عناصر المادة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
اغتنام العشر الأواخر من رمضان
أيها الإخوة، نحن مقبلون بعد ليلة غير هذه الليلة على أمرٍ كان النبي يُعظِّمه، وكان يهتم به غاية الاهتمام، حتى إنه عليه الصلاة والسلام كان ينقطع عن الدنيا ويتفرَّغ له تفرُّغًا كاملًا، ألا وهي العشر الأواخر من رمضان.
هذا الموسم العظيم، هذا الموسم الثمين، هذا الوقت الثمين من عمر الإنسان، والذي فيه ليلةٌ مَن وافقها فقد وُفِّق لخيرٍ عظيم، ليلة القدر، التي العمل فيها خيرٌ من العمل في ألف شهر: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:1-3]؛ يعني: أن العمل الصالح في ليلة واحدة ليس مساويًا للعمل في ألف شهر بل خيرٌ منه.
وألف شهر تُعادل ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر.
والموفَّق من وفَّقه الله، حتى مَن كان مقصِّرًا فيما مضى من عمره؛ لو وُفِّق لهذه الليلة لَوُفِّق لخيرٍ عظيم، خيرٌ ممَّن عمل ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر، وذلك فضل الله.
إنها فرصة أيها الإخوة، فرصة عظيمة للتزوُّد بالأعمال الصالحة؛ إذا كان أرباب التجارة عندهم فرصٌ في البيع والشراء وفيما يتعلق بأمور الدنيا، فكذلك أيضًا تجار الآخرة -التجارة مع الله – لهم فرص، ومن هذه الفرص: هذه الفرصة التي بين أيدينا؛ ليلة واحدة خيرٌ من ألف شهر: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:4]؛ شرفًا لها، وتنزل تُسَلِّم على كل مؤمن ومؤمنة يتعبَّد لله : سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر [الفجر:5]؛ أي: إنها تبتدئ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
هذه الليلة -أيها الإخوة- تستحق من الإنسان أن يتفرَّغ لها، وقد كان عليه الصلاة والسلام يطلب هذه الليلة، فاعتكف العشر الأُوَل، ثم اعتكف العشر الأواسط من رمضان، ثم أُخبر بأن ليلة القدر في العشر الأواخر؛ فاستقر اعتكافه عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر، فكان طيلة حياته عليه الصلاة والسلام يعتكف في العشر الأواخر إلى أن توفاه الله، إلا في سنة واحدة لما أراد أن يعتكف أتى أزواجُه، وكلُّ زوجةٍ ضربتْ لها خَباءً في المسجد، فقال عليه الصلاة والسلام: آلْبِرَّ أردتن، ثم أمر بإزالة الأخبية كلها، ولم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان من ذلك العام، لكنه اعتكف بدلًا منها في العشر الأول من شهر شوال[1]. واعتكف عليه الصلاة والسلام في العام الذي تُوفِّي فيه عشرين يومًا.
أحكام الاعتكاف
والاعتكاف من الشرائع القديمة الموجودة عند الأمم السابقة؛ ويدل لذلك قولُ الله تعالى لإبراهيم : أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ [البقرة:125]، هذا يدل على أن الاعتكاف موجود منذ زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
وأيضًا جاء في صحيح البخاري ومسلم عن عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف في الجاهلية ليلةً في المسجد الحرام؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أوفِ بنذرك[2]. وهذا دليل على أن الاعتكاف كان موجودًا من قديم الزمان.
معنى الاعتكاف وحُكمه
والاعتكاف يعني: الانقطاع عن الدنيا والتفرُّغ للعبادة، كُلُّ ذلك طلبًا لليلة القدر: وهو سنة مؤكدة جدًّا في العشر الأواخر من رمضان.
ويُعرِّفه العلماء بأنه: “لزوم المسجد لطاعة الله تعالى”. وهذا يدل على أن من شرطه أن يكون في المسجد، فلا يصح أن يكون في غير المسجد.
