الرئيسية/محاضرات/أسباب السعادة
|categories

أسباب السعادة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا من السعداء، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى من الأقوال والأعمال، وأن يرزقنا الفقه في دينه، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

أيها الاخوة: الحديث في هذه المحاضرة عن السعادة، وعن الحياة الطيبة، وعن العيشة الهنيَّة الرضيَّة، وهي مطلب لكل إنسان، كل إنسان يسعى لهذا، بل تشرئب النفوس لمثل هذا الحديث، جميع طبقات المجتمع تبحث عن السعادة من الأمِّي إلى المثقَّف، من السلطان إلى الصُّعلوك، ما من أحد إلا ويكره حياة النكد والشقاء، ويَنشُد ويبحث عن السعادة، لكن تعددت مشارب الناس، وتنوعت وسائلهم في البحث عن السعادة، ونريد في هذه المحاضرة أن نبين حقيقة السعادة، وما هي أسبابها الحقيقية مع الأدلة والبراهين.

طرق الناس في البحث عن السعادة

  • من الناس من يرى: أن السعادة في جمع الأموال، وتحصيل القناطير المقنطرة من الذهب والفضة؛ والخيل المسومة والأنعام؛ والحرث.
  • ومن الناس من يرى السعادة في المناصب، وفي الوجاهات، وفي الرئاسة ونحو ذلك.
  • ومن الناس من يَنشُد السعادة في كثرة الأولاد، وصحة الأجسام، والمظاهر والشكليات.
  • ومنهم من يرى السعادة في متعة البدن، وكثرة اللهو واللعب، وإمضاء الوقت في أماكن اللهو والاستراحات والمنتزهات ونحو ذلك.

الجميع يبحث عن السعادة، وعندما تتأمل تصرفات كثير من الناس تجد: أن القاسم المشترك لتلك التصرفات، هو البحث عن السعادة، حتى المدخن الذي يدخن، عندما تتساءل عن سبب تدخينه لماذا يدخن؟ لماذا يذهب ويشتري علبة الدخان، وينفق مالًا وهو يعرف أن هذا الدخان يسبب له أمراضًا، ويسبب له مشاكل صحية ودينية واجتماعية وغير ذلك؟

لأنه يبحث عن السعادة، يرى أن السعادة في التدخين، أن التدخين يحقق له نوعًا من السعادة.

الذي يتعاطى المخدرات بجميع أنواعها، عندما تتساءل ما السبب؟ ما الباعث لهذا الذي يتعاطى المخدرات، وهو يسمع عن مخاطرها وعن أضرارها وعن ما قيل عنها؟

الجواب: هو يبحث عن السعادة، يرى أن هذه الوسيلة تحقق له قدرًا من السعادة.

فنجد أن كثيرًا من تصرفات الناس مرتبطة بالبحث عن السعادة، لذلك؛ فإن هذا الموضوع مهم جدًّا، لا بد أن يؤصَّل تأصيلًا شرعيًّا صحيحًا، وأن توضع النقاط على الحروف، وأن يُبيَّن للناس الأسباب الحقيقية للسعادة بالبراهين والأدلة؛ لأننا عندما ننظر لتصرفات الناس فكلهم يبحثون عن السعادة، لكن بعض الناس يَضِل الطريق.

أسباب السعادة الحقيقية

فما هي الأسباب الحقيقية لنيل السعادة؟

الإيمان والعمل الصالح

أعظم سبب لتحقيق السعادة ونيل السعادة في الدنيا والآخرة، هو ما ذكره ربنا ​​​​​​​ -ومن أصدق من الله قيلًا؟ ومن أصدق من الله حديثًا؟- في قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

فلنتأمل هذه الآية العظيمة: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً الحياة الطيبة يعني: في الدنيا، الحياة الطيبة باختصار: هي السعادة، يعني أنه يعيش سعيدًا، وأما في الآخرة: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، يعني: بالجنة، فهذا كلام ربنا ​​​​​​​، يخبر ربنا سبحانه بأن السعادة في الدنيا والآخرة إنما هي في الإيمان والعمل الصالح: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]. يعيش سعيدًا بكل ما تعنيه هذه الكلمة، بكل معاني السعادة، وعندما يقول ربنا ​​​​​​​ في كتابه العظيم، الذي أنزله لتقرأه الأجيال جيلًا بعد جيلٍ، وقرنًا بعد قرنٍ، عندما يقول ربنا: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]. لا بد أن يتحقق وعد الله، لا يمكن أن يتخلف، لا يمكن هذا في الدنيا، وأما الآخرة: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

هل هناك برهان أعظم من هذا؟ من كلام رب العالمين، خالق كل شيء؟ ويخبر بأن السعادة في الإيمان والعمل الصالح: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ يستوي في ذلك الذكر والأنثى، لكن لا بد من أمرين: لا بد من عمل صالح، وإيمان، فإن وُجد عمل صالح بدون إيمان فهذا لا قيمة له: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد [1].

طيب وُجد إيمان بدون عمل صالح، كذلك لا يفيد، هذه عقيدة المرجئة؛ يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب ويكفي الإيمان. لا بد من الأمرين جميعًا: إيمان وعمل صالح، وهذا هو أعظم أسباب السعادة التي هي أمر معنوي ملموس لا يقاس بالنوع، ولا يقاس بالكم، ولا يشترى بالدينار والدرهم، ولا يَملِك بشر أن يعطيها من حُرِمها، ولا أن ينتزعها ممن أوتيها.

فأعظم أسبابها: هو الإيمان والعمل الصالح؛ أن يستقيم الإنسان على طاعة ربه سبحانه، هذا والله هو طريق السعادة في الدنيا والآخرة.

ومن نَشَدَ طريق السعادة في غير ذلك فقد ضل، ولذلك؛ يا إخواني، مهما حصل للإنسان من تعثرات في حياته، ومن مصاعب مالية، ومصاعب اجتماعية، ومصاعب صحية، وقُلْ ما شئت، لكنه ناجح في علاقته بربه، يبقى في النهاية أنه هو الناجح والفائز الفوز العظيم: ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما [الأحزاب:71].

وفي المقابل: من فَشِلَ في علاقته مع ربه، مهما حقق في الدنيا من نجاحات مالية واجتماعية، وقُلْ ما شئت، يبقى في النهاية أنه خاسر وفاشل: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:103]، خسروا كل شيء حتى خسروا أنفسهم، فهذا هو الطريق العظيم للسعادة: الاستقامة على طاعة الله ​​​​​​​.

وحياتُك أيها الإنسان فرصة واحدة غير قابلة للتعويض، يمكن للإنسان أن يخسر في صفقة تجارية يُعَوِّض، يمكن أن يكون مثلا عنده اختبار في الجامعة يخفق فيه، يعوض كل هذه، فأمور الدنيا قابلة للتعويض، لكن حياتك فرصة واحدة غير قابل للتعويض؛ فلا تخاطر بها، فرصة واحدة غير قابلة للتعويض، إن نجحْتَ في هذا الاختبار العظيم الذي تعيشه الآن سعدت السعادة الأبدية، وإن فشلت فيه فقد خسرت الخسران العظيم.

إذَنْ، هذا هو طريق السعادة في الدنيا: الإيمان والعمل الصالح، وفي الآخرة الجنة، هذه الدار العظيمة التي أعدها الله لعباده المتقين، هذه الدار التي فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يعني: ما فيها من النعيم فوق مستوى العقل البشري، العقل البشري محدود، ما يستطيع أصلًا أن يتخيله؛ شيء فوق مستوى تخيل العقل: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17]، فأي سعادة أعظم من هذا؟ ولذلك؛ أخبر ربنا ​​​​​​​ عن شقاوة من أعرض عن ذكره، فقال: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى۝ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ۝ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ۝ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:124-127].

السبب الثاني من أسباب السعادة:

التوحيد

وكلما قوي التوحيد؛ عظمت السعادة، وإذا ضعف التوحيد؛ قل نصيب الإنسان من السعادة؛ كما قال الله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].

التوحيد يعني: التوكل على الله، التفويض إلى الله سبحانه، أن يستحضر الإنسان أن الله هو المدبر لهذا الكون، أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، أن الرزق بيد الله؛ يعطي من يشاء بفضله، ويمنع من يشاء بعدله، كلما قويت هذه المعاني لدى الإنسان؛ ارتفع عنده مستوى السعادة، إذا أتته مصيبة يعلم أنها بقضاء الله وقدره؛ فيرضى ويسلم، إذا ما أتاه رزق يعلم أن الرزق مكتوب، يقول: لو أن الله كتب لي هذا الرزق لأتاني؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك [2].

إذا استقرت هذه العقيدة لدى المسلم فإن أثرها يُنتج السعادة؛ أن الأمة لو اجتمعت -لو اجتمع الجن والانس- على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.

مر أحد علماء السلف برجل مهموم، فقال له: إني سائلك عن ثلاث فأجبني؟ قال: نعم. قال: أيَجرِي في هذا الكون شيء لا يريده الله؟ فقال الرجل: لا. قال: أيَنقُص من رزقك شيء قد كتبه الله؟ قال الرجل: لا. قال: أيَنقُص من أجلك لحظة كتبها الله؟ قال الرجل: لا. قال: فلم الهم إذَنْ؟!

إذا كان الرزق مضمونًا، فلا يمكن أن يَنقُصُك رزق كتبه الله لك، وإذا كان الأجل محددًا، إذا لم يأت الأجل فمهما حصل لك من الحوادث فلن تموت، وإذا أتى الأجل فلا يمكن أن تتأخر عنه دقيقة واحدة، ولا يجري في هذا الكون شيء إلا بقضاء الله وتقديره، فلم الهم إذَنْ؟!

هذه العقيدة تجلب للإنسان السعادة، تجعل الإنسان يعيش بطمأنينة، يعيش بيقين، يعيش برضًا، يكون قلبه معلقًا بالله، لكن الذي تضعف عنده هذه العقيدة يعيش في قلق، في توتر، تارةً يخاف من السحر، وتارةً يخاف من العين، وتارةً يخاف من تسلط بعض الناس عليه، ويعيش في قلق، ويعيش في هم، ويعيش في غم، وتارة يخاف من نقصان الرزق، وتارة يخشى من الموت، فهو يعيش في قلق وفي كَدَر.

