الرئيسية/محاضرات/يحبهم ويحبونه
|categories

يحبهم ويحبونه

مشاهدة من الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

نرحب بكم في هذا اللقاء، في ندوة الشيخ: عبدالله العقيل رحمه الله تعالى، وفي هذا اللقاء مع فضيلة الشيخ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان.

فنشكر للشيخ تلبية الدعوة، والحضور إلى هذه الندوة، ندوة الشيخ عبدالله رحمه الله.

وسيكون الحديث بعنوان: (يحبهم ويحبونه).

ونأخذ سيرة مختصرة لضيفنا، ثم بعد ذلك نبدأ في الحديث حول هذا الموضوع.

الشيخ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان، هو أستاذ الفقه في كلية الشريعة، قسم الدراسات العليا، حصل على الماجستير بعنوان: “أحكام اللباس المتعلقة بالصلاة والحج” بتقدير: ممتاز. 

وكذلك حصل على رسالة الدكتوراه بعنوان: “أحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي”. 

ترقى إلى أستاذ مشارك، ثم إلى رتبة أستاذ بروفسور في قسم الفقه في كلية الشريعة.

له مشاركات إعلامية في (قناة المجد)، وفي إذاعة القرآن، وغيرها من القنوات الإسلامية.

تتلمذ الشيخ -حفظه الله- على سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وكذلك على فضيلة الشيخ عبدالله القعود، رحمهم الله تعالى.

وهو مستشار غير متفرغ في وزارة الشؤون الإسلامية، ونائب رئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية، ورئيس تحرير مجلة الجمعية الفقهية السعودية، وإمام وخطيب (جامع الأميرة سارة بنت سعد)، ولديه في هذا الجامع درس كل يوم اثنين بعد صلاة العشاء.

أيضًا من إصدارات ضيفنا لهذه الليلة كتاب بعنوان: “فقه المعاملات المالية المعاصرة”، وأيضًا هذا عنوان درس يلقيه الشيخ في (جامع الراجحي) في حي الجزيرة.

أترك الآن المجال للشيخ سعد ليحدثنا حول هذا الموضوع: (يحبهم ويحبونه)، وما المقصود، وتفسير هذه الآية، فبين أيديكم أوراق لمن أراد سؤالًا أو أراد مداخلة، نرحب بالذين يستمعون إلى هذا اللقاء عبر موقع البث الإسلامي، وكذلك الذين يشاهدون هذا اللقاء ويسمعونه عبر موقع (يوستريم)، وكذلك الترحيب بالأخوات الحاضرات في القسم النسائي، فليتفضل فضيلة الشيخ مشكورًا.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد: 

فأولًا أسأل الله تعالى أن يغفر لشيخنا عبدالله بن عَقيل، ويتغمده بواسع رحمته، وهذه الندوة من الآثار الحسنة التي خلَّفها رحمه الله، وأشكر الإخوة القائمين على ترتيب هذا اللقاء.

أيها الإخوة: موضوع هذا اللقاء: (يحبهم ويحبونه) يدور حول معنى المحبة لله ​​​​​​

معنى المحبة لله

وعندما نقول: “المحبة”، فالمحبة لا تحتاج إلى تعريف، كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله، يقول: لا تُحَدُّ المحبة بحدٍّ أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً وجفاءً. فحدها: ليس هناك حدٌّ أحسن من أن توصف بالمحبة، وإنما يتكلم الناس عن أسبابها وموجباتها وآثارها.

فذكر الله تعالى في هذه الآية: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، ابتدأ ​​​​​​​ هذه الآية الكريمة بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: 54]. هذه الآية ابتدأها الله بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ.. وفيها إشارة إلى أن هناك من سيرتد عن دينه. وقد نزلت هذه الآية في أواخر حياة النبي ، فقد ارتدت قبائل من العرب، وقاتلهم الصحابة.

قال أهل العلم: وفي هذه من الآيات؛ أخبر الله تعالى أن ردة ستحصل من بعض الناس عن دينهم. وهو ما وقع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا تحصين للمجتمع الإسلامي، تحصين لجانب العقيدة، كأن المعنى: من يرتد منكم عن دينه فإنه لا يضر إلا نفسه، وسوف يأتي الله تعالى بقوم مؤمنين صادقين هذه أوصافهم، وسوف يجاهدونهم في سبيل الله.

وهذا ما حصل في عهد أبي بكر الصديق وما بعده، ولا يزال على مر العصور الإسلامية، لا يزال المؤمنون الصادقون يجاهدون أعداء الله تعالى، يجاهدون من يرتد.

فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فوصفهم الله تعالى بهذا الوصف العظيم: (يحبهم ويحبونه) فالله تعالى يحب هؤلاء المؤمنين، وهل هناك شيء أعظم من نيل محبة الله ​​​​​​​؟

أنت أيها الإنسان الضعيف الفقير المسكين يحبك الله ، الرب العظيم، الخالق البارئ المصور، الذي لا إله إلا هو، الذي إليه تُرجع الأمور، بديع السماوات والأرض. لا شك أن اللسان يعجز عن وصف عظيم شرف هذه المحبة.

فهناك أناس يحبهم الله تعالى، ومعتقد أهل السنة والجماعة: إثبات صفة المحبة لله ​​​​​​​ على ما يليق بجلاله وعظمته.

فالله تعالى يحب بعض عباده المؤمنين، ومن هؤلاء: الذين ذكرهم ​​​​​​​ في هذه الآية.

وقد جاء في «الصحيح»: أن النبي قال: إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحببه. فيحبه جبريل، وينادي جبريل في الملائكة: إن الله يحب فلانًا فأحبوه. فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض [1]. فلا يراه إنسان ولا يسمع به إلا أحبه.

أي شرف أعظم من هذا؟

هذا والله هو الجاه العظيم، وهذا هو الشرف الكبير.

صفات من يحبهم الله

يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، وهم أيضًا ذكر الله تعالى لهم خمس صفات:

  • الصفة الأولى: أنهم يحبون الله تعالى.
  • الصفة الثانية: أذلة على المؤمنين.
  • الصفة الثالثة: أعزة على الكافرين.
  • الصفة الرابعة: يجاهدون في سبيل الله.
  • الصفة الخامسة: لا يخافون لومة لائم.

أما الصفة الأولى: فإنهم يحبون الله تعالى

يحبون الله ​​​​​​​ محبة صادقة، وليست مجرد دعوى؛ فإن بعض الناس يدَّعي محبة الله تعالى وهو غير صادق في دعواه.

ولهذا؛ لمَّا ادَّعى قوم محبة الله ابتلاهم الله تعالى بآية المحنة، وهي قوله سبحانه: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].

