logo
الرئيسية/محاضرات/ارتباط علم الفلك بعلم الفقه وأثره على الأحكام الشرعية

ارتباط علم الفلك بعلم الفقه وأثره على الأحكام الشرعية

مشاهدة من الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأحمد الله ​​​​​​​ على أن يسَّر لنا هذا اللقاء، وأسأل الله تعالى أن يُبارك فيه. ثم إنني أشكر الإخوة وعلى رأسهم أخونا الفاضل الأستاذ محمد جبر الرشيد، على تنظيم هذه اللقاءات النافعة والمفيدة، والتي تكون في عدة مجالات، وهناك بعض الموضوعات التي لا يُناسب إلقاؤها إلا في مثل هذه المجالس، ومنها مثلًا موضوعنا الذي بين أيدينا، هذا هو من الموضوعات المهمة، والتي أرى أنه لا يُناسب طرحه في المنتديات العامة في المساجد أو غيرها؛ لكونه موضوعًا دقيقًا ومتخصِّصًا أيضًا، وهذا الموضوع قد يبدو طرحه لأول وَهْلَةٍ غريبًا، لكنه في الحقيقة -كما سترون- فائدته كبيرة، والمسائل المتفرِّعة عليه كثيرة ومفيدة، ولها ارتباط ببعض العبادات التي يقوم بها المسلم، لها ارتباط بالصلاة وبالصوم كما سيأتي إن شاء الله.

ترابط العلوم وأهمية فهم هذا الترابط

ارتباط العلوم، فهمُ هذا الارتباط والاستفادة منه مهمٌّ جدًّا، خاصة في هذا الزمن الذي نعيشه، فأصبحت العلوم بعضها يخدم بعضًا، بل أصبح الفقيه المتخصِّص في علوم الشريعة لا يستطيع أن يحكم على كثير من المسائل إلا بعد الاستعانة بالمتخصصين في بعض العلوم، فمثلًا: في المسائل الاقتصادية لا بد من الاقتصادي المتخصِّص في الاقتصاد؛ ليُوضِّح للفقيه تصوير المسألة، كذلك أيضًا المسائل الطبية يحتاج الفقيه إلى الطبيب، المسائل الفلكية يحتاج إلى الفلكي، وهكذا.

وأذكر قبل أسبوعين كان مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي وكنت أحد المشاركين فيه، وكان عندنا بعض الموضوعات، كان من ضمنها موضوع طبيًّا عن اختيار جنس الجنين، فاستعنا بمجموعة من الأطباء لكي يوضحوا لنا ويشرحوا لنا المسائل الطبية المتعلِّقة بهذا الموضوع.

بعض المسائل الاقتصادية -الحقيقة- فيها إشكالات كثيرة، ولا يستطيع المتخصِّص في علوم الشريعة فهمها الفهم الكافي إلا بعد تصوُّرِها، وهذا يحتاج إلى المتخصِّص في الاقتصاد؛ ولهذا نجد أن الهيئات العلمية والمجامع الفقهية تستعين بهؤلاء المتخصصين، فإذا كان الموضوع المطروح اقتصاديًّا استعانوا باقتصاديين، إذا كان طبيًّا استعانوا بأطباء، إذا كان فَلَكِيًّا استعانوا بفلكيين، وهكذا، وهذا يُؤكِّد على أهمية ترابط العلوم وعلى استفادة العلوم بعضها من بعض، فهو من الأهمية بمكان.

ومن العلوم المهمة والحقيقة التي لها ارتباط بالعلوم الشرعية وبالأخص علم الفقه: علم الفلك.

وأنا اخترت هذا الموضوع؛ لأنه قَلَّ من يطرح مثل هذا الطرح؛ ولذلك قصدت أن اختار هذا الموضوع لنُدْرَةِ طرحه في الحقيقة.

وفي البداية أوَدُّ أن أُلقي الضوء على علم الفقه، ثم علم الفلك، ثم أُبيِّن أوجه ترابط وأثر ذلك في الأحكام الشرعية.

أما علم الفقه فتعريفه: «العلم بالأحكام الشرعية العَمَلية، المُسْتَنْبَط من أدلتها التفصيلية».

ومعنى ذلك: أن علم الفقه يشمل جميع الأحكام العملية، التي يحتاج لها المسلم: من أحكام الطهارة، وأحكام الصلاة، وأحكام الزكاة، والصيام، والحج، والمعاملات، وأحكام النكاح والأسرة، والجنايات والحدود، إلى غير ذلك مما يحتاج إليه المسلم. وهذا هو المعنى الاصطلاحي لعلم الفقه.

ولكن الفقه في معناه في الشريعة أعمُّ من هذا، فمعنى الفقه يشمل جميع علوم الشريعة، ولا يختص بهذا المصطلح.

فمثلًا: المتبحِّر في علوم الشريعة يقال له فقيه، ولا يلزم أن يكون متخصِّصًا في علم الفقه، بل يكون مثلًا عالمًا بالتفسير وبالحديث وبالنحو وبالفقه على المعنى الاصطلاحي، فيقال: إنه فقيه، وعلى هذا المعنى تُحمل النصوص الشرعية الواردة، ومنها قول الله : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة:122]. فهنا المعنى بـ”الفقه في الدين” المعنى الشامل؛ يعني: يتفقهوا في أمور الشريعة، وليس المقصود به المعنى الاصطلاحي الخاص. وهكذا قول النبي : من يُرِد الله به خيرًا يُفقِّهه في الدين[1]، المقصود به الفقه بمعناه الشامل، وليس المقصود به الفقه بمعناه الخاص.

نبذة موجزة عن تاريخ الفقه الإسلامي

والفقه الإسلامي مَرَّ بمراحل، فقد اعتنى الفقهاء بتدوين الأحكام الفقهية، ونشأت المذاهب الفقهية، وكان هناك عدة مذاهب، وأبرز الأئمة المشتهَرين ثلاثة عشر إمامًا، ولكن انقرضت هذه المذاهب ولم يبقَ منها إلا أربعة، لم يبقَ منها إلا الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وكذلك أيضًا يُضاف مذهب الظاهرية وإن كان نشأ في الأندلس.

لكن، هذه المذاهب الأربعة هي المذاهب السائدة، لكن هناك أئمةٌ آخرون، لكن انقرضت مذاهبهم؛ ولهذا قيل: “إن الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن طلابه لم يعتنوا به”؛ فمن أبرز الأسباب: عدم اعتناء الطلاب بشيخهم، فتنقرض تلك المذاهب.

لكن هذه المذاهب الأربعة قيَّض الله تعالى لها طلابًا فنشروها، وكان أول المذاهب الأربعة مذهب الحنفية، وإمامه هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت. ويليه مذهب المالكية، الإمام مالك بن أنس وهو إمام المذهب. ويليه مذهب الشافعية، محمد بن إدريس الشافعي وهو إمام المذهب. يليه مذهب الحنابلة، الإمام أحمد بن حنبل الشيباني هو إمام المذهب.