أما من قويت عنده معاني التوحيد، تجد أنه يعيش في طمأنينة، يعيش في رضًا، يعيش في يقين، يعيش في قناعة، هذه المعاني تحقق السعادة.

أيضًا من أسباب السعادة، وهو مرتبط بالسبب الذي قبله:

الرضا والقناعة

كما قال النبي : ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض؛ ولكن الغِنَى غِنَى النفس [3] متفق عليه.

غنى النفس هو الغنى الحقيقي، أن يقنع الإنسان ويرضى بما قدره الله تعالى، من أعطي الرضا فقد أعطي السعادة، وأما المتسخط الشاكي فهذا لا يذوق طعمًا للسعادة، حياته سوداء مظلمة، الراضي حياته سكينة وطمأنينة وسعادة، رضًا بما قسم الله، رضًا بما قدر الله، إذا أتته المصائب يعلم أنها بقضاء الله وقدره؛ فيرضى ويستسلم ويسلم، لا يعيش على الماضي متحسرًا باكيًا، ولا على المستقبل مهمومًا، ولا على الحاضر مغمومًا؛ إنما يعيش حياة الرضا، ويعيش حياة القناعة.

القناعة: هي الغنى الحقيقي، وإلا غير القنوع مهما حصل من ثروات ومن أموال يظل فقيرًا ومتشكيًا ومتسخطًا.

القناعة هي غنًى بلا مال، وهي عِزٌّ بلا جنود ولا سلطان، وهي إذا امتلكها الإنسان كان أغنى الناس.

الغنى كنز عظيم، وخير كثير، وكما يقال: (ليس أسعد الناس هو الذي يملك أكثر مما يملك الناس، ولكن أسعد الناس هو الذي يرضى أكثر مما يرضى الناس).

عن عمرو بن تَغْلِبَ قال: أعطى رسول الله قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عَتَبوا عليه، فقال: إني أُعطي قومًا أخاف ظَلَعَهم يعني: اعوجاجهم وجَزَعَهم، وأُوكِل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى؛ منهم عمرو بن تَغْلِبَ [4] قال عمرو: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله هذه حُمْرَ النَّعَم. وهي الإبل، وكانت أنفس الأموال عند العرب.

القنوع راضٍ بما قسم الله تعالى له؛ لا يتسخط، لا يتشكى، يعيش في رضًا وفي سكينة.

قال بعضهم: وجدت أطول الناس غمًّا الحسود، ووجدت أهنأهم عيشًا القنوع.

وكان النبي يسأل الله تعالى أن يقنعه بما رزقه؛ فكان يقول: اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه [5]، وقال: قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه [6].

فالقناعة كنز عظيم، كنز لا يفنى، فليحرص المسلم على أن يصل لهذه المرتبة، مرتبة الرضا والقناعة، يرضى بما قسم الله له، يقنع بما قسم الله له، يقول: هذا الرزق الذي كتب الله لي قبل أن أولد، قبل أن أخلق، هذا رزقي، هو يعيش في رضًا وقناعة إذا قدر الله شيئًا يقول: هذا الشيء قد كتبه الله عليَّ قبل أن أُخلَق؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: إن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة [7].

فهو راضٍ وقنوعٌ، يفعل الأسباب، لا يقصر في فعل، لكن بعد ذلك يفوض الأمر إلى الله تعالى، فهو يعيش في رضًا وفي سكينة وفي قناعة.

أيضًا من أسباب السعادة:

الصبر

كيف يكون الصبر من أسباب السعادة؟

الحياة لا تخلو من مصاعب ومن متاعب: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4]، يكابد هذه الحياة ومصاعبها، وهمومها وغمومها، لا يمكن أن تصفو الحياة لأحدٍ؛ هكذا طُبِعَت.

طُبِعَت على كَدَرٍ وأنت تريدُها صَفْوًا مِنَ الأقذار والأكدارِ
ومكلِّف الأيَّامِ ضـــدَّ طِبَاعِها مُتَطلِّبٌ في الماءِ جَذْوَةَ نارِ

هل يمكن أن يكون في الماء جذوة نار؟!

هكذا الحياة الدنيا، مصاعب متعلقة بحياة الإنسان الخاصة، مصاعب متعلقة بما يلاقيه من أذى الناس، فهذه الحياة لا تخلو من متاعب ومصاعب يواجهها الإنسان، يواجه مصائب أيضًا يقدرها الله تعالى عليه، فالدنيا متقلبة الأحوال فتحتاج إلى صبر.

ما معنى الصبر؟

الصبر معناه: حبس النفسِ عن الجزع، واللسانِ عن التشكي، والجوارحِ عن الأفعال المحرمة؛ كلطم الخدود، وشق الجيوب ونحو ذلك، فمادة الصبر تدور حول معنى الحبس.

يقول النبي  في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: ما أعطي أحد عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر [8]. أعظم عطاء يُعطاه الإنسان: الصبر، بعض الناس إذا وقع في مصيبة، أو أتته مصاعب في الحياة، أو مضائق تجد أنه يتسخط ويتشكَّى، وربما أصيب بأمراض نفسية، ربما أصيب باكتئاب، بل بعضهم يجزع جزعًا شديدًا إلى درجة يفكر في الانتحار، لأجل أن يتخلص من هذا الواقع الذي يعيشه، وهذا كله بسبب الجزع، وقلة الصبر.

بالصبر يستطيع الإنسان أن يتجاوز هذه المصاعب والمصائب والمتاعب فيرفع مستوى الصبر لديه، كلما أتته مصائب ومصاعب يصبر على ذلك، ويدرب نفسه على الصبر، ويتذكر هذا الحديث: ما أُعطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا ولا أوسعَ من الصبر.

إذا ناله شيءٌ من أذى الناس يصبر، بعض الناس عندما يسلك طريق الاستقامة، ربما يجد بعض الأذية من بعض الناس من استهزاء وسخرية من بعض الأقارب أو الأصدقاء، أو نحو ذلك، بعض الناس لا يصبر وينتكس، يقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11]، ويقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:10].

فالإيمان كلٌ يَدَّعيه، لكن لا بد من اختبار، وهذا الاختبار يكون بالابتلاء والمصائب؛ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 2-3]، لا بد من التمحيص؛ حتى يتبين الصادق في دعوى الإيمان من غير الصادق، فلا بد من الصبر إذَنْ.

وخير البشر هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولاقَوْا من أقوامهم وأممهم أذًى عظيمًا، حتى إنهم اتهموهم في عقولهم، اتهموهم بالجنون، واتهموهم بالسحر، واتهموهم بالكهانة، وبأنهم لهم مصالح دنيوية: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ۝أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات:52-53]، لكن هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام صبروا: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، صبروا فكانت العاقبة الحميدة لهم في الدنيا والآخرة.

فلا بد أيها الإخوة من الصبر، لا بد أن يرفع الإنسان مستوى الصبر لديه.

بعض الناس جَزُوع، أي: عنده جَزَع، من أدنى مصيبة يجزع ويتسخط، ويعيش قلقًا متوترًا، ويؤثر هذا على حياته، وربما على سلوكه وأمور عبادته، هذا جزع، لا بد أن يرفع الإنسان مستوى الصبر.

عَلَامَ يكون الصبر؟

الصبر على:

  • أداء الطاعات.
  • الصبر عن المعاصي.
  • الصبر على ما يقدره الله على الإنسان.
  • الصبر على أذى الناس.

الجزوع هذا يكون بعيدًا عن السعادة، الإنسان الجزوع المتسخط المتشكي هذا يكون بعيدًا عن السعادة.

فإذَنْ، من أعظم أسباب نيل السعادة: الصبر، اختبر نفسك إذا كان مستوى الصبر عندك ضعيفًا، فاسع إلى رفع مستوى الصبر لديك، وإنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم.

أيضًا من أسباب السعادة: الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يستطيع الإنسان؛ بعلمه وماله وبدنه وجاهه، وبكل ما يستطيع؛ فالمحسن إلى الناس من أشرح الناس صدرًا، وأهنئهم عيشًا، وأكثرهم سعادة، جرِّب هذا بنفسك، جرب أن تأتي إنسانًا فقيرًا وتحسن إليه، ألست تجد سعادة؟

تأتي لإنسان ضاقت عليه الدنيا من الديون، تقضي عنه دينه فتجد سعادة عظيمة، كلما أحسنت للناس كلما ازددت سعادة، ولذلك؛ تجد أن بعض الناس من غير المسلمين ينشطون في الأعمال التطوعية في الإحسان للناس ومساعدتهم لماذا؟ لأنهم يجدون فيها سعادة عظيمة، هذا امر مجرب ومشاهد، أن من أعظم أسباب السعادة: أن تحسن للآخرين، أحسن للناس تَسعَد.

النظرة السوية للحياة الدنيا

أيضًا من أسباب السعادة: النظرة السوية للحياة الدنيا، بعض الناس نظرته للحياة الدنيا نظرة غير سوية، عندما ترى واقعه وتعاملاته وتصرفاته، تقول: هذا كأنه سيُخَلَّد، كأنه سيُعَمَّر عمر نوحٍ ، تجد أنه يركض في هذه الدنيا وهو غافلٌ لاهٍ، إن أدى العبادات أداها في صورة عادات، إذا سمع أحدًا يلقي موعظة، قال: لا تُذكرنا بالموت، لا تذكرنا بهذه الأمور، يعيش في غفلة ينظر للحياة نظرة غير صحيحة، نظرة غير سوية، ولذلك؛ فهذا الذي ينظر هذه النظرة غير السوية، عندما يصاب بمصيبة يجزع ويقلق ويتوتر، ويعيش في شقاء بعيدًا عن السعادة.