فعلامة محبتك لله ​​​​​​​: أن تكون متبعًا لرسوله، أما الذي يدعي محبة الله ولا يكون متبعًا لرسول الله  فإن محبته غير صادقة، وتكون مجرد دعوى محبة، ومحبة الله تعالى من الأمور العظيمة. 

كيف تُنال محبة الله ​​​​​​​؟

المحبة إما أن تُدرك بالحِس أو بالعقل، كما ذكر أهل العلم.

محبة الشيء عمومًا إما أن تدرك عن طريق الحس، أو عن طريق العقل.

أما عن طريق الحس: فأنت مثلا تحب الطعام الشهي، إذا ذقته تحب هذا النوع من الطعام، تحب النظر إلى الصور المستَحسنة، تحب سماع الأصوات الحسنة، هذا عن طريق الحس.

أو عن طريق العقل: كمحبة مثلًا الجاه، ومحبة بعض العلوم مثلًا، بعض الناس يحب علمًا من العلوم، هذا عن طريق العقل.

فمحبة الله تعالى عن طريق العلم به جل وعلا، ومعرفته سبحانه، فكلما كان العبد أعلم بالله وأعرف بالله ​​​​​​​؛ كان أعظم محبة لله ​​​​​​​.

وسنبيِّن الأسباب التي تُنال بها محبة الله تعالى، لكن أود أن نكمل الصفات المذكورة لهؤلاء في هذه الآية الكريمة.

أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: هذه الصفة الثانية

تأمل هذا الوصف: أَذِلَّةٍ، ثم لم يقل: أذلة للمؤمنين؛ وإنما: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، ومعلوم أن حرف على يفيد الاستعلاء والتمكن، فهذا المعنى مضمَّنٌ معنًى آخر، على تضمين معنى الرحمة والشفقة واللين، فهي ليست من الذلة، بمعنى: الاستكانة والخضوع؛ ولكنها من الذلة التي هي بمعنى: اللين والرحمة والشفقة وخفض الجناح للمؤمنين؛ كما قال الله ​​​​​​​ عن الوالدين: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24]. من يَذل أمام والديه هل يُعتبر هذا نقص في حقه؟ أبدًا.

هكذا ينبغي أن تكون العلاقة بين المؤمنين: تكون على جانب من اللين والرحمة والتعاطف؛ وليس المعنى الاستكانة والخضوع، ليس هذا هو المعنى، ولكن إذا تعامل المؤمن مع إخوانه المؤمنين بمقتضى التواضع والرحمة واللين، يعني يصبح كأنه ذليل مع رفعته، ولهذا؛ أتى بحرف (على)، لم يقل: أذلة للمؤمنين؛ وإنما قال: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كما في صحيح مسلم، وقد قال النبي ، كما في صحيح مسلم: من تواضع لله رفعه [2]. ولهذا ينبغي أن تسود هذه الأخلاق المجتمع الإسلامي؛ أخلاق الرحمة والشفقة، والرفق واللين، هذه الأخلاق ينبغي أن تكون سائدة في المجتمع الإسلامي.

وفي المقابل:

أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ: وهذه الصفة الثالثة

لماذا أعزة على الكافرين؟

لأنهم على يقين بسلامة معتقدهم، وسلامة منهجهم، فهم ليسوا بحاجة لهؤلاء الكافرين؛ فيُظهرون أمامهم العزة؛ العزة بعقيدتهم، العزة بدينهم، فلا يستكينون للكافرين، ولا يخضعون لهم؛ وإنما أعزة.

وليس المعنى ظلم الكافرين، ليس هذا هو المقصود، ولا يجوز الظلم، ولكن المعنى: أن يكون المسلم عزيزًا؛ يعتز بإسلامه، يعتز بإيمانه أمام الكافرين، لا يستكين، لا يخضع لهم.

نجد بعض المسلمين -مع الأسف- قلبوا هذه المعاني؛ فتجد هؤلاء أعزة على المؤمنين، أذلة على الكافرين، هذا نجده في الواقع، تجد بعض الناس يتعامل مع إخوانه المؤمنين باستعلاء، وبعدم رفق ولين، وربما تعامل معهم يعني تعاملًا ماديًّا بحتًا مع غيابٍ لمعاني الرحمة واللين والرفق والتكافل، وخفض الجناح، بينما أمام الكافرين تجد الاستكانة والخضوع، والمطلوب: هو كما ذكر الله تعالى في الآية: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ.

والوصف الرابع لهم: يُجاهِدونَ في سَبيِلِ اللهِ

يجاهدون لإعلاء كلمة الله ​​​​​​​، يجاهدون بأموالهم وبأنفسهم، وبأقوالهم وبأفعالهم.

وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ: وهذا هو الوصف الخامس

وإنما لا يخافون لومة لائم؛ لقوة ثباتهم ويقينهم بصحة عقيدتهم وسلامة منهجهم؛ فإن الإنسان إذا كان على يقين بمنهجه ومبدئه لا يخاف من لومة اللائمين؛ إنما الذي يخاف من لوم اللائمين هو من عنده شك أو عنده تردد، هذا هو الذي يخاف من لومة اللائمين.

وفي هذا إشارة إلى أن المسلم إذا كان على حق، فلا يتنازل عن هذا الحق؛ وإنما يثبُت عليه ولا يُثنيه عن هذا الحق لومُ لائم.

مخافةُ لَوْمةِ اللائمين -أيها الإخوة- تسببت في عدم استقامة أناس كثيرين على الحق، فتجد بعض الناس يحب الخير، يحب الصلاح، يحب الاستقامة؛ لكن يخشى من لوم اللائمين، يخشى من أن يُقال كذا، وأن يقال كذا، وأن يَسخر به الساخرون، أو يستهزئ به المستهزئون، أو يلومه اللائمون؛ فيترك الاستقامة لأجل هذه المعاني.

بل إن أبا طالب ترك اعتناق دين الإسلام -مع معرفته بأنه الدين الحق- مخافة لوم اللائمين، ولهذا؛ يقول في قصيدة مشهورة:

وَلَقَـد عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيـنَ مُحَمَّـدٍ مِـنْ خَيْرِ أَدْيَـانِ البَرِيَّةِ دِينَـا
لَوْلا الْمَلامَـةُ أوْ حِـذَارُ مَسَبَّـةٍ لَوَجَدْتَنِـي سَمْحًـا بِذَاكَ مُبِينَا

ما الذي منع أبا طالب؟

يقول: خوف المَلامَة؛ أن يقال: إنه ترك دين آبائه واعتنق دين محمد.

(لولا الملامة!) فهل نفعه الناس؟!