نشأت هذه المذاهب الأربعة، أوسعها انتشارًا هو مذهب الحنفية، وأقلها انتشارًا هو مذهب الحنابلة. وتعرفون الآن المذهب السائد عندنا في المملكة: هو مذهب الحنابلة. لكن أوسع المذاهب الأربعة انتشارًا على مَرِّ القرون الإسلامية: هو مذهب الحنفية، على مَرِّ العصور والقرون: هو مذهب الحنفية.

سبب انتشار المذهب الحنفي

وكان من أسباب انتشاره:

أولًا: تَقَدُّمه، فهو أسبق المذاهب الأربعة من الناحية الزمنية.

ثانيًا: أن فقهاء المذهب الحنفي تولوا مناصب في الدولة الإسلامية، وكان قاضي القضاة في زمن الدولة العباسية: القاضي أبا يوسف، وكان لا يُولِّي القضاء إلا من كان حنفيًّا. أما بقية المذاهب ما يُولِّيهم، يعني: شافعي، مالكي، حنبلي، ما يُولِّيه القضاء، فلا يُولِّي القضاء إلا من كان حنفيًّا، فانتشر المذهب الحنفي.

وكان محمد بن الحسن الشيباني أحد أبرز تلامذة الإمام أبي حنيفة أيضًا، بقي مدة طويلة في التدريس، وكثر طلابه، فانتشر المذهب الحنفي، ثم لما تولَّت الدولة العثمانية الحكم، وحكمت كثيرًا من البلدان الإسلامية، قصرت الحُكم على المذهب الحنفي، وألزمت القضاة بألا يقضوا إلا بالمذهب الحنفي، وتعرفون الدولة العثمانية بقيت مدة طويلة، وحكمت كثيرًا من البلدان الإسلامية.

مذهب الحنابلة كان أقل المذاهب الأربع انتشارًا، بل كان أصحابه أو المنتسبين إليه قِلَّةً على مَرِّ القرون، حتى قامت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، وقامت معها الدولة السعودية، فتبنَّت مذهب الحنابلة، فانتشر مذهب الحنابلة انتشارًا كبيرًا.

ولذلك يقول بعض المعاصرين الذين كتبوا في تاريخ الفقه الإسلامي: “إن الله تعالى عوَّض مذهب الحنابلة بالدولة السعودية التي نشرت هذا المذهب”. والآن، القضاة الأصل أنهم يحكمون بمذهب الحنابلة، إلا إذا رأى القاضي خلاف المذهب، يُبيِّن وجهة نظره بالدليل، لكن الأصل عندهم: هو أن القضاء بالمذهب الحنبلي.

طُبعت كتب المذهب، واعتنت بها الدولة -وفَّقها الله- وانتشرت انتشارًا كبيرًا، وانتشر مذهب الحنابلة في كثير من دول العالم الإسلامي، وانتشر مع المذهب الحنبلي العقيدة السلفية، العقيدة السلفية انتشرت ولله الحمد في العالم كله، ليس فقط العالم الإسلامي.

وأذكر على سبيل المثال: أنني في دورة شرعية زرت بلاد الكاميرون قبل سنوات، والْتَقيت بالمسلمين هناك، فقالوا: كانت هذه الدولة لا تعرف إلا الصوفية، ما كانوا يعرفون العقيدة السلفية أبدًا، فأتى طلابٌ منهم إلى المملكة ودرسوا في الجامعة الإسلامية، ورجعوا دُعاة في بلادهم فانتشرت عقيدة السلف، وأصبح الآن جميع الشباب هناك على العقيدة السلفية، يقولون أيضًا: يمكن بعد كذا سنة تنقرض الصوفية من تلك البلاد، وليس هذا فقط في الكاميرون، في كثيرٍ من دول إفريقيا.

وهذا يدل على أن هذه الدولة المباركة نشرت هذه العقيدة، وهذا من حسناتها الكثيرة؛ لأن بعض الناس أيضًا -كما يقول ابن القيم- يكون في نعمة ولا يعرف قدْر النعمة، حتى إذا زالت عرف قدْرها.

فكون مثلًا تأتي دولة وتتبنَّى عقيدة السلف، هذا من أعظم النِّعم؛ لأنه مَرَّ على الأمة الإسلامية قرونٌ ما قامت دولةٌ تحمي عقيدة السلف، كان مثلًا وقت المأمون: الجهمية، ثم لما أتى -أيضًا- الأشاعرة ثم الصوفية ما قامت دولة، حتى قامت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وارتبطت بها الدولة السعودية، فحمت عقيدة السلف، وانتشرت العقيدة السلفية، ولله الحمد.

هذه نبذة موجزة عن تاريخ الفقه الإسلامي.

والفقه من أهم العلوم في الحقيقة، يحتاج له المسلم في أموره كلها، ولو تأملت أيَّ برنامج استفتاء يمكن تجد (90%) منها فقهية؛ وهذا يدل على أهمية علم الفقه، وأهمية العناية به.

أهمية العناية بعلم الفلك

وأما علم الفلك فهو من العلوم العظيمة، وأتكلم عنه وإن كنت لست متخصِّصًا، لكني مهتم به، كان معنا أحد الفلكيين، لكن أتكلم عن هذا العلم العظيم وأقول: إنه من العلوم المهمة التي ينبغي العناية بها.

وفي فترة مضت من عمر الدولة الإسلامية ارتبط أن الفلكيين في تلك الأزمان كان بعضهم منجِّمين، فارتبط التنجيم بالفلك، فأصبح بعض الناس يأخذ فكرة سيئة عن الفلك بسبب ارتباطه في بعض الأزمنة والقرون بالتنجيم.

وفرقٌ كبير بين التنجيم والفلك؛ الفلك علمٌ عظيمٌ قائمٌ ومستقلٌّ، والتنجيم معلومٌ أنه شعوذة؛ ولذلك لا يصح الربط بينهما.

والعرب كانت لهم عناية كبيرة بالفلك، وكانوا يعرفون النجوم، وعندهم الحساب، كان أيضًا لهم عناية كبيرة به، بل إن بعض النجوم الآن نُقِلت إلى اللغات الأخرى باللغة العربية، مثل: نجم “الدَّبَرَان”، لا يزال إلى الآن يُكتب: الدبران، يُكتب هكذا بحروف الإنجليزية: (Aldebaran)، وأنجُمٌ كثيرةٌ نُقِلت بأسمائها العربية، وهذا يدل على عناية العرب بهذا العلم.

