الرئيسية/محاضرات/تفسير قوله تعالى: “وهو اللطيف الخبير”
|

تفسير قوله تعالى: “وهو اللطيف الخبير”

مشاهدة من الموقع

الحمد لله الذي شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته، وأقرت له بالألوهية جميع مصنوعاته، وشهدت بأنه الله الذي لا إله إلا هو بما أودعها من عجائب صنعته، وبدائع آياته، سبحت له السماوات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والبحار وحيتانها، والنجوم والجبال والشجر والدواب والآكام والرمال، وكل رطب ويابس، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44].

أهمية معرفة أسماء الله الحسنى

أيها الأخوة في الله: إن من أعظم النعم التي ينعم الله تعالى بها على العبد نعمة الإيمان، يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات:17]؛ فنعمة الإيمان من أعظم النعم أن الله يوفق العبد لهذه النعمة، وهذا الإيمان هو عند أهل السنة والجماعة يزيد وينقص، فليس على وتيرة واحدة، وإنما هو يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان؛ ولهذا قال : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]، فإيمان المؤمن يزيد بالطاعات، وأيضًا ينقص بالمعاصي.

ولهذا ينبغي أن يتعرف المسلم على أسباب زيادة الإيمان، وأن يحرص عليها، حتى يرتفع مستوى الإيمان عنده، والحديث في هذه المحاضرة هو عن أمر عظيم، ومن أعظم أسباب زيادة الإيمان، هو من أعظم المطالب وأهمها، ومن أعظم الينابيع لقوة الإيمان ألا وهو:

معرفة أسماء الله تعالى الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبد لله تعالى بها، كما قال ربنا : وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180].

أخرج البخاري ومسلم في صححيهما عن أبي هريرة  أن النبي  قال: إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا؛ من أحصاها دخل الجنة [1].

تسعة وتسعين اسمًا من أسماء الله الحسنى من أحصاها دخل الجنة أي: من حفظها، وفهم معانيها ومدلولها، وأثنى على الله تعالى بها، وسأله بها، واعتقدها دخل الجنة والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون، فعلم أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته.

وهنا في هذا الحديث قال: إن لله تسعة وتسعين اسمًا هل هذا يدل على انحصار أسماء الله في هذا الأسماء التسعة والتسعين؟

لا، فأسماء الله تعالى كثيرة، لا تنحصر في هذه التسعة والتسعين، لكن هذه الأسماء التسعة والتسعون من أحصاها دخل الجنة؛ ولهذا كان النبي في دعائه يقول: اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك [2].

فهذا يدل على أن أسماء الله كثيرة، ولا تنحصر في هذه التسعة والتسعين اسمًا، وكلما ازداد المؤمن معرفة بأسماء الله تعالى وصفاته ازداد إيمانه وقوي يقينه.

فينبغي -أيها الأخوة-: أن يبذل المسلم جهده ومستطاعه في معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله من غير تحريف ولا تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل، بل تكون هذه المعرفة متلقاة من الكتاب والسنة، وما روي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه المعرفة هي التي لا يزال صاحبها في زيادة في إيمانه، وقوة في يقينه، وطمأنينة في أحواله، ومحبة لربه ، فإن من عرف الله تعالى بأسمائه وصفاته أحبه لا محالة.

وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] وهذا يدل على أنه ينبغي لمن يدعو الله أن يدعوه بأسمائه الحسنى، وأن يحرص على أن يدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى وبصفاته العليا جل وعلا.

إن أسماء الله تعالى كلها مدائح وثناء تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها، وتعجز العقول عن الإحاطة بها، لله مدائح ومحامد، وله أنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر، ولا هجست في الضمائر؛ ولهذا جاء في حديث الشفاعة الطويل عندما: يجمع الله الأولين والأخريين في يوم مقداره خمسين ألف سنة، ويناله من الغم والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون، فيأتون لأبينا آدم، ويطلبون منه الشفاعة، فيعتذر، ثم يأتون إلى نوح فيعتذر، ثم إبراهيم فيعتذر، ثم موسى فيعتذر، ثم عيسى فيعتذر، ثم يأتون إلى نبينا محمد فيقول: أنا لها أنا لها ويسجد تحت العرش، ويفتح الله تعالى عليه من محامده وحسن الثناء عليه شيء عظيم جدًّا، يقول عليه الصلاة والسلام: لا أحسنه الآن يفتح الله عليه من محامد الله ​​​​​​​، والثناء على الله شيء عظيم جدًّا ثم بعد ذلك يقول الله له: يا محمد: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع [3].

فدل هذا على أن الداعي عندما يدعو الله ، ويقدم بين يدي دعائه الثناء على الله سبحانه وتعظيمه وتمجيده، والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا: أن هذا من أسباب إجابة الدعاء.

ولهذا جاء في الصحيحين أن النبي قال: لا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى، من أجل ذلك أثنى على نفسه [4].

فالله سبحانه يحب أن يحمد، وأن يمدح، وأن يثنى عليه، وأن يمجد، وهو المستحق للحمد، وهو المستحق للثناء والمجد جل وعلا؛ ولهذا كان نبينا يقول في سجوده: وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك [5].