لا بد أن ينظر الإنسان للحياة الدنيا نظرة سوية، نظرة صحيحة، ينظر لها كما هي، كلنا جميعًا سنعرف قدر الدنيا عند ساعة الاحتضار، يعرف الإنسان الدنيا على حقيقتها ساعة الاحتضار، هذه ساعة الندم، ما من ميت إلا وقد ندم؛ إن كان محسنًا ندم أن لو كان قد ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لو كان قد استَعْتَب، لماذا لا تنظر النظرة الصحيحة للحياة الدنيا قبل أن تصل لهذه الساعة، تنظر للدنيا على أنها متاع الغرور، على أنها دار ممر وعبور، وأنك لن تخلد فيها، تنظر للدنيا على أنها دار عمل، على أنها مرحلة للدار الآخرة.

فلا بد أن تكون النظرة صحيحة، تنظر للدنيا على أن الله وهبك الحياة في هذه الدنيا لكي تتزود بالأعمال الصالحة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8].

تنظر للدنيا كما كان الصحابة ينظرون إليها، كان ابن مسعود إذا غربت عليه الشمس، قال: (هذا يومٌ غَرَبَت شمسه؛ نَقَص به عمري، واقترب به أجلي، ولم يزدد به عملي).

لا بد أن تستحضر أن كل يوم يمضي يقربك من الآخرة، ويبعدك عن الدنيا، يقربك من الموت، ويبعدك عن الدنيا، تسأل نفسك هل تزودت في هذا اليوم بأعمال صالحة؟ هل زدت رصيد الحسنات؟ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8].

لا بد أن تكون نظرة الإنسان صحيحة، وإلا، فسيندم ندمًا عظيمًا، لكن بعد فوات الأوان، ولذلك؛ سمى الله تعالى يوم القيامة: يوم الحسرة، حسرات وندم وغبن، لكن بعد فوات الأوان!

فلا بد يا إخواني أن ينظر الإنسان للحياة الدنيا كما هي، يعرف الدنيا على حقيقتها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22].

جاء في «صحيح مسلم»: أن النبي أتى السوق فوجد جَديًا أَسَكَّ ميتًا -الجدي: هو صغير الماعز- أسك يعني: صغير الأذنين -وميت: جيفة- فأخذه ورفعه بيده، قال للناس: ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله هذا، يعني جدي صغير أسك ميت جيفة، قال: أتحبون انه لكم بدرهم؟ قالوا: يا رسول الله لو كان حيًا ما أخذناه بدرهم وأصلا أسك وفي كذا فكيف وهو ميت؟ قال والله للدنيا اهون على الله من هوان هذا عليكم [9].

هذه حقيقة الدنيا؛ الدنيا لا تستحق من الإنسان كل هذا النصب، كل هذا الشقاء، كل هذا التعب، لا بد أن يعرفها الإنسان يضعها في إطارها الصحيح.

أما أن الإنسان يعيش يلهث ويركض ويشتغل، وهو غافل عن المصير الذي يسير إليه، كل يوم سيندم الندم العظيم على هذا، ولذلك؛ إذا كانت نظرة الإنسان للدنيا صحيحة أثر هذا على جميع سلوكياته في الحياة، يا أخي! عندما تكون نظرتك خاطئة، أيضًا هذا يؤثر التأثير السيئ السلبي، لا بد أن تنظر للدنيا النظرة الصحيحة والسوية كذلك.

ضرر النظرة الخاطئة للمال

أيضًا ما يتفرع عن هذا أن ينظر الإنسان للمال النظرة الصحيحة على أن هذا المال من الدنيا التي هي متاع الغرور، وأنه سيفارق المال أو سيفارقه المال، وإلا، إذا نظر نظرة غير سوية سيدفع الثمن باهظًا.

كم من إنسان يعيش بيننا في المجتمع يملك الثروات لكنه محروم منها؟ محروم، مجرد حارس في حقيقته، لو تأملت في واقعه حارس قوي أمين على هذه الثروة، يحرسها لمن؟ للورثة من بعده، يكدح ويكدح ويتعب، وربما أتى ببعضها من طريق الحرام، كلها يجمعها للورثة، ثم ينتقل للدار الآخرة عليه حسابها، وللورثة غنمها، ماذا استفاد؟!

هذا بسبب سوء النظرة الغير سوية للمال.

حدثني مدير فرع لأحد المصارف في الرياض، يقول: عندنا حساب بنكي لأحد كبار السن، فافتقدناه، والحساب ما تحرك مدة طويلة، فقلت: ربما أنه قدر الله عليه شيئًا، فطلبت رقم هاتف البيت، واتصلت على أهله، قلت: أين فلان؟ قالوا: فلان توفي من مدة طويلة، والآن تسأل عن فلان؟! قلت: أنا مدير البنك الفلاني، إذا أتى أكبر أبنائه يتواصل معي، فأتى أكبر أبنائه فطلبت منه أن يمر علَيَّ في البنك، يقول: لما أتى عزيته في والده، ثم أخبرته بأن لوالده لدينا في البنك مبلغًا كبيرًا. قال: كم؟ قلت كذا مليون، يعني أظنه فوق الأربعين مليون، يقول: فانهار باكيًا، وقام يدعو على والده، جعلت أهدئ من روعه، وأقول: هذا أبوك! وهذا خلف لكم هذه الثروة. قام يدعو عليه لا يدعو له، يدعو عليه، يقول: عاش طيلة عمره فقيرًا محرومًا، وعشنا معه فقراء، ونحن نعيش الآن في أفقر الأحياء، هل تصدق أنا نعيش في الحي الفلاني، ونعيش عيشة بائسة وهو يملك هذه الثروة العظيمة، يقول: كنا نعذره نظن أنه فقير ما عنده شيء، فحَقَد هو وإخوته وأخواته على أبيهم، وأصبحوا يدعون عليه.

طيب، ماذا استفاد هذا الأب من هذه الثروة؟

هذا كله بسبب النظرة غير السوية للمال، جمعها وجمعها وجمعها، وأصبح يحرسها للورثة، قتر على نفسه، وقتر على أهله، ثم راح وتركها وخلَّفها لمن لا يحمده عليها، بل يدعو عليه، فهذا بسبب سوء النظرة للمال.

لو أن نظرته للمال نظرة سوية، ونظرته للحياة الدنيا نظرة صحيحة، لعرف أن إقامته في هذه الدنيا محدودة، وأخَذَ هذا المال وأكل منه، وتصدق وأكرم الضيف، وجعل له وقفًا، وأكرم أهله وأغناهم، وانتفع بماله حيًّا وميتًا.

انظر كيف أنه بسبب النظرة غير السوية للمال والحياة، دفع هذا الرجل الثمن باهظًا؛ يكدح الليل والنهار، يجمع لهم هذه الثروة، ثم يموت وتنتقل لمن لا يحمده عليها، بل يدعو عليه، وإذا ذكره ذكره بحقد؛ كيف يتصرف هكذا؟! كيف يفعل معنا هذا؟!

هذا يا إخواني بسبب النظرة غير السوية للحياة، والنظرة الغير سوية للمال، هذه النظرة الغير سوية ثمنها يدفعه الإنسان كبيرًا وباهظًا.

حدثني رجل آخر يقول: إن والدي إنسان عابد من الصالحين، ما إن يؤذن المؤذن إلا وهو خلف الإمام، يقول: لكن عنده مشكلة في المال، لدرجة أنه لا يدفع الزكاة، حاولنا أن نقنعه، حاولنا، يقول: أنا أحوج لها، وأنا كذا،.. من هذه التبريرات، كل أموره صوَّام قوَّام عابد، لكن عنده المال متشبث به. ربما أنه في أول عمره أصابه فقر شديد وكذا، لكن هذا ليس مبررًا؛ لأن ينظر نظرة غير صحيحة للمال، فلم يدفع من الزكاة شيئًا، لما توفي أتى إليَّ ابنه يستفتي: ماذا نفعل؟ فقلت: لا بد أن تدفع الزكوات عن السنوات الماضية جميعها، وعسى أن تخفف عنه؛ لأنه هو لم يدفع أيضًا، عسى أن تخفف عنه.

هذا يا اخواني بسبب سوء النظرة للمال، التشبث بهذا المال وكأنه مخلَّد في هذه الدنيا، لا بد أن يستحضر الإنسان أن هذا المال عاريَّة في يده، سوف يفارق المال أو يفارقه المال، وأن إقامته في هذه الدنيا مؤقتة: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ [الأنعام:165]، يَخلُف بعضكم بعضًا، جيل بعد جيل، وأناس يموتون وأناس يولدون، هذه سنة الله في الحياة، لا بد أن ينظر الإنسان إلى الحياة بهذه النظرة، فإذا نظر الإنسان للحياة النظرة الصحيحة السوية عاش في سعادة، أما إذا نظر لها نظرة غير صحيحة، عاش في شقاء، وربما دفع الثمن باهظًا، كما ذكرت لكم في هذه القصص، وأمثالُها كثيرة لكن الوقت لا يتسع لذكرها، وأنتم تعرفون من واقعكم ومجتمعكم أناسًا كثيرين على هذه الشاكلة، يعيشون محرومين؛ عندهم أموال لكنهم محرومون منها؛ بسبب سوء النظرة للحياة، وسوء النظرة الغير سوية للحياة، والنظرة الغير سوية للمال.

التفاؤل

أيضًا من أسباب السعادة: التفاؤل، أن يعيش الإنسان متفائلًا، بعيدًا عن الهم والغم والحزن، الهم يكون لأمر المستقبل، والحزن يكون على الأمر الماضي، والغم يكون للشيء الحاضر، يُغَلِّب الإنسان دائمًا النظرة التفاؤلية؛ هذا الكوب إذا كان في نصفه ماء، المتفائل يقول: هذا الكوب مملوء إلا نصفه، والمتشائم يقول: هذا الكوب فارغ إلا نصفه، والكوب هو الكوب، والماء هو الماء، لكن انظر إلى اختلاف النظرة، فينبغي للإنسان أن ينظر إلى حياة نظرة تفاؤلية؛ يبحث عن الجوانب الإيجابية يبتعد عن التسخط والتشكي، بعض الناس ما تجده إلا دائمًا متذمرًا، دائمًا متشكيًا، دائمًا متسخطًا، ساخط على أسرته، ساخط على زوجته، ساخط على أولاده، ساخط على المجتمع، ساخط على كل شيء، ما يعجبه العجب كما يقال.