ولكن -الحقيقة- في الوقت الحاضر أرى أنه قد ضعف الاهتمام بهذا العلم، ولا أدلَّ على ذلك من أن بعض الجامعات الآن تخلَّت عن هذا العلم، وأذكر على سبيل المثال: كان قسم الفلك في جامعة الملك سعود قائمًا، وفيه عدد من الأساتذة المتخصصين، الآن ليس فيه إلا أستاذٌ واحدٌ، وأيضًا يقول لي هو شخصيًّا: إني لا أُدرِّس الفلك، أُدرِّس الفيزياء. أيضًا فهو في طوره الآن إلى الإغلاق، القسم هذا في طوره، وصل إلى هذه المرحلة.
فنجد أن العناية به ليست كبيرة، بل قال لي أحد الإخوة: لو جمعنا أعداد الفلكيين في المملكة ما يتجاوزون مائة، لكن هذا يدل على ضعف الاهتمام بهذا العلم، مع أنه علمٌ عظيمٌ، والتعمُّق فيه في الحقيقة يُقوِّي الإيمان ويُرسِّخ اليقين، وقد أمر الله بالتأمل في خلق الله سبحانه في آيات كثيرة: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس:101]، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191]، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ  [الشورى:29].

الاهتمام بعلم الفلك مما يزيد الإيمان

لو أخذنا فقط مثالًا واحدًا، أُبيِّن لكم أن الاهتمام بهذا العلم مما يزيد الإيمان لدى المسلم ويُقوِّي اليقين، هذه الأرض التي الآن نعيش عليها هي في الحقيقة كوكب، وهي لا تأتي ذرة في صحراء شاسعة واسعة، فهذه الأرض تقع في ضمن المجموعة الشمسية، وحجمها بالنسبة للمجموعة الشمسية صغيرٌ جدًّا، والمجموعة الشمسية بالنسبة للمجرة (المجرة التي تسمى “مجرة درب التبانة”) صغيرةٌ جدًّا، المجرة أيضًا تقع ضمن ملايين المجرات، ويُقدَّر متوسط عدد النجوم في المجرة الواحدة بمليار نجم، مائة مليون نجم في المجرة الواحدة، ويوجد في هذا الكون الفسيح ملايين المجرات، ويُقدَّر عدد المجرات -يعني: تقديرًا- بمائة مليون مجرة. تصوَّر! مائة مليون مجرة! والأنجم في المجرة الواحدة مليار نجم أو تزيد! الأرض ما تُساوي شيئًا بالنسبة للمجموعة الشمسية، المجموعة الشمسية ما تساوي شيئًا بالنسبة للمجرة، المجرة ما تُساوي شيئًا بالنسبة لملايين المجرات. إذًا هذه الأرض بالنسبة لخلق الله ​​​​​​​ شيءٌ ضئيلٌ جدًّا كحبة رملٍ في صحراء شاسعة.

وهذا الكلام الذي نقوله هو في الحقيقة ليس ضربًا من الخيال أو التخمينات، هذه بُنِيَت على دراسات، ومع الأسف أكثر من اعتنى بهذا الغربيون، اعتنوا بهذا عنايةً كبيرةً، وذكروا هذه المعلومات وأكثر منها، استنبطوا هذا عن طريق التلسكوبات وغيرها.

الشمس تبعد عن الأرض (150) مليون كيلو متر، (150) مليونًا هذا هو بُعد الشمس عن الأرض، وحجم الشمس بالنسبة للأرض أكثر من مليون مرة، لاحِظ! ومع ذلك الشمس تُعتبر أقرب نجمٍ إلينا، معناه: تبعد (150) مليون كيلو متر إلا أنها أقرب نجمٍ إلينا؛ ولذلك يحتاج ضوء الشمس حتى يصل إلى الأرض (8) دقائق و(20) ثانية، ونحسِب هذا: اقسم (150) مليونًا على (300) ألف، كم في الثانية؟ وهي سرعة الضوء في الثانية: (300) ألف كيلو متر في الثانية، فإذا قسمت (150) مليونًا على (300) ألف، الناتج: (500) ثانية، وهي تُعادل (8) دقائق و(20) ثانية، ومعنى ذلك: أننا عندما نرى شعاع الشمس يطلُّ علينا صباحًا يكون قد مضى على بزوغ الشمس فوق الأفق ثماني دقائق وعشرون ثانية، وكذلك أيضًا عند الغروب نرى قرص الشمس بينما الشمس قد غابت منذ ثماني دقائق وثوانٍ، ولكن من الناحية الشرعية العبرة بما نراه، لا بما يكون عليه في حقيقة الأمر.

هذا بالنسبة لهذه الكواكب والنجوم.

النجوم حجمها كبيرٌ جدًّا، قلت لكم: إن أقرب نجم إلينا هو الشمس، فالشمس تُعتبر نجمًا وليست كوكبًا، وهي أكبر من الأرض أكثر من مليون مرة.

الأنجُم الأخرى نراها بعيدة، ترى مثلًا نجم الجوزاء، نجم الجوزاء هذا أكبر من الشمس بخمسة وعشرين مليون مرة، يعني: الآن نرى نجم الجوزاء صغيرًا، كأنه نقطة في السماء، لكنه أكبر من الشمس بخمسة وعشرين مليون مرة، والشمس أكبر من الأرض بأكثر من مليون مرة.

الثُّرَيَّا التي نراها كعنقود العنب، أكبر من الشمس بملايين المرات، وهكذا أيضًا نقول بالنسبة لسائر النجوم، خلقٌ عظيمٌ.

ولذلك؛ الأرض لا تُساوي إلا شيئًا يسيرًا في عظيم ملك الله سبحانه، وانظر كيف أن الله سبحانه اختار لهؤلاء البشر هذا الكوكب ليعيشوا عليه من بين سائر الكواكب العظيمة الفسيحة في هذا الكون العظيم، فسبحان من خَلَقَه وأبدَعَه وأتقَنَه جل وعلا، وهذا أيضًا بالنسبة للكواكب والنجوم.

وأما بالنسبة للأمور الأخرى التي لا يُدركها الفلكيون لكن أخبرنا عنها النبي ، فالأمر أعظم وأعظم من هذا بكثير، ما السماوات والأرض بالنسبة للكرسي إلا كحلقةٍ أُلقيت في فلاةٍ من الأرض، كحبة رملٍ في صحراء، وما الكرسي بالنسبة للعرش إلا كحلقة أُلقيت في فلاة من الأرض، فخلق الله تعالى عظيمٌ جدًّا.

الملائكة أيضًا عالمٌ آخر، عالمٌ عظيمٌ جدًّا، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، حديثٌ صحيحٌ له عدة طرق، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، يقول: أُذِن لي أن أُحدِّث عن مَلَك من حملة العرش. أحدُ حملة العرش الثمانية: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17].

أُذِن لي أن أُحدِّث عن ملك من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة[2]، مَلَكٌ فقط واحدٌ، كيف ستكون عظمة هذا المَلَك، وكيف تكون عظمة من خلق هذا الملك جل وعلا؟ فالله تعالى عظيمٌ جدًّا، وقدرته عظيمة، على كل شيء قدير، أحاط بكُلِّ شيءٍ علمًا.

ولذلك فإن الإنسان ما دام في الدنيا من شدة عظمة الرب لا يستطيع أن يتحمل رؤية الله تعالى؛ لأن الله تعالى عظيمٌ عظمةً لا يتحمل الإنسان بتكوينه البشري في الدنيا أن يرى الله؛ ولهذا لما قال له موسى : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143].