فلا يحصي أحد من خلقه ثناءً عليه سبحانه، فله أسماء وأوصاف وحمد وثناء لا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه أدنى من نسبة نقرة عصفور في بحر؛ ولهذا لما ذهب موسى  يطلب الخضر، وذكره في القصة التي قصها الله تعالى علينا في سورة الكهف، أتى عصفور ونقر في البحر نقرة، فقال الخضر لموسى: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر [6].

فينبغي أن يحرص المسلم على معرفة أسماء الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة، وأن يفهم معانيها، وأن يتعبد لله بها، فإنه سبحانه يحب المتعبدين له بأسمائه، ويحب من يسأله، ويدعوه بها جل وعلا.

وقفات مع بعض أسماء الله الحسنى

ولعل الحديث في هذه المحاضرة تتحدث عن بعض معاني أسماء الله الحسنى، ثم نركز بعد ذلك على ما ذكر في العنوان: اللطيف الخبير.

فالله هو الله الذي تألهه القلوب بالمحبة والود والتعظيم، وهو الرحمن الرحيم، هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، فما من نعمة وجدت إلا من رحمته، وما من نقمت دفعت إلا من آثار رحمته جل وعلا، هو الرحمن الرحمة الواسعة، وهو الرحيم بعباده المؤمنين جل وعلا، رحمته وسعت كل شيء.

ولله تعالى مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلق، وادخر تسعة وتسعين منها إلى يوم القيامة [7]؛ فما أعظم رحمة الله بعباده!

وهو الملك: مالك العالم كله علوه وسفله، لا يتحرك متحرك إلا بعلمه، ولا يسكن ساكن إلا بعلمه وإرادته جل وعلا.

وهو القدوس الذي تقدس عن النقائص والعيوب، وما من صفة كمال ومدح لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو أولى بها جل وعلا.

خلق السماوات بما فيها من النجوم والأفلاك، وخلق الأرض بما فيها من البحار والأشجار والجبال والمصالح والأقوات، خلق ذلك وما بين السماوات والأرض في ستة أيام، ولو شاء لخلقها في لحظة، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] وما مسه من لغوب ولا تعب جل وعلا.

وهو سبحانه القدير: ذو القدرة الكاملة، فما كان الله تعالى ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

أرأيتم كيف خلق هذا الخلق العظيم بأرضه وسمائه وشمسه وقمره وبحره وبره ووهاده وجباله وأنهاره وبحاره وأشجاره ورطبه ويابسه، وظاهره وباطنه، خلق ذلك على أحسن نظام وأتمه لمصالح العباد، خلقه جلا وعلا في ستة أيام، ولو شاء لخلقه في لحظه، لكنه سبحانه حكيم يقدر الأمور بأسبابها، وإن ما غاب عنا من مشاهد قدرته جل وعلا أعظم وأعظم وأعظم بكثير مما نشاهد.

فالإنسان في هذه الأرض الواسعة التي نراها كبيرة واسعة هي في هذا الكون كحبة رمل في صحراء واسعة شاسعة، وقد جاء في الحديث: أن السماوات السبع والأرضيين بالنسبة للكرسي الذي وسع السماوات والأرض كحلقة ألقيت في أرض فلاة [8] أي: في صحراء، حلقة ألقيت في صحراء، سبحان الله!

والكرسي كما قال ابن عباس : “وهو موضع قدمي الرب [9] ونسبة الكرسي إلى العرش كحلقة ألقيت في أرض فلاة، سبحان الله! فسبحان الله العظيم! في هذا الكون ملايين بل بلايين الأجرام السماوية، وما هي الأرض التي نعيش عليها بما نرى من عظمة الخلق فيها، وبما عليها من البحار والأنهار والجبال والأشجار بالنسبة لملك الله تعالى كحبة رمل في صحراء شاسعة واسعة.

وأما ما في السماوات فشيء عجب، يقول النبي : أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما من موضع أربع أصابع، إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى أو قائمًا [10].

وأخرج أبو داود بسند جيد أن النبي قال: أُذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش الثمانية، وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17] ما بين أذنه إلى عاتقة مسيرة سبعمائة سنة [11] وإذا كانت هذه عظمة مخلوق، فكيف بعظمة الخالق؟!

وجاء في الصحيحين أن النبي قال في حديث المعراج بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: ثم رفع بي إلى البيت المعمور، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف من الملائكة، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة [12] كل يوم يدخله سبعون ألف من الملائكة، ولما ذكر النبي جبريل، ذكر أن له ستمائة جناح، قد سد الأُفق [13]. فانظروا إلى هذه العظمة للرب ، وهو سبحانه العظيم الذي هو على كل شيء قدير.

