logo

محاضرة في جامع خادم الحرمين بشرورة

مشاهدة من الموقع

المُقدم: الحمد لله الذي جعل في سماء كل فترةٍ من الرُّسل بقايا من أهل العلم يَهْدُون مَن ضلَّ إلى الهدى، ويتحمَّلون منهم الأذى، ويُحْيُون بكتاب الله الموتى، ويُبصِّرون بنور الله أهلَ العَمَى؛ فكم من قتيلٍ لإبليس قد أَحْيَوْه، وكم من ضالٍّ تائهٍ هَدَوْهُ.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وسيد الغُرِّ المُحجَّلِين، مَن بعثه الله على حين فترةٍ من الرسل، ففتح به قلوبًا غُلْفًا، وأَعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وأغنى به من بعد العَيْلة، وهدى به من بعد الضلالة.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أيها الإخوة، عندما تشتدُّ الفتن ويكثر تتابعُها، لا سيَّما في آخر الزمان، وعندما يَمُوج الناس فيها مَوْجًا، ويتخبَّطون في ظَلْمائها خَبْطَ عَشْوَاء؛ كان لا بد لمَن أراد السلامة والنجاة من تلك الفتن أن يعود إلى الأصلين العظيمين: كتاب الله، وسنة نبيِّه على فهم سلفنا الصالح.

والفتن لا يُجلِّيها إلا العلماء الراسخون في العلم، الذين هم ورثة الأنبياء، الذين امتنَّ الله تعالى عليهم بفهم كتابه وسنة نبيه .

ولقد جعل الله في كل خَلَفٍ أناسًا يحملون هذا العلم، يَنْفون عنه انْتِحَالَ المُبْطِلِين، وتحريف الغالين، وتبديل المُضِلِّين.

يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: "إذا أقبلتِ الفتنةُ لم يعرفها إلا العلماء، فإذا أدبرَتْ عرفها كلُّ أحدٍ".

ويصفها الإمام الجليل والصحابي العظيم عليُّ بن أبي طالب -وهو الذي قد خَبَرَها وقُتِل شهيدًا بسببها- فيقول عن الفتنة: "تبدأ في مدارج خفيَّةٍ، وتؤول إلى فَظَاعةٍ جليَّةٍ؛ فتزيغ قلوبٌ بعد استقامةٍ، وتَضِلّ رجالٌ بعد سلامةٍ، مَن أشرف لها قَصَمَتْه، ومَن سار فيها حَضَنَتْه".

ثم يقول مُوصيًا باجتناب تلك الفتن والنَّجاة منها: "فإياكم وأعلامَ البِدَع، ومناصب الفتن، والزَمُوا ما عُقِد عليه حَبْلُ الجماعة، وما رُفِعَتْ عليه أركان الطاعة، وأَقْبِلوا على الله مظلومين، ولا تُقْبِلوا عليه ظالمين". انتهى كلامه رضي الله عنه وأرضاه.

ولم يضرَّ بهذا الدين العظيم مثل جاهلٍ يدعو الناس بجهله، ويُفتيهم بهواه.

مِن جاهلٍ مُتطبِّبٍ يُفتي الوَرَى ويُحِيل ذاك إلى قَضَا الرحمن

فذلك الجاهل لا علم له سوى التكفير، والتبديع، والتضليل، والبهتان، والعياذ بالله تعالى.

ومن هذا المُنطلق، ومن برنامجٍ عظيمٍ تُقيمه اللجنة العلمية، وتُقيمه الأمانة العلمية في هيئة كبار العلماء، بالتشارك والتعاون مع إدارة المساجد والأوقاف والدعوة والإرشاد في محافظة "شرورة"؛ يَسُرُّنا في هذه الليلة، وفي هذه المحاضرة أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان -حفظه الله ورعاه- عضو هيئة كبار العلماء.

سائلين الله العليَّ العظيم أن يُوفِّقه، وأن يُسدِّده، وأن ينفع بعلمه، وأن يجعل خُطًى قادَتْه إلينا في موازين حسناته.

كما نسأل الله العليَّ العظيم أن يُبارك في علمه، ووقته، وجهده، وماله، وأهله، وولده، وأن ينفع بعلمه الإسلام والمسلمين، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

أترككم مع فضيلة شيخنا، فَلْيتفضَّلْ، فتح الله له، وبارك عليه.

الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهَدْيه، واتَّبع سُنَّته، واقْتَفَى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد:

حديث حذيفة في الفتن

جاء في "صحيح مسلم" عن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشَّرِّ؛ مخافةَ أن يُدركني، فقلتُ: يا رسول الله، إنا كنا في جاهليةٍ وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شَرٌّ؟ قال: نعم، فقلتُ: هل بعد ذلك الشرِّ من خيرٍ؟ قال: نعم، وفيه دَخَنٌ ... فقلتُ: هل بعد ذلك الخير من شَرٍّ؟ قال: نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قَذَفُوه فيها، فقلتُ: يا رسول الله، صِفْهم لنا. قال: نعم، قومٌ من جِلْدَتنا، ويتكلَّمون بألسنتنا، قلتُ: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعةَ المسلمين وإمامَهم، فقلتُ: فإن لم تكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: فاعتَزِلْ تلك الفِرَقَ كلَّها، ولو أن تَعَضَّ على أصل شجرةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنت على ذلك [1].

