logo

محاضرة في جامع الملك سعود الوديعة

مشاهدة من الموقع

... بأمور مشتبهة، وقد يظهر للإنسان أن فيها صلاحًا، ولكنه يتبيَّن له بعد ذلك أن فيها انحرافًا كبيرًا وخللًا عظيمًا، وهي تنقسم إلى: فتن شبهات، وفتن شهوات.

والفتنة إذا أقبلت لم يعرفها إلا العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل الناس.

خطورة فتن الشبهات

فتن الشُّبُهات هي الأخطر وهي الأعظم، والإنسان قد يقع في فتنةِ شبهة ويُزيَّن له سوء عمله فيراه حسنًا، وقد أخبر النبي بافتراق هذه الأمة، فهو واقع لا محالة، وأن هذا الافتراق سيكون على ثلاث وسبعين فرقة، يقول النبي : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كانت على ما أنا عليه وأصحابي[1].

فقد وقع الافتراق في الأمم السابقة، افترق اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، ثم مِن بعدهم النصارى كان افتراقهم إلى ثنتين وسبعين فرقة، وأما هذه الأمة فقد أخبر النبي بأن افتراقها سيكون إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، وأن هذه الفِرق كلها في النار ما عدا فرقة واحدة، أي: إن الثنتين والسبعين فرقة كلها في النار، وإن الفرقة الناجية المنصورة: هي من كانت على ما عليه رسول الله وصحابته .

ويقول عليه الصلاة والسلام عن هذه الفِرقة الناجية المنصورة: لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم إلى قيام الساعة[2]، وجاء في بعض الروايات: هم الجماعة[3].

ونحن نرى على مَرِّ التاريخ الإسلامي هذا الافتراق في الأمة، فمِن بعد مقتل عثمان بن عفان حصل افتراقٌ، ونشأت فِرقٌ وتيارات، وتارة تخبو، وتارة تنشط، وفي وقتنا الحاضر نشأت فِرقٌ وجماعاتٌ وطوائف ذات أفكار مختلفة.

وقد كان فيما سبق في هذه البلاد مصدر التلقي للشاب: المسجد والمدرسة والبيت، أما الآن ومع هذا الانفتاح الذي نعيشه، كثُرت مصادر التلقي، فأصبح الشاب يجدُ مؤثِّرات من العالم الخارجي عن طريق الإنترنت وغيره، فيتأثَّر بما يقرأ ويسمع، وربما يدفعه لذلك الغيرة على دينه، فيقع في الانحراف الفكري من حيث يشعر أو لا يشعر.

من أسباب العصمة والوقاية من هذه الفتن

أيها الإخوة، ومن أسباب العصمة والوقاية من هذه الفتن:

عدم الاستشراف للفتن

أولًا: عدم الاستشراف لها، فإن مَن استشرَف لها تستشرفه.

ومعنى الاستشراف؛ أي: التطلُّع لهذه الفتن وعدم الإعراض عنها، فإن بعض الناس كلما وقعت فتنة تتبعها واستشرَف وتطلَّع لها، وخاض فيها، وهذا يُوشك أن يقع في هذه الفتنة؛ ولهذا قال النبي : من سمع بالدجال فَلْيَنْأَ عنه. رواه مسلم[4]. أي: فَلْيَبتعد عنه، ولا يقل: إنني مؤمنٌ قويُّ الإيمان ولا يضُرُّ إذا أتى المسيحُ الدجال، أنا أعرف أنه دجال.

نقول: أنت بشرٌ وضعيفٌ، ويَرِدُ عليك ما يَرِدُ على البشر، فربما تظن أنك في مأمنٍ من الدجال، حتى إذا أتى بالخوارق التي معه، وقال للسماء: "أمطري" فتُمطر، وقال للأرض: "أخرجي كنوزكِ" فتتبعه بكنوزها، وأتى بالخوارق، يقتل الرجل، ثم يقول: "قم" فيقوم يمشي، ربما يُفتن الإنسانُ إذا رأى هذه الخوارق وهذه الأمور التي مَكَّنه الله تعالى منها وأعطاه إياها.

إذًا؛ الأمر الأول: البُعد عن الفتن، والبعد عن مواطن الفتن، وعدم الاستشراف لها.

ومن ذلك: أن يبتعد عن المجالس التي تكون فيها الفتن، عندما يكون هناك جُلَساء يتحدثون في هذه الأمور، يُكفِّرون ويُبَدِّعون ويُفَسِّقون ويُصنِّفون الناس، هذه مجالس سوء، وربما أنه في المرة الأولى لا يتأثَّر، لكنه في المجلس الثاني والثالث وما بعده يحصل له التأثُّر.

