الرئيسية/محاضرات/أحكام الشتاء
|

أحكام الشتاء

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأحمد الله ​​​​​​​ على تيسير هذا اللقاء، ثم أشكر الإخوة في التوجيه والإرشاد في الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي على ترتيب هذه المحاضرة، والتي هي بعنوان أحكام الشتاء.

آية تقليب الليل والنهار

أيها الإخوة: نحن الآن مقبلون على فصل الشتاء، وقد كنا بالأمس القريب في فصل الصيف بحرارته المرتفعة، وهكذا يقلب الله الليالي والأيام؛ كما قال سبحانه: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [النور:44].

السنة مكونة من أربعة فصول: من الشتاء، والربيع، والصيف، والخريف، ومجموع السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا السنة القمرية الهجرية، والسنة الشمسية الميلادية ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا.

شدة البرد وشدة الحر من نفس جهنم

هناك جملة من الأحكام المتعلقة بفصل الشتاء أولًا قبل أن نبدأ فيها: أشير إلى أن شدة البرد وشدة الحر أنهما من نفس جهنم، والذي أخبر بذلك هو الصادق المصدوق من لا ينطق عن الهوى رسول الله ، حيث قال في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما قال: اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، وأشد ما تجدون من الحر من سمومها [1].

والحديث ورد هكذا ونحن نؤمن بذلك كما ورد، وما قاله الله وقاله رسوله حق، سواء فهمنا الحكمة أو لم نفهمها، وسواء استوعبت ذلك عقولنا أو لم تستوعبها؛ لأننا عبيد لله ، وعلى يقين بأن الله حكيم عليم، وأنه هو الذي يدبر الكون بحكمته البالغة جل وعلا، وهذا هو مقتضى العبودية الاستسلام والتسليم لله ، والتصديق بما أخبر الله تعالى وأخبره به رسوله من غير شك أو اعتراض، أو نحو ذلك، فنؤمن بما أخبر به عليه الصلاة والسلام من أن شدة البرد، وشدة الحر، أنهما نفسان من نفس جهنم.

أيها الإخوة: وإن من نعمة الله على الناس: أن امتن عليهم بملابس تقيهم شدة البرد، وأيضًا تقيهم شدة الحر؛ كما قال سبحانه: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل:81]، ومعنى وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ السرابيل هي الثياب من القطن، أو الكتان، أو الصوف، ونحو ذلك، وقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي الحر والبرد، ولكن إنما ذكر الحر فقط؛ لأنه وقت نزول الآية، وكانوا في مكة، وكانت معاناتهم من الحر أكثر من البرد، وقد امتن الله على عباده أيضًا بملابس الصوف المنسوجة من جلود الأنعام، فقال: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [النحل:5].

الغنيمة الباردة

كان السلف الصالح يفرحون بقدوم فصل الشتاء، ويقولون: هو الغنيمة الباردة؛ وذلك لأن نهاره يكون قصيرًا وليله يكون طويلًا، فنهاره يكون قصيرًا فيتيسر للمسلم صيامه من غير مشقة، ومن غير كلفة، وليله يكون طويلًا فيتيسر قيامه من غير عناء ولا تعب؛ لأن الليل إذا كان طويلًا أخذ الإنسان حظه من النوم، وقام لقيام الليل بنشاط، فكان السلف يفرحون بقدوم الشتاء، ويقولون هو الغنيمة الباردة.

وقد ورد في ذلك آثار، فعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: “الشتاء ربيع المؤمن طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه”، فجعل الشتاء ربيع المؤمن؛ لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، فإن المؤمن يقدر في الشتاء، ويتيسر له صيامه من غير مشقة، ومن غير جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير مع برودة الجو، وكذلك أيضًا ليله طويل فيتيسر له قيامه، وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه  يقول: “ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، قال: “الصيام في الشتاء”، ومعنى: “كونه غنيمة باردة” أي أنها غنيمة حصلت بغير تعب ولا مشقة، فإن الجو يكون غالبًا باردًا، والنهار يكون قصيرًا.

وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: “نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه”.

