلى شركةٍ تبيع سياراتٍ بالتقسيط، أو إلى صاحبٍ له يبيع بالتقسيط، فاشترى سيارةً بالتقسيط بستين ألف ريالٍ، وذَهَبَ وعَرَضَها في السوق نقدًا، فأتى إنسانٌ واشتراها منه بخمسين ألفًا نقدًا، هذه تسمى “مسألة التورُّق”، وهي جائزةٌ، ولا بأس بها على الصحيح من قولي الفقهاء، ولكن توسعت البنوك في هذا التورُّق، وهو ما يسمى الآن بـ”التورق المنظم”، حتى أصبح الإنسان يأتي إلى البنك وبمجرد أن يُعبِّئ أوراقًا ويوقِّع عليها؛ يقولون: كم تريد من المال؟ يقول: أريد مئة ألف ريالٍ، فيُوقِّع على أوراقٍ، ثم ينزل في رصيده بعد ساعةٍ واحدةٍ مئة ألف ريالٍ، ويبقى في ذمته مئةٌ وعشرة آلافٍ.

الإيجار المنتهي بالتمليك

أيضًا من المسائل المعاصرة: الإيجار المنتهي بالتمليك.

والإيجار المنتهي بالتمليك هذا له عدة صورٍ، ليست صورةً واحدةً، ومن أشهر صوره: أن يقع التأجير والتمليك في عقدٍ واحدٍ، وهذه الصورة صورةٌ ممنوعةٌ، وقد قرَّر هذا “هيئة كبار العلماء”، وكذلك “مجمع الفقه الإسلامي”، أن هذه الصورة ممنوعةٌ، إذا وقع التأجير والتمليك في وقتٍ واحدٍ بعقدٍ واحدٍ؛ فإن هذا لا يجوز، وأما إذا وقع العقد على أنه تأجيرٌ مع وعدٍ بالتمليك؛ فإن هذا لا بأس به كما قرر ذلك “مجمع الفقه الإسلامي”، فيكون عقد إيجارٍ، لكن يقولون: إذا انتظمتَ والتزمت بالسداد في الموعد المحدد؛ فإننا نعدك وعدًا غير ملزِمٍ بأن نهب لك هذه السيارة، أو نبيعك هذه السيارة بمبلغٍ قدره كذا، وهذا لا بأس به، وأنا رأيت بعض عقود بعض الشركات التي تبيع بالتقسيط، بعض شركات السيارات التي تبيع بالتقسيط وتُؤجِّر، رأيت عقود إيجارٍ كُتب على العقد: “إيجار”، وتترتب عليه جميع أحكام الإجارة تمامًا، لكنهم وضعوا فقط في الأخير: أنه إذا التزم المستأجر بسداد جميع الأقساط؛ فإن الشركة تَعِدُه وعدًا غير ملزِمٍ بأن تهب له هذه السيارة، وهذه الصورة لا بأس بها، وهذا يُؤكِّد ما ذكرتُه في أول المحاضرة؛ لأنه أحيانًا يكون الفرق بين الحلال والحرام يسيرًا، لكن يحتاج إلى تفقُّهٍ في مثل هذه المسائل.

فنقول إذنْ: التأجير المنتهي بالتمليك ليس حرامًا بإطلاقٍ، وليس أيضًا جائزًا بإطلاقٍ، بل بعض صوره مباحةٌ وبعضها محرمةٌ.

المسابقات التجارية

أيضًا من المسائل المعاصرة في أبواب المعاملات: المسابقات التجارية، وهذا بابٌ واسعٌ، لكن نريد أن نضع ضوابط فيها، فنقول في المسابقات التجارية: إذا كان يُشترط على الداخل في المسابقة أن يبذل عوضًا ولو يسيرًا؛ فإنها لا تجوز؛ لقول النبي : لا سبَقَ إلا في خُفٍّ أو نصلٍ أو حافرٍ [8]، ولا نافيةٌ للجنس، وسَبَق ذُكرت في سياق النفي؛ فتعُمُّ جميع أنواع السَّبَق، يعني: جميع أنواع العوض، قل أو أكثر، إلا في هذه الأمور الثلاثة: إلا في خُفٍّ أو نصلٍ أو حافرٍ، أي: إلا بالإبل والخيل والسِّهام، والجمع بين هذه الأمور الثلاثة: أنها كآلةٍ للجهاد في عهد النبي ، فكما كان مُعِينًا على الجهاد في سبيل الله؛ فيجوز المسابقة فيها من باب تشجيع الناس على التعلُّم والتدرُّب على هذا الجهاد في سبيل الله، ما عدا ذلك فإنه لا يجوز، لا يجوز بذل العوض فيه من المتسابق؛ ولهذا نقول: جميع المسابقات التجارية التي يُشترط على من يدخل فيها بذل العوض ولو كان قليلًا لا يجوز الدخول فيها؛ وعلى هذا: جميع المسابقات -وهكذا “الرقم سبعمئة”- لا تجوز، ومن المَيْسِر، محرمةٌ، جميع المسابقات عن طريق “الرقم سبعمئة” محرمةٌ ومن الميسر.