في المقابل: بعض الناس تجد أنه متشكر دائمًا، يشكر الله ويحمد الله، ويقول: نحن في نعمة، نحن في خير، ينظر نظرة تفاؤلية للأحداث، يبحث عن الجوانب الإيجابية.

هذه من أسباب السعادة دائمًا، دائمًا العظماء في التاريخ يجمعهم التفاؤل.

أما المتشائمون: هؤلاء يعيشون على الهامش يتفرجون، والمتفائلون هم الذين يقودون مجالات الحياة، ينبغي أن يبتعد الإنسان عن التسخط والتشكي والتشاؤم، وأن يكون متفائلًا، كان النبي من أعظم الناس تفاؤلًا، حتى إنه كان يتفاءل بالأسماء، ينبغي أن يعيش الإنسان بهذه الروح، روح التفاؤل؛ يقول النبي : لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقًا رضي منها آخرَ [10] رواه مسلم.

ومعنى: لا يفرك، يعني: لا يكره ولا يبغض، يعني هذه الزوجة عندها جوانب سلبية لكن عندها جوانب إيجابية أيضًا غُضَّ الطرف عن الجوانب السلبية، وركز على الجوانب الإيجابية تَعِشْ في سعادة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر. الأولاد كذلك، الوالدان، الأصدقاء، الجيران، وهذا معنى قول الله ​​​​​​​: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].

خُذِ الْعَفْوَ يعني: خذ ما صفا وعفا لك من أخلاق الناس، وما سمَحَت به طباعهم، فبعض الناس يضع معايير صارمة لكل من يتعامل معه، ويا ويل من خالف هذه المعايير، من خالف هذه المعايير يغضب منه، يعتب عليه، وربما هجره، كن متسامحًا متغافلًا، تغافل؛ فهذا أمر مهم في الحياة، أما أن الإنسان يدقق على كل صغيرة وكبيرة، يضع معايير لمن يتعامل معه، إن أتى بها وإلا سيسخط عليه، لن يرضى عن أحد، لن يرضى عن شيء، هذا يعيش في شقاء، لكن عندما يجعل الإنسان مساحة التسامح واسعة، يتقبل هذه الزوجة كما خلقها الله، ينظر لإيجابياتها، يغض الطرف عن سلبياتها.

يتعامل مع أولاده أيضًا كما خلقهم الله تعالى، يقول: هذا الذي أعطى الله تعالى، ولد يتعامل معه بهذه الروح، يتعامل مع جيرانه، مع زملائه بهذه الروح، تجد أنه يعيش سعيدًا.

وبعض الناس تجد أنه حزين، معظم وقته حزين؛ حزين على نفسه، حزين على أسرته، حزين ربما حتى على مجتمعه، حزين على أمته، هذا الحزن لا يفيد، الحزن لم يرد في القرآن الكريم إلا منهيًّا عنه أو منفيًّا؛ كما قال ابن تيمية رحمه الله: ولا تحزن عليهم [الحجر:88]، ولا هم يحزنون [البقرة:38]، وكان النبي يستعيذ بالله من الحزن؛ فالحزن لا يفيد الإنسان شيئًا.

وأيضًا المجتمع: ينبغي أن تنظر له نظرة تفاؤلية، يعني هو صحيح هناك يعني أمور سلبية، لكن الجوانب الإيجابية فيه كثيرة، الجوانب المشرقة كثيرة، ولذلك؛ يقول عليه الصلاة والسلام: من قال هلك الناس فهو أهلَكُهم [11] رواه مسلم.

الحزن يضعف القلب، يجعل الإنسان يعيش محبطًا، والمحبط لا يمكن أن يكون سعيدًا، والمحبط لا يمكن أن يخشع في صلاته، ولا أن يأتي بروح العبادة، لا بد أن يكون الإنسان متفائلًا يعيش بهذه الروح التفاؤلية بعيدًا عن الحزن، بعيدًا عن الهم، ينظر بالنظرة الإيجابية، يفعل الأسباب، ليس معنى ذلك أنه يتواكل ويقصر، يفعل الأسباب لكن تكون دائمًا نظرته تفاؤلية للأحداث، نظرته تفاؤلية للأشخاص، نظرته تفاؤلية لكل شيء.

عندما نتأمل صلح الحديبية، فالنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أتوا السنة السادسة من الهجرة يريدون العمرة، كانوا مشتاقين للبيت متلهفين، يريدون أن يعتمروا، مكة التي أخرجوا منها يريدون أن يرجعوا ويعتمروا، صدتهم قريش، ثم إنه بعد ذلك وقع الصلح بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين قريش، كانت بنود الصلح في ظاهرها في مصلحة قريش، وفيها غَضَاضَة على المسلمين؛ من أتى النبي مسلمًا يَرُدُّه، من أتى إلى قريش كافرًا لا تَرُدَّه، توضع الحرب عشر سنين، لا يعتمر في تلك السنة،.. من هذا القبيل، ما تقبلها كثير من الصحابة، حتى عمر يقول: ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذٍ. جعل يجادل النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلِمَ نُعطِي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟ قال: إني رسول الله. فقال أبو بكر الصديق: إنه رسول الله، فاستمسك بغرزه. فجعل عمر  يذكر هذه الحادثة كثيرًا فيما بعد.

دخل النبي على أم سلمة رضي الله عنها مغضبًا في الحديبية، قالت: يا رسول الله، من أغضبك؟ قال: ما لي آمر أمرًا فلا يتبع. قالت: بم أمرت؟ قال: أمرتهم أن يحلقوا رؤوسهم، فما قام واحد منهم. -ليس عصيانًا للنبي عليه الصلاة والسلام حاشاهم وكلا، لكنهم كانوا يرجون النسخ، نسخ هذا الحكم- ففهمت أم سلمة رضي الله عنها، وكانت امرأة حكيمة ذات رأي، فهمت مراد الصحابة أنهم يريدون ويرجون النسخ، قالت: يا رسول الله، قم واحلق رأسك. إذا حلقت رأسك سيحلقون رؤوسهم، سييأسون من أن ينسخ الحكم.

أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بمشورتها، حلق رأسه، فحلق الصحابة رؤوسهم، يكاد يقتل بعضهم بعضًا من الغم.

ما تقبلوا هذا، كيف نقبل بهذه البنود؟! والعجيب أنهم لما رجعوا من الحديبية أنزل الله تعالى قوله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1]. تعجب الصحابة، يعني هذا الذي كنا تكدرنا وقلقنا عليه وتكلمنا، سماه الله فتحًا، لا، وفتحًا مبينًا أيضًا، وبالفعل كان فتحًا مبينًا، كان في ظاهره أن فيه شرًّا وفيه غضاضة، لكن في حقيقته كان يعتبر فتحًا مبينًا للإسلام والمسلمين.

ووضع الحرب عشر سنين كان في مصلحة الدعوة أن تنتشر، إذا أتى إنسان مرتد لا يَرُدُّونه، هذا لا خير فيه، المرتد لا خير فيه، دعه يلحق بالكفار، وجوده مع المسلمين نقص، إذا أتى المسلمين مسلم يَرُده النبي عليه الصلاة والسلام، هذا حصل مع أبي بَصِير رده، لما رده كون مجموعة معه وجعلوا يُغِيرون، كلما أتت قافلة من قريش أغاروا عليها، حتى أرسلت قريش إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: نريد إلغاء هذا الشرط، فكانت في الحقيقة في مصلحة المسلمين.

ولهذا كان عمر رضي الله عنه يقول: يا أيها الناس اتهموا الرأي في الدين؛ فلقد رأيتني أجادل النبي حتى تبيَّن أن رأينا غير صحيح، وأن رأي النبي عليه الصلاة والسلام هو الصواب.

فهذا يدل إخواني على أن الإنسان ينبغي أن ينظر نظرة تفاؤلية، بعض الأمور تكون في ظاهرها شر، لكن في حقيقتها جعل الله تعالى فيها خيرًا عظيمًا، وفتحًا مبينًا، وخيرًا كثيرًا، فليُغَلِّب الإنسان دائمًا النظرة التفاؤلية في كل شيء؛ في الأحداث العامة، في أموره الخاصة، في كل شيء، يعيش متفائلًا؛ ينظر للأمور الإيجابية، يركز على الجوانب الإيجابية، يتغاضى عن الجوانب السلبية، يعيش بذلك سعيدًا.

رجلان: أحدهما: يتعامل مع زوجته، تجد أنه يركز على الجوانب السلبية، إذا أخطأت زوجته أقام الدنيا ولم يقعدها، وغضب خاطره، وربما هجرها مدة طويلة.

في المقابل: رجل آخر: يغض الطرف عن الجوانب السلبية كأنه ما رآها، يركز على جوانب إيجابية، يعيش سعيدًا، وتسعد معه أسرته، انظر الفرق بين هذا وذاك، هو فقط في النظرة، هذا نظر نظرة تفاؤلية، وركز على إيجابيات، وهذا نظر نظرة سلبية تشاؤمية، وركز على السلبيات.

إذَنْ، ينبغي للإنسان أن يحرص على التفاؤل، وأن يبتعد عن أسباب الحزن والهم والغم، يبتعد عنها ما أمكن، فالشيطان يحب أن يحزن الإنسان دائمًا، الشيطان يحرص على إحزان الإنسان؛ كما قال الله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة:10] لماذا؟ لماذا الشيطان يحرص على إحزان الإنسان؟

لأن الإنسان الحزين يبقى غير منتج في الحياة، الإنسان الحزين يعيش محبَطًا، الإنسان الحزين لا يمكن أن يخشع في صلاته، الإنسان الحزين لا يمكن أن يؤدي العبادة بروحها.