وكذلك أيضًا: البعد عن المواقع المشبوهة، أو المواقع التي تعرِضُ الشُّبَه؛ فإن هذه الشُّبَه ربما تستقِرُّ في القلب فيصعب الخلاص منها. والسلامة لا يعدلها شيء.

بناءُ الأحكام على اليقين

الأمر الثاني من الأمور التي تقي وتعصم بإذن الله تعالى من الوقوع في الفتن: بناءُ الأحكام على اليقين، فإن هناك أمورًا متيقَّنة، وأمورًا مشكوكٌ فيها، فلْيَلزم المسلم الأمور المتيقَّنة.

فأنت إذا كنت في بلدك باقيًا مع المسلمين، تصوم وتُصلِّي، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فأنت على يقينٍ بأنك على خير وعلى حق، ولكن الالتحاق بتلك الجماعات أو تبنِّي أفكارها؛ هذا محل شكٍّ، فعند حصول الفتنة الْزم اليقين، وابتعد عن محلِّ الشك، فهذه من القواعد التي ذكرها أهل العلم عند حصول الفتن: البُعد عن المشتَبَه وعن المشكوك فيه، ولزوم اليقين.

مجالسة الأخيار

وأيضًا من الأمور التي تحصل بها العصمة والوقاية من الفتن: مجالسة الأخيار، والبُعد عن مجالسة الأشرار، فإن المجالسة لها أثرٌ عظيمٌ على الإنسان، والإنسان يتأثَّر بجلسائه.

ولا شك أن مجالس ذكرٍ يُذكَر فيها الله ورسوله وتكون على منهج السلف الصالح؛ هي مجالس الخير. أما المجالس التي يكون فيها تكفيرٌ وتفسيقٌ وتبديعٌ وتصنيفٌ وكلامٌ في أمور لا تنفع، كلامٌ في الحُكَّام وفي غيرهم، وتِعْدادٌ للمساوي والعيوب، وشحنٌ للنفوس، هذه مجالس سوء، وهذه المجالس ربما يتأثَّر الإنسان بالجلوس فيها، وحينئذٍ يقع في الفتنة.

وينبغي للآباء أن يحرصوا على اختيار الجلساء الصالحين لأولادهم، الجلساء الذين يُذكِّرُونهم إذا نسوا، ويُعينونهم إذا ذُكِّروا، الجلساء الطيبين الذين يقول النبي فيهم: مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير[5].

الجلساء الطيبون كحامل المسك؛ فحامل المسك إما أن يُحذِيَك يعني: يُهدي لك هدية، وإما أن تبتاع منه أي: تشتري منه، وإما على الأقل أن تجد منه ريحًا طيبة[6]، فأنت رابحٌ من مجالسته بكُلِّ حال، تجد من مجالسته الزيادة في دينك، تجد قوة الإيمان، لست بخاسرٍ بمجالسته من علم تستمع إليه، من فائدة، من حكمة، من تنبيهٍ على خطأٍ، هذا هو الجليس الصالح الذي ينفع الإنسان ويستفيد الإنسان من مجالسته.

وأما جليس السوء فيُشَبِّهُه النبي بنافخ الكير، الذي ينفخ في الكير، في الحديد المُوقد عليه نارٌ، فهذا إما أن يحرق ثيابك، وإما على الأقل أن تجد منه ريحًا خبيثة، فأنت خاسرٌ من مجالسته.

ولذلك يُحكم على الإنسان من جلسائه، عندما يتقدَّم رجلٌ لخطبة امرأة، فإنهم يسألون عن جلسائه، إذا كان يُجالس أخيارًا أخذوا عنه انطباعًا بأنه خَيِّر، وإذا كان يُجالس جلساءَ سيئين أخذوا عنه انطباعًا بأنه سيئ.

إذا كان هذا الخاطب يُجالس مثلًا جلساء يقعون في المخدرات مثلًا، أو المسكرات ونحوها؛ فإن أهل تلك الفتاة لا يقبلون به زوجًا لابنتهم، حتى وإن لم يقع في هذه الأمور؛ لأنهم يحكمون عليه من خلال جلسائه.

وهكذا أيضًا في الانحراف الفكري، لا تُجالس من كان عنده لوثة، أو كان عنده انحرافٌ فكريٌّ، فإن هذا يُعدي كما يُعدي الأجرب، ويُؤثِّر على مُجَالسيه.

إذًا؛ من أسباب العصمة والوقاية من الفتن: اختيار الجلساء الصالحين.

الارتباط بأهل العلم

وأيضًا من أسباب الوقاية من الفتن: الارتباط بأهل العلم، وأن يكون للإنسان مرجعيةٌ في أمور دينه، يرجع إليهم عندما تُشكِل عليه مسألة، وهذا أمرٌ في غاية الأهمية، وأن يرتبط الناس بعلمائهم، ويصدُروا عن آرائهم، العلماء الربانيين الثقات، وهم ولله الحمد كُثُرٌ في هذه البلاد؛ فينبغي الصدور عن آرائهم، وأن يكونوا هم المرجعية للمجتمع.