وكذلك أيضًا المسابقات التي عن طريق الرسائل، رسائل الهاتف المنقول محرمةٌ؛ لأن المشترك لا بد أن يبذل عوضًا، وهو قيمة هذه الرسالة، وهذه موجودةٌ مع الأسف! في بعض الصحف.

وأيضًا مسابقات الصحف، إذا كان مشتري الصحيفة إنما يشتريها لأجل المسابقة، أما إذا كان يشتري الصحيفة ليس لأجل المسابقة، وإنما من عاداته شراء الصحيفة؛ فلا بأس من الدخول في هذه المسابقة، وهكذا لو كانت تأتيه الصحيفة عن طريق دائرةٍ حكوميةٍ مثلًا واشترك في المسابقة، لا بأس؛ لأن هناك من الناس من يشتري أعدادًا كثيرةً من الصحف ليس بحاجةٍ لها، ولكن لأجل الفوز بالمسابقة، وقد سمعت من أحد المشايخ الأفاضل نقلًا عن أحد رؤساء تحرير إحدى الصحف أنه قال: كنا نطبع أربعين ألفًا لصحيفةٍ من الصحف، وكنا نسترجع منها قرابة عشرة آلافٍ، فلما وضعنا مسابقةً؛ كنا نطبع مئتي ألف نسخةٍ ولا نسترجع منها شيئًا، ما معنى هذا؟ معنى هذا: أن هناك أناسًا يشترون أعدادًا كثيرةً من الصحف ليسوا بحاجةٍ لها، يشتري مئة عددٍ أو أكثر؛ لأجل الفوز بالمسابقة، وهذا لا شك أنه من الميسر، لا شك أن هذا من الميسر.

مسابقات المحلات التجارية أيضًا من هذا القبيل؛ إن كان قد اشترط على من يدخل المسابقة شراء (كوبون) المسابقة؛ فإنه لا يجوز الدخول فيها، وهكذا أيضًا لو أنه لم يشترط هذا الشرط، لكن شَرَطَ للدخول في المسابقة: ألا يقل شراؤك عن مبلغٍ معينٍ، يقولون: إذا أردت أن تدخل المسابقة؛ فليس لك أن تدخل فيها إلا إذا اشتريت بأكثر من مئة ريالٍ، فإن هذا أيضًا لا يجوز؛ لأن معنى ذلك: أنه قد حُسب العوض الذي تبذله ضمن فاتورة الشراء.

أما إذا كانت المسابقة لا يَبذل فيها المتسابق أي عوضٍ، وإنما الذي طرح المسابقة أراد بهذا مثلًا تحفيز الناس، أو تشجيع الناس على أن يرتادوا محله أو نحو ذلك، فإن هذا لا بأس به، ومن ذلك مثلًا الهدايا التي تُقدِّمها بعض محطات الوقود لمن يُعبِّئ الوقود منها، هذه لا بأس بها؛ لأن الوقود يُباع بسعر المثل، كأن صاحب المحطة بدل أن يبيع مثلًا (اللتر) من البنزين بتسعين (هللةً)، كأنه يقول: أبيعك إياه مثلًا بتسعٍ وثمانين، أو ثمانٍ وثمانين، لكن بدل أن يبيع بهذه الطريقة؛ أعطاك هديةً، هذا لا بأس به، وهكذا أيضًا الهدايا التي توجد مع البضائع، اشتريتَ مثلًا بضاعةً، حليبًا أو غيره، وكان معه هديةٌ، فإن هذا أيضًا لا بأس به.