فينبغي أن يبتعد الإنسان عن الحزن، وعن الروح التشاؤمية السلبية، وأن يعيش روحًا تفاؤلية، ينظر لإيجابيات الحياة، وينظر للناس نظرة تفاؤلية، ويغض الطرف عن مساوئها، وكما يقول الشاعر:

 ليس الغبيُّ بسيِّدٍ في قومهِ لكنَّ سيِّدَ قومِه المتغابي

 يعني: المتغافل، يسمع الكلمة غير المناسبة ما يدقق فيها، يتركها تمر، ولهذا؛ لما قيل للإمام أحمد رحمه الله: إن فلانًا يقول: تسعة أعشار السلامة في التغافل. قال: أخطأ فلان، بل السلامة كلها في التغافل.

فيعيش الإنسان بهذه الروح، روح التفاؤل، روح التغافل عن الأخطاء وعن السلبيات، والتركيز على الإيجابيات، يعيش بذلك سعيدًا، فهذه من أسباب السعادة أيضًا.

الدعاء

من أسباب السعادة: الدعاء، هذا سبب عظيم يغفل عنه كثير من الناس، يسأل اللهَ تعالى المسلمُ السعادةَ في الدنيا والآخرة، وكان أكثر دعوة دعا بها النبي هي هذه الدعوة، أنه يسأل الله السعادة في الدنيا والآخرة، جاء في «الصحيحين» عن أنس  قال: كان أكثر دعاء النبي -ما هو؟- أكثر دعوة كان يدعو بها النبي : اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار [12].

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، ما هي الحسنة التي في الدنيا؟ باختصار هي: السعادة، تجد عبارات السلف تنوعت؛ منهم من قال: الزوجة الصالحة. ومنهم من قال: المَرْكَب الهنيء، ومنهم من قال..، يعني: ذكروا أنواعًا يجمعها كلَّها السعادة، فالحسنة التي في الدنيا هي باختصار: أن تعيش سعيدًا، وأما الحسنة التي في الآخرة: الجنة، وهل هناك أعظم من الجنة؟

وقنا عذاب النار، يعني: جنبنا الأسباب التي تؤدي وتقود إلى النار، فكأن حاصل هذه الدعوة: أن تقول: يا رب اجعلني سعيدًا في الدنيا والاخرة، هذه كانت أكثر دعوة يدعو بها النبي ، نسأل الله السعادة في الدنيا والآخرة!

فلنحرص يا إخواني على على هذا الدعاء العظيم.

احرص كل يوم، كل يوم ادع الله به: رب آتني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقني عذاب النار. يعني: تسأل الله يجعلك سعيدًا في الدنيا والآخرة.

كل يوم لا تنس هذه الدعاء، بل اجعله في صلاتك، واجعله مع أذكار الصباح والمساء، كانت أكثر الأدعية يدعو بها النبي في الصلاة، في مواطن الدعاء، في السجود والتشهد الأخير قبيل السلام يتخير من الدعاء ما أعجبه.

من أعظم الدعاء: أن تقول: رب آتني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقني عذاب النار، على أنه دعاء وليس اعتقاد سنية ذلك، وأنه يُسَنُّ تخصيص هذا الدعاء لك على أنه دعاء.

ومن أعظم الأدعية أيضًا: جاء في «صحيح البخاري» وغيره، عن أنس قال: كنت أخدم النبي -الخادم قريب من المخدوم- قال: فكنت أسمعه يكثر -لاحظ كلمة: (يكثر)، يكثر هذا في البخاري- من أن يقول: اللهم إني اعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال [13].

كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من الاستعاذة بالله من الهم والحزن؛ «الهم»: المكروه الوارد على القلب من أمر مستقبلي، و«الحزن»: المكروه الوارد على القلب عن أمره قد مضى، إذا كان المكروه الوارد على القلب من أمر المستقبل يسمى: همًا، وإذا كان عن أمر مضى يسمى: حزنًا.

ومن العجز والكسل: عدم فعل الخير؛ فإن كان لعدم إرادة الإنسان فهذا هو الكسل، وإن كان لعدم قدرته، فهذا هو العجز.

ومن الجبن والبخل: عدم نفع الإنسان للآخرين؛ فإن كان بماله فهذا هو البخل، وإن كان ببدنه فهذا هو الجبن.

ومن غلبة الدين وقهر الرجال: أخذ الآخرين لمال الإنسان؛ فإن كان بحق، فهذا هو غلبة الدين، وإن كان بغير حق فهذا هو قهر الرجال، فكان النبي يكثر من الاستعاذة بالله تعالى من هذه الأمور الثمانية.

فليحرص الإنسان على أن يسأل الله تعالى السعادة بهذه الأدعية وبغيرها؛ يدعو الله تعالى أن يجعله سعيدًا، رُبَّ دعوة تستجاب لك يكتب الله تعالى لك بسببها سعادة الدنيا والاخرة، قد ورد في الحديث الحسن: أن النبي  قال: ليس شيء أكرم على الله من الدعاء [14]. فليحرص المسلم على أن يدعو الله تعالى، لكن لا يستعجل الإجابة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل؛ يقول: قد دعوت وقد دعوت، ولم يستجب لي [15].

ومن أعظم الأدعية: أن يدعو الله تعالى أن يجعله في هذه الدنيا سعيدًا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار.

يستعيذ بالله من الهم والحزن ومن الغم، ومما يكدر عليه عيشه في هذه الحياة، يسأل الله تعالى أن يقَنِّعَه بما آتاه، يسأل الله تعالى أن يعطيه الصبر والرضا.

هذه أدعية عظيمة مباركة؛ لأن الإنسان يبقى بشرًا، ويبقى ضعيفًا.

إذا لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يَجنِي عليه اجتهاده

يلجأ إلى الله ​​​​​​​، ويدعو الله تعالى بهذه الدعوات المباركات، يحرص المسلم كل يوم على أن يجعل له نصيبًا من الدعاء، وأفضل وقت للدعاء في الثلث الأخير من الليل، يقول النبي : ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من داعٍ فأستجيبَ له؟ هل من سائلٍ فأعطيَه؟ هل من مستغفرٍ فأغفرَ له؟ وذلك كلَّ ليلةٍ [16] رواه مسلم.

كل ليلة ينادي الرب ​​​​​​​ عباده هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ كل ليلة هو يقول عليه الصلاة والسلام: إن في الليل لَساعةً -يعني ساعة إجابة- لا يوافقها مسلم يسأل الله شيء إلا اعطاه اياه [17] رواه مسلم أيضًا في الصحيح.

المقصود من الساعة: لحظات، ليس المقصود 60 دقيقة.

ليس المقصود بها 60 دقيقة، المقصود بها لحظات، أرجح هذه اللحظات: قبيل أذان الفجر.

أيضًا في الصحيح: .. وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد [18]. فإذا اجتمع سجود، وفي الثلث الأخير من الليل؛ فهذا أحرى ما يكون لإجابة الدعاء.

رجل من الناس له تسعة من الأبناء كلهم صالحون، وحفظة لكتاب الله تعالى، سُئِل عن السر، قال: (والله أنا رجلٌ عامِّيٌّ، ما عندي أساليب التربية، ولا عندي شيء، وإذا صليت الفجر وجلست أذكر الله تعالى، أدعو لهم جميعًا بالهداية والصلاح جملةً، ثم أُسَمِّي كل واحد منهم، أدعو له بالهداية والصلاح، ولعل الله استجاب دعوته).

الدعاء يغفل عنه كثير من الناس، في سعادته هو، في صلاح أولاده، في تيسير أموره، فالدعاء من أعظم أسباب السعادة.

رُبَّ دعوة واحدة يكتب الله تعالى لك بسببها سعادة الدنيا والآخرة.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا من السعداء.

اللهم اجعلنا من الذين سُعدوا، اللهم اجعلنا ممن تسعدهم في الدنيا والآخرة، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم أصلح لنا قلوبنا وأعمالنا.

اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أسئلة وأجوبة

حكم من لا يغتسل من الجنابة ويكتفي بالوضوء

س: هذه السائلة تقول: زوجي لا يغتسل من الجنابة ويكتفي بالوضوء مع نصحي له ولا يبالي، ما حكم بقائي معه؟

ج: هذا الأمر خطير، إذا كان لا يغتسل من الجنابة، معنى ذلك لا تصح صلاته، صلواته كلها غير صحيحة، لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، وهو ليس بجاهل، يعني زوجته تنصحه، هذا من التلاعب بحدود الله ​​​​​​​، فهذا الرجل نقول: إنه مثل الذي لا يصلي تمامًا، والذي لا يصلي، يقول فيه النبي : بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة [19]. ويقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر [20].

إذا كان هذا الرجل مصرًّا على ذلك، فهو بمنزلة من لا يصلي بالكلية، ومن لا يصلي بالكلية لا يحل لزوجته أن تبقى معه، هذا الأمر خطير، فعلى هذا الرجل أن يتقي الله ​​​​​​​.

يكفي في غسل الجنابة أن يعم جميع بدنه بالماء، هذا الحد المجزئ، والأكمل: أن يغسل فرجه وما أصابه، ثم يتوضأ، ثم يغسل رأسه ثلاث مرات، ثم شِقَّه الأيمن، ثم شقه الأيسر، ثم يعمم الماء على سائر بدنه، هذا هو الأكمل، لكن الحد المجزئ: أن يعمم الماء على جميع بدنه.

طيب، الآن يسر الله تعالى للناس الماء، وأصبح متوفرًا في الصنابير، فهذا الرجل يكفي فقط أن يفتح صنبور الماء أو الدش، ويعمم الماء على جميع بدنه، ما يأخذ منه دقيقة واحدة، لكن هذا يعني كونه يفعل هذا، هذا من التلاعب بحدود الله ​​​​​​​، وامرأته تناصحه، فإن أصر فإن حكمه حكم من لا يصلي، وعلماؤنا يفتون بأن من لا يصلي أنه لا يحل لزوجته أن تبقى في عصمته، إذا كان تاركًا للصلاة بالكلية.

