الرئيسية/محاضرات/سير الأنبياء
|

سير الأنبياء

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

من صفات الأنبياء

فهذا مجلسٌ من مجالس الذكر، نتحدث فيه عن سِيَرٍ لصفوة البشر، وأفضل البشر، وخير البشر، وقدوات البشر، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله سبحانه اقتضت حكمته أن يرسل رسلًا إلى البشر، يعلمونهم كيف يعبدون الله ، كما يحب ربنا سبحانه، واقتضت حكمة الله ​​​​​​​: أن يكون رسل الله من البشر أنفسهم، وأن حكمة الله تأبى أن يكون النبي أو الرسول من غير البشر؛ كما قال سبحانه: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9].

وقد جعل الله تعالى هؤلاء الأنبياء والرسل أرجح أقوامهم عقولًا، وأعظمهم حكمةً، وأسدَّهم رأيًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانةً، ولذلك؛ فقد كانوا قبل بعثتهم ورسالتهم مَرْضِيِّين عند أقوامهم، بل كانوا يضعون الودائع لديهم، وكان نبينا محمدٌ يلقبه قومه قبل البعثة بـ”الصادق الأمين”.

رسل الله وأنبياؤه هم أفضل البشر إيمانًا، وعلمًا وعملًا وتعبدًا، وأخلاقًا وتواضعًا، وهم أطهر البشر قلوبًا، وأصدقهم إيمانًا، وأقواهم عبادةً، وأحسنهم أخلاقًا، وأكملهم دينًا، وأقواهم صبرًا، وأعظمهم رحمةً.

قد وصف الله تعالى أفضلهم، وسيد الأولين والآخرين، محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، وصفه بالرحمة فقال: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ [آل عمران:159]، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

هؤلاء الأنبياء والرسل جعلهم الله تعالى قدواتٍ للبشر، وقد نوَّع الله تعالى بينهم، فجعل منهم الغني الشاكر؛ كسليمان ، وجعل منهم الفقير الصابر؛ كأيوب ، وذكر الله تعالى قصص بعضهم، وأنبياء آخرون لم يذكروا في القرآن؛ كما ذكر ذلك ربنا : وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164].

وقصص الأنبياء التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، وذكر النبي أيضًا طرفًا منها، فيها تنبيهٌ للغافلين، وعبرةٌ للمعتبرين، وقدوةٌ صالحةٌ للمؤمنين: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90]، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:111]، قصص الأنبياء مع أقوامهم فيها العبرة، وفيها العظة، وفيها الهداية.

من فوائد القصص القرآنية

وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقص على أمته هذه القصص: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:176]، والقصص لها سلطانٌ على النفوس.

ومن غايات القصص أيضًا: تثبيت القلوب على الحق؛ كما قال سبحانه: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120]، قال بعض أهل العلم: القصص جندٌ من جنود الله، يثبت الله تعالى بها من شاء من عباده.

ونحن في هذا الزمن الذي نعيشه، والذي انفتح فيه العالم بعضه على بعضٍ، وكثرت فيه الفتن؛ فتن الشبهات، وفتن الشهوات، نحن بحاجةٍ إلى أن نتذكر هذه القصص، وأن نستحضرها، ونستحضر ما فيها من العبر والمواعظ والفوائد.

فدراسة قصص الأنبياء، ومعرفة أخبارهم وأحوالهم سببٌ لصلاح القلوب والثبات على دين الله .

وبعد هذه المقدمة أذكر نماذج من سير الأنبياء، والكلام يطول -أيها الإخوة- ولا يتسع له المقام، لكني أقتصر على ذكر نماذج من سير بعضهم، وأكتفي بها، وإلا، فإن هذا الموضوع موضوعٌ واسعٌ وطويلٌ.

قصة آدم مع إبليس

فأبدأ أولًا: بأبينا آدم : فأبونا آدم خلقه الله من ترابٍ، فانظر إلى حكمة الله كيف أن الله تعالى خلقه من ترابٍ، وأهبطه إلى الأرض التي فيها التراب، وجعل بنيه يعيشون على هذه الأرض، لما خلقه الله تعالى أراد أن يُظهر شرفه للملائكة، فأمرهم بالسجود له: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وحسد آدم وقال: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61]، خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف:12]، فلعنه الله تعالى وطرده، ثم أراد الله تعالى أن يُظهر شرف آدم بأمرٍ آخر، فعلَّمه أسماء كل شيءٍ: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ۝قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ۝قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:31-33]، فأظهر الله تعالى شرف آدم بالعلم، ولذلك؛ فأعظم خصلةٍ في الإنسان يَشرف بها هي: العلم.

ثم إن الله تعالى أسكن آدم وزوجه حواء الجنة، وقال: كُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة:35]، شجرةً واحدةً، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ۝وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ [طه:118-119]، لكن نهاه الله تعالى عن شجرةٍ واحدةٍ، ومع ذلك حذره من الشيطان: إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ [طه:117]، وأتاهما إبليس، ولَبِس لباس الناصح، ولم يكتف بهذا، بل حلف بالله وأقسم: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]، أقسم لهما بالله، وقال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20]، كان بإمكان آدم أن يقول: ما دمتَ عرفت هذا السر فلماذا لا تأكل منها، وتكون أنت أيضًا ملكًا، وتكون من الخالدين؟ لكنه غر آدم ، وحلف له بالله، فصدقه آدم ، فلما أكل آدم وحواء من الشجرة -سبحان الله! انظر إلى شؤم المعصية- طار عنهما لباس الجنة، فأصبحا عاريين، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22]، يأخذان من ورق الجنة ويُلصقانه على عورتهما، وهذا يدل على أن الحياء من انكشاف العورة أمرٌ فطريٌّ، فالذين يرون أن انكشاف العورات تحضُّرٌ هؤلاء قومٌ انتكست فطرهم.

