الرئيسية/محاضرات/إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث
|

إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

الأمور التي تكتب للإنسان

يقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ [يس:12].

 إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ، فبين الله ​​​​​​​ أنه يُكتب للإنسان أمران:

  • الأمر الأول: ما قدمت يداه.
  • والأمر الثاني: آثاره التي تكون بعد مماته.

أما الأمر الأول: وهو ما قدمت يداه، أي: ما عمل من أعمال صالحة؛ كما قال ​​​​​​​: يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40].

فينظر الإنسان ما قدمت يداه من أعمال صالحة أو أعمال سيئة ويحاسب على ذلك، فالله تعالى يكتب للإنسان ما قدم؛ فإن قدم خيرا جازاه الله تعالى بالخير وبالأجر العظيم والثواب الجزيل، وإن قدم سوءا فلا يلومن إلا نفسه.

ما قدم الإنسان في مجال الخير من صلوات وصدقات، وزكوات وصيام، وغير ذلك هذه تكتب له يوم القيامة.

ولكن هناك شيء آخر يكتب للإنسان أيضًا، وهو الآثار وآثارها؛ فإن كانت الآثار آثارًا سيئةً فإنه يجري عليه وزرها وذنبها بعد مماته، نسأل الله السلامة والعافية، يكون قد مات لكن تكتب عليه ذنوبٌ وسيئاتٌ ما دامت هذه الآثار السيئة موجودةً؛ كمن يُخَلِّف مثلا أشرطة أغانٍ مصحوبةٍ بالمعازف، وكل من يستمع إليها فإنه يأثم ويلحق الإثم هذا الذي قد خلف الأشرطة على سبيل المثال، ولو كان بعد مماته فهذه الآثار تأتي له بسيئات تكتب عليه بعد مماته.

وفي المقابل هناك مَن منَّ الله تعالى عليهم وخلفوا آثارًا حسنةً، فهذه الآثار الحسنة تُدِر على الإنسان بعد مماته، هو في عِداد الأموات لكن أجره وثوابه يجري، وهذا من فضل الله، وفضل الله يؤتيه من يشاء.

فما هي أبرز الآثار التي يجري ثوابها ونفعها للإنسان بعد مماته؟

الآثار التي يجري ثوابها ونفعها

بيَّنها النبي في قوله: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له [1].

  • الأمر الأول: الصدقة الجارية

ما هي الصدقة الجارية؟

هي الوقف، والصدقة يجري للإنسان نفعها وثوابها عموما في حياته وبعد مماته، ولكنها أعظم ما تكون أجرًا إذا كانت جارية، أي: إذا كانت وقفًا، بحيث يحبس الأصل وتُسَبَّل المنفعة في وجوه البر وفي وجوه الخير، ولذلك؛ عمر بن خطاب لما أصاب مالًا بخيبر هو أنفس مال أصابه في حياته، يقول: أتيت النبي أستشيره فيه، قلت: يا رسول الله، إني أصبت مالًا هو أنفس مال في حياتي فما تأمرني؟ فقال النبي : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها [2]. أي: وَقَفْتها وسَبَّلتها، فوَقَفَها عمر .

قال: أهل العلم: المستشار مؤتمن. فلو كان هناك شيء أفضل من الوقف لأشار به النبي على عمر ، فدل هذا على أن الوقف في وجوه البر من أفضل ما تبذل فيه الأموال، بل هو أفضل ما تبذل فيه الأموال، ولهذا؛ يقول جابر : لم يكن أحد من أصحاب النبي ذو مقدرة إلا وَقَفَ.

وحَرَصَ المسلمون على مر العصور الماضية على الوقف، وانتشرت الأوقاف انتشارًا واسعًا، بل إن الحضارة الاسلامية -فيما مضى- كانت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الأوقاف، وكان دور الدولة الإسلامية في القرون السابقة هو حفظ الأمن الداخلي والخارجي، وحماية الثغور، والتقاضي بين الناس فقط، وبقية الخدمات كانت تعتمد على الأوقاف.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، مع كثرة أوقاف المسلمين في القرون الماضية وفي الوقت الحاضر: أين هي الأوقاف؟ أين ذهبت هذه الأوقاف؟

كثير من هذه الأوقاف قد ضاع، وقد عدا عليها من عدا وأخذ هذه الأوقاف، وضاع كثير من الأوقاف، ربما يكون من أبرز أسباب ضياعها: عدم إحسان النِّظَارة، فينبغي لمن أراد أن يُوقِف أن يحسن ترتيب نِظَارة الوقف، وأن يستشير أولًا أهل العلم في وقفه، وفي عبارة “الوقف” اقتداء بعمر ، الذي استشار النبي ؛ فإنه ربما يشير عليه أهل العلم بشيء أنفع مما يريد الوقف عليه، وعليه أن يرتب أمر النِّظَارة، فيقول الناظر: بعد وفاته فلان، ومن بعده فلان، ومن بعده فلان، وهكذا..

والأحسن: أن يجعل أجرة لهذا الناظر؛ حتى يتشجع في العناية بالوقف وفي حفظه؛ فيطول أَمَدُ هذا الوقف، وكلما انتفع بهذا الوقف جرى ثوابه لصاحبه.