كيفية الجمع بين السعادة وواقعنا من الفتن

س: كيف الجمع بين السعادة، وبين واقعنا من الفتن والتبرج والمجاهرة؟

ج: هذه سنة الله في الحياة؛ الباطل أحيانًا يكون له صولة، والحق يكون له صولة، والمدافعة بين الحق والباطل، والصراع بين الحق والباطل، هذه سنة الله ​​​​​​​ في هذه الحياة الدنيا منذ أن خلق الله الدنيا، وهكذا مدافعة بين الحق والباطل، والمطلوب من المسلم: أن يفعل ما يستطيع؛ من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان [21].

يبدأ الإنسان بإصلاح نفسه أولًا، ثم بإصلاح أسرته، ثم مجتمعه القريب، وإذا اتقى الله ما استطاع فليس عليه شيء، النبي عليه الصلاة والسلام كان يرى الأصنام تُعلَّق على الكعبة، وكان عاجزًا عن الإنكار المنكر، وكان يأمر الصحابة بالصبر، فهل هناك شيء أعظم من الشرك، من الأصنام تعلق على الكعبة؟ ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: صبرًا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة [22].

المطلوب إذَنْ أهم شيء: أن يفعل الإنسان ما يستطيع، إذا أدى ما استطاع من الإصلاح والقيام على أسرته، واتقى الله تعالى ما استطاع، فإنه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وليس معنى هذا: أن الإنسان إذا رأى هذه الأمور يصاب بإحباط، ويصاب بحزن؛ إنما يعيش سعيدًا، لكنه يفعل ما يستطيع.

من لم يُعَقَّ عنه هل يَعُقُّ عن نفسه؟

س: والدي رحمه الله لم يَعُقَّ عنا؛ لضيق ذات اليد في ذلك الوقت، هل نَعُقُّ على أنفسنا؟ وما هو حكمها؟

ج: أولًا: العقيقة ليست واجبة، هي سنة مؤكدة، وهي مطلوبة من الأب؛ كل غلام مرتهن بعقيقته [23]، لكن إذا لم يعق عن الإنسان في صغره، فهل يشرع له أن يعق عن نفسه إذا كبِر؟

هذا محل خلاف بين أهل العلم، والقول الراجح: أنه لا يشرع؛ لأن النبي لم يعق عن نفسه، ولو عق لنُقِل، والصحابة كثير منهم لم يُعَقَّ عنهم وهم صغار، ولم يَعُقُّوا عن أنفسهم وهم كبار، ولأنه عليه الصلاة والسلام جعل العقيقة للغلام، والغلام: هو الصغير الذي لم يبلغ الحلم، كل غلام، فالأظهر: أنه إذا بلغ الإنسان ولم يُعَقَّ عنه، تسقط العقيقة في هذه الحال ولا شيء عليه.

ما يدخر من الراتب هل فيه زكاة؟

س: هل على الموظف زكاة على راتبه إذا كان يدخر من راتبه شيئًا؟

ج: نعم عليه الزكاة إذا بلغ المدَّخَر نصابًا، إذا كان لا يدخر شيئًا، إذا كان آخر الشهر ما عنده شيء أو ينتهي راتبه قبل آخر الشهر فهذا ليس عليه زكاة، لكن إذا كان يدخر ويوفر من راتبه شيئًا، واجتمع هذا الرصيد لديه، وبلغ نصابًا، والنصاب في حدود ألف وخمسمائة ريال تقريبًا فأكثر، قد يزيد هذا الرقم وقد ينقص، لكن هذا متوسط بحدود ألف وخمسمائة ريال فأكثر، إذا ملك هذا المبلغ، ومضى عليه سنة كاملة، فيجب عليه أن يزكيه.

كيف يزكى الراتب، وهو يقول أنا أصرف منه، وأودع وأسحب، لا أعرف ما الذي مضى عليه سنة، وما الذي أنفقتُه؟

فنقول: أفضل طريقة في هذا: أن تجعل لك تاريخًا محددًا في السنة، مثلًا: واحد من رمضان تزكي فيه جميع الرصيد الذي عندك، ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يَحُل عليه الحول، وبذلك لا تنظر لزكاة رصيدك إلا مرة واحدة في السنة، كلما أتى واحد من رمضان زكيت جميع الرصيد؛ سواء حال عليه الحول أو لم يحل، ما حال عليه الحول أمر ظاهر، ما لم يحل عليه الحول تنوي به تعجيل الزكاة، هذه في الحقيقة هي أفضل طريقه، وإن أراد الإنسان أن يطلب كشف حساب بنكي، ويعرف ما الذي حال عليه الحول فيزكيه، بأن ينظر إلى أقل رصيد في السنة فيزكيه، فلا بأس، هذه طريقة جيدة للضبط، لكن أكثر الناس يصعب عليه مثل هذا.

فنقول: إذا كان يصعب عليك أن تحسب بدقة ما الذي حال عليه الحول، فاسلك هذه الطريقة: أن تجعل لك تاريخًا محددًا في السنة تزكي فيه جميع الرصيد الذي عندك، ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يحل عليه الحول، مثلًا واحد من رمضان تزكي جميع الرصيد، تحدد تاريخًا معينًا، التاريخ الذي بلغ فيه المال النصاب عندك، مثلًا بلغ النصاب عندك في شعبان، إذَنْ في شعبان تزكي جميع الرصيد، في رمضان، زَكِّ جميع الرصيد، لكن يجوز تأخير إخراج الزكاة لمصلحة، إذا كنت ترى مثلًا تأخيرها؛ لأن الفقراء في رمضان أكثر، لشرف الزمان ونحو ذلك، هنا لا بأس، مع أن حوائج الفقراء متجددة على مدار السنة، يعني كثير من الناس ما يخرجون زكاة إلا في رمضان، يعني هذا ينبغي أن يعاد النظر فيه؛ لأن حاجة الفقراء في غير رمضان أشد من حاجتهم في رمضان، حوائج الفقراء متجددة على مدار السنة، فلذلك لو وجد مصلحة راجحة في تأخير الزكاة لا بأس، لكن بشرط أن تكتبها عندك: أن عندي زكاة، حتى لو قدر الله عليك شيئًا يعرف الورثة أنه في ذمتك زكاة.

المقصود بالسائل والمحروم

س: ما المقصود بالسائل والمحروم عند من يتوفى ولديه مال كما ذكرتم في المحاضرة؟

ج: المحروم الذي أشرت إليه في المحاضرة ليس المقصود في الآية؛ المحروم الذي في المحاضرة: هو الإنسان الذي عنده المال الكثير، لكنه لا ينتفع به، يحرسه للورثة حتى يموت، وهذا يقال له: محروم، يعني على سبيل التأول والمجاز.

وإلا فالمقصود بالسائل والمحروم في الآية: السائل: هو الذي يسأل الناس لحاجته، والمحروم: هو الذي لا يسأل الناس، متعَفِّفٌ لا يسأل الناس، فهؤلاء يعطيهم الإنسان، يعطي السائل، ويعطي كذلك من لم يسأل وهو المتعفف.

الجمع بين قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وبين: يبتلى المرء..

س: كيف نجمع بين قول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]. وبين قوله : يبتلى المرء على قدر دينه [24]، و: حفت الجنة بالمكاره [25].

ج: ليس بينها تعارض ولله الحمد؛ لأن السعادة هي الطمأنينة داخل النفس والرضا، هذه هي السعادة، هي قرار داخلي، فهذا حتى لو ابتلي الإنسان يمكن أن يكون سعيدًا؛ لأنه ينظر لهذا البلاء عله ابتلاء من الله ​​​​​​​ لتكفير سيئاته، أو رفعةً لدرجاته، عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير؛ إن أصابته سَرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له [26]، فهو في هذا يعيش سعيدًا، وكم من إنسانٍ مُرَفَّهٍ، لكنه ليس بسعيد، هو مرفه لكنه ليس بسعيد، في شقاء، وإنسان عنده ربما ضيق ذات اليد، لكنه يعيش سعيدًا.

السعادة إذَنْ شيء داخلي، داخل النفس، نعيش بقناعة، برضا، بطمأنينة، هذه هي السعادة.

حكم توزيع الشخص تركته بين الورثة قبل الموت

س: ما نصيب ورثة رجل لديه بنات وزوجة وأبناء أخ وأخت شقيقة؟

ج: البنات لهن الثلثان، والزوجة الثمن، والباقي للأخت الشقيقة، ولا شيء لأبناء الأخ.

س: هل يجوز له توزيع ماله قبل وفاته على زوجته وبناته؟

ج: يجوز مع الكراهة، يكره ذلك للإنسان، إلا إذا كان في ذلك مصلحة، لكن إذا لم يكن فيه مصلحة فالإنسان لا يدري هل يموت قبل زوجته وبناته، أو يموتون قبله؛ الأعمار بيد الله ​​​​​​​، لماذا يستعجل الإنسان؟!

أنا أعرف رجلًا جاوز الثمانين من عمره، قسم ثروته على أولاده، أخبرني بنفسه قال: حتى يستمتعوا بالمال، وأراهم وأنا حي يستمتعون بالمال، فقدر الله أن الله أطال في عمره، الآن وصل عمره مائة، وكان يتوقع أنه سيموت قريبًا، لكن أطال الله في عمره، فلماذا يستعجل الإنسان، لا يدري متى يأتيه الموت، ربما يموت ورثته قبله.

فالأفضل والأحسن ألا يفعل الإنسان ذلك، لكن يجعل له وقفًا، يجعل وصيةً، هذا طيب، إلا إذا وجد مصلحه؛ كأن يخشى نزاع الورثة من بعده، من يفعل هذا؟ من عنده ثروة كبيرة، وعنده أولاد من أكثر من زوجة، ويخشى عليهم من النزاع، فهنا لا بأس، تزول الكراهة للحاجة.