عندما يأتي الشاب ويُسقط هؤلاء العلماء، ولا يكون له مرجعٌ منهم يُرجَع إليه ويصدر عن آرائهم وفتاواهم، فإنه سيتَّخِذُ مراجع سوءٍ يرجع إليهم، يتَّخِذُ رؤوسًا جُهَّالًا يُفتُونَه بغير علم، يتأوَّلون، يُكَفِّرون الناس، فيُوقعونه في الفتنة.

ولذلك؛ ينبغي غرسُ محبة الله  ومحبة رسوله في نفوس الناس، وغرسُ محبة وتوقير أهل العلم في نفوس الناس، فإن هذا -بإذن الله تعالى- من أسباب الوقاية من الفتن.

ولما وقعت الفتن في عهد عثمان كان شرارة هذه الفتن أنَّ ابن سبأ ومن معه قاموا بشحن الناس ضد الخليفة عثمان بن عفان ، لكنهم إذا أتوا إلى بلدٍ العلمُ فيه ظاهرٌ والسُّنة ظاهرةٌ والعلماء متوافرون لم يُسمَع لهم وُطُرِدوا، طُرِدوا من المدينة ولم يُسمَع لهم، طُرِدوا من الأماكن التي يتواجد فيها أهل العلم فذهبوا إلى الأماكن التي يقِلُّ فيها العلماء. وبدؤوا بشحن النفوس ضد عثمان بن عفان .

وأكثر ما يشحنون به النفوس باطلٌ، وبعضه حقٌّ لكنهم نفخوا فيه وبالغوا فيه، وزادوا إلى أن شُحِنت النفوس ضد الخليفة ضد عثمان بن عفان ، وشُحِنت كذلك ضد علماء الصحابة .

كان علماء الصحابة موجودين؛ كابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري، وكبار الصحابة، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، رضي الله تعالى عنهم جميعًا، كانوا موجودين، لكن شُحِنت النفوس ضدهم، وقيل لهم: إن هؤلاء مُداهِنون مع عثمان بن عفان، وإن هؤلاء علماء سلطان.

وقيل ما قيل، فشُحِنت النفوس ضد الخليفة وضد العلماء، فأصبح أولئك يصدرون عن آرائهم، إلى أن وصلت بهم الحال إلى أن حاصروا بيت عثمان بن عفان ، حتى منعوه من شرب الماء، ثم تسلَّقوا عليه في البيت وقتلوه، قتلوه باسم الدين، وباسم الغيرة على الدين، وباسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد رأى عثمانُ النبيَّ في المنام في ذلك اليوم، فقال: أفطر عندنا يا عثمان. وكان صائمًا، فقتلوه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وانفتح على الناس أبواب شَرٍّ بعد مقتله، وأبواب فتنٍ عظيمةٍ، وقتلٍ عظيمٍ.

ثم لما وُلِّي عليُّ بن أبي طالب شُحِنت النفوس ضده، ووقعت الفتن إلى أن قتلوه، وهذا الذي قتل عليَّ بن أبي طالب رجلٌ عابدٌ، كان يقال: إن في جبهته أثر السجود من كثرة الصلاة، من العُبَّاد، قيل له: كيف تقتل أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين؟! كيف تقتل هذا الصحابي الكبير الجليل ابن عم رسول الله ؟! أول من أسلم من الصبيان؟!

أتدرون ماذا قال؟ قال: هذا أرجى عمل أتقرب به إلى الله!

سبحان الله! انظر إلى الانحراف! يصل بالإنسان إلى هذه الدرجة! أرجى عمل تتقرب به إلى الله؟! تقتل المسلمين؟! تقتل الصحابي الجليل الذي بشَّره النبي بالجنة؟! أحد الخلفاء الراشدين الذين قال النبي عنهم: عليكم بِسُنَّتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضُّوا عليها بالنواجذ[7].

نعم، إن هذا هو الانحراف الذي نَعْنِيه، وهذه هي الفتنة. والحماس وحده والغيرة لا تكفي، لا بد أن تُلْجَم بالعلم والبصيرة في الدين، وإلا فإن مجرد الحماس والغيرة ربما يترتب عليه مفاسد كما حصل لهؤلاء، هؤلاء الذين قتلوا عثمان وقتلوا عليًّا رضي الله عنهما باسم الغيرة وباسم الحماس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنهم انحرفوا وضلوا.

فإذًا؛ التزهيد في العلماء وعدم الرجوع لهم من أسباب الوقوع في الفتنة.

الضراعة إلى الله

ومن أسباب العصمة والوقاية من الفتن: الضراعة إلى الله في الوقاية من الفتن: أن تُكثر من الدعاء في أن يُثبِّتك الله ، وأن يُجنِّبك مُضِلَّات الفتن، وألا يزيغ قلبك.