هذا الحديث -أيها الإخوة- أصلٌ عظيمٌ في أبواب الفتن، بيَّن النبيُّ فيه أن الناس تختلف أحوالُهم، فيأتي زمنٌ يكثُر فيه الخير، وزمنٌ يكثُر فيه الشرُّ، وزمنٌ تكثر فيه الفتن.

وقد أخبر أن من أشراط الساعة: كثرة الفتن [2]، ونحن نرى في زمننا هذا الفتن العظيمة: فتن الشُّبهات، وفتن الشهوات، وهذه الفتن ينبغي للمسلم أن يتحصَّن من الوقوع فيها؛ أن يفقه هذه الفتن، ويعرف سُبل الوقاية منها والعصمة، فكم من إنسانٍ كان على الخير والصلاح والاستقامة، ثم فُتِن فتغيَّرت أحواله وانتكس ووقع إما في فتنة شبهةٍ، أو في فتنة شهوةٍ.

وهنا ذكر النبي أن قادة هذه الفتن: دُعاة على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قَذَفُوه فيها، وقال: قومٌ من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ليسوا من الخارج، إنما هم من بني جِلْدتنا، يعيشون بيننا، ويتكلمون بألسنتنا.

وقد أخبر النبي أن هذه الأمة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، قال: افترقتِ اليهود على إحدى وسبعين فرقةً، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقةً، وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، كلُّها في النار إلا واحدةً، قالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: مَن كانت على ما أنا عليه وأصحابي [3].

وهذا الخبر من الصادق المصدوق لا بد أن يتحقَّق، فقد نشأتْ على مدار التاريخ الإسلامي فِرَقٌ كثيرةٌ، وبَقِيت الفرقة الناجية المعصومة التي تسير على ما كان عليه النبي وأصحابه، بَقُوا على الحقِّ ظاهرين، لا يَضرُّهم مَن خذلهم ولا مَن خالفهم إلى قيام الساعة.

ونحن الآن -أيها الإخوة- في هذا العصر الذي نعيش فيه انفتح العالم بعضه على بعضٍ، وأصبح الخبر ما أن يقع حدثٌ في أي مكانٍ من الأرض إلا سرعان ما ينتشر ذلك الخبر وينتقل بسرعةٍ عجيبةٍ، فقد انفتح العالم بعضه على بعضٍ.

وقد كان الناس في الزمان السابق إنما يتلقَّى الشابُّ التوجيه والتعليم والتربية من المسجد، ومن المدرسة، ومن أسرته، أما الآن فقد وُجِدتْ مُؤثراتٌ خارجيةٌ تؤثر على أبنائنا، وعلى شبابنا، فلا بد من تحصينهم ضد تلك الفتن؛ ليكونوا في مأمنٍ منها، بإذن الله .

فتن الشبهات

إنَّ من أخطر الفتن: فتن الشبهات، وهي الفتن التي وقعت فيها الفِرَق الثنتان والسبعون، وستفترق هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقةً كلها في النار، وهذه الفِرَق الثنتان والسبعون كلُّ فرقةٍ تَدَّعي أنها على الحقِّ، وكلُّ فرقةٍ تأتي بنصوصٍ من القرآن والسنة، وربما من كلام السلف؛ لأن النفوس مجبولةٌ على قبول الحقِّ ورد الباطل، فلو أنَّ أحدًا أتى بباطلٍ مَحْضٍ ما قَبِلَه أحدٌ، لكنهم يأتون بحَقٍّ وباطلٍ، ويُلْبِسون الحقَّ بالباطل حتى تَقْبله النفوس.

فتنة التكفير

من أعظم هذه الفتن، والتي كانت موجودةً، ولكنها بَرَزَتْ في وقتنا الحاضر: فتنة التكفير؛ تكفير المسلمين، وهذا وَلَغَتْ فيه طوائفُ فُتِنُوا به، وأُشْرِبَتْ به قلوبهم، فكفَّروا الحُكَّام، وكفَّروا كثيرًا من العلماء، وكفَّروا كثيرًا من المسلمين، ولم يكتفوا بذلك، بل قادتهم هذه الفتنة إلى فتنٍ أعظم منها؛ فتأوَّلوا نصوصًا نزلتْ في الكفار، وحملوها على المسلمين؛ فأصبحوا يقتلون المسلمين، ويَدَعُون الكفَّار، كما قال النبي : يَقتلون أهلَ الإسلام، ويَدَعُون أهل الأوثان [4].

ونحن نرى هذه الجماعات تَضرب أطنابها في كثيرٍ من بلدان العالم الإسلامي اليوم، ونرى جماعات التكفير تَقتل أهلَ الإسلام، وتَدَعُ أهلَ الأوثان، لم نجد يومًا من الأيام أنهم أطلقوا رصاصةً على إسرائيل، لم نجد أنهم أطلقوا رصاصةً على اليهود في فلسطين، وإنما قتلاهم من المسلمين، فيصدق عليهم وصف النبي بأنهم: يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعُون أهل الأوثان.