بعد ذلك ندِما ندمًا عظيمًا وجعلا يبكيان، ولا يعرفان كيف يتوبا إلى الله: فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37]، وهذه الكلمات هي: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، وهذه الكلمات هي: أفضل ما يقولها التائب إلى الله.

فتاب الله عليه وعلى زوجه حواء، ولكن اقتضت حكمة الله ​​​​​​​ أن يقول لهما ولإبليس: اهبطوا منها جميعًا إلى الأرض، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [البقرة:36]، فاختار الله تعالى لنا -نحن البشر بني آدم- هذا الكوكب من بين بلايين الأجرام السماوية، وهيأه للعيش، فالكواكب مثلًا القريبة من الأرض لا تصلح للعيش؛ إما لأنها شديدة الحرارة، أو شديدة البرودة، لكن الأرض هيأها الله تعالى ليعيش عليها الإنسان.

دعوة نوحٍ

وبقي آدم بعد ذلك وبَنُوه من بعده عشرة قرونٍ على التوحيد، إلى أن أتى قوم نوحٍ .

قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: “كان بين آدم ونوحٍ عشرة قرونٍ كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا ووقعت عبادة الأصنام، فبعث الله نوحًا”.

وعبادة الأصنام أول ما وقعت: كان هناك قومٌ صالحون، وماتوا في وقتٍ واحدٍ، أو وقتٍ متقاربٍ، فحزن عليهم أقوامهم حزنًا شديدًا، فأتاهم الشيطان وقال: صوروهم، وانصبوا لهم نُصُبًا؛ حتى إذا رأيتم صورهم، ورأيتم هذه النصب نشطتم في طاعة الله.

انظر إلى أسلوب الشيطان الخبيث الماكر! ما قال: اعبدوا الأصنام، أتاهم بهذا الطريق الماكر، فصوروهم ووضعوا لهم نُصُبًا، ثم انقرض ذلك الجيل، فلما أتى الجيل الذي بعده قالوا: إن آباءنا ما وضعوا هذه النُّصب إلا ليعبدوها، فعبدوها من دون الله فوقع الشرك وعبادة الأصنام من دون الله تعالى منذ ذلك الحين.

فأرسل الله تعالى نوحًا وهو أول الرسل، وبين لهم بطلان ذلك، وأمرهم بتوحيد الله ، وبإخلاص الدين لله سبحانه، ومكث نوحٌ في قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، هذه المدة الطويلة وهو يدعوهم إلى تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله، وأتى بجميع الأساليب، ودعاهم في جميع الأوقات: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ۝فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا [نوح:5-6]، وأيضًا نوَّع، قال: ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح:9]، استخدم أسلوب السر، وأسلوب العلانية، وفي الليل، وفي النهار، واستخدم جميع الأساليب، حتى أوحى الله إليه: أنه لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ [هود:36]، فدعا على قومه وقال: رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا۝ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:26-27]، فأمره الله تعالى أن يصنع السفينة، وأن يركب فيها هو ومن آمن معه، وأن يأخذ فيها من كل زوجين اثنين، فجعل يصنع السفينة، وإذا مر به قومه سخروا منه، قالوا: يا نوح أصبحت نجارًا بعد أن كنت نبيًّا، ويسخرون منه: قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38].

ثم أمر الله تعالى السماء ففتحت أبوابًا، والأرض عيونًا: فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:12]، وأغرق الله تعالى قوم نوحٍ ، وأنجى الله تعالى نوحًا ومن معه من المؤمنين.

وهنا موقفٌ لأحد أبناء نوحٍ كان لنوح أربعة أبناءٍ: سامٌ -وهو أكبرهم، وهو أبو العرب، وأيضًا أبو بني إسرائيل اليهود- وحامٌ، ويافث، وهؤلاء كانوا كلهم من المؤمنين، والرابع: كنعان، وكنعان هو الذي ذكر الله تعالى قصته، قال له أبوه: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ ۝قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود:42-43]، وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وأنت وعدتني يا رب أن تنجيني وأهلي وابني من أهلي، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ۝قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ، وفي قراءةٍ: (إنه عَمِل غير صالحٍ)، فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ۝ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ [هود: 45-47].

سبحان الله! نوحٌ عليه الصلاة والسلام، هل أحد يشك في إخلاصه وفي صدقه، وفي اتباعه أفضل الأساليب التربوية، وفي حرصه على هداية ابنه؟ ومع ذلك لم يهتد؛ لأن الله تعالى لم يرد هدايته.

أقسام الهداية

والهداية على قسمين:

  1. هداية إلهامٍ وتوفيقٍ.
  2. وهداية دلالةٍ وإرشادٍ.

هداية الدلالة والإرشاد: هذه يملكها الأنبياء، وأتباع الأنبياء، والدعاة، والعلماء، والأب مع أولاده، والأم مع أولادها، يدل ويرشد، وهي مذكورةٌ في قول الله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى:52].

أما هداية الإلهام والتوفيق: فلا يملكها لا ملكٌ مقربٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ، لا يملكها إلا الله تعالى وحده، وهي مذكورةٌ في قول الله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ [القصص:56].

فنوحٌ عليه الصلاة والسلام بذل مع ابنه أسباب الهداية، هداية الدلالة والإرشاد، لكن الله لم يرد أن يهديه هداية إلهامٍ وتوفيقٍ، فكان مع الكافرين.

ونبينا محمدٌ بذل مع عمه أبي طالبٍ أسباب الهداية إلى آخر لحظةٍ من حياته، وهو على فراش الموت، قال: يا عم، قل كلمةً أُحاجُّ لك بها عند الله [1]، لكن الله لم يرد هدايته فمات على الكفر.