احرص على هذا الدعاء كل يوم؛ كان النبيُّ مِن أكثر دعائه: يا مُقَلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك[8]، يا مُصَرِّف القلوب صرف قلبك على طاعتك[9]. قالوا: يا رسول الله، ما أكثر ما تقول هذا الدعاء؟ قال: إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يُقلِّبها كيف شاء[10].

والله تعالى ذكر من دعاء أولي الألباب أنهم يقولون: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8]، هذا من دعاء أولي الألباب.

ما معنى "أولي الألباب"؟ يعني: أصحاب العقول السليمة الراشدة، يدعون الله بهذا الدعاء؛ لعلمهم بأن قلوب العباد تَزِيغ وتَضِلُّ؛ كم من إنسانٍ كان صالحًا مستقيمًا ثم زاغ قلبه فانحرف، فوقع إما في فتنة شبهة أو في فتنة شهوة.

وتوسَّلوا إلى الله بهدايته لهم، وهذا من أسباب الإجابة: أن تتوسَّل إلى الله بإحسانه إليك، فكأنك تقول: يا ربِّ، إنك أحسنتَ إليَّ وهديتني، فلا تُزغ قلبي بعد هذا الإحسان وهذه النعمة. ومن ذلك قول زكريا : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم:4]، فهو يتوسَّل إلى الله بأنه لم يكن بدعاء ربه شقيًّا، فهذا من التوسُّل إلى الله بنعمته وإحسانه.

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وهذا فيه إشارةٌ إلى أن القلوب تزيغ: وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8]، "هب لنا من لدنك رحمة" يسألون الله أن يرحمهم؛ لأن الله تعالى إذا رحم الإنسان وفَّقه للخير وهداه إلى الصراط المستقيم.

فاحرصوا -رحمكم الله- على هذا الدعاءِ كلَّ يوم، قل: رَبِّ لا تُزِغْ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة؛ إنك أنت الوهاب. يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك. يا مصرِّف القلوب، صرِّف قلبي على طاعتك. أكْثِر من هذا الدعاء، وسَلِ الله تعالى الثبات، قل: اللهم إني أسألك أن تُثَبِّتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

من دعا الله وصدق في دعائه؛ فإن الله تعالى لن يُخيِّب ظَنَّه، وسيُجَنِّبه مُضِلَّات الفتن.

الصدق مع الله، والإخلاص لله سبحانه

ومن أسباب العصمة والوقاية من الفتن: الصدق مع الله، والإخلاص لله سبحانه، فإن الإنسان إذا كان مخلصًا لله، صادقًا مع الله؛ فإن الله يعصمه عندما تعرض له الفتنة، سواءٌ أكانت فتنة شبهة أو فتنة شهوة؛ والدليل لهذا قول النبي : احفظ الله يحفظك[11]، "احفظ الله" يعني: اصْدُق مع الله، أَطِع الله ، اتبع أوامره، اجتنب نواهيه، أخلِص لله؛ فإذا صدقت مع الله حفظك الله.

احفظ الله يحفظك، يحفظك الله في أمور الدين أو في أمور الدنيا؟ نقول: فيهما جميعًا، في أمور الدين وأمور الدنيا، لكن حفظ الدين أشرف وأهم وأعظم، أن يحفظك الله تعالى في دينك.

ومِن حِفظ الله تعالى للعبد في دينه: أن يعصمه من الفتن إذا عَرَضت له؛ ولذلك تجد أن الذي يقع في الفتنة؛ إما في فتنة الشبهة أو فتنة الشهوة، لو تأملت واقعه تجد أن عنده خللًا ونقصًا في تديُّنه وفي صدقه مع الله، لو كان عنده صدقٌ مع الله وإخلاصٌ؛ لَعَصَمه الله تعالى من الوقوع في الفتنة، لَكَانَ إذا عَرَضَتْ له فتنةٌ عَصَمه الله تعالى من الوقوع فيها؛ لأن الله تعالى يحفظ الإنسان إذا كان صادقًا مع الله: احفظ الله يحفظك، لكن إذا كان عنده خللٌ في تديُّنه ونقصٌ فإنه لا يُحفَظ في دينه ويقع في الفتنة.

يوسف عليه الصلاة والسلام، نبيُّ الله الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، أبوه نبيٌّ، وجدُّه نبيٌّ، وأبو جَدِّه نبيٌّ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام. هذا النبي الكريم أَحْبَّه أبوه محبَّةً شديدة، وتعلَّق به لدرجة أنه يقول: قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ [يوسف:13]، يحزن بمجرد مفارقته، إلى هذه الدرجة كان تعلُّقه! وهذا أثارَ الحسَدَ لدى إخوته: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ۝ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا [يوسف:8-9]؛ فكرهوا أباهم وأخاهم، وصفوا أباهم بأنه في ضلالٍ مبينٍ، وأخاهم همُّوا بقتله، ثم قال قائل منهم: لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ [يوسف:10]. كُلُّ ذلك بسبب تفضيل أبيه له!