ما نفعه الناس، أخبر النبي بأنه في النار، وأنه يكون له شراكان من نار يغلي منهما دماغه [3]. ما نفعه الناس.

ترك اعتناق الإسلام والدخول فيه مخافة ملامة الناس، (لولا الملامة أو حذار مسبة)، فهذا السبب تجده يمنع كثيرًا من الناس من الخير، يمنع كثيرًا من الناس من الاستقامة، من البذل، من الإنفاق، من أمور كثيرة من الخير، ويستخدم الشيطان هذا السلاح في الصَّدِّ عن الخير مخافة الملامة.

فالمؤمن الصادق على يقين بصدق عقيدته وسلامة منهجه، ولذلك؛ فهو لا يخاف من لوم اللائمين.

وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ، وهذا فيه إشارة إلى أن هذه الصفات المذكورة في الآية، هي فضلٌ عظيمٌ من الله ​​​​​​​، ومِنَّةٌ كبرى من الله سبحانه على من اتصف بها، وأن هذا الفضل من الله ​​​​​​​ يؤتيه من يشاء، بحَسَب ما تقتضيه حكمته البالغة، وختم الآية بقوله: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يعني: الله تعالى أعلم بمن يستحق هذا الفضل.

هذه صفات هؤلاء الذين يحبهم الله ​​​​​​​، ذكر لهم هذه الصفات الخمس.

ونعود للصفة الأولى التي وعدتُ بأن نفصل الحديث عنها، وهي: أنهم يحبون الله ​​​​​​​.

الأسباب الجالبة لمحبة الله

فما هي الأسباب الجالبة لمحبة الله ​​​​​​؟

فإن منزلة المحبة منزلة عظيمة، يقول عنها الإمام ابن القيم رحمه الله: (منزلة المحبة: هي التي تنافس فيها المتنافسون، وإليها شخَصَ العاملون، وإلى عَلَمها شمَّر السابقون، وعليها تفانَى المحبون، وبروح نسيمها تَروَّح العابدون؛ فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون).

 فما هي الأسباب التي تُنال بها محبة الله ​​​​​​​؟

أولًا: نبدأ بما ورد في القرآن الكريم من هذه الأسباب، وقد استخدمتُ البرامج الحاسوبية، وأدخلتُ في المصحف كلمة: (والله يحب) فوجدت أن كلمة: (والله يحب) وردت في عدد من المواضع؛ وردت في: المحسنين، والصابرين، والمتقين، والتوابين، والمتوكلين، والمقسطين، والمطهرين، والمجاهدين في سبيل الله.

  • الإحسان

وردت: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 134]، أتدرون كم مرة وردت في القرآن الكريم؟

خمس مرات وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وهذا فيه إشارة إلى عظيم مقام الإحسان، وأن من اتصف بصفة الإحسان وكان من المحسنين، فالله تعالى يحبه.

فالإحسان إذَنْ من أعظم الأسباب التي تُنال بها محبة الله ​​​​​​​.

ما هو الإحسان؟

الإحسان في عبادة الله ، والإحسان إلى عباد الله .

أما الإحسان في عبادة الله ؛ فقد عرَّفه النبي  في حديث جبريل: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك [4]. تعبد الله ​​​​​​​ عبادة من يستحضر أن الله تعالى يراه، من يستحضر مراقبة الله ​​​​​​​ له، فيبلغ مقام الإحسان بهذه المراقبة، عندما يصلي يستحضر أن الله مطلع عليه، وأن الله لا يخفى عليه خافية، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85]، هذه أيضًا تكررت في القرآن الكريم في عدة مواضع، وفيها إشارة إلى أن المسلم ينبغي أن يكون مراقِبًا لله ​​​​​​​، لا تظنَّنَّ الله تعالى غافلًا عما تعمل أبدًا؛ فالله تعالى يعلم السر وأخفى، حتى ما هو أخفى من السر، والذي أخفى من السر -كما قال كثير من المفسرين- هو: ما توسوس به النفس قبل أن توسوس به.

انظر إلى عظمة الله ​​​​​​​ هذا هو الإحسان في مقام عبادة الله سبحانه!

وأما الإحسان إلى عباد الله: فالإحسان بكل ما يدل عليه معنى الإحسان؛ الإحسان بالقول، الإحسان بالفعل، الإحسان بالمال، الإحسان بكل وسيلة من وسائل الإحسان.

فينبغي أن تكون نفس المسلم مِعْطاءة؛ تحب الإحسان، تحب العطاء، تحب البذل.

ولهذا؛ قال سبحانه: فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ۝وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ۝فَسَنُیَسِّرُهُۥ لِلۡیُسۡرَىٰ الليل:7].

هذه النفس المِعطاءة وعدها الله تعالى بالتيسير لليسرى أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ، جمع -مع الإعطاء والإحسان- التقوى والتصديق بما أُمر بالتصديق به، فَسَنُیَسِّرُهُۥ لِلۡیُسۡرَىٰ يعني: التيسير لأعمال الخير، حتى تجري على يديه بكل يسر وسهولة.

ومما يدل على عظيم مقام الإحسان:

ما جاء في «صحيح مسلم» عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني امرأة مسكينة ومعها ابنتان، فاستطعمتني فأعطيتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة من ابنتيها تمرة، وأخذت تمرة فلما رفعتها إلى فيها استطعمتها ابنتاها فأخذت التمرة فشقتها نصفين وأعطت كل واحدة من ابنتيها نصف تمرة، فأعجبني شأنها، فذكرتُ ذلك للنبي . فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: إن الله قد أوجب لها بها الجنة [5].

سبحان الله! من أجل شِقِّ تمرة أوجبَ الله تعالى لهذه المرأة الجنة! ما أعظم مقام الإحسان! فالإحسان مقامه عظيم، ولهذا؛ يقول عليه الصلاة والسلام: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالقائم لا يفتُر، وكالصائم لا يُفطِر [6].

والجزاء من جنس العمل؛ من أحسن إلى الناس؛ فإن الله تعالى يحسن إليه، هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن:60].

  • التقوى

والتقوى من أسباب نيل محبة الله ​​​​​​​؛ كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:4، 7]. وهذه تكررت في القرآن: ثلاث مرات [7].

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ والتقوى: هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، باتباع أوامره واجتناب نواهيه.

ومن ثمرة التقوى: التيسير في الدنيا والآخرة: وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ۝وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، ويكفي أن المتقي إذا اتصف بهذا الوصف أن الله ​​​​​​​ يحبه.

  • الصبر

أيضا من أسباب نيل محبة الله ​​​​​​​: الصبر؛ كما قال سبحانه: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146]. فبين سبحانه أنه يحب الصابرين، والصابرون: هم من اتصفوا بصفة الصبر.