من لم يرد الله تعالى هدايته لا يستطيع أحدٌ من البشر أن يهديه ولو كان نبيًّا.

والمطلوب من الآباء والأمهات: أن يبذلوا أسباب هداية الدلالة والإرشاد، وأن يسألوا الله تعالى لأولادهم هداية الإلهام والتوفيق، فإذا نظر الإنسان إلى هؤلاء الأنبياء، ما استطاعوا هداية أقاربهم؛ نوحٌ ما استطاع هداية ابنه، محمدٌ ما استطاع هداية عمه، عليهم الصلاة والسلام جميعًا، فهذه الهداية لا يملكها إلا الله تعالى وحده جل وعلا.

وننتقل بعد ذلك إلى نماذج أخرى من قصص أنبياء آخرين:

إبراهيم الخليل

إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام هو أفضل الأنبياء بعد محمدٍ ، وهو خليل الرحمن، أثنى الله عليه في مواضع من كتابه، فقال: وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [البقرة:130]، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ [هود:75] إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]، وجعله الله تعالى خليلًا، فمنَّ عليه بمقام الخُلَّة، التي هي أرقى وأرفع مراتب ومقامات المحبة.

قصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام

وذكر الله تعالى له قصصًا عديدةً، ومن هذه القصص، قصةٌ عجيبةٌ، وهي قصته مع ابنه؛ فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يرزق بولدٍ، حتى قيل: إنه جاوز الثمانين عامًا لم يرزق، فبشرته الملائكة وبشرت امرأته، فتعجبت: قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ۝ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ [هود:72-73]، تصور فرحة إنسانٍ كبيرٍ في السن يرزق بابنٍ، وهو إسماعيل ، ثم إن إسماعيل كبر وترعرع، ووصل إلى أحسن سن يتعلق فيها الوالد بولده، ثم إن هذا الابن ابنٌ صالحٌ، وابن بارٌّ، وانظروا إلى موقفه الذي سنشير إليه الآن، يعني ليس ابنًا عاديًّا، في غاية البر والصلاح والطاعة لوالديه، فتصور تعلق هذا الاب بابنه يأتيه على كِبَرٍ، ثم يكون في غاية البر والطاعة، ويصل إلى أعلى سنٍّ وأحسن سنٍّ يتعلق فيها الأب بولده، فيبتلى بهذا البلاء العظيم: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ، فرؤيا الأنبياء حقٌّ، ماذا قال الولد الصالح؟ هل جزع؟ هل بكى؟ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]، فانظروا إلى تمام العبودية والامتثال لأمر الله

هذا هو والله البلاء العظيم؛ يرزق إنسانٌ على كِبَرٍ، وكان عقيمًا لا يولد له، ثم على كبرٍ يرزق بهذا الابن، وتتعلق نفسه به، وابن صالحٌ، وابن بارٌّ، ثم يؤمر بذبحه، هل هناك بلاءٌ أعظم من هذا؟! هذا والله هو البلاء المبين، وهو البلاء العظيم، ولكن نجح إبراهيم الخليل  في هذا الاختبار، فاستسلم هو وولده لأمر الله ، هذا موقفٌ تسكب فيه العبرات، موقفٌ عظيمٌ، موقفٌ عجيبٌ!

فلما تله وصرعه ليذبحه: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، قال إسماعيل : يا أبت، كُبَّني على وجهي؛ حتى لا ترى وجهي؛ فإني أخاف إن رأيت وجهي رحمتني، فتلَّه للجبين، وصرعه على وجهه، ليذبحه من قفاه، فلما أهوى بالسكين، ونجحا جميعًا في هذا الاختبار: وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ۝قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ۝إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ۝وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:104-106].

والْتفت فإذا هو بكبشٍ عظيمٍ، كبشٍ من الجنة، فذبحه فداءً عن ابنه إسماعيل ، فكانت سنةً للمؤمنين من بعده، ولذلك؛ شُرع لنا أن نضحي ونذبح الأضاحي؛ اقتداءً بأبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي افتدى بذبح هذا الكبش عن ابنه إسماعيل .

فانظروا -أيها الإخوة- إلى هذا الموقف العظيم، هذا الموقف العجيب، وكيف نجح هذا النبي في هذا الاختبار، وقدم محبة الله على محبة ابنه.

وهكذا إذا تعارضت محبة الله مع أي شيءٍ آخر فعليك أن تقدم محبة الله، تعارضت محبة الله مع محبة الأولاد، أو محبة الزوجة، أو محبة المال، أو محبة الجاه، أو أي شيءٍ، قدم محبة الله قدمها على أي شيءٍ آخر، عندما تَعرِض للإنسان مكاسب، لكنها من الحرام، فيكون الآن في اختبارٍ، هل يقدم محبة المال أو محبة الله فيتركها؟

وهكذا، الإنسان يعيش في اختبارٍ بين تقديم محبة الله ومحبة غيره، فجعل الله إبراهيم الخليل قدوةً لنا في تقديم محبته جل وعلا على محبة ابنه.

إبراهيم مع النُّمرود

موقف آخر لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وهو قد عاش في العراق، وكان يحكمها النُّمرود، الذي آتاه الله الملك، وبقي في ملكه -على ما قيل- أربعمئة سنةٍ، كانت أعمارهم طويلةً، فدعاه إبراهيم إلى عبادة الله وحده، فطلب من إبراهيم أن يَحضر إلى مجلسه، فسأله قال: من ربك؟ قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فكان قد ادعى مقام الربوبية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، فادعى مقام الربوبية: إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فأتى برجلين محكومٍ عليهما بالسجن، فذبح أحدهما وترك الآخر، وقال: أحييت هذا، وأمت هذا، مع أن هذا ليس بإحياءٍ، هذا مجرد أن أبقى هذا، وقتل هذا، لكن إبراهيم أراد ألا يدخل معه في جدلٍ، فانتقل إلى حجةٍ واضحةٍ لا يستطيع أن ينكرها: قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، إن كنت إلهًا ائتِ بها من المغرب، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، سكت وانقطعت حجته، ويقال: إنه أراد أن يقول: وربك اجعله يأت بها من المغرب، لكنه في قرارة نفسه يعرف أن إبراهيم صادقٌ، فخشي فعلًا أن الله يأتي بها من المغرب، فسكت وانقطعت حجته: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258].