وهذا يدلُّ على خطورة تفضيل الأب لأحد أولاده على البقية؛ فإن هذا يُورِث تفكُّك الأسرة، ويُورِث الكراهية والحقد من بقية إخوته لأبيهم ولأخيهم المفضَّل.

باعه إخوته بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة كما قصَّ الله تعالى علينا في سورة (يوسف)، باعوه على أنه رقيق، النبي الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، أبوه نبيٌّ، وجدُّه نبيٌّ، وأبو جَدِّه نبيٌّ، يُباع على أنه عبدٌ! سبحان الله! انظر: كيف أن الإنسان قد يُبتلى بمثل هذا، فبِيع على أنه رقيقٌ، على أنه عبدٌ: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ يعني: باعوه وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [يوسف:20].

وكان مِن قَدَرِ الله أن الذي اشتراه عزيز مصر، وكان قد أُعطي قَدْرًا عظيمًا من الجمال؛ ففُتِنت به امرأة العزيز لما بلغ وكبر، لما كان صغيرًا لم تحصُل الفتنة، لكن لما بلغ مبلغ الرجال فُتِنت به: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف:23]، يعني: الفتنة الآن عُرِضت ليوسف عليه الصلاة والسلام بجميع مقوِّماتها وإغراءاتها؛ رجلٌ شابٌّ وغريبٌ.

الغريب لا يأتيه مِن العار مثلُ ما يأتي غيرَ الغريب، شابٌّ أعزبُ، غريبٌ، رقيقٌ، مستَرَقٌّ، الذي يدعوه للوقوع في الفاحشة سيدته، وقيل: إنها كانت امرأة من أجمل النساء، ثم تزيَّنت وتهيَّأت له، يعني: فوق جمالها تزيَّنت له، ثم غلَّقت الأبواب.

انظر إلى عظيم الفتنة! وهَمَّتْ بِهِ [يوسف:24]، ولكن يوسف عليه الصلاة والسلام عَصَمَه الله تعالى من هذه الفتنة: قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف:23].

هل هَمَّ يوسف بالفاحشة؟ الله تعالى يقول: وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24]، يعني: لولا أنه برهانُ ربِّه لهَمَّ بها. بُرْهَانَ رَبِّهِ هو مخافة الله وخشيته، وما عنده من قوة الإيمان؛ فلذلك الصحيح: أنه لم يقع منه الهم؛ لأن معنى الآية: لولا برهان ربه لهَمَّ بها؛ لوُجُود مقوِّمات الفتنة، فكأن الآية فيها إشارةٌ إلى أنه رجلٌ بكاملِ الرجولة، لكنه ترك ذلك ليس ضعفًا، وليس عجزًا، وليس خوفًا، ولكنه ترك ذلك خوفًا من الله ، ليس خوفًا من البشر، لكن خوفًا من الله سبحانه: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24].

لماذا عصمه الله تعالى من هذه الفتنة العظيمة التي عُرضت له بكامل إغراءاتها؟ لماذا؟

ذكر الله تعالى السبب في عصمة يوسف  من هذه الفتنة، قال: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ [يوسف:24]؛ يعني: لِنَقِيه هذه الفتنة العظيمة، لماذا؟ لماذا صرف الله تعالى عنه السوء والفحشاء؟ لماذا وَقَاه الله تعالى هذه الفتنة العظيمة؟

إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]؛ يعني: جزاءً له على إخلاصه؛ لكونه مخلصًا مع الله صادقًا مع الله؛ عَصَمَه الله تعالى من هذه الفتنة، وصَرَف عنه السوء والفحشاء، عَصَمه الله تعالى من فتنة الشهوات، كما ذكرنا: أن الفتن إما أن تكون فتنة شبهات أو فتنة شهوات، فعَصَمَه الله تعالى من هذه الفتنة، وصرف عنه السوء والفحشاء جزاءً له على إخلاصه.

وهكذا الصادق مع الله ، المخلِص لله سبحانه، الحافظ لحدود الله، ما إن تعرض له فتنة شبهة أو شهوة، إلا ويُقيِّض الله تعالى له ما يصرفه عنها، إن كانت فتنة شهوة صرفه الله تعالى عنها، وإن كانت فتنة شبهة قيَّض الله تعالى من يكشف هذه الشُّبهة له وينصرف عنها.

إذًا؛ من أعظم أسباب الوقاية والعصمة من الفتن: الصدق مع الله ، والإخلاص لله .