ما هو الصبر؟

الصبر معناه: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن الأفعال المحرمة؛ من لطم الخدود، وشق الجيوب، ونحوها.

والصبر -يا إخواني- مقامه عظيم جدًّا، بل إن النبي يقول كما في «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد : وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر [8].

تأملوا أيها الإخوة هذا الحديث العظيم: وما أعطي أحد عطاء خيرًا ولا أوسع من الصبر. أعظم عطاءٍ يعطيه الله ​​​​​​​ للعبد: أن يرزقه الصبر.

وإذا تأملت كثيرًا من الهموم والغموم والأحزان تجد أنها ترجع إلى قلة الصبر.

فالذي يهتم مثلًا بسبب قلة الصبر، الذي يحزن بسبب قلة الصبر، الذي يقلق بسبب قلة الصبر، بل إن كثيرًا من الأخلاق الفاضلة ترجع إلى الصبر؛ فمثلًا:

العفة: صبر عن شهوة الفرج المحرمة، الشجاعة: صبر عن الجبن والخَوَر، الكرم: صبر عن الإمساك ببذل المال وإنفاقه، وهكذا تجد أن كثيرًا من الأخلاق الفاضلة ترجع إلى الصبر، ولهذا؛ قال عليه الصلاة والسلام: وما أعطي أحد عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر.

ولهذا؛ جاء رجل للنبي قال: يا رسول الله أوصني؟ قال: لا تغضب. فردد مرارًا، قال: لا تغضب [9].

لا تغضب معناها: يعني صبِّر نفسك على ترك الغضب.

فتصبير النفس على ترك الغضب يكتسب به الإنسان الحلم، يكون الإنسان به حليمًا.

وهكذا نجد أن الصبر ترجع إليه كثير من الأخلاق الفاضلة.

ولهذا؛ ينبغي للمسلم أن يمرِّن نفسه على التحمل والصبر، عندما تجد من يفرط في الطاعة، يتكاسل مثلًا عن الصلاة بسبب قلة الصبر، يؤْثِر الراحة ولا يصبر على الذهاب للمسجد والصلاة مع الجماعة في المسجد، من يقع في المعاصي بسبب قلة الصبر، ما عنده صبر على حبس نفسه عن هذه المعاصي،.. وهكذا.

  • التوكل

أيضًا من أسباب نيل محبة الله ​​​​​​​: التوكل؛ كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159]. كما في سورة آل عمران.

والتوكل من أعظم أعمال القلوب، ومن أسباب دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ كما جاء في «الصحيحين» من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، لمَّا ذكر النبي السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وخاض الناس في شأنهم، فخرج النبي وأخبر بأوصاف، فذكر لهم أربع صفات، قال: هم الذين لا يَستَرْقون، ولا يكتَوُون، ولا يتطَيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون [10].

“لا يسترقون” لقوة توكلهم على الله ​​​​​​​، يعني: لا يطلبون من أحد أن يَرقيَهم، مع أن هذا جائز، لكن هؤلاء لقوة توكلهم على الله سبحانه لا يسترقون.

“ولا يكتَوُون”، مع أن الاكتواء جائز، لكن لقوة توكلهم على الله لا يكتوون.

“ولا يتطيرون” يعني: لا يتشاءمون؛ لا بزمان ولا بمكان ولا بصوت ولا بغير ذلك؛ لقوة توكلهم على الله سبحانه.

ثم ذكر الوصف الرابع الذي تفرعت منه الأوصاف السابقة: “وعلى ربهم يتوكلون”.

حقيقة التوكل: هي صدق اعتماد القلب على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المَضَارِّ، مع فعل الأسباب المأذون فيها. هذه هي حقيقة التوكل، وهو من أعظم أعمال القلوب، فالله تعالى يحب عباده المتوكلين.

  • التوبة

أيضًا من أسباب نيل محبة الله تعالى: التوبة؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين [البقرة:222].

قال: (فالله تعالى يحب من عبده أن يتوب، وإذا أكثر من التوبة أصبح توابًا، وقد جاء في حديث عليٍّ  أن النبي  قال: ما من عبد يُذنب ذنبا، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له [11].

وقد كان النبي  يُحصَى له في المجلس الواحد قوله: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مئة مرة [12].

فالله تعالى يحب التوابين، ويحب عباده المستغفرين.

  • العدل

أيضًا من أسباب نيل محبة الله ​​​​​​​: العدل؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: 42، والحجرات: 9، والممتحنة: 8]. وقد تكررت هذه في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع؛ في سورة المائدة، وفي سورة الحجرات، وفي سورة الممتحنة، في ثلاثة مواضع: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، “المقسطين” يعني: العادلين؛ العادلين في أهليهم وفيما وُلُّوا، العادلين في أولادهم، العادلين في جميع أمورهم.

فالله تعالى يحب من يتحرى العدل، ويتحرى القسط، حتى يتصف بهذا الوصف فيكون من المقسطين.

  • التطهر

أيضًا من أسباب نيل محبة الله تعالى: ما ذكره الله تعالى في قوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: 108]. وفي الآية الأخرى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين [البقرة: 222].

التطهر: التطهر الحسي والمعنوي.

فالتطهر الحسي: بأن يحرص المسلم على أن يكون متوضئًا، وإذا توضأ صلى بهذا الوضوء ما كتب الله له.

والتطهر المعنوي: من الذنوب؛ بكثرة الاستغفار والتوبة.

  • الجهاد في سبيل الله ​​​​​​​

أيضًا من أسباب نيل محبة الله تعالى: ما ذكره الله تعالى في قوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: 4]. يعني الذين يجاهدون في سبيل الله ​​​​​​​ لإعلاء كلمة الله سبحانه، وينتظمون في ذلك كأنهم بنيان مرصوص.

هذه بعض الأسباب التي استنبطْتُها من القرآن الكريم، وأخذتها من: (والله يحب)

والله يحب الصابرين، يحب المتقين، يحب المتوكلين، يحب التوابين ويحب المتطهرين، يحب المقسطين، يحب المحسنين،..

وهناك أسباب أخرى ذكرها أهل العلم، ومن أحسن من ذكرها: الإمام ابن القيم رحمه الله، والإمام ابن القيم هو من أرباب هذا الفن، أعني أعمال القلوب، فذكر ابن القيم رحمه الله جملة من الأسباب التي تُنال بها محبة تعالى:

  • قراءة القرآن بتدبر

قال رحمه الله: أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريدَ به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه، يعني الارتباط بالقرآن العظيم وتدبر معانيه.

هذا -يا إخوان- من أعظم أسباب زيادة الإيمان، ومن أعظم أسباب نيل محبة الله ​​​​​​؛ كما قال سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2].