وهذه فتنةٌ عظيمةٌ، جُرأةٌ على الدماء، وجُرأةٌ على الأعراض، تسفك الدماء بأدنى سببٍ، وتنتهك الأعراض، فيُكفَّر المسلمون ويُبدَّعون ويُفسَّقون من دون حجةٍ، وبلا برهانٍ من الله .

اعتناق المبادئ الهدَّامة

كذلك أيضًا من الفتن: الشبهات التي تَعْرِض لبعض المسلمين في دينهم؛ فيَضِلُّون ويعتنقون مبادئ هدَّامةً، ومناهج مُنحرفةً.

فتنة الشهوة

من الفتن: فتنة الشهوة، فيغرق صاحبها في الفساد الأخلاقي، ويُصاب بمرض القلب الذي ذكره الله تعالى في قوله: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32].

فالنفوس والقلوب لها أمراضٌ، منها: مرض الشهوة، وهو المذكور في هذه الآية، ومرض حب المال والتَّعلُّق الشديد به، ومرض النَّميمة ونقل الكلام بين الناس ... إلى غير ذلك من أمراض النفوس.

سُبل الوقاية من الفتن

هذه الفتن -أيها الإخوة- ما السبيل إلى الوقاية والعصمة منها؟

الصدق مع الله

أولًا: مَن صدق مع الله فإن الله يحفظ عليه دينه، ويَعصِمه من الفتن، والدليل لهذا قول النبي : احفظ الله يَحفظْك [5]، احفظ الله بالصدق معه، واتباع أوامره، واجتناب نواهيه، يحفظك يحفظك في أمور دينك، وأمور دنياك، ولكنَّ حفظ الدِّين أشرف من حفظ الدنيا؛ ولهذا تجد أنَّ مَن صدق مع الله تعالى ما إن تَعْرِض له فتنةُ شبهةٍ إلا ويُقيِّض الله تعالى له مَن يكشفها، وما إن تَعْرِض له فتنةُ شهوةٍ إلا ويعصمه الله منها؛ جزاءً له لصِدْقه مع الله وإخلاصه.

ولهذا فإن يوسف عليه الصلاة والسلام -نبي الله ، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أبوه نبيٌّ، وجده نبيٌّ، وأبو جدِّه نبيٌّ، الذي أُعطي شطر الحُسن- لما عَرَضَتْ له فتنةٌ عظيمةٌ؛ باعه إخوتُه بثمنٍ بَخْسٍ -دراهم معدودة- ولا ذنب له إلا أن أباه كان يُحبه أكثر منهم، فبِيعَ رقيقًا، اسْتُرِقَّ وأصبح رقيقًا لدى عزيز مصر.

ثم إن امرأة العزيز فُتِنَتْ به فتنةً عظيمةً، كما قال عزَّ من قائلٍ: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف:23]، تهيَّأت له، وقد قيل: كانت امرأةً جميلةً، وكان يوسف شابًّا عَزَبًا غريبًا، والغريب لا يستنكف كما يستنكف غيره.

فاجتمعتْ أسباب الفتنة، والمرأة هي التي دَعَتْه، وهي سيِّدَتُه، فغلَّقت الأبواب.

انظر إلى عِظَم الفتنة!

قال ​​​​​​​: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ۝ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:23-24]، أي: أنه لولا برهان ربه لهَمَّ بها، لكنه لم يهمّ، لماذا؟

لأنه كما قال ​​​​​​​: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ [يوسف:24].

فتأمَّل قوله: لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ، لماذا؟

إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]؛ جزاءً له على إخلاصه، فَصَرَف الله عنه السُّوء والفحشاء، وعَصَمه من هذه الفتنة؛ جزاءً له على إخلاصه.

فدلَّ ذلك على أن الإخلاص والصدق مع الله من أعظم أسباب العِصمة والوقاية من الفتن؛ ولهذا فإن مَن يقع في فتنةٍ -سواء أكانت فتنة شبهةٍ أو شهوةٍ- إذا تأملتَ في حاله تجد أن عنده خللًا في تديُّنه، فلو كان صادقًا مع الله مُخلصًا لعَصَمه الله تعالى كما عصم يوسف ، قال تعالى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ.

إذن فالصدق مع الله والإخلاص لله تعالى هو من أعظم أسباب العِصمة من الفتن.

الضَّراعة إلى الله

أيضًا من أسباب الوقاية من الفتن: الضَّراعة إلى الله ، وسؤال الله الوقاية من الفتن والعصمة منها، فإن الإنسان -يا إخواني- ضعيفٌ بطبعه، قال ​​​​​​​: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28]، فالإنسان ربما يُحِب ما كان يكرهه بالأمس، ويكره ما كان يُحِبُّه بالأمس، والأمور تتغيَّر، والأحوال تتغيَّر.