وكان عبيد بن عمير رحمه الله يقول: “إذا جاء الشتاء يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموه”.

وبكى معاذ بن جبل رضي الله عنه عند موته، فقال: إني لا أبكي جزعًا على الموت، ولا على فراق الدنيا، وإنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.

إسباغ الوضوء عند شدة البرد

أيضًا من أحكام الشتاء: إسباغ الوضوء عند شدة البرد، ومعنى إسباغ الوضوء أي إتمامه وإكماله، وذلك بأن تأتي بالماء على كل عضو يلزمك غسله وتعمه كله بالماء وتدلكه باليد، وقد ورد في فضل ذلك ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي قال: ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات، ويمحو به الخطايا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط [2]، فعد النبي إسباغ الوضوء على المكاره من الأمور التي يمحو الله بها الخطايا، ويرفع بها الدرجات.

وإسباغ الوضوء على المكاره في وقتنا الحاضر قد لا يتحقق في كثير من الأحيان مع ما من الله تعالى به على الناس من أجهزة تسخين الماء، ولكن يمكن أن يتحقق ذلك فيما لو توضأ الإنسان بعيدًا عن العمران، كما لو كان مثلًا في البرية، وتوضأ بماء بارد، ونحو ذلك، فالسنة أن يسبغ الوضوء على المكاره، وليس معنى هذا أن الإنسان يتقصد أن يتوضأ بالماء البارد مع وجود ما يسخن به الماء، فهذا ليس أمرًا مقصودًا شرعًا، والله تعالى غني عن تعذيب هذا نفسه، ولكن المقصود أن هذا الإنسان لم يجد ما يسخن به الماء، وعنده ماء بارد، وحان وقت الصلاة، فيتوضأ بهذا الماء، ويسبغ الوضوء على المكاره، فهذا أجره عند الله كبير، وثوابه عظيم، وهو من الأمور التي يرفع الله بها الدرجات، ويمحو الله بها الخطايا.

لا يجوز الجمع لأجل شدة البرد فقط

أيضًا من الأحكام المتعلقة بالشتاء: أنه لا يشرع الجمع بين الصلاتين لأجل شدة البرد فقط، فإن شدة البرد كانت موجودة في المدينة في زمن النبي ، ومدينة النبي تقع على خط عرض أربع وعشرين، والأجواء المناخية منذ ذلك الحين إلى الآن لم تختلف كثيرًا، بل ربما تكون في ذلك الوقت الأجواء أكثر برودة، وكان كثير من الصحابة لا يملكوا سوى ثوب واحد فقط، ثوب واحد بدون ملابس داخلية، ثوب واحد فقط كما قال جابر : أينا كان له ثوبان على عهد رسول الله ؟ [3]، ومع ذلك لم ينقل عن النبي أنه جمع لأجل شدة البرد ولو مرة واحدة، لم يرد ذلك بسند صحيح، ولا بسند ضعيف، ولا بأي إسناد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على عدم مشروعية الجمع لأجل البرد.

ثم إن شدة البرد يمكن التغلب عليها بالتدفئة، وبلبس الملابس الشتوية المناسبة، فيتغلب الإنسان على شدة البرد بذلك، ولهذا فشدة البرد ليست عذرًا للجمع بين الصلاتين، والأصل أن الصلاة تصلى في وقتها، وهذا هو الأصل المحكم، ولا تجمع الصلاة مع غيرها إلا لعذر من سفر أو مرض، ونحو ذلك، وأما أن يجمع لأجل شدة البرد فقط، فإن هذا أمر لا يجوز، والجمع بين الصلاتين من غير عذر معدود عند أهل العلم من كبائر الذنوب، إلا إذا كان يصحب شدة البرد يصحبها مطر غزير فيلحق الناس مع هذا مشقة كبيرة، فيجوز الجمع لأجل ذلك أو تكون شدة البرد مصحوبة برياح شديدة وعواصف، ويلحق الناس معها حرج كبير، فيجوز الجمع حينئذ، أما مجرد شدة البرد فلا تجيز الجمع بين الصلاتين.