نبيُّنا محمد لما عُرِج به حتى جاوز السَّبعَ الطِّباق وبلغ سدرة المنتهى، كلَّمه الله سبحانه مباشرة، لكنه لم يَرَ ربه؛ ولهذا جاء في “صحيح مسلم”: أن أبا ذَرٍّ سأل النبي فقال: هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ، أنَّى أراه[3].

فالله تعالى له من العظمة والجلال والكبرياء شيءٌ عظيمٌ، لا يمكن أن يتخيله البشر، فانظر إلى سَعَة عظمة الله ، وسَعَة هذا الكون الفسيح، وكيف أن الله سبحانه خلقه وهو على كل شيء قدير، ولا قيمة للإنسان في هذا الكون الفسيح إلا بتقوى الله سبحانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، لا قيمة له والله إلا بالعمل الصالح، وإلا فالله تعالى غنيٌّ عنا.

ما قيمة الإنسان في هذا الكون العظيم الفسيح؟ يقول عليه الصلاة والسلام: أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما من موضع أربعة أصابع إلا وعليه ملكٌ واضعٌ جبهته ساجدًا لله أو قائمًا[4].

وفي الصحيحين يقول عليه الصلاة والسلام عن البيت المعمور إنه يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، ولا يعودون إليه إلى يوم القيامة[5].

فلله من العظمة والكبرياء شيءٌ عظيمٌ؛ ولهذا فإن التفكُّر في مثل هذه الأمور -يا إخوان- مما يُقوِّي الإيمان، مما يزيد اليقين؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، لماذا؟ لأن العلماء هم الذين يعرفون عظمة الله ، فيخشون الله سبحانه، وكلما كان الإنسان أعظم علمًا كلما كان أقوى إيمانًا ويقينًا.

فأقول: العناية بهذا العلم العظيم ينبغي أن نتوجه إليها، وأنا أقترح على الإخوة القائمين على هذه اللقاءات أن يُخصِّصوا لقاءً عن هذا العلم، وعن سعة مُلك الله ، وما وصل إليه الآن العلم الحديث بالنسبة لِسَعة هذا الكون الفسيح، ويستقطبوا أحد المتخصصين في الفلك، فربما يكون عندهم معلوماتٌ أكثر من هذا بكثير.

وجه الارتباط بين علم الفلك وعلم الفقه

نعود إلى موضوعنا: وهو وجه الارتباط بين علم الفلك وعلم الفقه، بعدما ألقينا نبذة عن كل منهما، نقول: إن علم الفلك في الحقيقة مرتبطٌ بعلم الفقه في مسائل كثيرة:

ارتباط أوقات الصلاة بعلم الفلك

نبتدئ أولًا بأوقات الصلاة، فنجد أن أوقات الصلاة لها ارتباطٌ بعلم الفلك، والنبي حدَّد أوقات الصلوات الخمس، فقال: وقتُ الظهر إذا زالت الشمس[6]، وبيَّن أن وقت الظهر ينتهي عندما يُصبح طول ظِلِّ كُلِّ شيءٍ مثله، وبه يدخل وقت العصر إلى غروب الشمس، وبه يدخل وقت المغرب إلى غياب الشفق، وبه يدخل وقت العشاء إلى منتصف الليل، وبه يخرج وقت العشاء، ويدخل وقت الفجر بطلوع الفجر الصادق[7].

هذه العلامات كانت معروفة فيما سبق للناس، كانت واضحة بالنسبة لهم، ولا يجدون إشكاليةً في تحديدها، لكن بعدما وجدت الكهرباء أصبحت هذه العلامات تخفى على أكثر الناس، فأصبحوا يعتمدون على الحسابات الفلكية.
ومن هنا تبرز أهمية علم الفلك في ضبط أوقات الصلوات، بعض الناس تسأله مثلًا عن أوقات الصلوات هذه التي ذكرتها، يقول: والله ما أدري، ما أستطيع أن أضبطها من الناحية العملية، حتى تجد بعض المشايخ تسأله مثلًا عن الفجر الصادق، تسأله مثلًا عن بعض الأمور، يقول: نحن نعتمد على التقويم، ولا يستطيع أن يُحدِّدها بطريقة عملية.

وهذا يستدعي منا الاعتناء بهذا الحساب الفلكي الذي حدَّد لنا أوقات الصلوات.

كان الناس -كما ذكرت- يعتمدون على الرؤية البصرية، كان المؤذِّن يصعد المنارة ويرى الفجر مثلًا، ويعرف متى تزول الشمس، ويعرف وقت العصر، فيُؤذِّن بناءً على ذلك.

بعد ذلك أصبح الناس يعتمدون على التقويم شيئًا فشيئًا، كان تقويم أم القرى أول ما نشأ ثلاث مناطق فقط: عرض مكة، عرض المدينة، عرض نجد -نجد كاملة-؛ يعني: شروق الشمس في نجد كاملة، وغروبها في نجد كاملة، ثم بعد ذلك تطور وأصبح على عددٍ من المدن، وتولَّى هذا أحد الإخوة، يعني: الذي وضع التقويم أحد الإخوة، مجتهدٌ جزاه الله خيرًا، وهو أيضًا فلكيٌّ، لكن لم يُوضع من عدد من المتخصصين، ففرقٌ بين الجهد الفردي والجهد الجماعي، فحصلت إشكاليةٌ في بعض أوقات الصلوات، واستمرت، لا تزال هذه الإشكالية موجودة إلى وقتنا هذا، وذلك بسبب عدم العناية بعلم الفلك، وإلا لو اعتُنِيَ بعلم الفلك لاستطعنا أن نضبط أوقات الصلوات على الوقت الصحيح.

فمثلًا: وقت صلاة الفجر الإشكالية فيه من قديم الزمان، الغريب أن الإشكالية فيه من قديم الزمان، القرافي والحطاب من فقهاء المالكية ذكروا: أن الناس في زمنهم يُؤذِّنون قبل طلوع وقت صلاة الفجر، مع أنهم من فقهاء القرن السابع، يمكن من ثمانمائة سنة، وأنكر على المؤذِّنين الذين يُؤذِّنون في زمنهم قبل طلوع الفجر.

وكذلك الحافظ ابن حجر المتوفَّى سنة (852)، ذكر أن مؤذِّني زمانه يتقدَّمون على الوقت الشرعي بنحو ثلث ساعة، واستمرت هذه الإشكالية موجودة في العالم الإسلامي إلى وقتنا هذا، ولا تزال الآن في تقويم أم القرى هذه الإشكالية قائمة، وهناك جهودٌ الآن لتصحيح هذا الوضع.