إبراهيم ما دخل معه في جدلٍ، يعني كونه يأتي باثنين يقتل أحدهما ويترك الآخر، هذا ليس إحياءً ولا إماتةً، لكن لا يدخل معه في جدلٍ قال: اتركنا من هذا المثال، انتقَل لمثالٍ آخر: اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

وقصص إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام كثيرةٌ، ذكر الله تعالى جملةً منها في كتابه الكريم، لكنني أكتفي بهذا القدر منها.

موسى

ننتقل إلى نبيٍّ من أنبياء الله ، وهو موسى : وموسى أحد أولي العزم من الرسل، كليم الله تعالى، كلَّمه الله مباشرةً، وقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ مجرد تجلٍّ فقط جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:143]، وقد تكرر ذكر موسى عليه الصلاة والسلام في القرآن حتى ورد ذكره كثيرًا، وأمته من أعظم الأمم بعد أمة محمدٍ ، ومن أفضلها، ومن أكثر الأمم دخولًا للجنة بعد أمة محمدٍ ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: فالتفتُّ فإذا سوادٌ عظيمٌ قد سد الأفق، فظننت أنهم أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه [2].

مولد موسى ونشأته

وقد ذكر الله تعالى عنهم قصصًا كثيرةً، وعانى من بني إسرائيل، ومن عجيب قصته: أنه ولد وتربى في بيت فرعون، لما ولد، ولد في السنة التي يقتل فيها الولدان؛ فإنه قد قيل لفرعون: إن هناك رؤيا تدل على أن ملكك سيزول على يد أحد بني إسرائيل، فأصبح يقتل الولدان، ثم قال له مَن حوله: النساء لا طاقة لهن بالعمل، والولدان الآن يقتلون، فجعل يقتل الولدان سنةً، ويبقيهم سنةً، وكان من قدر الله أن ولد موسى في السنة التي يقتل فيها الولدان؛ ليس السنة التي لا يقتلون فيها، السنة التي يقتل فيها الوالدان، ليبين الله أنه لا يَرُد الحذر من القدر، وأوحى الله تعالى إلى أم موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص:7]، سبحان الله! يعني إذا خفت عليه ألقيه في اليم، نعم هذا هو أمر الله ، فأرضعته، وخافت عليه، وجعلته في تابوتٍ، وألقته في اليم، وربطته بحبلٍ، ثم انقطع هذا الحبل، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8]، ألقى الله تعالى محبةً على موسى ، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي [طه:39]، كل من رآه أحبه، سبحان الله! فلما رأته امرأة فرعون قالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص:9]، ويقال: إن فرعون لم يكن له أولادٌ، جاء عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: “أن امرأة فرعون لما قالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ، قال لها فرعون: يكون لك، أما أنا فلا حاجة لي فيه”، ولو أقر فرعون أن يكون قرة عينٍ له كما أقرت امرأته لهداه الله تعالى كما هداها، ولكن الله تعالى حرمه، فكان قرة عينٍ لامرأة فرعون، آسيا امرأة فرعون، وكان دخولها الجنة بسببه، وكان هلاكًا ودمارًا على فرعون.

بعد ذلك: لما التقطه آل فرعون، حرَّم الله عليه المراضع: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ [القصص:12]، يحاولون معه أن يرضع فيأبى، وجعل يبكي ويصرخ من شدة الجوع، وكلما قربوه من ثدي امرأةٍ يرفض ويبكي، وأما أم موسى فأصبح فؤادها فارغًا إن كادت لتبدي به لولا أن الله ربط على قلبها، فمَن عند فرعون يحتار؛ ماذا يفعلون مع هذا الطفل الذي يبكي ولا يقبل ثدي امرأةٍ؟ فقالوا: نخرجه إذنْ خارج القصر؛ لعلنا نجد له حلًّا، فقالت أم موسى لأخته: قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [القصص:11]، فأتت إليهم وقالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12]، فقالوا: من؟ في تشوفٍ إلى أن يقبل الرضاع، قالت: هنا امرأةٌ تكفله وهي له ناصحةٌ، قال بعضهم لبعضٍ: كيف عرفت أنها ناصحةٌ؟! شكُّوا في أمرها، لكنهم كانوا محتاجين: فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [القصص:13]، أرجع الله تعالى هذا الطفل إلى أمه ترضعه، وتقر عينها، ويعطيها فرعون أجرةً على إرضاعه.

سبحان الله! انظر إلى تدبير العزيز الحكيم، فترضعه أمه، وتقر عينها به، ومع ذلك تأخذ أجرًا على إرضاعه، ويتربى في قصر فرعون، ولما بلغ أشده واستوى، آتاه الله تعالى حُكمًا وعلمًا، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ [القصص:15]، موسى ساعده، لكن وكزه فمات من غير قصدٍ، لما أراد مساعدته وكزه فمات، ولم يعلم بذلك أحدٌ، لكن لما كان اليوم الثاني، إذا بهذا الرجل الذي كان أمس في خصومةٍ مع أحدهم أيضًا يتخاصم مع رجلٍ آخر، قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ [القصص:18]، صاحب مشاكل، كل يومٍ لك مشكلةٌ، قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ [القصص:19]، أشاع الخبر، فانتشر الخبر في المدينة، فجعل آل فرعون يأتمرون بموسى ليقتلوه، فأتى رجلٌ ناصحٌ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ۝فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:20-21].