المسح على الخفين في البرد

أيضًا من الأحكام المتعلقة بالشتاء: أحكام المسح على الخفين، والخفان ما يلبسان على الرجلين من الجلد، وأصبح لباس معظم الناس في الوقت الحاضر الجوارب، والجوربان هما ما يلبسان على الرجل من غير الجلد، فما يلبس على الرجل من غير الجلد يسمى جورب، والخفان قد وردت بمشروعية المسح عليهما السنة المتواترة عن النبي ؛ كما قال الناظم:

مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتا واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض

قال الإمام أحمد: ليس في القلب شيء في المسح على الخفين فيه أربعون حديثًا عن النبي .

المسح على الجوربين

والجوربان يقاسان على الخفين في المسح عليهما، وقد وردت في ذلك آثار عن الصحابة، وقال بمشروعية المسح على الجوارب الحنابلة، خلافًا لجمهور العلماء الذين قالوا: إنما المسح إنما يكون على الخفاف فقط، والقول الراجح هو مشروعية المسح على الجوارب؛ لأن هذا هو المأثور عن صحابة النبي وعن التابعين كذلك، وقد رويت فيه بعض الأحاديث عن النبي .

أيهما أفضل أن يمسح المسلم على الجوربين أو أن يخلع الجوربين ويغسل قدميه؟

الجواب: الأفضل بحسب حال القدمين، فإن كانت القدمان مكشوفتين فالأفضل هو غسل الرجلين، وإن كانت القدمان عليهما جوربان وقد لبسهما على طهارة فالأفضل هو المسح.

فالأفضل إذن للابس الجورب المسح إذا كان قد لبس الجورب، ولا يخلع الجورب لأجل أن يغسل رجليه، والأفضل لمن كانت رجله مكشوفة أن يغسل رجليه هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

بعض الناس يلبس الجوربين على طهارة لكن يخلع الجوربين ويغسل رجليه يعتقد أن هذا هو الأفضل، وهذا خلاف الأفضل، الأفضل أنه إذا لبس الجوربين على طهارة أن يمسح عليهما؛ لأن هذا قد وردت به السنة المتواترة عن النبي .

شروط المسح على الخفين

ويشترط للمسح على الخفين شروط؛ من أبرزها:

أن يلبسهما على طهارة؛ لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع النبي فتوضأ فأويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما [4]، وفي معناهما: الجوربين، فمن لبس الجوربين على غير طهارة فليس له المسح عليهما، أما إذا لبسهما على طهارة فيمسح عليهما، لكن ليس معنى ذلك أنه لا يجوز لبس الجوارب على غير طهارة، يجوز أن يلبس الجوارب على غير طهارة، لكنه إذا لبسها على غير طهارة فليس له المسح عليها، أما إذا لبس الجوربين على طهارة فإنه يمسح عليهما.

ويشترط كذلك للمسح على الخفين: أن يكون الخف أو الجورب طاهرًا مباحًا.

وأن يكون ساترًا لمحل الفرض، وهو ما يجب غسله من الرجلين؛ وبناء على ذلك فإذا كان الخف أو الجورب خفيفًا يرى من ورائه لون البشرة فإنه لا يمسح عليه في قول أكثر الفقهاء؛ لأن الخفاف المعروفة عند العرب هي التي يحصل بها التسخين والتدفئة للقدمين، ولذلك تسمى: التساخين؛ كما جاء في حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: “أمرنا أن نمسح على العصائب” يعني العمائم، “والتساخين” يعني الخفاف [5]، أما الجوارب الخفيفة التي لا يحصل بها التدفئة للقدمين، فهذه ليست على طريقة خفاف العرب التي وردت في السنة بالمسح عليها، ولهذا فعند أكثر أهل العلم أنه لا يصح المسح عليها، والضابط في هذا أن يكون الخفان أو الجوربان لا يرى من ورائهما لون البشرة، فأما إذا كان يرى من ورائهما لون البشرة كالتي تلبس للزينة فهذه لا يصح المسح عليها.