فإذنْ القاعدة في الميسر: أنه إذا كانت المعاملة تتردد بين الغُرم والغُنم؛ فأنت إما رابحٌ وإما خاسرٌ؛ فإنها تكون محرمةً، أما إذا كانت المعاملة لا تتردد بين الغُنم والغُرم، وإنما بين الغُنم والسلامة، يعني: أنت إما غانمٌ وإما سالمٌ؛ فلا بأس بالدخول فيها.

التعامل بالعملات

بقيت مسألةٌ، ولعنا نختم بها هذه المحاضرة: وهي التعامل بالعملات.

نقول: أولًا الدخول في أسواق العملات الدولية الموجودة الآن لا شك أنه يكتنفه كثيرٌ من المحاذير الشرعية من جهة عدم التقابض؛ ولذلك ننصح بعدم الدخول فيها؛ لهذه المحاذير، ولكننا نقول: إن الأوراق النقدية التي استقر عليها رأي المجامع الفقهية والهيئات العلمية: أنها نقدٌ مستقلٌّ بذاته، حكمها حكم الذهب والفضة تمامًا؛ ولذلك الأوراق النقدية أجناسٌ بحسب إصدارها، فالريال السعودي مثلًا جنسٌ، الدينار الكويتي جنسٌ، الجنيه المصري جنسٌ، وهكذا، وإذا بِيع الجنس بمثله؛ فلا بد من شرطين: التقابض والتماثُل، أما إذا بِيع بغير جنسه؛ فكما قال عليه الصلاة والسلام: إذا اختَلَفَتِ الأجناس؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ [9]؛ ولهذا نقول: إذا أردت أن تصرف ريالاتٍ سعوديةً بريالاتٍ سعوديةٍ؛ فلا بد من التقابض والتماثل.

وعلى هذا ننبه إلى مسألةٍ شائعةٍ عند بعض الناس: عندما يريد أن يصرف عملةً؛ مثلًا يريد أن يصرف خمسمئة ريالٍ، ذَهَبَ لشخصٍ صاحب محلٍّ عنده وقال: اصرف لي خمسمئة ريالٍ، قال: ليس عندي إلا أربعمئةٍ، أعطيك أربعمئةٍ، وغدًا أُعطيك مئة ريالٍ هذا لا يجوز، هذا محرمٌ ولا يجوز، لماذا؟ لأنه اختلَّ أحد الشروط؛ لأنه يُشترط التقابض والتماثل، وهنا صرف خمسمئةٍ بأربعمائةٍ، أما المئة الريال هذه فتأخَّر القبض فيها إلى وقتٍ آخر؛ وهذا يقتضي أن هذا الشخص قد وقع في الربا؛ ولذلك لا يجوز، هذا التعامل محرمٌ ولا يجوز.

ولكن يمكن أن يقول: إن هذه الخمسمئة أجعلها عندي وديعةً، وأُقرضك قرضًا، أربعمئة ريالٍ، على سبيل القرض مثلًا، أو من غير أن يقول: أجعلها وديعةً، يقول: أريد أن أُقرضك ما تريد، لك أن تصرف خمسمئةٍ بأربعمئةٍ، والمئة الريال يأتي بها فيما بعد، فهذا لا يجوز؛ لأن عند صرف العملة بعملةٍ أخرى من جنسها؛ لا بد من التقابض والتماثل، أما عند صرفها بجنسٍ آخر؛ فيُشترط شرطٌ واحدٌ: وهو التقابض، وإذا أردت أن تصرف مثلًا ريالاتٍ بدولاراتٍ؛ فلا بد من التقابض، ولا يُشترط التماثل: فإذا اختلفت الأجناس؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ.

هذا، وأسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يحب ويرضى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

المقدم: في ختام هذه المحاضرة أسأل الله أن يجزي الشيخ سعد خير الجزاء، وأن يوفقكم جميعًا لما يحب ويرضى.