فالإنسانُ بطبعه ضعيفٌ، فعليه أن يَضْرع إلى الله تعالى أن يُثبِّته ويُثبِّت قلبه على دينه، ويُصرِّف قلبه على طاعته، ولا يُزِيغ قلبه، ويعصمه من الفتن؛ ولهذا ذكر الله تعالى من دعاء أُولي الألباب فقال: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ۝ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران:7-8].

تأمَّلوا يا إخواني هذا الدعاء العظيم الوارد في قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].

انظروا إلى عَظَمة هذا الدعاء، وعظيم نفعه وفائدته وأثره: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، فتوسَّلوا إلى الله بهدايته لهم ألا يُزِيغَ قلوبهم، وأن يُثبِّتهم ويعصمهم، ثم سألوا الله الرحمة: وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.

فهذا الدعاء من الأدعية العظيمة التي ينبغي أن يَلْهَجَ بها المسلم.

ينبغي يا أخي الكريم أن تدعو الله كل يومٍ بهذا الدعاء، قل: ربِّ لا تُزِغْ قلبي بعد إذ هديتني، وهَبْ لي من لدنك رحمةً، إنك أنت الوهاب.

كل يومٍ اجعله مع أذكار الصباح والمساء: ربِّ لا تُزِغْ قلبي بعد إذ هديتني، وهَبْ لي من لدنك رحمةً، إنك أنت الوهاب.

فقد ذكر الله تعالى هذا في دعاء أولي الألباب؛ أصحاب العقول السليمة الراشدة، وكان من أكثر دعاء النبي : يا مُقلِّب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دِينك، يا مُصرِّف القلوب، صرِّفْ قلبي على طاعتك، فقيل: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! قال: إنَّ قلوب العباد بين أُصْبُعَيْنِ من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء [6].

فكم من إنسانٍ كان مظهره مظهر أهل الخير والصلاح والاستقامة، ثم إذا به فجأةً تتغيَّر أحواله؛ فيقع إما في فتنة شبهةٍ، أو في فتنة شهوةٍ.

فلا يعتمد الإنسان على نفسه فقط؛ لأنه بشرٌ ضعيفٌ، فينبغي أن يَضْرع إلى الله أن يعصمه من الفتن، وأن يُثبِّت قلبه على دينه، وأن يصرف قلبه على طاعته، وأن يقول ويدعو ويُكْثِر من هذا الدعاء: ربِّ لا تُزِغْ قلبي بعد إذ هديتني، وهَبْ لي من لدنك رحمةً، إنك أنت الوهاب.

لزوم جماعة المسلمين

من أسباب الوقاية من الفتن: لزوم جماعة المسلمين، فإنَّ لزوم الجماعة عِصمةٌ من الفتن -بإذن الله تعالى-؛ ولهذا فإنه لمَّا سأل حذيفةُ النبيَّ وقال: يا رسول الله، فما تأمرني إن أَدْرَكني ذلك؟ يعني: إن أدركني زمن الفتن، فإنه قال له: تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم [7].

فما دام أن الأُمَّة مجتمعةٌ على الحقِّ، وعلى إمامٍ واحدٍ، فكن مع الجماعة، ولا تَشِذَّ عنهم برأيٍ أو فكرٍ أو منهجٍ، الزَمْ جماعة المسلمين وإمامَهم؛ ولهذا يقول النبي : مَن خرج على أُمَّتي يضرب بَرَّها وفاجِرَها، ولا يتحاشَى من مُؤمنها، ولا يَفِي لذي عهدٍ عهدَه؛ فليس منِّي، ولستُ منه [8] أخرجه مسلمٌ في "صحيحه".

الجماعة في الإسلام لها منزلةٌ عليَّةٌ، فلزوم جماعة المسلمين ووحدة الأمة لها منزلةٌ رفيعةٌ في الأمة الإسلامية وفي دين الله ؛ ولهذا يقول النبي : مَن أتاكم وأَمْرُكم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ يُريد أن يَشُقَّ عصاكم، أو يُفرِّق جماعتكم؛ فاقتلوه [9] رواه مسلم.

مع أن القتل في الإسلام ليس بالأمر الهيِّن، وهو من كبائر الذنوب، لكنَّ شقَّ عصا الطاعة وتفريق كلمة المسلمين ليس بالأمر الهين كذلك، فاجتماع الأُمَّة على رجلٍ واحدٍ، ووحدة الأمة وائتلافها، هذا من أعظم النعم التي ينبغي أن نشكر الله تعالى عليها، وأن نُحافظ عليها.

ونحن نرى -أيها الإخوة- حثَّ الشريعة على لزوم الجماعة في صورٍ شتَّى، ومن ذلك: أنها أوجبتْ على الرجال أن يُصلوا جماعةً خمس صلواتٍ في اليوم والليلة في المسجد، فيجتمع الرجال خمس مراتٍ في اليوم والليلة؛ لكي يُصلوا جماعةً في المسجد.

فإذا كان المقصود الصلاة فقد يُصلي الإنسان في بيته، وربما تكون صلاته في بيته أكثر خشوعًا من صلاته في المسجد.