خروجه إلى مَدْيَنَ ومكثه فيها

قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [القصص:22]، فورد ماء مدين ووجد عليه أمةً من الناس تسقي، ووجد امرأتين تذودان، يعني: جالستان ينتظران حتى ينتهي الناس، قَالَ مَا خَطْبُكُمَا أي: ماذا؟ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23]، ما عندنا رجالٌ، ما عندنا إلا شيخٌ كبيرٌ، ونحن لا نريد أن نختلط بالرجال ونزاحمهم، فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، دعا الله تعالى دعوةً واحدةً، سبحان الله! انظر إلى أثر هذه الدعوة، كان بسببها أن تهيأ له الأمن والسكن، والطعام والشراب والزوجة، بسبب دعوةٍ واحدةٍ، انظر إلى عظيم أثر الدعاء!

فقالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ۝فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أخبره موسى عليه السلام بكل شيءٍ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:24-25].

إحدى هاتين البنتين أعجبها موسى إعجابًا عظيمًا، قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26]، كيف عرفت أنه قويٌّ أمينٌ؟ قويٌّ، لمَّا رأت أنه سقى لهما، وزاحم الناس، وأخذ من البئر الماء، وسقى لهما، وأمينٌ، لم ينظر إليها، غض البصر، ولما نادته إلى أبيها أمرها أن تمشي خلفه، وأن يكون هو أمامها، وقال إذا أردت أن ألف يمينًا أرمي حصاةً من هنا، ويسارًا أرمي حصاةً من هنا، يعني في منتهى العفة والأمانة، فأعجبت به، وأعجب به أبوها، وهو لم يثبت أنه نبي الله شعيبٌ، لكن رجلٌ صالحٌ، يقال: إن اسمه شعيبٌ، لكن ليس هو النبي، ليس هو نبي الله شعيبًا؛ لأن بين موسى وشعيبٍ عليهما السلام سنين طويلةً.

قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ [القصص:27]، أن أزوجك، لكن المهر على أن تأجرني ثماني حججٍ، يعني: ترعى الغنم عندي ثمان سنين، هذا هو المهر، وإن أتممت عشرًا فمن عندك، يعني: جعلتها عشر سنين، فهذا تبرعٌ من عندك، فقبل موسى ، وهذا يدل على أن المهور عندهم كثيرةٌ أم قليلةٌ؟ أجرة الراعي لمدة ثمان سنين، وموسى أخذ أكمل الأجلين؛ جعلها عشر سنين، أجرة الراعي عشر سنين مهرٌ قليلٌ أم كثيرٌ؟ نعم كثيرٌ جدًّا، كثيرٌ لكن يظهر أن هذه هي المهور عندهم، فبقي موسى عشر سنين يرعى الغنم، وما من نبي إلا رعى الغنم، ومن حكمة الله أن النبي يتدرب على سياسة أمته؛ لأن الأغنام يكون فيها… هذه تذهب، وهذه تشرد، وهذه تحتاج إلى…، فيها الأغنام التي تتمرد على الراعي، وأغنامٌ تكون هادئةً، فيتمرن في رعيها وفي سياستها، قبل أن يلي سياسة البشر والناس، ولذلك ما من نبيٍّ إلا ورعى الغنم فزوجه ابنته، زوجه ابنته ثم بعد ذلك سار بأهله، وآنس من جانب الطور نارًا، فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ [القصص:29]، وإذا بهذه النار نورٌ، ليس نارًا، بل هو نور الرب ، كلمه الله قال: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه:12]، وقال: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ۝قَالَ هِيَ عَصَايَ [طه:18]، عصًا، قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ [طه:19]، سبحان الله! عصًا لما ألقاها إذا هي حيةٌ تسعى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [طه:20]، كَأَنَّهَا جَانٌّ [النمل:10]، خاف موسى وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ [النمل:10]، ناده الله تعالى: يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ [القصص:31]، كان هذا كالتجربة له، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ [طه:22].

دعوة موسى  لفرعون

وأمره الله تعالى أن يذهب إلى فرعون، فرعون أكبر طاغيةٍ في التاريخ، يبطش، ويقتل، وجبارٌ، ويسجن، موسى خاف، كيف يذهب إلى هذا الطاغية؟! فطلب من الله أن يجعل معه أخاه هارون، قيل: إن هذه أعظم شفاعةٍ في التاريخ، فاستجاب الله له، وجعل معه أخاه هارون ، وأمرهما أن يذهبا إلى فرعون وأن يقولا له قولًا لينًا، مع أنه أكبر طاغيةٍ في التاريخ، لكن النفوس مجبولةٌ على النفور من الغلظة والشدة، ولا يمكن أن تقبل إلا باللين والرفق، فرعون اتهم موسى بالسحر، قال: هل عندك من آيةٍ، لما دعاه موسى، موسى ألقى عصاه، فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [طه:20]، قال: إن هذا ساحرٌ، وزينه له الملأ -مَن عنده- أن يأتي بالسحرة، وكان قوم فرعون قد اشتَهَروا بالسحر، سبحان الله! فكانت آية موسى من جنس ما اشتهروا به.