والآن مع الأسئلة:

الأسئلة

السؤال: ما هي الأسهم التي… الاتصالات وبنك بلاد… أسهم منذ الاكتتاب، ولا أدري هل لا زالت في دائرة… أم لا؟ وأيضًا: ما هي هذه الصناديق التي ذكرتها حتى نُساهم فيها، الصناديق الحلال؟

الجواب: أنا أولًا لا أريد تسمية شركاتٍ ولا صناديق معينةٍ في هذه المحاضرة، لا نريد الدعاية لشركاتٍ وصناديق معينةٍ، ولا في الوقت نفسه أيضًا نريد الإساءة لشركاتٍ وصناديق؛ لأنهم ربما أيضًا بَنَوا رأيهم فيها على فتاوى شرعيةٍ من بعض العلماء؛ ولذلك فالذي أرى في هذه المحاضرة ألَّا نسمي شركاتٍ وصناديق معينةً، ومن أراد أن يستفسر عن شيءٍ معينٍ منها؛ فليستفسر بصفةٍ شخصيةٍ، أما تسمية هذا في مثل هذه المحاضرة مع تسجيلها، فإن هذا أرى أنه غير مناسبٍ، لكن على كل حالٍ هناك قوائم للشركات النقية، بإمكان الأخ أن يرجع لها في بعض المواقع الإسلامية، على شبكة المعلومات الإنترنت يجد هذه المواقع، وعلى ضوء ذلك يكون الإجابة عما سأل عنه.

السؤال: على ماذا بنى القائلون بجواز المشاركة في الشركات المختلطة كـ (5%)، (10%)، (3%)؟

الجواب: بنوا ذلك على ما ذكره الفقهاء من قاعدةٍ: وهي أنه إذا اختلط المال الحلال باليسير من الحرام؛ فالحكم للأغلب، والأغلب هنا هو الحلال، فقالوا: إنه قد اختلط مالٌ حلالٌ بمالٍ حرامٍ، وهذا المال الحلال هو الأكثر والأغلب، فيكون الحكم للأغلب، ويكون هذا الحرام اليسير يمكن صاحبه أن يتخلَّص منه، وبذلك يزول الإشكال، هذا في الحقيقة صحيحٌ، لكن فات عليه النظر إلى أن المساهم أيضًا يُنسَب له عملٌ، ليست فقط مسألة اختلاط مالٍ حلالٍ مع الحرام، لو كانت المسألة مسألة اختلاط مالٍ حلالٍ بمالٍ حرامٍ، ربما نوافقهم على هذا، لكن أيضًا المساهم يُنسب له عملُ ما تقوم به هذه الشركات من جميع الأعمال، هي منسوبةٌ لهذا المساهم شاء أم أبى، فهي في الحقيقة فيها مالٌ وعملٌ، ليست مالًا فقط، ليست القضية قضية مالٍ حلالٍ اختلط بمالٍ حرامٍ، إنما فيها مالٌ وعملٌ.

أيضًا مما استندوا عليه قالوا: إن هذا هو واقع الشركات في العالم الإسلامي، كان هذا قبل عشر سنواتٍ -كما ذكرت- لا تكاد تُوجد ولا شركةٌ واحدةٌ لا تتعامل بالربا، وقالوا: إن هذا هو واقع العالم الإسلامي، فكيف نحرم الأُمَّة من هذه الشركات التي تقوم بأعمالٍ كبيرةٍ للمجتمع، ولكن هذا قد يُسلَّم في وقتٍ مضى، أما في الوقت الحاضر فوُجدت شركاتٌ نقيةٌ ولله الحمد؛ ولذلك لا يُسلَّم الآن بأن الضرورة تدعو إلى هذا، قد وُجدت شركاتٌ نقيةٌ، ووُجد البديل المباح.

السؤال: هناك من يحتج بأن التورُّق الذي في البنوك مُجَازٌ من مشايخ معروفين؟

الجواب: ما أشار إليه السائل صحيحٌ، أن بعض التورُّق الموجود في بعض البنوك مُجازٌ من بعض الهيئات الشرعية، ولكنهم -أعضاء الهيئات الشرعية- رأوا أن الربا إذا كان يسيرًا؛ فإنه يُغتَفر فيه إذا تخلص صاحبه من الحرام، وهذا في مسألة الأسهم، وفي مسألة التورُّق رأوا أن البنك إذا ملك البضاعة، ووكَّله العميل فيها توكيلًا صحيحًا؛ قالوا: فهذا بيعٌ وشراءٌ وتوكيلٌ صحيحٌ، فلهم في هذا وجهتهم، ولكن كون أن البنوك توسعت في هذا، تَراجَع كثيرٌ من البنوك بعد صدور قرار “مجمع الفقه الإسلامي”، لما توسعت البنوك في هذا ودَرس الموضوعَ “مجمع الفقه الإسلامي”، وأصدر فيه قرارًا؛ تراجع كثيرٌ من البنوك، بل كثيرٌ من الهيئات الشرعية عن هذه الفتوى.