وبناءً على ذلك: لا يصح أن تعتكف المرأة في بيتها، فإذا أرادت المرأة أن تعتكف لا بد أن تعتكف في مسجد من المساجد، واعتكاف النساء مشروع كالرجال، لكن بشرط أمن الفتنة.
ويُسمى الاعتكاف “جوارًا” كما جاء ذلك في بعض الأحاديث.
والاعتكاف -كما ذكرنا- سنة، إلا أنه يجب بالنَّذْرِ، لو نذر إنسانٌ أن يعتكف فيجب عليه أن يفي بنذره.
الحِكمة من الاعتكاف
الحكمة من الاعتكاف أيها الإخوة: هي الانقطاع عن الدنيا، والتفرُّغ للعبادة، وطلبًا لليلة القدر؛ لأن الإنسان وهو في مشاغل الحياة قد يقسو قلبه ويغفل ويذهل، فهو بحاجة إلى وقت ينقطع فيه عن أمور وأشغال الدنيا التي لا تنقضي، وأن يتفرَّغ فيه للآخرة، يتفرَّغ فيه للعبادة، ويلتمس فيه ليلة القدر، فهو يكون في المسجد ليلًا ونهارًا، لا يخرج من المسجد؛ فإذًا هو منقطعٌ لعبادة الله ، هذه هي الحكمة من الاعتكاف.
حدُّ الاعتكاف
والاعتكاف لا حَدَّ لأقلِّه؛ بل كل ما يسمى اعتكافًا عرفًا فإنه يصح أن يكون اعتكافًا.
بناءً على ذلك؛ لو لم يتيسر لك أن تعتكف في جميع العشر الأواخر من رمضان؛ فلك أن تعتكف في ليلةٍ -مثلًا- من الليالي التي تُرجى فيها ليلة القدر، أو في ليالي الوتر، أو بعض الليالي، لا بأس بهذا.
من شروط الاعتكاف
والاعتكاف من شرطه المُكث واللُّبث في المسجد، ويُنافيه الخروج من المسجد.
حالات خروج المعتكف من معتكفه
والخروج من المسجد بالنسبة للمعتكف له ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يخرج لما لا بد له منه؛ كأن يخرج للإتيان بالطعام والشراب إذا لم يوجد من يأتيه بالطعام والشراب، فهذا لا بأس به باتفاق العلماء.
وكذلك أيضًا الخروج لقضاء الحاجة لا بأس به. لكن، إذا كان المسجد ملحقًا به دورات مياه: فهل يجوز للمعتكف أن يخرج إلى بيته ليقضي حاجته في بيته، أم لا بد أن يقضي حاجته في دورة مياه المسجد؟
هذه المسألة اختلف فيها العلماء؛ فمن العلماء من قال: ما دام أن المسجد ملحقٌ به دورات مياه، فليس له الخروج إلى بيته. وقال آخرون: بل له ذلك.
وتوسط فريق ثالث وقالوا: إذا كان المعتكف ممن يحتشم من الذهاب لدورة مياه المسجد فله الذهاب لبيته، أما إذا كان ممن لا يحتشم من ذلك فليس له الذهاب.
وهذا هو القول الراجح في المسألة، وهو الذي ذكره الموفق ابن قدامة في “المغني”، وهو الأقرب؛ لأن بعض الناس يشقُّ عليه أن يقضي حاجته أو أن يغتسل أو أن يتنظَّف في دورة مياه المسجد، ويريد أن يفعل ذلك في بيته؛ لكونه له خصوصية، وبعض الناس ربما يكون كبيرًا في السن، وربما أنه لا تطمئن نفسه إلا بقضاء حاجته في دورة المياه في منزله، في مثل هذا نقول: لا بأس أن يذهب لبيته ويقضي حاجته بِبَيْتِه، والحمد لله، وهذا لا يُنافي المقصود من الاعتكاف؛ لأن المقصود من الاعتكاف هو التفرُّغ للعبادة في المسجد، فخروجه هذا خروجٌ يسيرٌ؛ ولهذا تقول عائشة رضي الله عنها عن النبي عليه الصلاة والسلام: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: إلا لحاجة الإنسان[3].