جمَع فرعون جميع سحرة العالم، وأعظم سحرةٍ في العالم، وطلبوا من فرعون الأجر: قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ۝قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الأعراف:113-114]، فألقوا سحرهم فإذا موسى…، موسى نفسه خاف، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ۝قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ۝وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ [طه:67-69]، فألقى ما في يمينه فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [طه:20]، تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الأعراف:117]، السحرة يعرفون السحر، وأن السحر يخيِّل إلى الناس، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [طه:66]، لكنهم رأوا شيئًا ليس سحرًا، رأوا حيةً حقيقيةً، تلقف ما يأفكون، وكان موسى قبل ذلك وعظهم، قال لهم موسى: وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ [طه:61]، فلما رأوا هذه الحية الحقيقية، ليست سحرًا، وتلقف ما يأفكون، آمنوا بالله، فخروا سجدًا لرب العالمين، قال فرعون هذه مؤامرةٌ، إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه:71]، إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:123]، فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، قالوا: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ [طه:72]، افعل ما تشاء.

انظر إلى هذا الإيمان العظيم، سبحان الله! أصبحوا سحرةً، بل أعظم سحرةٍ في الدنيا، وأمسَوا مؤمنين، يهددهم فرعون بأنه سيقتلهم، سيصلبهم ويجعلهم في جذوع النخل، إلا أنهم آمنوا هذا الإيمان العظيم، العجيب -سبحان الله! وبالفعل قتلهم فرعون وصلبهم- أبوا أن يتراجعوا، قالوا: لا ضير، فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]، كلها دنيا، افعل ما تشاء، في يومٍ واحدٍ سبحان الله! انظر إلى هذا الإيمان القوي العميق العجيب، في يومٍ واحدٍ أصبحوا أعظم سحرةٍ في الدنيا، وأمسوا مؤمنين، وهذا يدل -أيها الأخوة- على أن الإيمان إذا دخل القلب يفعل الأعاجيب، فانظر إلى حال سحرة فرعون، كيف آمنوا هذا الإيمان العظيم، يهددهم أكبر طاغيةٍ في التاريخ بأنه ليس فقط سيقتلهم، بل يصلبهم على جذوع النخل، ومع ذلك ثبتوا على موقفهم، وقالوا: اقض ما أنت قاض، افعل ما تشاء، قَالُوا لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ [الشعراء:50]، فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۝إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ [طه:72-73]، سبحان الله! فامسوا مؤمنين هذا الإيمان العظيم، فانظروا إلى عظمة هذا الموقف.

وأكتفي بهذا القدر في قصص موسى .

ننتقل بعد ذلك للحديث عن نبيَّين: أحدهما مثالٌ للفقير الصابر، والآخر مثالٌ للغني الشاكر.

وكما ذكرت في مقدمة المحاضرة: أن الله جعل الأنبياء قدواتٍ للبشر؛ فمنهم الفقير، ومنهم الغني، ومنهم…، فجعلهم قدوات.

أيوب

أما النبي الذي هو مثالٌ للفقير الصابر، فهو أيوب عليه الصلاة والسلام، أيوب كان كثير المال، وآتاه الله الصحة والغنى وكثرة الأولاد، ثم ابتلاه الله ، فذهبت أمواله كلها، ثم ابتلاه الله تعالى ابتلاءً آخر، وهو المرض، أصابه مرضٌ شديدٌ أقعده على فراشه، وأصبح لا يتحرك منه إلا لسانه، يذكر الله تعالى طيلة وقته، وتركه الناس، تركه القريب والصديق، وكثيرٌ من الناس أهل مصالح، إذا كانوا يرجون من الإنسان مصلحةً اقتربوا منه، وإذا كانوا لا يرجون منه مصلحةً تركوه، تركه الناس، لم يبق معه في الدنيا إلا زوجته، وكانت كل يومٍ تذهب وتخدم؛ لأجل أن تشتري طعامًا تطعم به هذا الرجل المبتلى، وذات يومٍ لم تجد عملًا، ولم تجد طعامًا، فقامت وقصَّت شيئًا من شعرها؛ لتبيعه وتشتري به خبزًا، فعلم بذلك أيوب، فحلف بالله إن شفاه الله أن يجلدها مئة جلدةٍ.

بقي على هذا البلاء، يقال: ثماني عشرة سنةً، على فراشه، وصبر ولم يجزع، وهو يذكر الله تعالى، حتى مر به رجلان، وقالوا: إن أيوب أذنب ذنبًا عظيمًا، كيف ثماني عشرة سنةً ما شفاه الله تعالى، لما سمع قولهما نادى الله : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب برجلك هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص:42]، فنبعت عينٌ تحت رجله فاغتسل منها، لما اغتسل منها -وزوجته لم تكن موجودةً- لما أتت إذا بهذا الرجل على هيئةٍ حسنةٍ، وإذا به يمشي، ولم تجد أيوب ، جعلت تبحث عنه، قالت: هل رأيت هذا الرجل المبتلى؟ أين ذهب؟ فإنه والله يشبهك، قال: أنا أيوب، شفاني الله ، فشفاه الله تعالى، ووهب له أهله ومثلهم معهم رحمةً من عند الله تعالى وذكرى لأولي الألباب: وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [ص:43].

طيب، بقي الآن حلفه، لما حلف بالله تعالى إن شفاه الله أن يضرب امرأته مئة جلدةٍ، أفتاه الله تعالى.

طيب، كان بإمكانه أن يكفر كفارة يمينٍ، لماذا لم يكفر كفارة يمينٍ؟ قال الله تعالى: خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ [ص:44]، الضِّغث: هو شِمراخ النخل، فيه مئة من هذه الأغصان، التي هي الشمراخ، يضرب بها مرةً واحدةً، هذه فتوى من الله له: خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ.

طيب لماذا لم يكفر كفارة يمينٍ؟ ولا حاجة إلى أن يأخذ هذا الضغث ويضرب به؟

لم تكن كفارة اليمين قد شرعت في وقته، فأفتاه الله تعالى، فأخذ هذا الشمراخ وضرب بها مرةً واحدةً تَحِلَّةَ القَسَم، وجعله الله تعالى مثالًا للصابرين، وأصبح يضرب به المثل، يقال: “صبر أيوب” عليه الصلاة والسلام، فهو مثال للفقير الصابر.