وقد كان هناك لجنة في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وكنت عضوًا فيها، ودرست وقت صلاة الفجر لمدة سنة كاملة، ولا أريد أن أتحدث عن تفاصيلها، لكن أقول بشكل مجمل: كانت نتيجته وجود إشكالية بالنسبة لوقت صلاة الفجر؛ من جهة تقدُّمها على الوقت الشرعي، والموضوع الآن محل دراسة وعناية، ولعله إن شاء الله تعالى يُصحَّح التوقيت؛ ولهذا ننصح بألا يتعجل أحدٌ في أداء صلاة الفجر بعد الأذان مباشرة؛ لأن الأذان متقدِّم فينتظر في حدود ثلث ساعة، حتى يتيقن دخول وقت صلاة الفجر.

وأيضًا بالنسبة لوقت صلاة الظهر، عامة التقاويم في العالم الإسلامي وُضع وقت صلاة الظهر على وقت النهي؛ لأنها وضعته على منتصف النهار، ويُفترض أن تُزاد دقائق للتحقُّق من زوال الشمس، وأذكر أنني في العام الماضي ذهبتُ مع بعض المشايخ إلى مدار السرطان بالضبط، ذهبنا إلى مدار السرطان الذي ينعدم فيه الظل، في (21) يونيو، ووجدنا أن الزوال يتأخَّر عن الوقت الموجود المثبَّت في التقاويم من دقيقتين ونصف إلى ثلاث دقائق، وإن كان هذا الوقت يسيرًا لكن ينبغي أيضًا أن نسعى للدقة في التقاويم، وهذا الفرق ينسحب على وقت صلاة العصر؛ لأنه مرتبط بالظهر.

وأما المغرب فإن التوقيت دقيقٌ في الحقيقة؛ لأنه توقيتٌ عالميٌّ، وضبط غروب الشمس ميسور؛ ولذلك ليس فيه إشكالية، بل إن فيها أيضًا تأخُّرًا لأجل الاحتياط يسمونها “دقائق التمكين”، فالمغرب ليس فيه أيُّ إشكالية.

العشاء عندنا هنا في المملكة مثبَّتٌ؛ ما بين المغرب والعشاء ساعة ونصف صيفًا وشتاءً وربيعًا وخريفًا، في أيام السنة كلها، لكن الساعة والنصف هل تُمثِّل الوقت الصحيح؟ لا، ما تُمَثِّل، وقت العشاء في حدود ساعةٍ إلى ساعة وخمس دقائق بالكثير، إلى ساعة واثني عشر دقيقة بعد غروب الشمس، لكن هذا لا يضر؛ لأن هذا التأخُّر فيه توسعة للناس. ثم إن صلاةَ العشاءِ السُّنَّةَ تأخيرها أيضًا؛ فلذلك ليس فيه إشكالية، فالإشكالية الكبيرة هي بالنسبة لوقت صلاة الفجر فقط، ولكن هناك جهودٌ قائمة إن شاء الله للتصحيح.

إذًا هذا يدلُّنا على أهمية علم الفلك في ضبط أوقات الصلوات، بسبب عدم العناية به حصلت هذه الإشكاليات.

والغريب أن هذه الإشكالية ليست موجودة عندنا في المملكة، في العالم الإسلامي كله، في التقويم مثلًا المصري أيضًا عندهم نفس الإشكالية، كذلك العُجيري أيضًا أنا التقيت به، وأيضًا شرحت له هذه الإشكالية، ووعد بدراستها، لكن جمعية مسلمي أمريكا الشمالية بالنسبة لصلاة الفجر صحَّحوا الوضع عندهم من ربع قرن تقريبًا؛ لأنهم رصدوا الفجر عدة مرات، في عدة أيام، في عدة مناطق؛ ولذلك تجد الفرق بين تقويم أم القرى وتقويم “إسنا” في حدود ثلث ساعة، هذا الفرق الكبير يدل على وجود إشكالية في الحقيقة، وهذا يُؤكِّد لنا أهمية علم الفلك والعناية به في ضبط أوقات العبادة.

هذا بالنسبة لارتباط علم الفلك بعلم الفقه بالنسبة لأوقات الصلوات.

علم الفلك يساعد على تحديد جهة القبلة

وأيضًا بالنسبة لتحديد جهة القبلة، فالعناية بعلم الفلك تُساعد على تحديد جهة القبلة بدقة كبيرة، والآن أصبحت مدينة الملك عبدالعزيز تُحدِّد القبلة بدقة كبيرة، بل حتى ربما الشخص العادي يستطيع عن طريق أجهزة الإحداثيات أن يُحدِّد القبلة بدقة كبيرة. وأيضًا يستطيع الإنسان من خلال العناية بعلم الفلك والاهتمام به، أن يعرف القبلة في أيِّ مكان، أو في أيِّ بقعة على وجه الأرض.

وعلى سبيل المثال: في معظم أيام السنة هناك وقتٌ تكون الشمس فيه عمودية على الكعبة، فبمجرد النظر للشمس تستطيع أن تعرف أن هذه هي جهة القبلة.

وهناك يومان في السنة تتعامد فيهما الشمس على الكعبة وقت الزوال، وقرأت في بعض الصحف أن هذا اكتشاف حديث، وقالوا: إن الشمس تتعامد على الكعبة في يومي الثامن عشرين من مايو وخمسة عشر يوليو.

ولكن الغريب في الأمر أنني وجدت أن الحَطَّاب في “مواهب الجليل” قد أشار إلى هذه المسألة من قرون طويلة، مع أن بعض الصحافة ذكرته اكتشافًا، لكن وجدت أن الحطاب من فقهاء المالكية -من فقهاء القرن السابع- ذكر هذه المسألة، يعني: منذ ذلك الحين، وهذا يدلُّ على عناية المسلمين الأوائل بعلم الفلك.

فإذًا يمكن أيضًا من خلال العناية بهذا العلم الاستفادة منه في تحديد جهة القبلة.

دخول الأشهر والحسابات الفلكية

وكذلك أيضًا بالنسبة للأهِلَّة، وهي التي يكثُر الكلام فيها، هل يمكن إثبات دخول الأشهر بالحساب أو لا يمكن؟

يقولون: إن الحساب الآن تقدَّم تقدُّمًا كبيرًا، الحسابات الفلكية هل يمكن إثباتها بالحساب أم لا؟

نقول: هذه المسألة -أولًا- اعتبارها حسابًا أو عدم اعتبارها مسألة خلافية بين أهل العلم؛ جمهور العلماء من السلف والخلف يرون أنه لا يُعتمد على الحساب في إثبات دخول الأشهر، وإنما يُعتمد على الرؤية، وهناك بعض الفقهاء وهم قِلَّة رأوا جواز الاعتماد على الحساب الفلكي.

والأقرب والله أعلم: هو أن الاعتماد يكون على الرؤية؛ لأن النبي قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته[8]، وقال: نحن أمة أمية لا نحسب[9]؛ فالمعوَّل عليه هو الرؤية، وهذا هو ما قررته المجامع الفقهية والهيئات العلمية، وهو الذي عليه العمل هنا في المملكة.