إذن فما المقصود من صلاة الجماعة في المسجد؟

المقصود أن يجتمع المسلمون، وتحصل بينهم الأُلفة والمحبة والمودة، والتكافل والتراحم والتعاون، فيكونوا بنعمة الله إخوانًا.

هذا هو المقصود من صلاة الجماعة؛ فلهذا كان أفضل مسجدٍ يُصلِّي فيه الإنسان صلاة الجماعة -فيما عدا المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى- هو أقرب مسجدٍ لبيته؛ لماذا؟

لأنه إذا كان يصلي في أقرب المساجد إلى بيته فإنه يُحقِّق المقصود من صلاة الجماعة.

وتجد بعض الناس كل وقتٍ في مسجدٍ، فقد مَنَّ الله تعالى على الناس بالسيارات، فتجد أنه يذهب بسيارته كل وقتٍ إلى مسجدٍ.

هذا وإن كان لم يرتكب أمرًا مُحرَّمًا -أعني: أنه لا بأس بفعله- لكن الأحسن والأولى والأفضل أن يُصلي مع جماعة الحيِّ، وجماعة المسجد، وأن يكون معهم، وأن يُقوِّي علاقته بهم؛ لتَسُودَ روح المحبة والمودة والوئام، والتكافل والتراحم بين أفراد المجتمع.

هذه من أعظم مقاصد الشريعة، فالشريعة الإسلامية تحرص على الجماعة، وعلى الاجتماع، وعلى وحدة الكلمة، وعلى نَبْذ الفِرَق.

إذن فإن من أسباب الوقاية والعصمة من الفتن: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم.

اختيار الصُّحبة الصالحة

من الأسباب أيضًا: اختيار الصحبة الصالحة، فالإنسان يتأثَّر بجُلَسائه، وقد قيل: إن كلَّ إنسانٍ يتأثَّر بأكثر خمسة جُلَساء له في الحياة تأثُّرًا كبيرًا، فإن كان جُلساؤه أهل خيرٍ وصلاحٍ، يُعِينونه إذا ذَكَر، ويُذكِّرونه إذا نَسِيَ؛ فإنه سوف ينتفع بهم، ويستفيد منهم، فإذا أخطأ قَوَّمُوه، وإذا أصاب أعانوه، هؤلاء هم الجُلساء الصالحون.

أما إذا كان جُلساؤه يتسبَّبون في الوقوع في المعاصي، وربما يُلْقون عليه شُبَهًا، فهؤلاء لا خير فيهم، والشُّبهة إذا وَقَرَتْ في القلب يَصعُب خَلَاصُها.

فينبغي أن تَحرص يا أخي على اختيار الجُلَساء الصالحين، فإذا وجدتَ زيادةً في دِينك من المُجالسة فاعلم أن هؤلاء جُلَساء خيرٍ وصلاحٍ، أما إذا وجدتَ نقصًا في دينك من مُجالسة هؤلاء فابتعِدْ عنهم، فهؤلاء لا خير فيهم.

يقول النبي : مَثَلُ الجَلِيس الصالح والجليس السُّوء كحامل المِسْك ونافِخ الكِير، فحامل المسك إما أن يُحْذِيَك يعني: إما أن يُهْدِي لك هديةً، وإما أن تَبتاع منه تشتري، وإما أن تجد منه ريحًا طيِّبةً يعني: لستَ منه بخاسِرٍ، فعلى الأقل تَشُمُّ منه الرائحة الطيبة، ونافِخ الكِير إما أن يُحرِق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثةً [10].

فينبغي إذن أن يحرص المسلم على الجُلَساء الطيِّبين، الصالحين، الذين يُعِينونه على طاعة الله .

الاعتبار بمَن فُتنوا

من أسباب العِصمة من الفتن: التأمُّل والتفكُّر والاعتبار، فيعتبر المسلم بمَن حوله، ليعتبر بأناسٍ كانوا أهلَ خيرٍ وصلاحٍ ففُتِنوا؛ فكم من إنسانٍ كان محافظًا على الجمعة والجماعة، بارًّا بوالديه، حريصًا على الخير، ثم وقع في فتنة شبهةٍ بدأتْ أول ما بدأتْ بمُجالسةٍ، ووَقَرتْ في قلبه شبهةٌ، ثم نَفَخ فيها الشيطان وتحولت إلى أن التحق بهذه الجماعات، ووقع في هذه الفتنة العظيمة، وربما قَتَل مسلمًا بسبب هذه الفتنة، وربما أراق دمًا، وربما كفَّر مَن لا يستحقُّ التكفير، كل ذلك بسبب هذه الفتن العظيمة.

فلنعتبر أيها الإخوة بما نراه في الوقت الحاضر، وأيضًا نأخذ العِبرة مما كان في الزمن الماضي.