فهم يزداد إيمانهم بالاستماع لآيات الله ​​​​​​​، وتلاوة آيات الله ، لكن عن تدبر وعن فهم، فالذي يقرأ القرآن بتدبر وفهم يمرُّ عليه مثلًا ذكر أحوال الآخرة، يمرُّ عليه ذكر الجنة، ذكر النار، ذكر يوم القيامة، يمر عليه ذكر قصص الأمم السابقة، يمر عليه يعني أمور كثيرة من شأنها أنها ترقق القلب، ومن شأنها أنها تزهِّد في الدنيا، ومن شأنها أنها تربط العبد بالله ​​​​​​​ والدار الآخرة.

  • التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض

أيضًا من الأسباب الجالبة للمحبة، قال: التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض، قال: (وهذا قد جاء في حديث (الولي)، حديث أبي هريرة ، وهو في «صحيح البخاري» أن النبي  قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه [13].

ففي هذا الحديث بين الله تعالى في هذا الحديث القدسي أن أحب الأعمال إلى الله ​​​​​​​: الفرائض.

وأن الإكثار من النوافل من أسباب نيل محبة الله تعالى: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ لأن الإكثار من النوافل يزيد من الحسنات، والله تعالى يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]. الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، وإنما أكرم العباد إلى الله تعالى: أتقاهم لله .

فينبغي للمسلم أن يكثر من النوافل، وأن تكون لديه هذه الهمة، وتجد بعض الناس عندما يأتي للمسجد يؤدي الفريضة ثم ينصرف، صحيح أنه أتى بالواجب وأتى بالفريضة، لكن لو أنه أتى بالنافلة، أتى بالسنة الراتبة مثلًا إذا كان لهذه الفريضة سنة راتبة، أو أتى للمسجد مبكرًا وأتى بالسنة الراتبة، أو أتى بتحية المسجد، أو أتى بالنوافل لا شك أن هذا أعظم لأجره ولثوابه، وكثرة النوافل من أسباب نيل محبة الله ​​​​​​​، والقليل مع القليل يكون كثيرًا، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ.

أرأيت يا أخي لو أنك حافظت على ركعتي الضحى كل يوم، تكون قد صليت لله تعالى في السنة أكثر من سبعمئة ركعة، ركعتي الضحى فقط، ركعتان تصليهما كل يوم تكون قد صليت أكثر من سبعمئة ركعة، لو أنك حافظت على السنن الرواتب؛ ثنتي عشرة ركعة كل يوم، تكون قد صليت لله تعالى آلاف الركعات في نهاية السنة، وهكذا القليل مع القليل يكون كثيرًا، أن يوجد لدى المسلم هذه الهمة وهذا النفَس، يحرص على النوافل ولا يزهد فيها.

النوافل أولاً: تجبر الخلل الذي يقع في الفرائض.

ثانيا: أنها من أسباب نيل محبة الله تعالى: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.

  • الإكثار من ذكر الله ​​​​​​​

أيضًا من الأسباب: دوام ذكر الله تعالى، الإكثار من ذكر الله سبحانه.

قال ابن القيم: (فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر).

الإكثار من ذكر الله سبحانه: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41-42].

إذا أكثرت من ذكر الله سبحانه؛ فإن القلب يرتبط بالله ​​​​​​​، ويرقُّ وتزول قسوته، ولهذا؛ جاء رجل إلى الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد، أشكو قسوة أجدها في قلبي! فقال الحسن: أَذِبْ قسوة قلبك بكثرة ذكر الله).

إن الإنسان إذا كان غافلاً عن الذكر تعلق قلبه بالأمور المادية، تعلق قلبه بالدنيا فقسا قلبه، لكن إذا أكثر من ذكر الله تعالى تعلق قلبه بالله ، فرقّ قلبُه.

ولذلك من أعظم أسباب نيل محبة الله: كثرة ذكر الله تعالى.

والإكثار من ذكر الله سبحانه يورث الطمأنينة وانشراح الصدر، هذه الطمأنينة -كما يقول بعض المفسرين- تعجز الكلمات عن وصفها وعن التعبير عنها، ولا يعرف قدرها إلا من جربها: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّه أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، فأخبر الله سبحانه أنه بذكره تطمئن القلوب.

  • مطالعة القلب لأسمائه وصفاته

أيضًا من أسباب نيل محبة الله ​​​​​​​: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة.

مطالعة القلب لأسماء الله ​​​​​​​ وصفاته وعظمته، فيتأمل العبد في عظمة الرب ​​​​​​​، وأن هذا الرب هو الخالق لهذا الكون: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، وأنه سبحانه لم يُسبق بعدم، فلا أول له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخِر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.

هذا الرب ​​​​​​​ إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون.

ثم ينظر إلى عظيم نعمه وآلائه، ينظر مثلًا إلى عظيم حلمه على عباده، يعصيه عباده وهو الذي خلقهم، وهو الذي رزقهم، ومع ذلك يحلُم عليهم جل وعلا، ينظر إلى عظيم مغفرته وسعة رحمته.

فالنظر إلى معاني أسماء الله تعالى وصفاته وآلائه ونعمه من أسباب نيل محبة الله ​​​​​​​.

  • انكسار القلب بكُلِّيَّـته بين يدي الله

أيضًا من الأسباب: قال ابن القيم: وهو من أعجبها -يعني من أعجب الأسباب- انكسار القلب بكُلِّيَّته بين يدي الله ​​​​​​​.

قال ابن القيم: وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات.

انكسار القلب بين يدي الله سبحانه، عندما ينطرح القلب بين يدي الله ​​​​​​​ ويتضرع وينكسر قلبه بين يدي ربه، خاصة عندما يكون في الخلوة لا يراه أحد من الناس، فيدعو الله ​​​​​​​ بتضرع وبخشوع وبانكسار قلب، خاصة في الثلث الأخير من الليل.

هذا من أعظم أسباب نيل محبة الله ​​​​​​​، ولهذا؛ ابن القيم قال: ليس بالتعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات، شأنه عجيب، وأثره عظيم، ولهذا؛ فهذا الانكسار يورث لذة وطمأنينة، يعبر عنها أحد السلف الصالح يقول: والله إنه لتمر بالقلب أوقات يطرب لها فرحًا، وإني لأقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم إنهم إذَنْ لفي عيش طيب.

ويقول آخر: إنه ليمر بالقلب نعيم لو يعلم عنه الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليه بالسيوف.