والنبي يقول: الإثم ما حاك في نفسك وتردَّد في الصدر وإن أفتاك النفس وأفتوك [10]. ويقول: الحلال بيِّنٌ والحرام بينٌ وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه.. [11]، على الأقل هذا فيه شبهةٌ، حتى وإن أُفتِيَ فيه، ما دام أنه محل خلافٍ بين العلماء؛ فعلى الأقل أن فيه شبهةً، والنبي يقول: من اتقى الشبهات؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه، فينبغي للإنسان أن يتقي الشبهة؛ ولذلك قال: الإثم ما حاك في الصدر، وتردَّد في النَّفْسِ، وإن أفتاك الناس وأفتوك.

السؤال: أخي يعمل في شركة الكهرباء، ولي أيضًا أخٌ آخر يعمل في بنكٍ ربويٍّ، فهل لي الممانعة من أكل طعامه أو قبول هديته؟ أفتونا مأجورين جزاكم الله خيرًا؟

الجواب: أما شركات الكهرباء: فلا بأس بها، هي تقوم بأعمالٍ مباحةٍ، وما فيها من الإشكالات هذه بالنسبة للمُساهم فيها، كلامنا فيما يتعلَّق بالمُساهم، أما العامل فلا إشكال فيه، إلا إذا كان يُمارس عملية الربا، لكن إذا كان يقوم بخدماتٍ لهذه الشركة، أو بأعمالٍ لا صلة لها بالإقراض والاقتراض بالربا، فلا بأس بالعمل فيها.

وأما البنك الربوي: فإن النبي لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه [12]، لا شك أن من يعمل في بنكٍ ربويٍّ إما ان يكتب الربا، وإما أن يشهد عليه؛ فيدخل تحت هذا النهي، ولكن يجوز لك أن تتعامل مع من يعمل في الربا، وأن تُجيب دعوته، وأن تقبل هديته؛ لأنه ليس بأسوأ من اليهود في عهد النبي ، وقد كان النبي يُجيب دعوتهم، ودعته امرأةٌ يهوديةٌ إلى وليمةٍ فقبل دعوتها، ولكنها وضعت السم في الشاة [13]، قصة الشاة المسمومة في “البخاري” وغيره معروفةٌ، فالنبي كان يقبل دعوة اليهود ويأكل طعامهم؛ ولذلك تُوفِّي ودرعه مرهونةٌ عند يهوديٍّ، مع أنهم وصفهم الله تعالى بأنهم أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة:42]، فمن كان ماله مختلطًا، يعني: ماله ليس حرامًا محضًا، وإنما اختلط الحلال بالحرام، لا بأس بإجابة دعوته، ولا بأس بقبول هديته، ولا بأس بالتعامل معه؛ لأنه ليس بأسوأ من اليهود الذين وصفهم الله بأنهم أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ، مع مناصحته.

السؤال: …..؟

الجواب: هنا يسأل عن شركة…، الإشكال أن القائمة المالية لهذه الشركة لم تصدر بعد من “هيئة السوق المالية”، وحيث إنها لم تصدر؛ فلا يمكن الحكم عليها، ولذلك لا زال المشايخ متوقفين فيها حتى يستبين الأمر، حتى تصدر النشرة، فإذا صدرت النشرة التاريخية -لعلها تصدر هذا الأسبوع إن شاء الله- على ضوء ذلك تكون الفتوى في حكم المساهمة فيها.

السؤال: إذا ذهبتُ إلى شخصٍ يبيع الذهب يعرفني، وبقي له عشرة آلاف ريالٍ، فما الحكم؟

الجواب: عند بيع الذهب لا بد من التقابض؛ لأن العِلَّة واحدةٌ، وإذا كانت العلة واحدةً؛ فلا بد من التقابض، هذه قاعدةٌ في باب الربا: إذا كانت العلة الربوية واحدةً؛ فيجب التقابض، أما إن اختلفت العلة؛ لم يجب التقابض ولا التماثل، لكن إذا كانت العلة واحدةً؛ فيجب التقابض مطلقًا، وإذا اتحد الجنس؛ وجب التماثل، أما إذا اختلف الجنس لم يجب التماثل، لكن التقابض واجبٌ بكل حالٍ.