الاعتبار بالماضي والحاضر

ومن الأسباب أيضًا: الاعتبار، أن يعتبر المسلم ويتعظ، فإن الاعتبار من منهج أولي الألباب والصالحين، والصالحون هم الذين يعتبرون، وهم الذين يتذكرون؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [البقرة:269]، يعني: ما يعتبر إلا أولو الألباب أصحاب العقول السليمة الراشدة، فليعتبر الإنسان بما يراه حوله في الوقت الحاضر، وبما كان في القرون الماضية، أناسٌ كانوا مستقيمين، كانوا على خير وصلاح، وقعوا في الفتنة فانحرفوا؛ إما فتنة شبهة أو فتنة شهوة.

كم من إنسان رأيناه صالحًا ثم انحرف عن الصراط المستقيم ووقع إما في فتن الشهوات أو في فتن الشبهات. وقد ذكرتُ لكم ما حصل من هذا الذي قتل عليَّ بن أبي طالب كيف فُتِن، فتِن لدرجة أنه يقتل أحد الخلفاء الراشدين، ويُريد بذلك التقرُّب إلى الله ، هذه صورةٌ من صور الفتنة؛ فلْنأخذ العبرة، لنأخذ العبرة من هذا.

وأنتم ترون في الوقت الحاضر من كانوا على جانب صلاحٍ وخيرٍ، ومِن مُرْتَادي المساجد والجُمَع والجماعات، لكنهم وقعوا في هذه الفتن فانحرفوا، إما وقعوا في فتن شهوات فانتكسوا، وإما أنهم وقعوا في فتن شبهات، والْتحقوا بهذه الجماعات المنحرفة، المنحرفة في فهم الإسلام، والمنحرفة في فهم الجهاد في سبيل الله ، فوقعوا في الفتنة من حيث لا يشعرون.

العالَم الآن -يا إخوان- يعُجُّ بفتنٍ كثيرةٍ، بفتنٍ عظيمةٍ؛ فينبغي لنا الحذر، وأن نعمل بهذه الأسباب التي فيها بإذن الله الوقاية والعصمة من الفتن؛ جاء في "صحيح مسلم" عن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه[12].

يعني: كان هذا الصحابي الجليل متخصِّصًا في أسئلة النبي عن الشر وعن الفتن؛ ولذلك أعلمه النبي بأسماء المنافقين.

قال: قلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهليةٍ وشَرٍّ، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شَرٍّ؟ قال: نعم. قلت: فهل بعد هذا الشَّرِّ من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخَنٌ. قلت: وما دَخَنُه؟ قال: قوم يهتدون بغير هديي، ويَسْتَنُّون بغير سُنَّتي. قلت: وهل بعد هذا الخير من شَرٍّ؟ قال: نعم، دُعاة على أبواب جهنم مَن أجابهم قذفوه فيها[13]. لاحِظ هذا الوصف: دُعاة على أبواب جهنم، مَن أجابهم قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، جَلِّهم لنا، صِفْهُم لنا.

قال: أما إنهم من بني جلدتكم، ويتكلمون بألسنتكم. يعني: أنهم ليسوا غرباء، منكم وفيكم من بني جلدتكم، ويتكلمون بلسانكم وبلغتكم، ومع ذلك وصفهم النبي بأنهم دُعاة على أبواب جهنم.

قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ بماذا أوصاه النبي لَمَّا ذَكَر هذه الفتن؟ بماذا أوصى حذيفة ؟ أتدرون ماذا قال؟ قال: عليك بجماعة المسلمين وإمامهم؛ كن مع الجماعة، وكن مع إمام المسلمين ووليِّ الأمر، لا تشِذَّ برأيٍ أو بفكرٍ فتقع في الفتنة؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: كن مع جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: يا رسول الله، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: اعتزل تلك الفِرق كلها ولو أن تعَضَّ بأصل شجرة[14]. وهذا الحديث حديثٌ عظيمٌ، وهو أصلٌ في أبواب الفتن .

لزوم جماعة المسلمين

فانظر كيف وصَّى النبيُّ   بلزوم جماعة المسلمين، وهذا أيضًا من أسباب الوقاية من الفتن، أن تلزم جماعة المسلمين، وتكون مع المسلمين ومع جماعة المسلمين ومع إمام المسلمين، وكل واحد منا في هذا البلد في رقبته بيعة، يقول النبي : من مات وليس عنده بيعة؛ مات ميتة جاهلية رواه مسلم[15].