لما تُوفِّي النبي أتى بعده أبو بكرٍ الصديق ، وكانت مدة خلافته قصيرةً: سنتين وأشهرًا، ثم أتى عمر ، فكان شديدًا على أهل البدع، وعلى مَن يُريد تفريق كلمة المسلمين، فقيل له: إن فلانًا قَدِمَ المدينة وبدأ يُشكِّك الناسَ ويأتي بنصوصٍ يضرب بعضها ببعضٍ. فقال: اللهم أمكنِّي منه. ثم إنه لَقِيَه، وقيل: هذا هو فلان. فأخذ دِرَّتَه وضَرَبه حتى قال: والله يا أمير المؤمنين لا أجد شيئًا مما كنتُ أجده من قبل من الشكوك والوساوس، زال عني كلُّ الذي كنتُ أجده. قال: اذهب إلى الناس وأخبرهم أنك قد طلبتَ العلمَ وأخطأتَ.

فقد كانت له هيبةٌ، ولا أحد يتجرَّأ على أن يَبُثَّ في الناس شُبَهًا أو تشكيكاتٍ في أمور دينهم أو بدعًا.

ثم بعد وفاة عمر وَلِيَ الخلافة عثمان ، وبقي الناس قُرابة ثماني سنين على ما كانوا عليه في عهد عمر ، ومع اتِّساع رُقعة الدولة الإسلامية دخل في المجتمعات الإسلامية مَن يريدون بَثَّ الفُرقة، فكان منهم ابنُ سبأ الذي بدأ بإيقاد الفتنة في المسلمين.

لاحظ: شخصٌ واحدٌ تسبَّب في إيقاد الفتنة في المجتمعات الإسلامية في ذلك الزمان، لكن إذا ذهب إلى بلدانٍ فيها علماء طُرِدَ منها ولم يسمع له أحدٌ.

انظر إلى أثر العلماء في البلد.

وإذا ذهب إلى بلادٍ يَقِلُّ فيها أهلُ العلم فإنه يجد مَن يسمع له، فركَّز على هذه البلاد، ركَّز على بعض الأطراف التي يَقِلُّ فيها العلماء، ووجد مَن يسمع له، وكانت شرارة الفتنة انطلقتْ من شَحْنِه للنفوس ضد الخليفة عثمان بن عفان ، فقام يجمع على عثمان أنه يفعل كذا، ويفعل كذا، ويفعل كذا.

ثم ما اكتفى بهذا، بل زوَّر كتبًا على عثمان ، وزوَّر خَتْمَ عثمان ، حتى أَوْقَد فتنةً؛ فشُحِنتْ النفوس ضد عثمان ، ثم أَتَوا يُريدون قَتْله باسم الدِّين، فتصدَّى لهم كبارُ علماء الصحابة، فقالوا: إن فِعْلكم هذا لا يجوز. لكن لم يسمعوا لهم وقالوا: هؤلاء علماء سلطانٍ! هؤلاء مُدَاهنون!

كيف يكونون علماء سلطانٍ: ابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، وعلي بن أبي طالبٍ، وكبار الصحابة من العشرة المُبشرين بالجنة؟!

فأصبحوا لا يقبلون من أحدٍ شيئًا، وحاصَروا منزل عثمان  حتى قتلوه وهو يقرأ القرآن، وهو صائمٌ، وقد رأى النبيَّ في المنام وقال له: يا عثمان، أَفْطِرْ عندنا [11]، وسقطتْ قطرةٌ من دمه على قول الله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137].

ثم نشأت بعد مقتل عثمان فتنٌ عظيمةٌ، وقامت هذه الطوائف، وتفرَّعتْ عنها طوائف أخرى وفِرَقٌ وجماعاتٌ، ثم أرادوا أن يقتلوا علي بن أبي طالب باسم الدِّين، باسم إنكار المنكر، باسم الغَيْرة، وبالفعل قتلوا علي بن أبي طالب ، أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المُبشرين بالجنة.

نسأل الله السلامة والعافية.

لاحظوا: الانحراف كيف يصل بصاحبه ...؟!

الذي قَتل علي بن أبي طالبٍ كان يُقال: إن في جبهته أثر السجود!

أثر السجود في جبهته! فهو عابدٌ من العُبَّاد!

وقد قيل له: كيف تقتل أمير المؤمنين، أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المُبشرين بالجنة؟!

أتدرون ماذا قال؟

قال: هذا أرجى عملٍ أتقرَّب به إلى الله!

نسأل الله السلامة والعافية.

انظر إلى الانحراف والفتنة، كيف تصل بالإنسان إلى هذه الدرجة؟!

فهذا إنسانٌ من كثرة صلاته على جبهته أثر السجود، يذهب ليقتل علي بن أبي طالبٍ أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المُبشَّرين بالجنة، خليفة المسلمين!

فانظر كيف أن الفتنة تصل بالإنسان إلى هذه الدرجة؟!

كما قال ​​​​​​​: زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا [فاطر:8].

هذا يُبيِّن لنا يا إخواني خطورة المسألة، وأن التَّدين إذا لم يُصاحبه علمٌ وبصيرةٌ وتثبيتٌ من الله  فقد ينحرف معه الإنسان ويقع في الفتنة من حيث لا يشعر.