هذا هو نعيم القلب، الطمأنينة، هذه من أسباب الانكسار بين يدي الله ​​​​​​​، وكثرة ذكره جل وعلا، ولهذا؛ قال ابن القيم: ومن الأسباب أيضًا الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته، وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

وقت النزول الإلهي: هو الثلث الأخير من الليل؛ كما جاء في «صحيح مسلم»: عن أبي هريرة  أن النبي  قال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخِر، فيقول: هل من داعٍ فأستجيبَ له؟ هل من سائلٍ فأعطيَه؟ هل من مستغفرٍ فأغفرَ له؟ وذلك كل ليلة [14].

فعندما يخلو العبد بربه سبحانه في هذا الوقت الفاضل، ويصلي ما كتب الله تعالى له أن يصلي، ثم يختم ذلك بالاستغفار، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار [آل عمران:16].

هذا الوقود -أيها الإخوة- للروح؛ كما قال سبحانه: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6]. نَاشِئَةَ اللَّيْلِ، هي: الصلاة بعد القيام من نوم الليل.

أَشَدُّ وَطْئًا، يعني: مواطئة ما بين القلب واللسان.

وَأَقْوَمُ قِيلًا، يعني: أصوَب قراءة، وأكثر عونا لتدبر القراءة.

إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا [المزمل:7]، الإنسان في النهار يكون مشغولًا، يسعى في قضاء حوائجه، لكن وقت ناشئة الليل عندما يقوم الإنسان الليل ويناجي ربه ​​​​​​​ هذا هو الوقت الفاضل الذي تحصل فيه المناجاة لله ، وتحصل فيه هذه اللذة -لذة الروح- وهذا النعيم، وهو الوقود الذي يتزود به المسلم لبقية يومه، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6].

  • مجالسة المحبين الصادقين

ومن الأسباب أيضًا: قال: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر.

المجالسة، مجالسة الصالحين، حضور مجالس الذكر، مثل هذه المجالس الإيمانية.

المجالس الإيمانية -أيها الإخوة- مجالس الذكر تزيد مستوى الإيمان، مجالس الذكر لها أثر عظيم، يجد الإنسان أثرها بعد أن يفارق هذه المجالس، يحس بأثر هذه المجالس على نفسه، على سلوكه؛ بخلاف مجالس الدنيا، مجالس الدنيا تزيد القلب قسوة وغفلة، وأما مجالس الذكر؛ فإنها تزيد العبد إيمانًا، وإذا زادته إيمانًا كان ذلك من أسباب نيله لمحبة الله ​​​​​​​.

ولا ريب أن المجالسة لها أثر على الإنسان، أيُّ إنسان سويٍّ يتأثر بالمجالسة.

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

ولذلك؛ عندما يُسأل عن إنسان، يُسأل عن أصحابه: من هم أصحابه؟ من الذين يجلس معهم؟

فالإنسان يتأثر بالمجالسة، فينبغي للمسلم أن يحرص على مجالسة الصالحين، أن يحرص على مجالسة الذين يُذَكِّرونه إذا نسي، ويُعينونه إذا ذكَر، أن يحرص على مجالس الذكر، على مجالس الخير، فهذه تزيد إيمانه، وتقوي صلته بربه ​​​​​​​، ولهذا؛ كان كثير من الصحابة إذا لقي بعضهم بعضًا يقولون: اجلس بنا نؤمن ساعة، ثم يجلسون ويتذاكرون ما يهمهم في أمور دينهم، يتذاكرون أحوال الآخرة، يتذاكرون الجنة والنار، وما يهمهم في أمور دينهم، فيقومون وقد زاد إيمانهم، وقوي يقينهم.

  • الابتعاد عما يحول بين القلب وبين الله

ومن الأسباب أيضًا: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله ​​​​​​​، يعني: أن يبتعد عما يحول بين القلب وبين الله سبحانه، ومن ذلك: فضول المخالطة، خاصة إذا كان من يخالطهم الإنسان ليسوا بأناس مستقيمين؛ فإن فضول المخالطة له أثر على الإنسان، إذا كانت مجالس الإنسان مجالس دنيا، أو أكثرها مجالس دنيا، لا يُذكر الله تعالى فيها إلا قليلًا؛ لا شك أن هذه المجالس تزيد القلب قسوة، وتزيد الإنسان غفلة، ولهذا؛ ينبغي للمسلم أن يبتعد عن كل ما يحول بينه وبين الله ​​​​​​​.

الشيء الذي يتسبب في تثبيطك عن الطاعة وفي وقوعك في المعصية ابتعد عنه، هذا لا خير فيه، أي شيء تجد أنه يجذبك للمعصية هذا لا خير فيه.

إن كان صديقًا تجد أنه يؤثر عليك، ويثبطك عن الطاعة، ويهوِّن عليك المعصية، فهذا صاحب سوء فابتعد عنه، وهكذا قال أهل العلم.

إن من أراد أن ينال محبة الله ​​​​​​​ فعليه أن يبتعد عن كل سبب يحول بين القلب وبين محبة الله .

أسأل الله ​​​​​​​ أن يرزقنا محبته، وأسأله سبحانه أن يجعلنا ممن يحبهم ويحبونه.

اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ملخص لما ورد في المحاضرة

المقدم:

شكر الله للشيخ سعد بن تركي الخثلان على هذه الكلمات، وجعلها الله ​​​​​​​ في ميزان حسناتنا جميعًا، ونفعنا الله ​​​​​​​ بما قال، ونسأل ​​​​​​​ أن نكون من المتحابين فيه، وأن يرزقنا محبته .

باختصار ألخص ما تحدث عنه الشيخ لمن فاته شيء:

تحدث الشيخ في بداية حديثه عن المحبة في الله، وهذا الحديث كان شرحًا لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ [المائدة:54]، إلى آخر هذه الآية، وذكر الشيخ أن الآية تشير إلى وقوع رِدَّة ستحصل بعد وفاة النبي ، وقد حصلت وقام الصحابة بمقاومة هذه الردة، ثم ذكر الشيخ حفظه الله الصفات التي جاءت في هذه الآية، وهي خمس صفات:

الصفة الأولى: يحبون الله.

الصفة الثانية: أذلة على المؤمنين.

الصفة الثالثة: أعزة على الكافرين.

الصفة الرابعة: يجاهدون في سبيل الله.

والخامسة: لا يخافون في الله لومة لائم.

وذكر الشيخ قاعدة مهمة: أن المحبة الصادقة، وليس دعوى المحبة، وأن علامة المحبة: هي الاتباع للرسول ، ثم بعد ذلك تحدث الشيخ عن أسباب محبة الله ​​​​​​​، فقال:

السبب الأول: الإحسان.

ثم السبب الثاني: التقوى.

والثالث: الصبر.

والرابع: التوكل.

والخامس: التوبة.