فنجد أن العلة في الربا هي الثمنيَّة، علة الربا في الذهب: هي الثمنية، والعلة في الأوراق النقدية: هي الثمنية؛ ولذلك لا يجوز بيع الذهب بالأوراق النقدية إلا مع التقابض، وسؤال الأخ الذي فهمت منه: أنه لم يحصل التقابض بينه وبين بائع الذهب، وهذا لا يجوز، إذا كان لم يحصل التقابض بينه وبين بائع الذهب؛ فإنه لا يجوز بيع الذهب إلا يدًا بيدٍ.

السؤال: إذا صرفت خمسمئة ريالٍ، وأخذت أربعمئة ريالٍ، وبقي مئةٌ للغير، وسوف آخذها… في المستقبل هل هذا حرامٌ أم حلالٌ؟

الجواب: ذكرنا هذه المسألة، وقلنا: إنها لا تجوز، عند الصرف لا بد من التقابض والتماثل؛ لأن العلة واحدةٌ، والجنس واحدٌ، فعندما تصرف خمسمئة ريالٍ بخمسمئةٍ، هنا العلة واحدةٌ، ريالاتٌ سعوديةٌ بريالاتٍ سعوديةٍ، العلة الثمنيَّة، والجنس واحدٌ؛ ريالٌ سعوديٌّ بريالٍ سعوديٍّ، هنا لا بد من التقابض والتماثل، فإذا صرفتَ خمسمئةٍ بأربعمئةٍ؛ وقعت في الربا.

ولكن هناك مسألةٌ ربما بعض الناس تشتبه عليه ويقيسها على هذه المسألة، وهذا غير صحيحٍ، لو ذهبت لمحلٍّ تجاريٍّ، واشتريت منه مثلًا بأربعمئة ريالٍ، وأعطيته خمسمئةٍ، وقال: مئة ريالٍ تأتي فيما بعد تأخذها منَّا، هذا لا بأس به؛ لأن هذا ليس صرفًا، وإنما بيعٌ وشراءٌ، اشتريت بضاعةً وبقي في ذمته دينٌ لك، كما لو بقي في ذمتك دينٌ له، هذا لا بأس به، هذا ليس صرفًا، فلا تشتبه عليك هذه المسألة بتلك، تلك المسألة: هي صرف خمسمئةٍ بخمسمئةٍ، فلا بد من التقابض والتماثل، لكن هذا شراءٌ، أنت ذهبت إلى محلٍّ واشتريت، لكن أعطيته خمسمئةٍ، ما وجد لك مئة ريالٍ، مثلًا: اشتريت بأربعمئة ريالٍ، قال: مئة ريالٍ تأتي فيما بعد تأخذها، هذا لا بأس به؛ لأن المسألة هنا ليست صرفًا، وإنما شراءٌ، فبقي لك في ذمته مئة ريالٍ.

السؤال: ما حكم الاقتراض لسلعةٍ من بنكٍ، ثم أبيعها عليه، مع أن هذه السلعة يملكها البنك؟

الجواب: إذا اشتريتها من البنك بثمنٍ مؤجلٍ، ثم بعتها على البنك بنقدٍ، فهذه مسألة العِينة المحرمة شرعًا، هذه مسألة العِينة، ولكن الظاهر من حال السائل: أن البنك لا يشتريها منه، لكن البنك يتوكَّل في بيعها لغيره، يتوكَّل البنك في بيعها لغيره، وهذه مسألةُ “التورُّق المنظَّم” الذي تكلمنا عنه في المحاضرة، وقلنا: إن “المجمع الفقهي” قرر عدم جوازه.

السؤال: …..؟

الجواب: هنا لا بد من نقل هذه الأكياس، لا بد من النقل؛ لأن النبي نهى عن بيع الطعام حتى يحوزه التجار إلى رحالهم [14]، وجاء في “صحيح البخاري”: كان الناس يُضربون عليها ضربًا [15].