ولهذا نقول: إن هذا مما يُشجع الإنسان على الاعتكاف؛ لأن بعض الناس يقف عنده هذه المسألة عقبة وعائقًا، يقول: كيف أعتكف في المسجد؟! وكيف أقضي حاجتي؟! وكيف؟! أريد أن أغتسل، وأريد أن أتنظف، وربما تكون له أيضًا دورة مياه خاصة به ونحو ذلك، فنقول: مثل هذا لا بأس أن يذهب لبيته ويقضي حاجته في البيت -والحمد لله- ويعتبر هذا من الخروج لحاجة.
الأمر الثالث: الخروج لقُرْبة لا تجب عليه، كالخروج لعيادة المريض، أو تشييع الجنازة، فجمهور أهل العلم يمنعون من ذلك، إلا أن يشترط، ومن العلماء من قال بعدم صحة الاشتراط وهم المالكية، وقالوا: إن الاشتراط ليس عليه دليل، ولم يُؤثَر عن أصحاب النبي ، وهذا هو القول الراجح في المسألة: إنه لا يصح الاشتراط؛ لأنه لا دليل يدل على صحته، والجمهور إنما أجاوزه قياسًا على الاشتراط في الحج، ولكن هذا القياس قياس غير صحيح؛ لأن المُشترِط في الحج إنما يشترط أن يتحلَّل من الحج عند وجودِ عائقٍ يعوقه، بينما المُشترِط في الاعتكاف يريد أن يشترط لأمرٍ يُنافي الاعتكاف؛ فهذا القياس إذًا لا يستقيم.
فإذًا؛ ليس عليه دليل من السنة ولا من أقوال الصحابة ، ولا من الآثار المروية عنهم في هذا، والقياس الذي -أيضًا- اعتُمد عليه قياس لا يستقيم ولا يصح، وبهذا نقول: إنه لا يصح الاشتراط أصلًا كما قال الإمام مالك.
وحينئذٍ نقول: بالنسبة للخروج لعيادة المريض ولاتِّباع الجنازة، القول الصحيح فيها: إنه إذا كان لهذا المريض أو لهذا الميت على الإنسان حقٌّ، فيجوز له أن يخرج ولو لم يشترط أصلًا، يجوز له أن يخرج لعيادة والده إذا مرض ووالدته، ولأخيه ولأخته ونحو ذلك، وهكذا إذا مات أحدٌ من أقاربه الذين لهم عليه حقٌّ متأكِّد؛ كأن يموت والده، أو أخوه، أو قريبٌ عزيزٌ عليه، فله أن يخرج من معتَكَفِه من غير أن يشترط، فهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، ولا حاجة لأن نقول بالاشتراط أصلًا.
ثم إنني أقول أيها الإخوة: إن المعتكف ينبغي أن يشتغل بما هو طاعة لله ، ومن ذلك أعظم ما يشتغل به في ليالي العشر الأواخر من رمضان ما هو؟ الصلاة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقوم هذه الليالي، وليلةَ سبعٍ وعشرين جَمَع أهله، وجَمَع الصحابةَ كلَّهم وقام بهم تلك الليلة، حتى خشي الصحابة أن يفوتهم السحور، فأعظم ما يشتغل به الإنسان الصلاة.
عدد ركعات صلاة التراويح
وبعض الناس يقول: أنا لا أريد أن أُصلِّي إلا إحدى عشرة ركعة فقط، نقول: إحدى عشرة لا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في معظم أحيانه وأحواله لا يزيد على إحدى عشرة ركعة[4]، لكن كيف كانت صلاة النبي ؟
كان عليه الصلاة والسلام يقرأ في الركعة الواحدة سورة البقرة والنساء وآل عمران، ويكون ركوعه قريبًا من قيامه، وسجوده قريبًا من قيامه.
فإذا أردت أن تفعل مثل هذا، نقول: إحدى عشرة ركعة لا شك أنها هي السنة، لكن أن تُطبِّق السنة في العدد وتُهمل في الكيفية؛ هذا ليس من الفقه!