نصيحة لمن تتضايق من أهل زوجها لسبب ما

س: زوجتي -ولله الحمد- إنسانة متدينة وطيبة، حافظة للقرآن، أكثر وقتها مشغولة بكتاب الله، لكن عندها حساسية من أهلي، عندما أتصل بهم ويتصلون بي؛ لأجل أنهم لا يكلمونها أو يسلمون عليها، وأنا أقول هذه المرة لم يكلموك، سوف يكلمونك في وقت آخر، ولا داعي للغضب. فماذا تنصحونها؟

ج: ننصحها بأن تحسن إلى أهل زوجها؛ لأن إحسانها لأهل زوجها إحسان لزوجها في الحقيقة، حتى وإن أساءوا لها فتحسن إليهم، وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34]، أحيانًا يكون للإنسان أقارب، أو أناس لا بد أن يتعامل معهم عن قرب، من ذوي الشخصيات الصعبة، ينبغي أن يتعامل معهم بحذر، إذا اخطأوا يعرض عنهم وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، لكن يقوم الإنسان بالواجب؛ كما جاء في الحديث، أن رجلًا جاء للنبي فقال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلُم عليهم ويجهلون عليَّ، فقال النبي : لإن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ يعني: الرماد الحار ولا يزال معك من الله ظَهِيرٌ عليهم ما دمت على ذلك [27].

فننصح الأخت الكريمة، ما دامت بهذه المواصفات التي ذكرها زوجها: أن تحسن علاقتها بأهل زوجها إكرامًا للزوج، حتى وإن أساء لها أهل زوجها، فإن أحسنت لهم فستتغير أحوالهم معها؛ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].

العبادة يا إخواني لا تنحصر في الشعائر التعبدية التي بين العبد وبين الله؛ من الصلاة والزكاة والصوم، لا، بل تشمل كذلك العلاقات مع الآخرين، فإن كانت علاقاته سيئة مع أقاربه أو مع جيرانه، معناه أن هذا لم يحقق العبادة، متدين عنده قصور في تدينه، ولذلك؛ جاء في «مسند الإمام أحمد» بسند صحيح عن أبي هريرة ، أن النبي قيل له: إن فلانة تكثر من صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال النبي : هي في النار. قال: وفلانة ليست بكثيرة صلاة ولا صيام، غير أنها تتصدق على جيرانها بأثوار من أَقِطٍ، وتحسن لجيرانها. قال: هي في الجنة [28].

فالأُولى هي الشعائر التعبدية، أحسَنَت كثرة الصلاة والصوم والعبادة والتقوى، لكن عندها مشكلة في العلاقة العلاقات الاجتماعية، عندها مشكلة مع جيرانها، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: هي في النار. الدين المعاملة، والأخرى أتت بالشيء الواجب ليست بكثيرة الصلاة ولا صيام، لكن عندها علاقاتها الاجتماعية مع جيرانها جيدة، هذه أكثر توازنًا من الأُولى، فهنا النبي عليه الصلاة والسلام قال: هي في الجنة.

العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، تشمل: الشعائر التعبدية فيما بينك وبين الله من الصلاة والصيام، تشمل أيضًا العلاقات الاجتماعية؛ علاقتك بأرحامك، علاقتك بجيرانك، علاقتك بمن حولك، هذه داخلة بمفهوم العبادة.

فما ذكره الأخ السائل الكريم عن زوجته، نقول: قصور في تدينها، هذا الوصف، ينبغي أن تبين لها هذا الجانب، وأنها حتى تكون مستقيمة على طاعة الله ​​​​​​​ ينبغي أن تُحسِن إلى زوجها بإكرام أهل زوجها، وأن تتغلب على ما تجده من الغيرة في ذلك، هذا ربما يكون سببه أحيانًا الغيرة عند بعض النساء، فعلى المرأة أن تتقي الله ​​​​​​​، وأن تحسن لزوجها ولأهل زوجها، حتى تتغلب على تلك العواطف وتلك الغيرة.

كيف يكون التغافل؟

س: ذكرت في المحاضرة التغافل، كيف يكون التغافل؟

ج: التغافل: معناه: أن ترى الشيء، لكن تظهر أنك غافل عنه، كأنك ما رأيته، طبعًا هذا يختلف عن مسألة إنكار المنكر، إنكار المنكر هذا لا بد منه، على حسب استطاعة الإنسان فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.

لكن المقصود هنا يعني إنسان مثلًا قال كلمة غير مناسبة لك، تُظهِر كأنك ما سمعتها، وتمرر الموقف، هذا المقصود بالتغافل، تَصَرَّف معك ابنك أو زوجتك أو مثلًا صديق لك تصرفًا غير مناسب، أو كلمة غير مناسبة، لا تدقق فيها وتقف عندها، وتقيم الدنيا ولا تقعدها، لا، تتغافل كأن هذا الشيء ما كان، كأن هذه الكلمة ما سمعتها، كأن هذا الموقف ما حدث منه، هذا المقصود بالتغافل، يعني: تمرر كثيرا من الأشياء؛ الكلمات الغير مناسبة، الأفعال الغير مناسبة، ما لم تصل طبعًا إلى حد التمادي، أما الذي سيبقى يدقق في كل صغيرة وكبيرة، هذا سيعيش في قلق، ويكون بعيدًا عن السعادة.

حكم تعلم المقامات بقصد تحسين قراءة القرآن

س: ما حكم تعلم المقامات بقصد تحسين القراءة بالقرآن؟

ج: هذا لا يجوز، مقامات الغناء لا يجوز أن يذهب الإنسان ويتعلم مقامات الغناء لأجل تحسين الصوت والقراءة؛ وإنما يقرأ القرآن على سجيته وعلى فطرته، كما كان السلف يفعلون، أما أن يأتي ويتعلم مقامات الغناء لأجل تحسين الصوت والقراءة هذا الأمر لا يجوز.

هل الفخذ من العورة؟

س: هل الفخذ يعد من العورة للرجل؟

ج: أما داخل الصلاة فهو من العورة، بل قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: ينبغي ألا يكون في هذه المسألة خلاف، كيف يناجي المسلم ربه وقد بدت فخذاه ولم يستر سوى سوءته، هذا لا يليق بمقام الإنسان في صلاته وهو يناجي ربه؛ فالله تعالى، يقول: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]. الإنسان مأمور بأن يأخذ زينته في الصلاة لحق الله ​​​​​​​ لأجل نظر الناس، ولهذا؛ المرأة إذا كانت تصلي في البيت، وما عندها إلا زوجها، أو ما عندها أحد، هل يجوز أن تصلي وهي كاشفة شعر رأسها؟

لا؛ لأن هنا ستر شعر الرأس لأجل الله ​​​​​​​، ولذلك؛ فأخذ الزينة في الصلاة لحق الله سبحانه، فمثلًا إذا أردت أن تصلي صلاة الضحى في البيت، أو تصلي صلاة الوتر، أو تأتي بسنة، فينبغي أن تلبس أحسن ملابسك إذا كان عليك ملابس النوم تخلع ملابس النوم، وتلبس أحسن ملابسك، كأنك ذاهب لمناسبة مهمة، تأخذ زينتك في الصلاة؛ يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31].

إذَنْ، الفخذ داخل الصلاة عورة، أما خارج الصلاة فمحل خلاف بين أهل العلم، والأقرب والله أعلم: أنه إذا كان يُخشى من كشفه فتنة فيجب ستره، وإذا كان لا يُخشى من الفتنة؛ كإنسان كبير في السن مثلًا، أو عامل رفع مثلًا إزاره فبدا فخذه؛ فإن هذا لابأس به؛ لأنه ورد في بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام كشف عن فخذه؛ كما في حسر إزاره في خيبر حتى بدا فخذه [29]، وكما كان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكان كاشفًا عن فخذيه، فدخل عثمان فغطى فخذيه وقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟! [30]. فهذا هو الأقرب في هذه المسألة.

حكم صلاة الجماعة في المسجد للمسافر

س: ما حكم صلاة الجماعة في المسجد للمسافر؟

ج: أما صلاة الجماعة لغير المسافر فإنها واجبة على الرجال في المساجد، وقد جاء في «صحيح مسلم» وغيره، أن رجلًا أعمى أتى النبي فقال يا رسول الله: إني رجل أعمى وليس لي قائد يلائمني -يقودني إلى المسجد- فهل تجد لي رخصة يا رسول الله أن أصلي في بيتي. فقال له النبي : هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ قال: نعم قال: فأجب [31]. وجاء في رواية غير مسلم: فإني لا أجد لك رخصة [32]. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لم يجد رخصة لهذا الرجل الأعمى الذي ليس له قائد يقوده المسجد، فكيف بالصحيح المبصر القادر؟! هذه القصة صريحة الدلالة في وجوب الصلاة مع الجماعة في المسجد.

ثم إن الله أمر بالصلاة جماعة حتى في حال الحرب: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء:102].

تجدون أيها الإخوة، خاصة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، هناك من يثير أقوالًا أخرى؛ لأجل تزهيد الناس في بعض الأمور، وتشكيك الناس في أمور مستقرة لديهم؛ فيأتي بأقوال في عدم وجوب صلاة الجماعة، يأتي بأقوال في كشف المرأة لوجهها، يأتي بأقوال في إباحة الغناء، ليس كل قول بمعتَبَر ما لم يكن له حظ من النظر.

فلا يأتي أحد بأقوال شاذة ثم يثيرها في المجتمع؛ لأجل تزهيد الناس في عمل الخير، أو إيقاعهم في الفتنة، أو يأتي بأقوال مرجوحة، إما شاذة أو مرجوحة العبرة بالدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله وإذا استقر عمل الناس على أمر فينبغي عدم تشكيكهم في ذلك الشيء، خاصة إذا كانت الأدلة تَعْضُده من الكتاب والسنة، فتجد هناك من يأتي ويثير تشكيكًا في صلاة الجماعة، يقول: ماذا تقول في هذه الأدلة؟ ماذا تقول في هذا الرجل الأعمى؟ الحديث رواه مسلم، وصحيح البخاري وصحيح مسلم أصح كتابين بعد كتاب الله ​​​​​​​، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الرحيم الرفيق بأمته، الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لو كانت المسألة فيها مجال للرخصة لرخص لهذا الرجل الأعمى: لا أجد لك رخصة.