فإذا تحقق النقل، يعني: هذه أكياس أرزٍ في محلٍّ تجاريٍّ، اشتراها شخصٌ بعشرة آلاف ريالٍ مؤجَّلة إلى سنةٍ، وأراد أن يبيعها لطرفٍ ثالثٍ لا بأس بها، لكن بشرط أن يقبضها، يأخذ أكياس الأرز هذه ويضعها مثلًا في سيارته، أو يضعها في مكانٍ آخر لا سلطة للبائع عليه، كالسوق مثلًا، ينقلها للسوق ويحملها بسيارته، يذهب بها إلى بيته، ثم يبيعها لطرفٍ ثالثٍ، لكن يبيعها وهي في مكانها هذا لا يجوز، لا يجوز أن يبيعها وهي في مكانها، لا بد من نقلها.

السؤال: رجلٌ يُريد أن يُساهم في شركةٍ، وطلبتُ منه أن يُساهم لي معه، على أن يعطيني نصف القيمة من الربح؟

الجواب: إذا كان ذلك على وجه المشاركة بينهما؛ فلا بأس، إذا كان مثلًا يقول: أعطيك اسمي، وتكون مثلًا دفتر العائلة، ويكون الربح بيننا أنصافًا، أو لي الربع ولك ثلاثة أرباعٍ، أو العكس؛ فتكون هذه شركةً، ولا بأس بهذا، والنظام أيضًا لا يمنع من هذا، لكن الإشكال أن يبيع الاسم له، يقول: أعطني دفتر العائلة، ويُعطيك على الاسم كذا ريالًا، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه يترتب عليه عدة محاذير، يترتب عليه:

أولًا: التزوير والكذب والالتفاف على الأنظمة التي وضعها ولي الأمر، وُضعت لأجل مصلحة الناس؛ ولذلك فإن هذه الأسهم إنما تبقى باسم صاحب البطاقة، حتى لو أعطاك قيمتها، وقد سمعت عن قصصٍ كثيرةٍ من أناس أعطوا بطاقاتهم لأشخاصٍ، ثم إن أصحاب تلك البطاقة تحايلوا على ذلك الشخص الذي باعوا له الأسهم، فحصل من هذا نزاعٌ وخصومةٌ.

ثم أيضًا المسلمون على شروطهم، فهذا البنك قد شرط، أو هذه الشركة التي افتُتحت للاكتتاب قد اشترطت ألا يقدم عليها ولا يكتتب فيها إلا من كان صاحب بطاقةٍ، فالمسلمون على شروطهم، وقد شرط عليه هذا الشرط، فنقول إذنْ: بيعُ الأسماء للأسهم، الأقرب أنه لا يجوز، لكن إذا كان على الصفة التي ذكرها السائل؛ مشاركة بينهما، مشاركة، أعطيك الاسم على أن تكون الأرباح بيننا أنصافًا أو أرباعًا أو نحو ذلك، أو لي ربعٌ ولك ثلاثة أرباعٍ ومثل ذلك، إن هذا لا بأس به.

المقدم: أحسن الله إليك، وجزاك الله خيرًا يا شيخ، أسأل الله يبارك فيكم، وأن يثيبكم على هذه الكلمات الطيبة، وعلى هذا البيان الشافي والإيضاح الطيب.

نسأل الله أن يجزي الحاضرين خير الجزاء، وأن يجعل قصدهم لهذه المحاضرة في ميزان حسناتهم، في يوم لا ينفع فيه لا مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 2312، ومسلم: 1594.
^2 رواه البخاري: 2766، ومسلم: 89.
^3 رواه مسلم: 1597.
^4 رواه أبو داود: 3359، والترمذي: 1225، والنسائي: 4559.
^5 رواه البخاري: 2139، ومسلم: 1412.
^6 رواه مسلم: 1886.
^7 سبق تخريجه.
^8 رواه أبو داود: 2574، والترمذي: 1700، والنسائي: 3585.
^9 رواه مسلم: 1587.
^10 رواه أحمد: 17742، بنحوه.
^11 رواه البخاري: 52، ومسلم: 1599.
^12 رواه مسلم: 1598.
^13 رواه البخاري: 5777، دون ذكر المرأة، وأبو داود: 4509، من حديث أبي هريرة ، ورواه أحمد: 2784، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
^14 رواه البخاري: 2124، ومسلم: 1526.
^15 رواه البخاري: 2137، ومسلم: 1527.
مواد ذات صلة
zh