لهذا نجد في بعض المساجد إذا دخلتِ العشر الأواخر خفَّف صلاته؛ يعني مثلًا: بدل أن يخرجوا الساعة التاسعة في العشرين الأولى، أصبحوا يخرجون التاسعة إلا ربعًا بدخول العشر الأواخر، ويقول: نريد تطبيق السنة في العدد! هذا خلل، هذا غير صحيح! المطلوب إحياء هذه الليالي الفاضلة، كيف يُحرم الإنسان من الأجر.
ثم أيضًا نقول: إن صلاة الليل -صلاة التراويح- غير محددة بعدد، والدليل لذلك هو قول النبي : صلاة الليل مثنى مثنى[5]، ولا شك أن صلاة التراويح هي من صلاة الليل، ولم تُسَمَّ أصلًا بـ”صلاة التراويح” إلا في عهد عمر : صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح؛ فليُوتر بواحدة[6]. فهي غير محددة بعدد معين حتى نتقيَّد بالعدد في هذا، وأدركت رجلًا يقول: أنا لا أُصلي إلا إحدى عشرة ركعة، فيُصلي أول الليل ربعَ أو ثلثَ ساعةٍ، وآخر الليل من ثلثِ إلى نصفِ ساعةٍ، وقلت: بقية الوقت؟ قال: ما أُصلِّي!
هذا حرَمَ نفسه الحقيقة، انظُر كيف يدخل الشيطان على الإنسان، أفضل ما يشتغل به في تلك الليالي الصلاة، أفضل ما يشتغل به الصلاة، على أن الصلاة هي أحب الأعمال إلى الله تعالى في غير العشر الأواخر أيضًا، فما بالك بالعشر الأواخر؟! جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: سألت النبي : أيُّ العمل أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها[7].
الصلاة يا إخواني يجتمع فيها من الخشوع والخضوع والتعظيم لله وقراءة القرآن والذكر والتسبيح ما لا يجتمع في غيرها؛ ولهذا أَحَبُّ العمل إلى الله تعالى الصلاة، فإذا أردت أن تُشغل معظم وقتك بالصلاة؛ هذا هو أحبُّ العمل إلى الله تعالى.
كان الإمام أحمد بن حنبل يُصلِّي لله تعالى في اليوم والليلة تطوعًا من غير الفريضة ثلاثمائة ركعة، وكان الحافظ عبدالغني المقدسي صاحب “عمدة الأحكام” يقتدي بالإمام أحمد في هذا، فيُصَلِّي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة؛ لعِلْمهم بأنَّ الصلاة هي أحبُّ العمل إلى الله تعالى.
ولهذا؛ حتى إذا أتيت المسجد الجامع يوم الجمعة، أفضل ما تشتغل به: الصلاة، إلى أن يدخل الخطيب، يعني: إلى قُبَيل دخول الخطيب، يعني: إلى وقت النهي قُبَيْل الزوال بحدودِ مِن خمس إلى عشر دقائق، وكان كثيرٌ من السلف يشتغلون بالصلاة من حين أن يأتي المسجدَ الجامع إلى وقت النهي ركعتين مثنى مثنى؛ ويدل لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ثم يُصلِّي ما كتب له[8]. فإذا استطعت أن تُمضي الوقت هذا كله في الصلاة؛ هذا هو أحب العمل إلى الله تعالى.
هكذا أيضًا في العشر الأواخر، الناس الآن ربما يشُقُّ عليهم طول القيام؛ ولهذا إذا كان يشُقُّ عليهم طول القيام فيُكثرون من الركعات، كما كان الإمام أحمد رحمه الله يفعل، يُصلِّي ثلاثمائة ركعة.
فالصلاة إذًا هي أحب العمل إلى الله تعالى، وتتأكَّد الصلاة في العشر الأواخر من رمضان؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه[9]، ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة[10].
فإذا قُمتَ مع الإمام حتى ينصرف، يعني: حتى يُسلِّم لآخر ركعة؛ يُكتب لك قيام ليلة، يُكتب لك الأجر كاملًا، والحمد لله.