والسادس: العدل.

والسابع: التطهر.

والثامن: الجهاد في سبيل الله.

ثم بعد ذلك تحدث الشيخ عن أسباب أخرى لنيل هذه المحبة، وقد ذكرها ابن القيم رحمه الله: قراءة القرآن بالتدبر، والتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، والإكثار من ذكر الله ، ومطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومن أعجب الأسباب: انكسار القلب بكُليَّته بين يدي الله ، ومجالسة المحبين الصادقين، وأثر مجالس الذكر -ونسأل الله ​​​​​​​ أن يكون هذا المجلس من مجالس الذكر، وأن يقال: قوموا مغفورًا لكم، وأن يباهي الله ​​​​​​​ بنا ملائكته- وأثر المجالسة، ومجالسة الصالحين، والابتعاد عن كل سبب يحول بين القلب ومحبة الله ​​​​​​​.

هذا باختصار ما ذكره الشيخ، وقد تكلم في كل نقطة، وشرحها وفصَّلها.

قبل ما ننتقل للمداخلات، والأوراق بين أيديكم يا إخوان، من أراد التواصل معنا من الذين حضروا لأول مرة أو غير ذلك، هناك التواصل، (الوتساب)، مَن لديه هذا البرنامج في جواله فليرسل الرقم إليَّ مع ذكر الاسم؛ حتى نضعه في الجوال لتصلك رسالة لندوة الشيخ عبدالله العقيل وبعض الندوات، مَن لديه اشتراك في (الوتساب) يرسل ورقة يكتب فيها اسمه ورقمه، أيضًا برنامج آخر، وهو برنامج (اللاين) أيضًا من رغب أن تصله رسالة فليرسل، أيضًا (الجوال الثقافي) صفحة موجودة في (تويتر)، (الجوال الثقافي) اعمل بحث تجد هذه الصفحة، تجد أخبار جميع المناشط الثقافية، والمحاضرات والدروس العلمية، تصلك عبر هذه الصفحة في (تويتر) صفحة الجوال الثقافي، هذه وسائل الاتصال، وسيعود إن شاء الله قريبًا خدمة (الجوال الثقافي)، وهي رسائل تصلك عبر جوالك، إن شاء الله قريبًا، لعلها لا تتجاوز الأسبوعين بإذن الله.

هذا سؤال البث الإسلامي نطرحه على الشيخ، ثم ننتقل للمداخلات:

أسئلة وأجوبة

حكم قول هذه يدها مباركة

س: ما حكم قول هذه يدها مباركة؟

ج: إذا قال: هذه يدها مباركة، أو هذا يده مباركة، أو هذا إنسان مبارك؛ فقد جاء في حديث قصة التَّيَمُّم أن أُسيد بن الحضير  قال: ما هي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر.

فهنا إذا توسم الإنسان في هذا الذي يخاطبه أن فيه بركة، وأن عمله فيه بركة، فأَخبَرَ عن هذه البركة فلا بأس بذلك، كما قال أسيد بن حضير لأبي بكر رضي الله عنهما، ولكن المعنى الذي لا يجوز: هو أن يقال: تبارك علينا يا فلان. فهذا هو الذي منع منه العلماء، قالوا: إن البركة من الله ​​​​​​​، فلا يقال للإنسان: تبارك علينا، وأما إذا أخبر بأنه يُبارَك، أن هذا الإنسان مبارك، أو أن يده مباركة، أو أن فعله مبارك، أو أن مجلسه مبارك، فهذا لا بأس به إن شاء الله.

أسباب قسوة القلب وعلاجها

س: يقول: فضيلة الشيخ ما هي أسباب قسوة القلب؟ وما هو العلاج؟ وهل قسوة القلب سبب في قبول الدعاء؟

ج: أشرنا في ثنايا اللقاء لشيء من هذا، ذكرنا أن من أبرز أسباب قسوة القلب: هو التعلق بالأمور المادية، الإنسان إذا تعلق بالأمور المادية يقسو قلبه؛ أما إذا تعلق بأمور الآخرة يرق قلبه، فإذا كانت مجالس الإنسان كلها مجالس دنيا، كلها قيل وقال، وكلها في أمور الدنيا فهذا يقسو معه القلب، أما إذا أكثر من حضور مجالس الذكر مثل هذا المجلس مثلًا، وغيره من مجالس الذكر، هذا مما تحصل به رقة القلب.

وأيضًا ذكرنا قصة الرجل الذي أتى للحسن البصري وطرح مثل هذا السؤال عليه، قال: أجد قسوة في قلبي. قال له الحسن: أَذِبْ قسوة قلبك بكثرة ذكر الله.

الإكثار من ذكر الله لماذا؟ لأن الإكثار من ذكر الله يجعلك ترتبط بالله ​​​​​​​، فإذا ارتبطت بالله سبحانه؛ فإن قلبك يرق، ولهذا؛ تجد الإنسان مثلًا في المواسم الفاضلة، يجد رقة في قلبه أكثر من غيرها، يعني مثلًا في العشر الأواخر من رمضان نجد أن كثيرًا من الناس عندهم من الرقة في القلب ما ليس في هذا الموسم؛ بسبب أنهم في هذا الموسم يكثرون من ذكر الله ​​​​​​​، يكثرون من تعلقهم بالله ، تقل مجالس الدنيا عندهم.

وهذا يسأل عن محاضرة عن الأمور الفقهية لكم، يرغب في الفقه.

على كل حال هناك درس في (جامع الأميرة سارة بنت سعد)، الجامع الذي أؤمه، كل يوم اثنين بعد صلاة العشاء، الدرس له اثنان وعشرون عامًا، وبدأنا في هذا العام في فقه النوازل وفي الفرائض أيضًا: شرح الرحبية، مع تسهيل حساب الفرائض، وهناك درس آخر في (جامع الصانع) بعد صلاة المغرب كل يوم سبت، فإن أراد الأخ الذي يرغب في حضور درس الفقه، يحضر هذه الدروس، كذلك أيضا في (جامع الراجحي) آخر ثلاثاء من كل شهر في فقه المعاملات المالية المعاصرة.

المقدم:

ضيفنا القادم إن شاء الله: الشيخ الدكتور: عبدالعزيز الأحمد، إمام (جامع الهداب) حاليًّا، (جامع الأمير عبدالرحمن) سابقًا، وسيكون الحديث -إن شاء الله- حول ما يهتم به الشيخ، ويتحدث عنه كثيرًا: عن الإيجابية، سنحدد الموضوع إن شاء الله، وتصل الرسالة عبر (الوتساب).

ننتقل الآن إلى الإعلانات، ثم نختم بالشيخ محمد با فضل.