ثم نشأتْ تلك الفِرَق، فأتى ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما للخوارج وناظَرَهم، حيث كانت عندهم شُبَهٌ، وأصبح يُناظرهم ويُناظرهم ويُناظرهم حتى رجع كثيرٌ منهم إلى الحقِّ، وبَقِيَ منهم مَن بقي.

ثم ما زالت تلك الفِرَق في المجتمعات الإسلامية: تارةً تَخْبُو، وتارةً تظهر، حتى كان القرن الرابع الهجري، فظهرت تلك الفِرَق الباطنية، وقَلَعَتِ الحجرَ الأسود، وبَقِيَ الناسُ يطوفون بالكعبة بدون الحجر الأسود قُرابة اثنتين وعشرين سنةً.

لاحظ: كيف وصلتْ إلى هذه الدرجة؟!

نِعَمُ الله على بلاد الحرمين

قيَّض الله تعالى مُصْلِحين من حُكَّامٍ وعلماء، فوقفوا في وجوه هؤلاء المُبتدعة.

ففي هذه البلاد قيَّض الله تعالى الإمام المُجدِّد الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، فقام بالدعوة الإصلاحية التي تهدف إلى تحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله ، وبَقِي أثر هذه الدعوة المباركة إلى الآن، فنحن -ولله الحمد- نجد صفاء العقيدة في هذه البلاد؛ فليست عندنا شركيَّاتٌ، وليست عندنا بدعٌ ظاهرةٌ على السُّنة.

ولله الحمد ليس عندنا تعصُّبٌ لمذهبٍ من المذاهب، إنما التعصُّب عندنا لـ"قال الله، قال رسوله "، تعصُّبٌ للحقِّ.

فنحن بهذه النِّعم في نعمةٍ عظيمةٍ ينبغي أن نُحافظ عليها، ونشكر الله تعالى عليها، ونحرص على تحصين مجتمعنا من هذه الفتن، ونحرص على الاجتماع والوحدة، وعلى تأليف القلوب، كما قال ​​​​​​​: رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [القصص:57].

نحن -أيها الإخوة- في هذا البلد في أمنٍ وأمانٍ، واستقرارٍ ورخاءٍ ورَغَدِ عيشٍ -ولله الحمد-، تأتينا فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، تتسابق كبرى الشركات على تصدير أحسن مُنتجاتها إلينا، قال ​​​​​​​: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57].

لاحظ: قول الله ​​​​​​​: يُجْبَى يعني: بغير اختيارهم، جِبَايةً بغير اختيارٍ، فتأتينا ثمراتُ كلِّ شيءٍ: حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ.

سبحان الله!

هذه من النِّعَم العظيمة التي ينبغي أن نحمد الله تعالى عليها، فكثيرٌ منا -يا إخواني- يعيش عِيشة الملوك التي ذكرها الله تعالى في قوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا [المائدة:20].

قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت عنده دارٌ وزوجةٌ وخادمٌ سَمَّوه: ملكًا"، يعني: يعيش عِيشة ملوكٍ؛ مصداقًا لقوله ​​​​​​​: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا.

فكم من إنسانٍ منا يعيش عِيشة ملوكٍ.

فلنَحْمد الله على هذه النِّعَم، ولنشكر الله تعالى عليها، وقد وضع النبي لنا منهجًا عظيمًا فقال: انظروا إلى مَن أسفل منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم، فهو أجدر ألا تَزْدَرُوا نِعْمة الله عليكم [12] يعني: لا يتطلَّع الإنسان إلى مَن هو فوقه، بل يتطلع إلى مَن هو أقل منه، كيف أنَّ الله تعالى فضَّله عليه في أمورٍ كثيرةٍ؟

العبادة بعلمٍ وبصيرةٍ

أيها الإخوة، الإنسان ما خُلِقَ إلا لعبادة الله ، ولا يمكن أن يعبد الله سبحانه إلا عن طريق العلم، فمهما كان عليه المرء من القوة في العبادة لا يمكن أن يعبد الله كما يُحِبُّ اللهُ ويرضاه إلا عن طريق العلم، وإلا فإنه إذا اجتهد في العبادة بعيدًا عن العلم فإنه ربما يَضِلُّ، وربما ينحرف، وربما يقع في الفتنة.

ولهذا ينبغي أن نحرص على بَثِّ العلم الشرعي في المجتمع، وأن نحرص كذلك على الارتباط بأهل العلم، خاصةً العلماء الراسخين، وأن نحرص على الارتباط بهم، وعلى ربط العامة بهم، فإن هذا أيضًا من أسباب الوقاية من الفتن.

وأن نحرص كذلك على البُعد عن مواطن الفتن، وهذا له أصلٌ، وهو قول النبي : مَن سمع بالدَّجَّال فَلْيَنْأَ منه [13] يعني: فليبتعد عنه. رواه أحمد وأبو داود.

يعني: إذا سمعتَ المسيح الدجال لا تَقُل: عندي قوة إيمانٍ، وعندي كذا، ابتعد عنه، ابتعد عن الفتن.

ومن هنا، فإنَّ من سُبُل الوقاية من الفتن: الابتعاد عنها.