وقد يقول قائل: نحن نعتمد الآن على الحساب في أوقات الصلوات، ولا نعتمد عليه في دخول الشهر، فلماذا نُفرِّق بين الأمرين؟ وهذه مسألة تُثار كثيرًا، يقول: أنتم الآن تعتمدون على الحساب الفلكي في أوقات الصلوات، فلماذا لا تعتمدون عليه في دخول شهر رمضان وفي خروجه؟

هذه المسألة طرحها القرافي، أثار هذا التساؤل، وأجاب عنه في كتابه القيم “الفروق” في الفرق رقم (102)، وقال: إنه بالنسبة لأوقات الصلوات؛ إن الله تعالى نصب علاماتٍ وجعلها سببًا لوجوب الصلاة، فنصب الزوال سببًا لوجوب صلاة الظهر، نصب مثلًا مصير ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال سببًا لوجوب صلاة العصر، غروب الشمس سببًا لوجوب صلاة المغرب. يقول: فمتى عُلِم السبب بأيِّ طريقٍ كان، لزم الحكم.

ولذلك يُعتبر الحساب في أوقات الصلوات؛ لأنك إذا عرفت السبب هذا بأيِّ طريقةٍ، سواء بالنظر، سواء بالحساب الفلكي، سواء بالآلة، بأيِّ طريقةٍ، فيعتمد عليها. لكن بالنسبة لرؤية الهلال، قال: لم ينصب الله تعالى خروج الهلال من الشعاع سببًا للصوم، بل رؤية الهلال هي السبب، فالمعوَّل عليه إذًا هو الرؤية، فالسبب لدخول الشهر هو الرؤية، بينما السبب لوجوب الصلوات علامات معينة، فاتضح إذًا الفرق بينهما.

فإذًا؛ السبب مثلًا لوجوب صلاة الظهر: زوال الشمس، لكن سبب وجوب صيام شهر رمضان: رؤية الهلال وليس حساب الهلال أو العلم بخروج الهلال من الشعاع، فبينهما فرقٌ. وبهذا نستطيع أن نُجيب عن هذا التساؤل الذي يطرحه بعض الناس.

على أنه أيضًا ينبغي أن يُستأنس بالحساب في إثبات الشهادة؛ لأن الحساب دقيقٌ للغاية، ومعادلة شروق وغروب القمر هي نفسها معادلة شروق وغروب الشمس؛ ولذلك بعض الفلكيين يقول: إذا أردت أن تُشكِّك في غروب القمر، أيضًا شكِّك في غروب الشمس.

وأنت ترى الآن الشمس تغرب في موعدها المحدد، وقد راقبت أنا غروب القمر وشروقه عدة مرات، فرأيته دقيقة بالدقيقة، حتى في نفس الدقيقة يُشرق، وفي نفس الدقيقة يغرب؛ فإذًا إذا كان في الحساب الفلكي القمر غرب قبل الشمس، ثم أتى أحدُ الناس وادَّعى أنه رأى الهلال بعد غروب الشمس، فينبغي أن نتثبت في قبول شهادته؛ لأن بعض الناس يستعجل.

إذا قيل للناس: تعالوا وانظروا الهلال، بعض الناس عنده الناحية النفسية تُؤثِّر عليه، يتهيَّأ أن هذا هلال؛ أذكر أن في شهر شوال العام الماضي (1426) شهد برؤية الهلال خمسةٌ، خمسة شهود، وردَّ مجلس القضاء الأعلى شهادتهم كلهم، يُحدِّثني أحدُ أعضاء المجلس يقول: لأنها كانت متضاربة، وأيضًا القمر غرب قبل الشمس.

لكن وجود هذا العدد الكبير يدلُّ على أنه يوجد من بعض الناس من يستعجل في رؤية الهلال، وبعض الناس ربما أنه يَهِم، صحيحٌ أنه قد يكون رأيَ ثقةٍ لا نُكذِّبه، لا نقول: هو يكذب، لكنه يَهِم، والأشياء التي في الغلاف الجوي كثيرة الآن، الآن توجد بعض الطائرات، والأقمار الصناعية، توجد بعض الكواكب والنجوم التي تُشبه الهلال؛ ولهذا ينبغي التثبُّت في قبول شهادة الشاهد.

بعض العلماء المعاصرين قالوا: إنه يُعتمد على الحساب في النفي دون الإثبات، ومن أبرز من قال بهذا الشيخ عبدالله بن منيع حفظه الله، قال: يُعتمد على الحساب في النفي دون الإثبات، إذا قال الحساب: إنه لا يمكن أن يُرى الهلال، فأتى أحدٌ وادَّعى رؤيته، يقول: يتعيَّن رَدُّ شهادته، ولكن الذي عليه العمل هو قول الجمهور: وهو أنه متى ما كان الرائي ثقةً عدلًا معروفًا بالخبرة وحِدَّة النظر، فإنه تُقبل شهادته.

لكن -كما ذكرت- إذا دلَّ الحساب الفلكي على عدم إمكانية رؤية الهلال، فينبغي التثبُّت والتشدُّد في قبول الشهادة.

قد يقول قائل: إذا كان القمر قد غرب قبل الشمس، وأتى أحدُ الناس وكان ثقةً عدلًا معروفًا بحِدَّة النظر، وشهد برؤية الهلال، فهل تُرَدُّ شهادته؟ الظاهر: أنه لا تُرد شهادته، لماذا؟ لأنه قد جاء في “صحيح مسلم”: أن النبي قال وقد تراءى الناس الهلال: إن الله قد أمدَّه لكم لتروه[10]، وهذا يدل على أنه قد تحدث أمورٌ خارقةٌ للعادة.

قد يمُدُّ الله الهلال للناس لأجل أن يروه، هذا هو أحسن مما يمكن أن يُجاب به عن هذا الإشكال؛ لأن القول بِرَدِّ شهادة العدول الثقات الذين عُرِفوا بحِدَّة البصر أيضًا فيه إشكال، خاصةً في دخول شهر رمضان الذي ينبغي أن يُحتاط فيه للصوم.

لكن مع ذلك أرى أنه ينبغي التشدُّد في قبول الشهادة، والاستعانة بالفلكيين في معرفة الأشياء التي تُشبه الهلال في تلك الليلة، هذا أمرٌ لا بد منه لأجل التحقُّق فعلًا من شهادة الشهود، فتعرفون أن الناس منهم الإنسان المستعجل، منهم الإنسان الواهِم، بعض الناس أيضًا -حسب ما ذكر لنا- يكون عنده نوع من المرض النفسي يحب أن يشهد برؤية الهلال ولو كذبًا لأجل تحقيق أمرٍ معينٍ في نفسه.

فمثل هذه الأمور ينبغي مراعاتها، لكن إذا انتفت هذه الأمور كلها، وشهد الشاهد المعروف بالعدالة وحِدَّة النظر والمجرَّب عليه كذلك، وأيضًا لم يكن الفارق مثلًا كبيرًا، لا يكون القمر غرب قبل الشمس بمدة طويلة، فهنا الأقرب والله أعلم أنه تقبل شهادته؛ لأن القول بِرَدِّ شهادته فيه إشكالاتٌ كثيرة، لكن لو غرب القمر قبل الشمس مثلًا بنصف ساعة، ثم أتى أحدٌ وشهد برؤيته بعد غروب الشمس، فهذا مستحيل، هذا يستحيل أن يُرى في هذه الحال.