الإعلان الخميس -إن شاء الله غدًا- هناك درس للشيخ: عبدالعزيز الراجحي، في شرح «صحيح مسلم» بعد صلاة الفجر في (جامع الراجحي)، حي الجزيرة، مخرج ١٥.

الساعة العاشرة والنصف صباحًا في خميسية حمد الجاسر: لقاء بعنوان: (الدرعية التاريخية، منطلق الدعوة الإصلاحية) للدكتور علي المغنم.

يوم الجمعة بعد صلاة المغرب يستأنف الشيخ ناصر بن سليمان العمر درسه في شرح «مختصر صحيح مسلم»، أيضا في (جامع الراجحي) مخرج ١٥.

يوم السبت بعد صلاة العشاء في سبتية عبدالكريم الجاسر لقاء بعنوان: (الأمن الفكري في ضوء السنة) للدكتور عبدالرحمن بن معلى اللويحق.

يوم الأحد بعد صلاة العشاء في أحدية راشد المبارك: الدكتور حمزة المزيني عن التعليم العالي.

هذه بعض الاعلانات.

أخيرًا، محاضرة (الجامع الكبير) يوم الخميس بعد المغرب: (أصول الشريعة في التعامل مع المخالفين) للدكتور محمد الفهيد والدكتور عزام الشويعر.

وكما ذكرت، كل هذه الإعلانات وغيرها، تجدها في صفحة الجواب الثقافي في (تويتر).

نستمع للشيخ محمد با فضل فليتفضل مشكورًا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

سررنا جميعًا بالاستماع إلى فضيلة الشيخ سعد، في هذه المحاضرة المهمة القيمة التي يجب أن يكون مُلِمًّا بها كل مسلم (يحبهم ويحبونه)، وأدعو الله لمؤسس هذه الندوة العلامة الشيخ: عبدالله بن عقيل أن يغفر الله له، ويسكنه فسيح جناته، ويجزيه خير الجزاء، والشكر والدعاء لأبنائه الذين واصلوا هذه الندوة، فجزاهم الله خيرًا، وبارك الله فيهم، ونَشُدُّ على أيديهم، ونقول: إلى الأمام يا مشايخ، الأجر عظيم، والفضل كبير: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، شكر الله لمُحاضرنا، فقد أجاد وأفاد، وعلينا أن نعي، وأن نعقد العزيمة على العمل، (يحبهم ويحبونه)، وقد أفاض في الكلمة (يحبهم ويحبونه) كذلك، بارك الله فيك، لازمة علينا، يجمع لك هذا الموضوع ما جاء في قوله جل شأنه: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي.. [آل عمران:31]. كما قال الشيخ جزاه الله خيرًا، الاتباع لنبيك محمد عليه الصلاة والسلام.

أشار المحاضر جزاه الله خيرًا إلى أنها آية الامتحان، فتعلم السُّنَّة، اقرأ، اسأل، أظهِر الحب لله تبارك وتعالى، يأتك الجزاء دنيا وأخرى.

فَاتَّبِعُونِي بهذا يتجلى ويظهر صدقك في حبك لله ، كما أشار الشيخ: إقامة الفرائض التي فرضها الله، السنن التي سنَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام، أظهِر محبة الله بالإخلاص لله، كن مخلصا في أعمالك، في أقوالك، في طاعتك، الصلاة؛ صلاة الجماعة، قيام الليل، صلاة الضحى، أذكار الصباح والمساء، الأذكار بعد الصلاة.

أخيرًا أذكر نفسي وأذكر إخواني بالخُلق الكريم، والمعاملة الحسنة، قال النبي : ألا أخبركم بأحبِّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: أحبُّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أَحَاسنُكم أخلاقًا [15].

ولتعلم أن الله لا يحب إلا من أحبه الله، ومن أحبه رسول الله فقد أحبه الله، فاحرصوا على هذه المعاني التي سمعتموها، وجاهدوا أنفسكم، واسألوا ربكم؛ فهو -جل شأنه- يعين من استعان به، ويستجيب دعاء من دعاه.

اللهم اهدنا بهداك، واجعلنا ممن يسارع في رضاك، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهنَّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثِرنا ولا تؤثِر علينا، وأرضِنا وارض عنَّا، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللهم من أرادنا أو أراد المسلمين أو أراد هذه البلاد بسوء فأشغِلْه في نفسه، ورُدَّ كيده إلى نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم واجزِ خير الجزاء مُحاضرَنا، ومقدم جلستنا وندوتنا وكل الحاضرين، أنعم علينا يا رب بالرضا منك والتوفيق لما تحب وترضى، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

المقدم:

– شكر الله للشيخ محمد با فضل على هذه المداخلة وعلى هذا الحديث، وقد تحدث عن العزيمة على العمل، وتحدث عن الاتباع، وإظهار الحب في الله، وإظهار محبة الله، وتحدث عن الإخلاص، وذكره من ضمن الأمور التي تعين على محبة الله، وتحدث عن الصلاة وقيام الليل وصلاة الضحى، إلى غيرها من الأمور التي تحدث عنها.

أقول في ختام هذا اللقاء: إن شاء الله ستبث هذه المحاضرة -كما وَعَدَنا الإخوة في إذاعة القرآن الكريم- في برنامج (محاضرة الأسبوع)، وستنزل إن شاء الله في موقع الشيخ، وستنزل -كما ذكرنا سابقًا- في عدة مواقع؛ منها: صفحة الشيخ عبدالله العقيل رحمه الله (شيخ الحنابلة) في (الفيس بوك)، وكذلك في موقع للشيخ في موقع (الألوكة) من ضمن المواقع الشخصية، وفي موقع (الأحدية).

فنسأل الله ​​​​​​​ أن ينفع بهذه الجهود، وأن تكون في ميزان حسناتنا جميعًا.

ولقاؤنا القادم مع الدكتور: عبدالعزيز الأحمد.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 3209، ومسلم: 2637.
^2 رواه مسلم: 2588.
^3 رواه مسلم: 212.
^4 رواه البخاري: 50، ومسلم: 8.
^5 رواه مسلم: 2630.
^6 رواه البخاري: 5353، ومسلم: 2982.
^7 آيتان في التوبة، وواحدة في آل عمران: 76.
^8 رواه مسلم: 1053.
^9 رواه البخاري: 6116.
^10 رواه البخاري: 5705، ومسلم: 220.
^11 رواه أبو داود: 1521، والترمذي: 406، وابن ماجه: 1395.
^12 رواه أبو داود: 1516، والترمذي: 3434، وابن ماجه: 3814.
^13 رواه البخاري: 6502.
^14 رواه مسلم: 758.
^15 رواه أحمد: 6735.
مواد ذات صلة