والبيعة تنعقد بمُبايعة أهل الحل والعقد؛ فإذا بايع أهل الحل والعقد لزمت الجميع، فهي تقتضي السمع والطاعة، السمع والطاعة لمن ولَّاه الله علينا، لا لشخصه ولكن لمنصبه الذي ولَّاه الله تعالى علينا؛ لأنه بالسمع والطاعة لإمام المسلمين تنتظم أمور الناس، وتتحقق المصالح وتُدرأ المفاسد، وتُقام الحدود، ويظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحل الأمن والأمان والاستقرار، وتجتمع الكلمة. بخلاف ما إذا لم يكن هناك إمام، كما ترون الآن في بعض البلدان المجاورة، مختلفون ومتفرِّقون ومضطربون إلى شِيَعٍ وفرقٍ وأحزاب وقتل، وجماعات تكفير ومصائب؛ فنحمد الله  نحن في هذه البلاد على وحدة الكلمة، واجتماع الصف، وائتلاف القلوب، والأمن والأمان والاستقرار، لنحمد الله على هذه النعمة.

إذًا؛ لزوم جماعة المسلمين وإمامهم هذه هي الوصية التي أوصى بها النبي عند حلول الفتن.

تقوى الله والحذر من انتهاك حقوق العباد

أيها الإخوة، وإن المسلم يعيش في هذه الحياة ما كتب الله تعالى له أن يعيش، ثم بعد ذلك ينتقل من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، ينتقل من دار العمل إلى دار الجزاء والحساب؛ فعليه أن يتقي الله ، وأن يتزوَّد بزاد التقوى، وأن يحذر من الوقوع في المعاصي، وخاصة ما كان متعلِّقًا بحقوق العباد؛ فإن حقوق العباد أمرها عظيمٌ جدًّا عند الله ؛ ولذلك عظَّم النبي شأنها في أعظم مجمع، قال: أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت، اللهم فاشهد[16].

ومن الفتن أن بعض الناس قد يقع في انتهاك حقوق بعض الناس، إما في دمائهم وهذا هو الأشد، أو في أعراضهم بالتكفير ونحوه، أو في أموالهم. وهذا نوعٌ من الفتنة؛ ولذلك يقول النبي : لا يزال المؤمن في فُسحة من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا رواه البخاري[17]، فإذا أصاب دمًا حرامًا فإنه -نسأل الله السلامة والعافية- ليس في مأمن: لا يزال في فُسحة من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا، ومن أظهر الإسلام وصلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم كما قال النبي [18]، وليس لنا إلا الظاهر.

ولهذا؛ لما بعث النبي أسامة بن زيد  في جهاد في سبيل الله، كان هناك رجل من المشركين أوجع في المسلمين ضربًا، فلما لَحِقَ به أسامة ورفع السيف عليه، قال: لا إله إلا الله. فقتله أسامة ، فدعا النبيُّ أسامة  وقال: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟. قال: يا رسول الله، إنه كان كافرًا، وأوجع في المسلمين، ولم يقل: لا إله إلا الله إلا مُتعوِّذًا، يعني: خائفًا من السيف، قال : يا أسامة، أشققت عن قلبه حتى تعلم قالها كذلك أم لا؟، فجعل أسامة يعتذر. والنبي يرُدُّ عليه: "كيف بلا إله إلا الله إذا أتت تُحاجُّك يوم القيامة؟!"، كلما تكلم قال: "كيف بلا إله إلا الله إذا أتت تُحاجُّك يوم القيامة؟" فتأثَّر أسامة بن زيد تأثُّرًا عظيمًا، حتى قال: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ[19]. لأن الإسلام يجُبُّ ما كان قبله، واعتزل الفتن التي وقعت بعد مقتل عثمان ؛ تأثُّرًا بهذا الموقف.

فإذا كان هذا في جهاد في سبيل الله، الذي أرسله رسول الله ، ومع ذلك عاتبه على أن قتل رجلًا كان كافرًا أصليًّا، لكنه لما رفع عليه السيف قال: "لا إله إلا الله"، ومع ذلك عاتب النبيُّ أسامةَ ولم يقبل منه أيَّ اعتذار؛ حقوق العباد لا ينفع معها التأويل، لا ينفع، فكيف بمن يقتل مسلمًا؟

الذي حصل العام الماضي هنا في منفذ الوديعة في رمضان، جنود صائمون، توضؤوا وذهبوا لصلاة الجمعة، فيأتي أناسٌ ويقتلونهم؛ لماذا؟ هل هم كفار؟ هؤلاء مسلمون يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، صائمون يصلون، رابَطوا على ثُغُور المسلمين لحماية المسلمين، فأتى هؤلاء وقتلوهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم كفار.

انظر إلى انحراف الفكر! وانظر إلى الفتنة تصل بالإنسان إلى هذه الدرجة! ثم فوق هذا قتلوهم وقتلوا أنفسهم! نسأل الله السلامة والعافية، يعني: انتحروا، والله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ۝وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء:29-30]، ويقول في حقِّ قتل المؤمن: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

انظر كيف أن الفتنة تصل بالإنسان إلى هذه الدرجة، يقتل مسلمين صائمين مصلِّين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله! ما المصلحة مِن قتلهم؟! لماذا لم تذهب لليهود في فلسطين وتقتلهم؟ لماذا هذه الجماعات ما تذهب لإسرائيل وتُقاتل إسرائيل؟ ترجع على المسلمين، هذا مصداقٌ لقول النبي عن هذه الطوائف: يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان[20].