ولهذا؛ ينبغي للإنسان إذا صلى مع الإمام ألا ينصرف حتى ينصرف الإمام من آخر ركعة، وأن يعزم على ذلك؛ لأن بعض الناس يأتيهم التردُّد، إذا أتى الإنسانَ التردُّدُ فلن يُكمل الصلاة مع الإمام، لا بد أن يكون ذا عزم وحزم، وأن يُقدِّر أن هذا ربما يكون آخر رمضان يصومه مع المسلمين، وأن يجعل الآخرة هي أكبر اهتماماته، أمور الدنيا أشغالها لا تنقضي، أشغال الدنيا لا تنقضي، فيعزم على أن يُكمل الصلاة مع الإمام حتى يُكتب له قيام ليلة.
الاجتهاد في ليلة القدر
وليلة القدر أيها الإخوة هي في العشر الأواخر، ومن اجتهد في جميع ليالي العشر فقد وافق ليلة القدر قطعًا؛ ولهذا ينبغي الاجتهاد في جميع ليالي العشر، لكن آكد الليالي وأرجحها ليلة سبع وعشرين؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام إنما جمع أصحابه وأهله في تلك الليلة، ولم يقم النبي عليه الصلاة والسلام ليلة كاملة بأهله وأصحابه إلا ليلة سبع وعشرين، وأيضًا أُبَيُّ بن كعب كما في “صحيح مسلم” كان يجزم بأن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، بل كان يحلف على هذا، يقول: والله الذي لا إله غيره، إني لأعلم أيَّ ليلةٍ هي ليلة القدر: هي الليلةُ التي أمر النبي بقيامها، هي ليلةُ سبعٍ وعشرين، ولقد رقبت الشمس عشرين عامًا فوجدتها تطلع صبيحة سبع وعشرين لا شعاع لها[11].
وهذا هو رأي جمهور أهل العلم، وهو رأي عمر وابن عباس وعدد من الصحابة ، وهو المذهب عند الحنابلة: أن أرجى وأرجح الليالي ليلة سبع وعشرين، والأدلة والآثار كثيرة في هذا.
ومن لطائف التفسير: ما ذُكر في قول الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، قالوا: إن هذه السورة ثلاثون كلمة، ذكر هذا بعض المفسرين، من اللطائف: أن هذه السورة ثلاثون كلمة، وأن الكلمة رقم سبع وعشرين: هِيَ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر [القدر:5]، فلَعَلَّ في هذا إشارة إلى أن أرجى الليالي ليلة سبع وعشرين.
والصحيح: أنها ثابتة وأنها لا تتنقل؛ لأنها إنما اكتسبت شرفها بنزول القرآن فيها؛ ولأن النبي خرج ليُخبر بها أصحابه فحصلت ملاحاة بين رجلين فأُنسيها[12]، ولو كانت تتنقل لكان لما أُنسيها في ذلك العام الذي وقعت فيه هذه الملاحاة والخصومة؛ لَأخبرهم العامَ الذي يليه أو العام الذي يليه.
ولهذا؛ فالصواب كما هو عليه جمهور أهل العلم: أنها ثابتة، وأنها لا تتنقل، وأن أرجاها ليلة سبع وعشرين.
ولكن أيضًا حتى ليلة سبع وعشرين، العالم الإسلامي مختلفٌ في دخول شهر رمضان: فمنهم من دخل شهر رمضان عنده يوم الأحد، ومنهم من دخل الاثنين كما هو الحال عندنا، وبعض بلدان العالم الإسلامي لم يدخل رمضان عندهم إلا الثلاثاء، فليلة سبع وعشرين أيضًا مختلفة، وهي واحدة لا يمكن أن تختلف، لا يمكن أن تنزل الملائكة أكثر من مرة، هي مرة واحدة، فمن الذي يُصيب ليلة سبع وعشرين؟ هل نحن، أم الذين صاموا الأحد، أم الذين صاموا الثلاثاء؟ وهذا كله يستدعي أن يجتهد المسلم في جميع ليالي العشر الأواخر.