وأما بالنسبة للخروق التي تكون في الجوارب، فإذا كان الخرق كبيرًا فلا يصح المسح على الجورب في هذه الحال، أما إذا كان الخرق يسيرًا فيتسامح في ذلك الخرق اليسير؛ لأن غالب خفاف الصحابة لا تخلو من خروق يسيرة، وكثير منهم كانوا من الفقراء، ولم ينقل عن النبي أنه نهى عن المسح عن الخفاف التي فيها خروق يسيرة، لكن إذا كانت الخروق كبيرة، فالأصل أن ما ظهر من القدم ففرضه الغسل، ولا يمكن الغسل في هذه الحال لفوات شرط الموالاة، وحينئذ لا يصح المسح على هذا الجورب الذي فيه هذا الخرق الكبير، فنخلص من هذا إلى أن الخروق التي تكون في الخفين أو الجوربين إن كانت كبيرة فلا يصح المسح عليها، وهو قول أكثر أهل العلم، وإن كانت صغيرة فيصح المسح عليها.

أيضا من شروط المسح على الخفين: أن يكون في المدة المحددة شرعًا، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، يعني أربعًا وعشرين للمقيم، واثنتين وسبعين ساعة للمسافر، ويدل لذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: “جعل النبي للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن” [6].

وتبتدئ هذه المدة مدة المسح على الخفين أو الجوربين من أول مسح بعد الحدث على القول الراجح، تبتدئ مدة المسح على الخفين أو الجوربين من أول مسح بعد الحدث، وليس من حين لبس الشراب، وليس من حين الحدث على القول الراجح، فمثلًا إذا لبست الجوربين لصلاة الظهر توضأت وضوء كاملًا وغسلت رجليك ثم لبست الجوربين، ثم أحدثت بعد صلاة الظهر ولم تتوضأ لصلاة العصر إلا عند الساعة الثالثة، فتبتدئ مدة المسح على الخفين أو الجوربين من الساعة الثالثة وتحسب أربعًا وعشرين ساعة، يعني من الثالثة عصرًا من هذا اليوم إلى الثالثة عصرًا من اليوم المقبل، تحسب أربعا وعشرين ساعة إذا كنت مقيمًا، واثنين وسبعين ساعة إذا كنت مسافرًا.

وأما ما يعتقده بعض الناس من أن مدة المسح على الخفين أو الجوربين أنها خمس صلوات، فهذا غير صحيح، يمكن أن تصلي في الخفين أو الجوربين أكثر من خمس صلوات في مثالنا السابق توضأت لصلاة الظهر ولبست الجوربين ثم امتد الوضوء معك والطهارة، وصليت العصر، ثم صليت المغرب، ثم صليت العشاء بطهارة الظهر، يعني في أيام الشتاء النهار قصير لنفترض أن الطهارة استمرت معك من الظهر إلى العشاء، ثم بعد صلاة العشاء أحدثت واحتجت للمسح على الجوربين عند أذان صلاة الفجر، يعني مثلًا عند الساعة نفترض الساعة الرابعة والنصف فجرًا فمدة المسح على الخفين تبتدئ من الرابعة والنصف فجرًا إلى الرابعة والنصف فجر اليوم التالي إذا كنت مقيمًا، وإذا كنت مسافرًا تحسب ثلاثة أيام بلياليهن، معنى ذلك أن إذا كنت مقيمًا تكون قد صليت بهذين الجوربين الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء تسع صلوات، فصليت بها تسع صلوات، وليس خمس صلوات، فما يعتقده بعض العامة من أن من لبس الجوربين لا يصلي فيها إلا خمس صلوات هذا غير صحيح، فيمكن أن تصلي فيها أكثر من خمس صلوات، المهم هو أن تضبط المدة التي تبتدئ من أول مسح بعد الحدث، يعني من أول مرة تمسح فيها على الجوربين احسب أربعًا وعشرين ساعة إذا كنت مقيمًا، وثنتين وسبعين ساعة إذا كنت مسافرًا.