لما ذكر النبي الخوارج، ذكر من أوصافهم أنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، الكفار ما يتعرَّضون لهم، يتركونهم، لكن يقتلون إخوانهم المسلمين، هذه من أبرز أوصاف الخوارج الذين حذَّر النبي منهم، وقال: تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وقراءتكم عند قراءتهم، لهم دويٌّ بالقرآن كدويِّ النحل، لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد[21]، وقال عنهم: إنهم شر الخلق والخليقة[22].

فهذه الطوائف التي تُكفِّر الناس ومن ثَمَّ تقتلهم، هؤلاء هم الخوارج الذين حذَّر منهم النبي ، وحذَّر منهم علماء الإسلام، وبيَّنوا عظيم خطرهم وضررهم على الإسلام والمسلمين، أضَرُّوا بالإسلام والمسلمين كثيرًا، وشوَّهوا صورة الإسلام، حتى إن من أراد أن يعتنق الإسلام ورأى أفعال هؤلاء ينفر من الإسلام، يعتقد أن الإسلام دين تقتيل وإرهاب، مع أن الإسلام هو دين الرحمة، والله تعالى يقول: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، للعالمين كلهم، الإسلام هو دين الرحمة، دين السماحة، ودين اليسر، جعله الله تعالى كاملًا لا يحتاج إلى اجتهاد من البشر: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]، لا يحتاج إلى تكميل من أحد من البشر، وإنما كمَّلَه الله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].

فانظر كيف أن الفتنة تصل بالإنسان إلى هذه الدرجة، إلى أن يُكفِّر إخوانه المسلمين، ويستبيح دماءهم، ويستبيح أيضًا أعراضهم، يستبيح أعراضهم بالتكفير، ثم يستبيح دماءهم وهو يعتقد أنه على حقٍّ، بل ربما يتقرَّب إلى الله بهذا العمل، يعتقد أنه من الجهاد في سبيل الله، أليس الذي قتل عليَّ بن أبي طالب يقول: هذا أرجى عمل أتقرب به إلى الله؟!

وكذلك أيضًا خوارج العصر في الوقت الحاضر يقتلون المسلمين ويتقربون بهذا إلى الله ، وهذا من الانحراف في فهم الإسلام، والانحراف في فهم العبادة، والانحراف في فهم الجهاد في سبيل الله .

ولهذا؛ ينبغي يا إخوان أن تحرصوا على أولادكم، وأن تُحذِّروهم من هذه الجماعات وهذه الأفكار وهذه الطوائف، الأب عليه مسؤولية تجاه أولاده، كل واحد منكم -أيها الإخوة- ينبغي أن يجلس مع أولاده، وأن يُبيِّن لهم أن هذه الطوائف طوائف منحرفة، يغرس في نفوس أولاده هذه المعاني، وأن يطلب من ولده أن يرتبط بأهل الخير والصلاح الموثوق بهم، يرتبط بأهل العلم الموثوق بهم، وأن يكون مع جماعة المسلمين، ويحذر من هذه الطوائف. هذا من مسؤولية الأب مع أولاده: كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راعٍ في أهل بيته، ومسؤول عن رعيته[23].

اللهم اعصمنا من مُضِلَّات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اعصمنا من مُضِلَّات الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم ثبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك، ويا مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك. ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم أعِنَّا على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك. اللهم وفقنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

^1 رواه أحمد: 8396، وأبو داود: 4597، والترمذي: 2641.
^2 رواه مسلم: 1920.
^3 رواه ابن ماجه: 3992.
^4 رواه أحمد: 19968، وأبو داود: 4319.
^5, ^6 رواه البخاري: 5534، ومسلم: 2628.
^7 رواه أحمد: 17144، وأبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وابن ماجه: 42.
^8 رواه أحمد: 12107، والترمذي: 2140، وابن ماجه: 3834.
^9, ^10 رواه مسلم: 2654.
^11 رواه أحمد: 2763، والترمذي: 2516.
^12, ^13, ^14 رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847.
^15 رواه مسلم: 1851.
^16 رواه البخاري: 1739، ومسلم: 1679.
^17 رواه البخاري: 6826.
^18 رواه البخاري: 391.
^19 رواه البخاري: 6872، ومسلم: 97.
^20, ^21 رواه البخاري: 3344، ومسلم: 1064.
^22 رواه مسلم: 1067.
^23 رواه البخاري: 5200، ومسلم: 1829.
مواد ذات صلة