أفضل ما يشتغل به المعتكف
إذًا أفضل ما يشتغل به المعتكف -أيها الإخوة- هو الصلاة، وأُنَبِّه هنا على أن بعض المعتكفين وفَّقهم الله إذا اعتكفوا يُمضون كثيرًا من وقتهم في “السواليف” وفي الأحاديث الجانبية، ومن المعلوم أن الكلام يجُرُّ بعضه بعضًا، وربما وقعوا في غِيبة، وربما وقعوا في سخرية، أو وقعوا في كلام غير لائق.
ولهذا ينبغي لهم أن يُقلِّلوا من الكلام، نعم، نقول: لا بأس بالحديث الجانبي، ولا بأس بمثل هذه الاجتماعات، لكن تكون بقَدْر معيَّنٍ، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام زارته زوجه صفية بنت حيي رضي الله عنها، فتحدث معها ساعةً وهو معتكفٌ في المسجد، ثم ذهب ليُودِّعها، فرآه رجلان من الأنصار، فقال: مهلًا، إنها صفية، قالوا: أنت تقول هذا يا رسول الله؟! قال: إنها صفية، إني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكم شرًّا -أو قال: شيئًا-، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم[13]، فهذا يدل على أنه لا بأس بالحديث، لكن يكون بقَدْر معيَّن، لا يكون جُلَّ وقت الإنسان.
وينبغي أن يجعل المعتكِف له برنامجًا في اعتكافه؛ لأن هذا يُعينه، يعني مثلًا: يختم القرآن في معتكفه كذا مرة، ويجعل لذلك آلية معينة، يقول مثلًا: كل يوم -كل ليلة- أقرأ كذا جزءًا من القرآن، حتى يختم القرآن كذا مرة، ويُسبِّح أيضًا ويحمد الله ويُكبِّره ويستغفر، فيجعل له برنامجًا في هذا، حتى يستفيد من اعتكافه؛ لأن بعض الناس يُمضِي جُلَّ اعتكافه في النوم والأحاديث، وهو فقط يُصلِّي مع الإمام، نقول: يُفترض للمعتكف أن يشتغل جُلَّ وقته بالتقرُّب إلى الله وبالعبادة.
حكم طلب الطعام من المطاعم للمعتكف
بقي أن يقال: بالنسبة لبعض المعتكفين عندما يطلبون سحورًا مثلًا أو فطورًا من المطعم، فبعضهم عندما يتصل به يشتري هذا الطعام وهو في المسجد، وهذا لا يجوز؛ لأن النبي نهى عن البيع والشراء في المسجد، قال: فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا[14]، إذا رأيتم من يبيع أو يشتري في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك[15].
ولهذا؛ إذا أراد أن يتصل مثلًا بالمطعم، أو بمن يأتي بالطعام أو الشراب، وهو يريد أن يشتري منه هذا الطعام أو الشراب، يخرج خارج المسجد ويتصل به، هذا بالنسبة للشراء.
أما بالنسبة للاقتضاء، كونه يُعطيه المبلغ هذا؛ لا بأس أن يكون في المسجد، وقد ورد في السنة ما يدل لهذا، كما في قصة حَدْرَد بن أبي حَدْرَد في مقاضاة كعب رضي الله عنهما، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ضَعْ عنه شطر المال، فقال: أفعل يا رسول الله[16].
فالمقاضاة في المسجد لا بأس بها، اقتضاء الدَّين لا بأس به، لكن الذي ورد النهي عنه هو البيع والشراء في المسجد.
صحة الاعتكاف في جميع المساجد
والاعتكاف يصح في جميع المساجد، حتى في غير الجوامع؛ يصح في المسجد الذي لا تُقام فيه الجمعة، وإذا أتى وقت الجمعة يخرج المُعتكف إلى المسجد الجامع ثم يعود إلى معتَكَفه.