وعلى كل حال، النبي يقول: الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس[11]، وبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الهلال من الاستهلال، والشهر من الاشتهار، قال: إذا اشتهر الهلال وأُعلِن كان هلالًا شرعًا، وإن كان إدخاله خطأً في نفس الأمر، وإن خرج الهلال ولم يُرَ فإنه لا يُعتبر هلالًا شرعًا.

فالعبرة إذًا باشتهار الهلال، بإعلان رؤيته، فالهلال من الاستهلال، والشهر من الاشتهار.

ولذلك؛ فالحمد لله الأمور ميسورة، ليس في ديننا حرج، بعض الناس مثلًا أحيانًا في دخول شهر رمضان وفي خروجه يبدأ يُشكِّك الناس: هل دخول الشهر صحيح؟ أو هل إثبات الشهر كان صحيحًا؟
نقول: الهلال من الاستهلال، والشهر من الاشتهار، متى ما أُعلن كان هلالًا شرعًا، وإن كان خطأً في نفس الأمر، فالحمد لله الأمور في ديننا فيها سَعة؛ ولذلك نقل شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع العلماء على أن الناس لو وَقفوا بعرفةَ خطأً أجزأهم ذلك.

نفترض مثلًا أنه كان هناك خطأٌ في إدخال شهر ذي الحجة، ووقف الناس في غير يوم عرفةَ خطأً؛ أجزأهم ذلك بإجماع العلماء. فهذا يدلُّ على أنه بالنسبة للأهِلَّة أن الأمر فيها ميسور.

طيب، توحيد الأهِلَّة، نجد هناك دعوات من بعض الناس وفي الصحف يقولون: لماذا لا يُوحِّد المسلمون وقت عيدهم، ووقت أيضًا صومهم؟

أولًا: نطرح تساؤلًا: هل توحيد الأمة في الصوم وفي العيد أمرٌ مقصود شرعًا؟ هذا سؤال كبير، نحن الآن نختلف في أوقات الصلوات، نحن نُصلِّي لوقتٍ، والناس مثلًا في الغرب يُصلُّون في وقتٍ آخر، والشرق يُصلُّون في وقتٍ آخر، الناس الذين في أمريكا يُصلُّون في وقتٍ آخر، نحن الآن لم نتفق بالنسبة لأوقات الصلوات؛ ولذلك لا يضير الأمة أن تختلف بالنسبة لوقت العيد.

ومعلومٌ أن مطالع الهلال تختلف، وأضرب مثلًا: أحيانًا يغرب القمر عندنا قبل الشمس بدقيقة أو دقيقتين، فلا يُرى، لكن في الغرب مثلًا -ولنقل: في أمريكا- يغرب بعد الشمس بسبب الفترة الزمنية هذه، يغرب بعد الشمس، فمثلًا يمكن أن يُرى، فيلزمهم هناك الصوم ولا يلزمنا الصوم هنا، يكون هناك عيدٌ عندهم ولا يكون عيدٌ عندنا هنا؛ فإذًا لا يضير مثل هذا الاختلاف.

وقد عرضت هذه المسألة على مجمع الفقه الإسلامي: وهي توحيد الأمة الإسلامية في بداية الصوم وفي العيد، ورأى الفقهاء في المجمع عدم التوحيد، ويُترك الأمر على ما هو عليه، قالوا: إن الأمة الإسلامية قد مضى عليها أربعة عشر قرنًا، ولا يُعلَم أنها توحَّدت في صومها وفي عيدها، وما ضرَّها ذلك، بل في حديث كُرَيب لما سأله ابن عباس رضي الله عنهما: متى صمتم؟ قال: إنا صمنا ليلة الجمعة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولكنّا صمنا ليلة السبت. مع أن معاوية كان في الشام، وابن عباس رضي الله عنهما كان في المدينة، ولم يَضِرْهم ذلك، وفتح المسلمون معظم أنحاء الأرض، إلى أقصى الشرق، وإلى أقصى الغرب، وصلُوا، ما ضرَّهم ذلك، فمثل هذا الاختلاف ينبغي ألا يُضخَّم من أمره، فهذا يدل على أن الأمر في ديننا فيه سَعة.

لكن هنا تبرز أهمية علم الفلك من جهة ضبط الرؤية؛ ولذلك ينبغي الاستعانة بمتخصصين في علم الفلك من جهة معرفة هل يوجد في الأفق كواكب أو نجوم تُشبه الهلال؟ هل هذا الذي قد شهد به الشهود هو الهلال فعلًا أم لا؟ ينبغي الاستعانة بأهل الفلك في هذا المجال.

ومن هنا تبرز أهمية علم الفلك بالنسبة لإثبات الأهلة.

وأيضًا من أوجه ارتباط علم الفلك بعلم الفقه: بالنسبة للكسوف والخسوف، الكسوف والخسوف آيتان يُخوِّف الله تعالى بهما عباده، لهما سببٌ فلكيٌّ حسيٌّ، ولهما سببٌ شرعي.

أما السبب الحِسِّي الفلكي بالنسبة لكسوف الشمس: حيلولة الأرض بينها وبين القمر. وبالنسبة لخسوف القمر: حيلولة الأرض بينه وبين الشمس. السبب الشرعي: أنهما آيتان يُخوِّف الله تعالى بهما عباده.

أوقات الكسوف والخسوف وعلم الفلك

أوقات الكسوف والخسوف تُعلَم بالحساب منذ زمن طويل، حتى قيل: إن الفراعنة كانوا يعرفون متى تنكسف الشمس ومتى ينخسف القمر من زمن طويل، شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر هذا أيضًا، وذكر أن هذا أمرٌ معلومٌ بالحساب، وأن الحاسِب لا يكاد يُخطِئ، فكما يعرفون وقت غروب الشمس يعرفون متى تنكسف الشمس.

بل إن الإنسان إذا عرف معادلة الكسوف والخسوف قد يستطيع أن يعرف الكسوفات لمئات السنين القادمة ومئات السنين الماضية، يمكن عن طريق الحاسوب أيضًا، تستطيع معرفة ذلك، هناك مواقع في الإنترنت أيضًا تحسب لك ذلك، هناك معادلةٌ أنه كلما مضى عددٌ من السنين تكرَّر الكسوف نفسه والخسوف نفسه، بعد ثماني عشرة سنة وكذا يومًا وكذا ساعة وكذا دقيقة يتكرَّر نفس الكسوف ونفس الخسوف.

ولذلك؛ فالعلم به أصبح سهلًا وميسورًا، وبالإمكان أن نقول مثلًا: إن الشمس سوف تنكسف بعد مائة سنةٍ في الوقت الفلاني. وكما ترون عندما يُخبر أهل الفلك بوقت الكسوف والخسوف يكون الواقع مطابقًا تمامًا.