وأدلة وجوب صلاة الجماعة كثيرة، فهذا بالنسبة لغير المسافر، أما المسافر فلا تجب عليه الجمعة ولا الجماعة، حتى لو أقام المسافر في بلد فلا تجب عليه الجماعة، لكن الأفضل إن تيسر نصلي في المسجد مع الجماعة فهذا هو الأفضل، لكن هذا غير واجب عليه، وعلى هذا المذاهب الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعي والحنابلة: أن صلاة الجماعة غير واجبة على المسافر، فتُراعَى أحواله، ولذلك؛ يَقصُر الصلاة، يجمع بين الصلاتين، فلا تجب عليه الجمعة ولا الجماعة، وله أن يصليها ظهرًا، وكذلك الجماعة لا تجب عليه، لكن إن صلى مع الناس جمعة وجماعة هذا هو الأفضل والأكمل، إلا إذا كان له حاجة لا يدري متى تنقضي فهنا يَقصُر، أما إذا كان له مدة، إقامته محددة، مثل المبتعثين، ومثل الآن الإخوة المقيمين هنا في البلد، فهؤلاء لا يعتبرون مسافرين؛ هؤلاء مقيمون، ولذلك؛ لو أفطر هنا مقيم في نهار رمضان أُنكرَ عليه؛ لا يعتبر في عرف الناس أنه مسافر، هو مقيم.

وقد اختلف العلماء في المدة التي إذا أقامها المسافر يترخص برخص السفر، والأقرب والله أعلم: هو ما جاء في قول ابن عباس رضي الله عنهما: أقام رسول الله بمكة تسعة عشر يومًا يقصُر الصلاة، فنحن إذا أقمنا تسعة عشر يوم قصَرنا، فإذا زدنا على ذلك أتممنا [33] رواه البخاري، فإذا كانت إقامته في حدود تسعة عشر يومًا فأقل يَتَرخص، إذا زادت على ذلك يُتِمُّ ولا يترخص.

هل الدعاء للميت على القبر أفضل من أي مكان آخر؟

س: هل الدعاء على القبر للميت أفضل من أي مكان آخر؟

الدعاء عند القبر وفي البيت سواء، في أي مكان في الأرض، الدعاء هو الدعاء، لكن بعد دفن الميت يستحب الإقامة على قبر الميت والدعاء له، ولهذا؛ قال الله تعالى عن المنافقين: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84]. مفهومها: أن المؤمنين صلِّ عليهم، وأقم على قبورهم للدعاء، فكان عليه الصلاة والسلام يقوم إذا دفن الميت، قال: استغفِروا لأخيكم، وسَلُو له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل [34]. أمرهم بالاستغفار له والدعاء له بالتثبيت؛ فبعد دفن الميت يشرع الدعاء مرتبطا بهذا.

هل عدم زيارة قبر الوالدين من العقوق؟

س: هل عدم زيارة قبر الوالدين نوع من العقوق؟

ج: نقول: لا، زيارة المقبرة الغرض الأساسي منها تَذَكُّر الآخرة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة [35] هذا هو الغرض منها.

وأما ما يعتقده بعض الناس من أنه إذا ذهب إلى المقبرة وزار قبر قريبه: أن قريبه يعلم به، ويرد عليه السلام، ويعلم بأحواله، هذا كله لا دليل عليه، هذه الأمور إنما تُعلَم عن طريق الوحي، والعقل البشري ليس له فيها مجال للاجتهاد؛ لأن هذه من أحوال البرزخ، والعقل البشري مهما كان لا يستطيع أن يصل لنتيجة في هذه، فهذه المرجع فيها للوحي، ولم يثبت عن النبي في ذلك شيء، والحديث المروي في ذلك ضعيف.

وكون الميت تُرَدُّ عليه روحه ليرد السلام، هذا يحتاج إلى دليل، والنبي  يقول: صلوا علَيَّ؛ فإنه من صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشرًا [36]. وأخبر بأنه إذا سلم عليه المؤمن رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام، يخبره الله تعالى بأن فلانًا قد سلم عليه، فيرد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام، فهذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا تحصل لغيره إلا بدليل، ولذلك؛ لم نجد الصحابة يتسابقون إلى قبور أقاربهم لأجل زيارتهم.

أصلا هذا الميت -مع مرور الزمن- يصبح ترابًا، ما يبقى منه إلا عَجْبُ الذَّنَبِ؛ كما أخبر بذلك النبي ، وروحه قد تكون في نعيم في أعلى عليين، أو في جحيم في سِجِّينٍ، فالعذاب والنعيم على الروح، وإن كان له نوع اتصال بالبدن، خاصة عندما يدفن، لكن في الأساس يكون على الروح.

ولذلك؛ من أراد أن يحسن إلى قريبه المتوفى، يفعل ما أرشد إليه النبي من الدعاء، الدعاء أفضل ما يفعله الحي للميت، أو ولد صالح يدعو له.

كذلك الصدقة عنه، خاصة الصدقة الجارية التي هي الوقف، يصل ثوابها للميت.

كذلك أيضا العمرة والحج يصل ثوابهما للميت، أما التردد عليه لزيارته، فهو أصلًا أصبح ترابًا، وروحه صعدت الآن، لكن إذا كنت تزوره تزور المقبرة لأجل الاعتبار، ثم إذا دخلتَ المقبرة لأجل الاعتبار، تذهب لقبر قريبك وتدعو له، هذا طيب، لكن بعض الناس يعتقد مثل سؤال الأخ الكريم، يقول: هل عدم زيارة قبر الوالد من العقوق؟ ما لهه علاقة أصلًا بالبر ولا بالعقوق، ليس لها علاقة، وبعض الناس بلغني: أن بعض الناس يذهب لقبر والده يوميًّا يظن أن هذا من البر، كما يزوره حيًّا يزوره بعد وفاته، طيب ما الدليل لهذا؟ هذه أمور تحتاج إلى دليل، لو أنه جعل هذا الجهد في الدعاء له والصدقة عنه، في العمرة، في الحج، هذا هو الذي ينفع الميت، هذا هو الذي بالإجماع أنه ينفع الميت.

هل يجوز الحديث مع الميت عند قبره كأنه حي؟

س: هل يجوز الحديث مع الميت عند قبره كما لو كان حيًّا؛ من السلام عليه، وإيصال السلام من الآخرين، وإخباره بأمور الحياة؟

ج: هذا كله لا أصل له، هذا قد يؤدى أيضا إلى الوقوع في الشركيات والبدع، فأكثر ما يقع الشرك عن طريق الذهاب للقبور ودعاء أصحابها، الميت لا يدري عنك، ولذلك عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله، عندما يقول: هؤلاء أصحابي. يقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. يعني: عن الذين وقع منهم الردة بعد وفاته؛ إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يدري، فغيره من باب أولى.

فالسلام على القبر، وإخباره بأحوال الأحياء، هذا كله لا أصل له، هذا العمل غير مشروع، ولذلك؛ نقول: ينبغي أن يقف الإنسان مع ما ورد به النص.

حكم وضوء من يعاني من الغازات

طيب، لعلنا نختم بهذا السؤال:

س: ما حكم من يعاني من الغازات أو القولون مع الوضوء، وبالأخص يوم الجمعة، حيث إنه لو انتظر دخول الوقت لدخل الإمام؟

ج: هذا الذي يعاني من الغازات بصفة مستمرة، حكمه حكم صاحب سَلَسِ البول، وهذا يتوضأ ولا يضره خروج الحدث بعد ذلك، لا داعي للقلق والتوتر، الحكم في الشريعة واضح، يتوضأ لا يضرُّه خروج الحدث، لا مِن بول -إذا كان معه سلس بول- ولا من ريح -إذا كان يخرج منه الريح باستمرار- فالحمد لله الدين مبناه على اليُسر: يُريدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ [البقرة:185]، وَما جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدّينِ مِن حَرَجٍ [الحج:78]، ولا يقلق، هذا هو الحكم الشرعي يتوضأ مرة واحدة ولا يضرُّه خروج هذا الحدث المستمر، يصلي ما شاء من الفريضة أو من النوافل.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه مسلم: 1718.
^2 رواه الترمذي: 2516، وأحمد: 2669.
^3 رواه البخاري: 6446، ومسلم: 1051.
^4 رواه البخاري: 3145.
^5 رواه الحاكم: 1627.
^6 رواه مسلم: 1054.
^7 رواه مسلم: 2653.
^8 رواه البخاري: 1469، ومسلم: 1053.
^9 رواه مسلم: 2957.
^10 رواه مسلم: 1469.
^11 رواه مسلم: 2623.
^12 رواه البخاري: 6389، ومسلم: 2690.
^13 رواه البخاري: 2893.
^14 رواه الترمذي: 3370، وابن ماجه: 3829.
^15 رواه البخاري: 6340، ومسلم: 2735.
^16 رواه مسلم: 758.
^17 رواه مسلم: 757.
^18 رواه مسلم: 482.
^19 رواه مسلم: 82.
^20 رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 462، وابن ماجه: 1079.
^21 رواه مسلم: 49.
^22 رواه الطبراني: 24/ 303.
^23 رواه أبو داود: 2838، والترمذي: 1522، وابن ماجه: 3165.
^24 رواه ابن ماجه: 4023.
^25 رواه الترمذي: 2559.
^26 رواه مسلم: 2999.
^27 رواه مسلم: 2558.
^28 رواه أحمد: 9675.
^29 رواه البخاري: 371، ومسلم: 1365.
^30 رواه مسلم: 2401.
^31 رواه مسلم: 653.
^32 رواه أبو داود: 552، والنسائي: 850.
^33 رواه البخاري: 4299.
^34 رواه أبو داود: 3221.
^35 رواه أبو داود: 3235، والترمذي: 1054، وأحمد: 23005.
^36 رواه مسلم: 384.
مواد ذات صلة