سليمان بن داود عليهما السلام

ننتقل لمثالٍ آخر، نموذجٍ آخر من الأنبياء، هو مثالٌ للغني الشاكر: وهو سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص:35]، فأعطاه الله تعالى أولاً الملك، وسخر له الطير والجن، وأيضًا الرِّيْحَ جْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36].

وذات مرةٍ -ذكر هذه القصة بعض المفسرين- كان على بساط الريح، وكان -إذا سار على بساط الريح- له موكبٌ عظيمٌ، معه الإنس والجن والطير، موكبٌ عظيمٌ، فكان مرةً على بساط الريح فحجب ضوء الشمس، وكان رجلٌ فلاحٌ في مزرعته، لما مر موكب سليمان عرفه؛ لأنه حجب الشمس، ويعرفون أن هذا سليمان، وأن هذا موكبه، قال: سبحان الله! لقد أعطى الله ابن داود مُلكًا عظيمًا، سمع سليمان هذه الكلمة فنزل، ودعا الرجل، خاف هذا الرجل، قال: أسألك ماذا قلت؟ قال أبدًا، قلت: سبحان الله! لقد أعطى الله ابن داود ملكًا عظيمًا، قال: أتدري أن كلمة “سبحان الله” خيرٌ مما أعطي ابن داود كله، “سبحان الله” تبقى، وملك ابن داود يفنى، ومصداق هذا قول النبي : لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس [3].

وكان يسوس مملكته سياسةً عظيمةً ويتفقدها، فذات مرةٍ تفقد الطير فلم يجد الهدهد، سأل عن الهدهد، قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ۝ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل:21-22].

انظر إلى العدل والإنصاف، ما قال أعذبه، وسكت، أو حتى إذا كان له حجةٌ أو عذرٌ يأتي به، فمكث غير بعيدٍ، قال الهدهد: أحطت بما لم تحط به، سبحان الله! مع أنه طيرٌ صغيرٌ يقول لسليمان : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، “سبأٌ” كانوا في اليمن، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ملكتهم امرأةٌ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ من الجواهر، ومن كل شيءٍ من أمور الدنيا، وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ۝ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ [النمل:23-24]، فاستنكر الهدهد بفطرته أنهم يسجدون للشمس من دون الله، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، سليمان استعظم هذا قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، كتب سليمان كتابًا لملكة سبأٍ: إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ۝ ألَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:30-31]، وأعطاه الهدهد، أخذ الهدهد هذا الكتاب بمنقاره، وألقاه على بلقيس ملكة سبأٍ وجعل ينتظر.

قالت: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ۝ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ۝ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:29-31]، فأرادت أن تختبر سليمان هل هو ملكٌ أو نبيٌّ؟ قالت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ[النمل:35]، كانت امرأةً أيضًا عاقلةً، وعندها حكمةٌ، وإن كانت تسجد للشمس، لكن لما تبين لها الحق تركت السجود للشمس، وعبدت الله ​​​​​​​، فأرسلت هدية لسليمان من الجواهر العظيمة، فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ۝ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ [النمل:36-37]، فخافت وأرادت أن تأتي إلى سليمان ، قال سليمان للملأ حوله يعني لمن حوله: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ۝ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ، يقال: إن حجمه كالجبل، عفريتٌ ضخمٌ جدًّا من الجن، كان جالسًا في مجلس سليمان قال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، كان يجلس من بعد طلوع الشمس إلى قريبٍ من الظهر، فيقول: أنا آتيك به، قبل آذان الظهر آتيك به، وإني عليه لقويٌّ أمينٌ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ رجلٌ من الإنس لكنه عنده علمٌ من الكتاب، كان يعرف اسم الله الأعظم، دعا الله باسمه الأعظم، قال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل:38-40]، في نفس اللحظة، فدعا الله باسمه الأعظم أن يؤتى بعرش بلقيس الآن، فحملته الملائكة فأتت به في نفس اللحظة.

اسم الله الأعظم هو: الاسم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، قد اختلف فيه؛ قيل: إنه الحي القيوم، وقيل: إنه كلمة التوحيد “الله لا إله إلا هو”، وقيل غير ذلك، لكن هذا الرجل كان يعرف اسم الله الأعظم فدعا الله باسمه الأعظم فأحضرته الملائكة: قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ۝ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ [النمل:40-41]، أُتي بعرشها، ونكر لها عرشها، أي غير فيه بعض التغييرات، كانت امرأةً ذكيةً، قيل لها: أهكذا عرشك؟ لم تقل: هو عرشي، ولم تقل: ليس عرشي، قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ [النمل:42]، قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ، أراد أيضًا سليمان أن يبين لها أن ما عنده أعظم مما عندها، وكان هناك بناءٌ من زجاجٍ، مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ، والماء فيه، كأن الماء يجري من تحتها، فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا [النمل:44]، ثم أسلمت لله رب العالمين.

فجعل الله تعالى سليمان مثالًا للغني الشاكر، وسخر الله تعالى له الجن، والإنس، والطير، ولكنه لم يغتر بما عنده من الملك، بل شكر الله تعالى، وكان عظيم العبادة لربه سبحانه، وعظيم الشكر، فجعله الله تعالى مثالًا للغني الشاكر، وقدوة للأغنياء لكي يشكروا الله ​​​​​​​ على ما أنعم به عليهم.