هذا العلم وهذه المعرفة ليس فيها ادِّعاءٌ لعلم الغيب، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “إنَّ مَن قال: إن في هذا ادِّعاءَ علم الغيب، فقد قَفَا ما ليس له به علم”. ليس فيها علم الغيب.

ولذلك؛ اعتذر بعض العلماء عن الشافعي، لمَّا قال الشافعي: إنه يمكن أن تجتمع صلاة العيد وصلاة الكسوف. فقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذا لا يمكن، لا يمكن اجتماع صلاة العيد وصلاة الكسوف. لا يمكن أن تنكسف الشمس وقت صلاة العيد، لماذا؟
قال: لأنه لا يمكن رؤية الهلال قبل الكسوف، لا يمكن رؤية الهلال قبل كسوف الشمس؛ لأن معنى ذلك: أن القمر لا زال في المُحاق، كيف رُئِي الهلال؟ فيلزم من هذا أن رؤية الهلال قبل الكسوف رؤيةٌ غير صحيحة.

ولذلك؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الشافعي لعله أورد هذه المسألة من باب تمرين الذهن لطلابه، وإلا لا يمكن أن تحصل، ولا يمكن أن ينكسف، يعني: أن يُرى الهلال قبل كسوف الشمس، قال: وأيضًا لا يمكن أن تنكسف الشمس في غير أوقات الاستسرار في آخر الشهر، ولا يمكن أن ينخسف القمر في غير أيام الإبدار، قال: ومن قال بغير ذلك فقد قفا ما ليس له به علم، والله تعالى يقول: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36].

هل يُعلَم الناس بوقت الكسوف والخسوف؟ أو أن الأفضل ألا يُخبَروا بهذا؟ هذه مسألة يذكرها بعض الفقهاء، وتدخل في موضوع محاضرتنا.

بعض العلماء يقول: الأحسن ألا يُخبَر الناس بذلك؛ حتى يكون للكسوف والخسوف رهبةٌ ووقعٌ في نفوس الناس. والذي يظهر لي في هذه المسألة: أن المسألة فيها تفصيل، فإن كان وقت الكسوف والخسوف في وقتٍ يعلم به الناس وينتشر الخبر ويظهر، فالأحسن ألا يُخبَروا بذلك؛ حتى يكون له وقعٌ ورهبةٌ في نفوس الناس، لكن إذا كان في وقتِ غفلةٍ، كما لو كان في آخر الليل، أو في وقتٍ يمكن أن يغفُل عنه كثير من الناس فلا يُصلُّون صلاة الكسوف أو الخسوف، فالأحسن هنا أن يُخبَروا به؛ حتى يتهيؤوا لهذه الصلاة.

والمعوَّل عليه شرعًا هو رؤية الشمس كاسفةً والقمر خاسفًا؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إذا رأيتموه فصلوا[12]، ومن هنا أخذ الفقهاء أنه لا تُشرَع الصلاة إلا عندما يُرى القمر خاسفًا، أو الشمس كاسفةً. وبناءً على ذلك: لو أخبر الفلكيون بوقوع الكسوف ليلة كذا، ثم حال دون الكسوف سحابٌ، فلم نَرَ القمر خاسفًا؛ فإنه لا تُشرع صلاة الخسوف، وهكذا بالنسبة للشمس.

الخسوف الجزئي، وهو متوقعٌ حدوثه في منتصف شهر شعبان، والكسوف الجزئي الذي حصل في الشهر الماضي، هل تُشرع الصلاة عنده، أم لا بد أن يكون الكسوف كليًّا؟

نقول: تُشرع الصلاة عند الكسوف والخسوف الجزئي؛ ولذلك عندما يُعرِّف الفقهاء الكسوف يقولون: “هو انحجاب ضوء القمر أو الشمس أو بعضه”. فانحجاب بعض ضوء القمر تُشرع معه الصلاة، وانحجاب بعض ضوء الشمس تُشرع معه الصلاة.

السبب الشرعي: هو أنهما آيتان يُخوِّف الله بهما عباده، قد يقول: كيف نجمع بين كونهما آيتين يُخوِّف الله بهما عباده، وبين كونهما معلومين، يُعلَم وقت الكسوف؛ متى يبدأ ومتى ينتهي؟ ووقت الخسوف؛ متى يبدأ ومتى ينتهي؟ كيف نجمع بين هذين الأمرين؟

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في هذا، قالوا: إن معنى كونهما آيتين: أن الله يُحدِث عندهما ما يحصل به التخويف لعباده، والله على كل شيءٍ قدير. ولذلك يقول شيخ الإسلام: إنه لا يحصل التخويف إلا بما يخاف منه الناس؛ ولهذا فإنه يحصل عندهما ما يحصل به التخويف لعباده.

ولذلك؛ فالغالب أنه يقترن بالكسوف والخسوف حدثٌ كونيٌّ من زلزالٍ أو بركانٍ، أو أيِّ أمرٍ يحصل به التخويف للعباد، يحدث إما معه أو في وقتٍ مقاربٍ له في الغالب. هذا هو الإجابة عن هذا السؤال الذي ذكرت، ذَكَر هذه الإجابة شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك أيضًا ابن القيم.

من خلال هذا العرض يتضح لنا أهمية العناية بعلم الفلك، وأنه مرتبطٌ بعلم الفقه، وتبيَّن لنا أثر ذلك في الأحكام الشرعية في الصلاة، مثلًا: في ضبط أوقات الصلاة بالنسبة للكسوف والخسوف، وأيضًا بالنسبة لإثبات الأهِلَّة.

وعرضنا كلام أهل العلم في ذلك، فبهذا يتبيَّن لنا أهمية العناية بعلم الفلك، خاصة ما يتعلَّق منه بالجانب الشرعي، وكيف أن قِلَّة العناية بهذا العلم تسبَّبت في إشكالات من جهة عدم ضبط أوقات الصلوات الضبط الدقيق الذي نُريده بسبب قِلَّة الاهتمام بهذا العلم.

وفي ختام هذا اللقاء: أسأل الله للجميع التوفيق لما يحب ويرضى، والعلم النافع، والعمل الصالح، وأن ينفع بهذا اللقاء، وأن يُبارك فيه.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
^2 رواه أبو داود:4727.
^3 رواه مسلم: 178.
^4 رواه أحمد: 21516، والترمذي: 2312، وابن ماجه: 4190.
^5 رواه البخاري: 3207، ومسلم: 164.
^6 رواه البخاري: 541، ومسلم: 612.
^7 رواه مسلم: 612.
^8 رواه البخاري: 1909، ومسلم: 1081.
^9 رواه البخاري: 1913، ومسلم: 1080.
^10 رواه مسلم: 1088.
^11 رواه الترمذي: 697، وابن ماجه: 1660.
^12 رواه البخاري: 1043.
مواد ذات صلة
zh