الحث على اغتنام الأوقات الفاضلة
أقول أيها الإخوة: ربما إن تيسر لك أن تعتكف جميع العشر الأواخر لا شك أن هذا هو الأكمل وهو الأفضل وهو السنة، وهو خيرٌ عظيمٌ يفعله الإنسان وإنجاز كبير، إذا لم يتيسر فلا أقلَّ من أن تعتكف ليالي الوتر، فإذا لم يتيسر فلا أقل من أن تعتكف أرجى الليالي، فإذا لم يتيسر هذا كله، فلا أقل من أن تعتكف ليلة سبعٍ وعشرين؛ لأنها أرجى الليالي.
وإنه لمن المؤسف ومن المحزن عندما يرى الإنسان ازدحام الأسواق في مثل هذه الليالي الفاضلة، عندما يرى ليلة سبع وعشرين والأسواق مزدحمة بالناس، بالرجال والنساء وغيرهم وهم في غفلة عن هذا الوقت الثمين وهذا الوقت الفاضل الذي ربما لا يتكرر، وربما لو أن الإنسان تفرَّغ فيه للعبادة لربما أدرك فيه نفحة من نفحات الرب ينال بها سعادة الدنيا والآخرة.
فاجتهِدوا -رحمكم الله- في هذه العشر المباركة، وأَرُوا الله تعالى من أنفسكم خيرًا، اجتهدوا فيها أولًا بقيام هذه الليالي العشر، وأن يحرص كُلُّ واحدٍ منَّا ألا ينصرف حتى ينصرف الإمام من آخر ركعة؛ حتى يُكتب له أجر قيام ليلة، وأن يعتكف ما يتيسر من هذه الليالي الفاضلة.
مَن كان موظفًا فخروجه لوظيفته يقطع الاعتكاف ويُنافي الاعتكاف، لكن بإمكانه أن يعتكف بعض الليالي؛ يعني مثلًا: يعتكف في الليل، أما في النهار فيخرج لوظيفته، وبهذا ينتهي اعتكافه، وفي الليلة الثانية يعتكف مرة أخرى من جديد؛ هذا لا بأس به. ونحن قلنا: إن الصحيح أنه لا أقل للاعتكاف، وأنه يصح بكُلِّ ما يسمى اعتكافًا عرفًا.
هذه -أيها الإخوة- نبذة مختصرة في أحكام ومسائل الاعتكاف، وأسأل الله تعالى أن يُبارك لنا فيما بقي من شهر رمضان، وأن يُعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يتقبله منَّا جميعًا، وأن يجعلنا فيه من عتقائه من النار. كما أسأله سبحانه أن يُوفِّقنا لليلة القدر، وأن يجعلنا ممن يفوز بجزيل الثواب وعظيم الأجر.
كما أسأله سبحانه أن يُبارك لنا في أعمارنا وفي أوقاتنا، وأن يُبارك لنا فيما بقي من أعمارنا في هذه الدنيا، وأن يرزقنا توبة نصوحًا، ويرزقنا الإنابة إليه، وألا يجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ علمنا، وأن يُوفقنا لما يُحِبُّ ويرضى من الأقوال والأعمال، وأن يُيَسِّرنا لليُسرى، وأن يُجنِّبنا العُسرى.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحاشية السفلية
^1 | رواه البخاري: 2033. |
---|---|
^2 | رواه البخاري: 6697، ومسلم: 1656. |
^3 | رواه البخاري: 5925، ومسلم: 297. |
^4 | رواه البخاري: 3569، ومسلم: 738. |
^5 | رواه البخاري: 990، ومسلم: 749. |
^6 | رواه البخاري: 472، ومسلم: 749. |
^7 | رواه البخاري: 527، ومسلم: 85. |
^8 | رواه البخاري: 883. |
^9 | رواه البخاري: 38، ومسلم: 760. |
^10 | رواه أحمد: 21419، وأبو داود: 1375، والترمذي: 806، والنسائي: 1364، وابن ماجه: 1327. |
^11 | رواه مسلم: 762. |
^12 | رواه البخاري: 2016، ومسلم: 1167. |
^13 | رواه البخاري: 3101، ومسلم: 2174. |
^14 | رواه مسلم: 568. |
^15 | رواه الترمذي: 1321، والنسائي: 10004، والدارمي: 1401. |
^16 | رواه البخاري: 2710، ومسلم: 1558. |