فقد يدخل بعضُ الشباب بعض المواقع على (الإنترنت) بدافع الفضول، وربما يدخل مواقع فيها شبهات، فتستقر هذه الشبهات في النفوس، ثم يصعب خلاصها، فإذا استقرت الشبهة في النفس ربما يَصْعُب أن تخرج.

ثم إن هذه الشُّبهة تتولَّد معها شُبُهات، حتى يقع الإنسانُ في الفتنة من حيث لا يشعر، فالوقاية في البعد عن مواطن الفتن، وعن الجُلساء الذين يقودون الإنسان للوقوع في الفتن.

فإذا وجدتَ شخصًا عنده لَوْثةٌ في فِكْره، وفي منهجه، وفي طريقته، ابتعد عنه؛ لأنك ربما تجلس وتأنَس به، ثم يُلقي عليك شُبَهًا؛ فتقع في الفتن من حيث لا تشعر.

وكذلك أيضًا ابتعد عن المواقع التي تَعْرض الشُّبهات، سواءٌ كانت فتن شبهاتٍ تعرضها في مواقعها، أو كانت فتن شهواتٍ، فالبُعد عنها من أسباب العصمة من الفتن، بإذن الله .

وَلْيَحرص المسلم على الارتباط بكتاب الله ، فإن فيه العصمة من الفتن، والوقاية من الفتن والمَخْرج.

كتاب الله تعالى فيه نَبَأُ ما قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحُكم ما بيننا، هو الفصل، ليس بالهَزْل.

ينبغي أن يرتبط المسلم بكتاب الله: تلاوةً، وحفظًا، وتدبُّرًا، وعملًا، وأن يكون له في كل يومٍ وِرْدٌ أو حزبٌ يقرؤه لا يَقِلُّ عنه، هذا هو هَدْي النبي وصحابته ، كان لكلٍّ منهم حزبٌ، ليس حزبًا بالمعنى الاصطلاحي عند أهل التجويد، ولكنه حزبٌ يقرؤه كل يومٍ، يقرؤه بتدبُّرٍ وتأمُّلٍ.

هذا من أسباب الوقاية من الفتن؛ لأنه من أسباب زيادة الإيمان وتقويته، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]، فمُجرد أنهم يسمعون آيات الله تُتلى يزيد إيمانهم، وكذلك إذا قرؤوا القرآن زاد إيمانهم، وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا.

فينبغي أن يكون لكلٍّ منا -أيها الإخوة- حزبٌ يقرؤه كل يومٍ، وقد قال النبي في هذا: مَن نام عن حِزْبه أو عن شيءٍ منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ كُتِبَ له كأنما قرأه من الليل [14] رواه مسلم.

أيها الإخوة، نحن في هذا الزمن في زمانٍ كثُرت فيه الفتن، ولا عاصِم منها ولا مُنْجِي إلا الضَّراعة إلى الله في أن يُثبِّت المسلم ويقيه من هذه الفتن، ومن مُضِلَّات الفتن، وأن يحرص على بذل الأسباب، ومن ذلك: أن يحرص على التبصُّر في أمور دينه، وعلى طلب العلم، وعلى الارتباط بطلب العلم، وأن يحرص كذلك على مُجالسة أهل الخير والتقوى والصلاح، وأن يبتعد عن مواطن الشُّبَه.

هذه -بإذن الله- كلها مما يَقِي ويَعْصِم من الفتن.

أسأل الله تعالى أن يعصمنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

اللهم إنا نعوذ بك من مُضِلَّات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

اللهم إنا نعوذ بك من مُضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

اللهم يا مُقلِّبَ القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك، ويا مُصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك.

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].

اللهم أَعِنَّا على ذِكْرك، وعلى شكرك، وعلى حُسن عبادتك.

اللهم استعمِلْنا في طاعتك، ووفِّقْنا لتَدَارُكِ ما تبقَّى من أعمارنا في طاعتك وحُسن عبادتك، يا حيُّ، يا قَيُّوم، يا ذا الجلال والإكرام.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847.
^2 روى البخاري: 1036، ومسلم: 157 عن أبي هريرة  قال: قال النبي : لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهَرْج، وهو القتل، القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض.
^3 رواه أبو داود: 4596، والترمذي: 2640 دون قوله: كلُّها في النار إلا واحدةً ... إلى آخر الحديث، وروى هذه الزيادة الطبراني في "المعجم الصغير": 724.
^4 رواه البخاري: 3344، ومسلم: 1064.
^5 رواه الترمذي: 2516، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وأحمد: 2669.
^6 رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 9432 دون قوله: يا مُصرِّف القلوب، صرِّفْ قلبي على طاعتك، وروى هذه الزيادة مسلم: 2654.
^7 سبق تخريجه.
^8 رواه مسلم: 1848.
^9 رواه مسلم: 1852.
^10 رواه البخاري: 5534، ومسلم: 2628.
^11 رواه ابن أبي شيبة: 32532، والحاكم: 4554.
^12 رواه مسلم: 2963.
^13 رواه أبو داود: 43190، وأحمد: 19875.
^14 رواه مسلم: 747.
مواد ذات صلة