زكريا

نأخذ مثالًا آخر، أو نموذجًا آخر من سير الأنبياء، وهي كثيرةٌ، نأخذ زكريا : زكريا تقدمت به السن، واشتعل الرأس شيبًا، وكانت امرأته عاقرًا لا تلد، ولما كانت مريم عليها السلام في كفالته، لمَّا اقترع مع بني إسرائيل: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران:44]، فكفلها زكريا ، وكان زوج خالتها، وكانت نذرت امرأة عمران أن تجعل ما في بطنها محررًا لخدمة بيت المقدس، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ [آل عمران:36]، كانت ترغب أن يكون ذكرًا، ووضعتها أنثى، فبقيت في خدمة بيت المقدس، وأجرى الله لها كرامةً، فكانت تأتيها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فاكهة عظيمةٌ من أحسن الفواكه، قال لها زكريا : يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37]، فتاقت نفس زكريا للولد، قال: رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [الأنبياء:89]، ونادى ربه نداءً خفيًّا: إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا۝قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا۝وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا [مريم:3-5]، وطلب من الله أن يجعل له آيةً: قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [آل عمران:41]، فأصبح لا يتكلم إلا أن يذكر الله ، ويشير لهم إشارةً، فرزقه الله تعالى بيحيى، وجعله نبيًّا، ثم إن يحيى عليه الصلاة والسلام قتله اليهود، قد كانوا يقتلون الأنبياء بغير حقٍّ، قتله اليهود بعد ذلك، عليه وعلى أبيه وعلى أنبياء الله تعالى صلوات الله وسلامه.

محمد بن عبدالله

وآخر الأنبياء هو محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، وقد ولد عام الفيل، وهو العام الذي أرسل فيه أبرهة الحبشي جيشًا فيه فِيَلةٌ لهدم الكعبة؛ لكي ينتقل الناس من الكعبة من مكة إلى اليمن، بنى له بيتًا في اليمن، ويريد من الناس أن يحجوا في اليمن بدل مكة، فلما وصل إلى الحرم إلى مكانٍ يقال له: المغمس، وليس وادي محسر، مشى عند بعض الناس من المكان الذي هلك فيه أصحاب الفيل، وادي محسر غير صحيحٍ، هو المغمس، جعل قائد الفيلة إذا وُجه إلى مكة لا يتجه، إذا وُجه إلى غير مكة مشى، سبحان الله! وهو حيوانٌ، بعد ذلك أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ۝فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ [الفيل:4-5].

ولد النبي في ذلك العام، ونشأ يتيم الأبوين، مات أبوه وهو في بطن أمه، ثم ماتت أمه، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات جده فكفله عمه، ثم بعد ذلك مات عمه، ثم ماتت زوجته خديجة، ثم مات جميع أبناؤه وبناته في حياته ما عدا فاطمة.

سبحان الله! تصور مات أبوه وأمه وجده وعمه وزوجته وأبناؤه وبناته، إلا بنتًا واحدةً، وهي فاطمة، ومع ذلك هو سيد البشر، وسيد الأولين والآخرين، وما ضره عليه الصلاة والسلام، سبحان الله!

ومكث في البعثة والرسالة ثلاثًا وعشرين سنةً، بعث وعمره أربعون، وتوفي وعمره ثلاثٌ وستون، بقي ثلاث عشرة سنةً في مكة يدعو الناس إلى تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله ، لم يَدْعُ الناس في تلك الفترة للصلاة والصيام والزكاة والحج، أبدًا، يقول: يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا [4].

ثم بعد ذلك لما أذن الله له في الهجرة، هاجر من مكة إلى المدينة، فشرعت بقية الشرائع، ثم لا تكاد تمر به سنةٌ إلا وفيها غزوةٌ، فكانت حياته حياة جهادٍ ومجاهدةٍ، وصبرٍ ومصابرةٍ، عليه الصلاة والسلام، وقد خُيِّر أن يعطَى خزائن الأرض، أو أن يعيش نبيًّا، يجوع يومًا ويشبع يومًا، فاختار الثاني، وتمر عليه الأيام كما تقول عائشة رضي الله عنها: “يمر علينا الهلال ثم الهلال ثم الهلال، وما أوقد في بيته نارٌ” [5]، ولكن في آخر حياته عليه الصلاة والسلام أغناه الله تعالى من الغنائم، وجاء عند أصحاب السنن من حديث لقيط بن صبرة  الحديث المشهور الذي هو: بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا [6]، وجاء فيه: أن النبي لما لقيه لقيطٌ، وكان معه الراعي، فأمر الراعي أن يذبح واحدةً من الغنم، وقال للقيطٍ: إنا لم نذبح لأجلك، إن عندنا مئةً من الغنم، كلما نتجت واحدة، ذبحنا مكانها أخرى، ولا نريد أن تزيد على المئة، كلما نتجت هذه المئة نتاجًا ذبحنا مكانها واحدةً، فأغناه الله تعالى.

فهو عليه الصلاة والسلام قدوةٌ لنا جميعًا في الصبر، وفي الشكر، وفي العبادة، وفي حسن الخلق، وفي كل شيءٍ عليه الصلاة والسلام، جعله الله تعالى أسوةً للمؤمنين: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

وأما مواقفه عليه الصلاة والسلام وسيرته، فهذه يطول المقام في الحديث عنها، وعن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لكن حسبنا أن ذكرنا إشاراتٍ لبعض مواقف وسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمدٍ وعلى سائر الأنبياء والرسل أجمعين.

اللهم احشرنا في زمرتهم يا رب العالمين، واجمعنا بهم في جنات النعيم، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نسألك أن تستعملنا في طاعتك، وأن توفقنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال، وأن تعيننا على ذكرك، وعلى شكرك، وعلى طاعتك، وعلى حسن عبادتك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 3884.
2 رواه البخاري: 5705، ومسلم: 220، 5752.
3 رواه مسلم: 2695.
4 رواه أحمد:16023.
5 رواه البخاري: 2567، ومسلم: 2972.
6 رواه أبو داود: 142، والترمذي: 788، والنسائي: 87، وابن ماجه: 407.

مواد ذات صلة