هناك الآن أوقاف لها مئات السنين تُدِرُّ على أصحابها حسنات وهم في قبورهم، وهذا من التوفيق الذي يوفق الله تعالى له بعض الناس.

أناس ماتوا من مئات السنين، ومع ذلك، لا زالت هذه الأوقاف تدر عليهم حسناتٍ وأجورًا عظيمةً، والموفق من وفقه الله.

  • الأمر الثاني: قال: أو علم ينتفع به

فالعالم الذي يخَلِّف كتبًا يُنتفع بها يجري له أجرها وثوابها بعد مماته، أو يخلف طلبة وتلاميذ، ومثل ذلك أيضًا: من أعان على نشر العلم بطباعة أو دعم أو نحو ذلك، فهؤلاء أيضًا يجري لهم ثواب هذه الأعمال بعد مماتهم.

  • الأمر الثالث: قال: أو ولد صالح يدعو له

فدل هذا على أن الدعاء للميت ينفعه، والله تعالى قد أمر بالدعاء للوالدين فقال: وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24]. وهذا يشمل الدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما، فالدعاء لهما من أعظم البر.

ولماذا وصف الولد بالصالح؟

  • وصفه بالصالح أولًا؛ لأن الولد الصالح هو الذي يهتم بالدعاء لوالديه، بخلاف غير الصالح؛ فإنه سرعان ما ينسى والديه.
  • والأمر الثاني: أن دعاء الولد الصالح أرجى للقبول والإجابة، فعلينا جميعًا أن ندعو لوالدِينا أحياءً وأمواتًا؛ فإن هذا من أعظم البر بهما.

هذه -أيها الإخوة- هي الأعمال التي يجري ثوابها ونفعها للإنسان بعد مماته، واطرحْ يا أخي على نفسك هذا السؤال: إذا متُّ فما هي الآثار الحسنة التي خلفتها؟ وما هي الأعمال التي يجري لي ثوابها بعد مماتي؟

اطرح على نفسك هذا السؤال، احرص على أن يكون لك أعمال حسنة وآثار يجري نفعها لك بعد مماتك، حتى تُدِرَّ عليك حسنات وأنت في قبرك؛ فتغتبط بهذه الآثار.

ونجد -أيها الأخوة- في الواقع أثرياء يموتون ولا يخلفون آثارهم؛ لا صدقات، ولا أوقاف، ولا أي شيء، وربما ينساهم ورثتهم، فلا يجعلون لهم شيئًا من هذا.

وهذا من قلة التوفيق، ولهذا؛ لا يَعتمد الإنسان على ما سيفعله له أولاده أو أهله بعد مماته، بل ما دام حيًّا فليحرص على أن يجعل له آثارًا حسنة يجري له أجرها وثوابها بعد مماته، يجعل له صدقة جارية، يجعل له ما ينفعه بعد مماته من الآثار الحسنة.

فينبغي -أيها الإخوة- أن نحرص على هذا، على أن نُوجِد آثارًا حسنة تبقى لنا بعد مماتنا، وينبغي المبادرة لذلك، فإن بعض الناس يرغب في هذه الأمور، ويرغب في أن تكون له آثار حسنة، وأن يجعل له صدقةً جاريةً، لكنه يُسَوِّف ويسوف، ويظن أن العمر سيطول ويمتد به، فإذا به يبغته الموت فجأة، وحينئذ ندم حين لا ينفع الندم، ولهذا؛ قال النبي : ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ يَبِيت ليلتين وعنده شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه [3]. قال ابن عمر رضي الله عنهما: ما تَرَكت كتابةَ وصيتي منذ سمعت هذا من رسول الله .

فليحرص المسلم إذَنْ -إذا كان يريد أن يوقف وقفًا، أو يوصي وصية، أو يجعل له آثارًا حسنة تبقى له بعد مماته- أن يبادر بذلك، وألا يُسوِّف، وألا يتأخر في هذا؛ فإنه ربما لو تأخر بَغَتَه الموت ولم يستطع حينئذ أن يجعل له آثارًا حسنة تبقى له بعد مماته، والموفَّق من وفقه الله ​​​​​​​.

ونجد -أيها الإخوة- الفرق بين اثنين: رجل ثري لكنه لم يجعل له آثارًا حسنة، ورجل ليس بثري وعنده أموال ليست كثيرة، لكن الله وفقه لكي يجعل له آثارًا حسنة، هذا الثري إذا مات انقطعت أعماله كلها، وهذه الثروة كلها ذهبت، وذاك الإنسان الذي ليس ثريًّا لكنه وُفِّق لعمل وقف وصدقة جارية، نجد أن ثواب هذه الصدقة الجارية وهذا الوقف يدر عليه حسنات وهو في قبره، وهذا من التوفيق الذي يوفق الله تعالى له بعض الناس.

اسأل الله تعالى أن يستعملني وإياكم في طاعته، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى من الأقوال والأعمال، وأن يعيننا على ذكره وعلى شكره وعلى طاعته وعلى حسن عبادته.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه مسلم: 1631.
2 رواه البخاري: 2737، ومسلم: 1632.
3 رواه البخاري: 2738، ومسلم: 1627.

مواد ذات صلة