وهذا الأمر أمر متعلق بالطهارة، ولذلك لو أن المدة انقضت ونسيت ومسحت على الجوربين بعد انقضاء المدة فوضوؤك غير صحيح، وصلاتك غير صحيحة، ولذلك ينبغي أن يهتم المسلم بهذه المسألة، وإذا كان يخشى من النسيان فيمكن أن يجعل له وقتًا معتادًا يبتدئ فيه مدة المسح على الجوربين، يعني مثلًا في الليل يخلع الجوربين ثم عند الفجر يلبس الجوربين إلى اليوم الثاني، فيجعل له وقتًا يعتاد عليه حتى لا ينسى؛ لأن النسيان هنا نسيان متعلق بأمر مأمور به وهو الطهارة، فلا يعذر فيه الإنسان بالنسيان، ولا بالجهل.

والقاعدة عند أهل العلم: أن ما كان من باب ترك المأمور لا يعذر فيه بالنسيان والجهل، وما كان من باب ارتكاب المحظور فيعذر فيه بالنسيان والجهل، فالطهارة هي من باب المأمور لا يعذر الإنسان فيها بالنسيان والجهل، ولهذا من مسح على الجوربين بعد انقضاء المدة فوضوؤه غير صحيح، وصلاته غير صحيحة، ويلزمه أن يعيد الوضوء والصلاة.

أيضا من الأحكام المتعلقة بهذا: أن من لبس الجوربين وابتدأ مدة المسح عليهما ثم خلعهما فإن الطهارة تنتقض، ففي مثالنا السابق لبس الجوربين عند أذان الظهر، ثم مسح عليهما عند صلاة العصر، وبعد صلاة العصر خلع الجوربين لخمس دقائق، ثم لبسهما فهنا تنتقض طهارته؛ لأنه بعد خلع الجوربين تبقى القدمان مكشوفتين لا هما مغسولتان، وليس عليهما شيء ممسوح، فتنتقض الطهارة في القدمين، والطهارة لا تتبعض، فيسري انتقاض الطهارة في جميع أعضاء الوضوء، وعلى ذلك نقول خلع الجوربين بعد ابتداء مدة المسح تنتقض به الطهارة.

بعض هذه المسائل التي ذكرت أيها الإخوة لا تخلو من خلاف بين أهل العلم، والذي أنصح به أنه في المسائل التي يترتب على الخلاف فيها أثر كبير مثل صحة الصلاة أو عدم صحة الصلاة، والدليل فيها غير واضح وغير ظاهر ليس فيها أدلة نصية، وإنما الخلاف مبني على التعليل والنظر، فالذي أنصح به أن يحتاط المسلم فيها أن يحتاط المسلم؛ لأن الأثر كبير فمثلًا عند خلع الخفين أو المسح بعد انقضاء مدة المسح على الجوربين بعد انقضاء مدة المسح الأثر المترتب كبير عند أكثر أهل العلم أن الطهارة لا تصح، وأن الصلاة لا تصح، وإن كان هناك قول بصحتها لكن أكثر أهل العلم يرون عدم صحة الوضوء.

فكذلك المسح على الجوارب الخفيفة أكثر العلماء يرون أنه لا يصح المسح عليها، معنى ذلك أنك لو مسحت على جوارب خفيفة يرى من ورائها لون البشرة فطهارتك وصلاتك غير صحيحة عند أكثر علماء الأمة، ولهذا فمثل هذه المسائل التي أنصح به هو أن يسلك المسلم فيها مسلك الاحتياط لدينه، خاصة أن الله يسر علينا في الوقت الحاضر يسر علينا هذه الجوارب، والتي يمكن الحصول عليها بسهولة ويسر، فعلى الإنسان أن يحتاط يعني لماذا يلجأ للبس جوارب خفيفة مثلًا ويمسح عليها، ويعرض صلاته للبطلان، وهو قادر على أن يلبس الجوارب الصفيقة، وإذا يعني لبس جوارب خفيفة لا يمسح عليها، وإنما يخلعها ويغسل رجليه، هذا هو الأحوط لدينه، والأبرأ لذمته.

وأسأل الله أن يرزقنا الفقه في الدين، والعلم النافع، والتوفيق لما يحب ويرضى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 537، ومسلم: 615، 617.
2 رواه مسلم: 251.
3 رواه البخاري: 352.
4 رواه البخاري: 206، ومسلم: 274.
5 رواه أبو داود: 146، وأحمد: 22385.
6 رواه مسلم: 276.

مواد ذات صلة