وهذا المعنى وهو عظمة الله سبحانه، وأن الله لا يعجزه شيء، وأنه على كل شيء قدير، قد تكرر في القرآن الكريم كثيرًا، وبأساليب متنوعة؛ لأن الإنسان إذا اعتقد واستقر لديه هذا المعنى، تعلق قلبه بالله سبحانه، إذا استحضر أن الله تعالى هو العظيم الذي لا يعجزه شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إذا أراد شيئًا، فإنما يقول له: كن فيكون يتعلق قلبه بهذا الرب العظيم الجليل جل وعلا.

وهو سبحانه الحي القيوم، وقيل: إنه اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، هو الحي الكامل في حياته حياة لم يسبقها عدم، ولا يلحقها زوال، هو الحي الذي لا يموت، وهو الباقي، وكل من عليها فانٍ، فحياة الله حياة كاملة، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء جل وعلا.

وهو القيوم: الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع خلقه، وهو القائم على عباده، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: يا عبادي، لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر [14].

وللقيوم معنى آخر، وهو القائم على غيره، فكل من في السماوات والأرض مضطر إليه غاية الاضطرار، لا قيام له ولا ثبات ولا وجود إلا بالله وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم:25].

وقد فطرت القلوب على معرفة ربها وخالقها وبارئها جل وعلا؛ ولهذا فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام بُعثوا بدعوة الناس إلى تحقيق التوحيد لله سبحانه وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] وليس لأجل تعريف الناس بالله؛ لأن الأمم السابقة كانت تعرف الله سبحانه، تعرف الله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25].

فالناس يعرفون الله تعالى بفطرتهم، معرفة الله مركوزة في الفطر؛ وذلك أن الإنسان عندما يرى هذا الكون العظيم الفسيح يتساءل من الذي خلق هذا الكون؟ الإنسان لم يخلق نفسه، هل أنت خلقت نفسك؟ لو أنك خلقت نفسك لاخترت وجهًا غير هذا الوجه، واخترت عينين غير هاتين العينين، واخترت أنفًا غير هذا الأنف، واخترت جسدًا غير هذا الجسد، إذا أنت لم تخلق نفسك من الذي خلقك؟ هل خلقت من غير شيء؟ لا يمكن أن تخلق من غير شيء، وأنت لم تخلق نفسك، إذًا من الذي خلقك؟ إذًا التفت عن يمينك وعن يسارك تجد جمادات لا عقل فيها، فكيف يمنح العقل من لا عقل فيه؟ ترى جبالًا، ترى أشجارًا، ترى نباتات، ترى خلقًا لا عقل له، فكيف يمنح العقل من لا عقل له؟ إذًا لا بد أن يكون هناك خالق عظيم مدبر لهذا الكون، ولا بد لهذا الخالق العظيم أن يخبر عن نفسه أن يقول للخلق: أنا الخالق، أنا ربكم، أنا الإله، هل هناك أحد غير الله قال: أنا الخالق لهذا الكون؟ أبدًا، هل في أحد قال: أنا الذي خلقت السماوات والأرض، وخلقت الناس، وخلقت هذا الكون؟ أبدًا، لم يقل: أنا الخالق إلا الله ، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [طه:14]، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255].

لو كان هناك إله غير الله أين هو؟ وهو يسمع أن الله يقول: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، لو كان هناك إله غير الله أين هو؟ إن كان لا يعلم بأن الله يقول: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [طه:14] إن كان لا يعلم فهو لا يستحق أن يكون إلهًا، وإن كان يعلم وهو عاجز عن أن يخبر عن نفسه، ويقول: أنا ربكم، وأنا الخالق، وأنا الإله، فهو أيضًا لا يستحق أن يكون إلهًا، فتعيّن إذًا أن لا إله إلا الله.

فالله تعالى يعرفه الناس بفطرتهم، معرفته مركوزة في الفطر؛ ولهذا ذكر أن أحد السلف لما رأى من يقيم ألف دليل على وجود الله قال: سبحان الله! المسألة لا تحتاج إلى ألف دليل، دليل واحد ويكفي، قال: ما هو؟ قال: لو كنت تسير في مكان خالٍ ليس معك أحد، ثم وقعت في بئر مظلمة، ماذا تقول؟ تقول: يا الله، أي إنسان حتى لو كان ملحدًا لو حصل له هذا الموقف، يقول: يا الله، فمعرفة الله مركوزة في الفطر، والناس يعرفون الله تعالى بفطرتهم، لكن حصل انحراف في العبادة، فأرسل الله تعالى الرسل لتصحيح العبادة، وتحقيق التوحيد لله ، فالله هو الإله الذي تألهه القلوب بالمحبة والود والتعظيم، هو الأول فليس قبله شيء جل وعلا، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.

قال ابن القيم في كلامه عن هذه الأسماء الأربعة: “هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه” [15].

واعلم أنك أنت لك أول وآخر، وظاهر وباطن، بل كل شيء له أول وآخر، وظاهر وباطن، وأما الله تعالى فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء.

وهو سبحانه السميع البصير: يسمع كل شيء، ويرى كل شيء، لا يخفى عليه دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، إن جهرت بقولك سمعه، وإن أسررت به سمعه، الجهر والسر عنده سواء، وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7].

وهو سبحانه القوي: ذو القوة الكاملة، والخلق ضعفاء مهما بلغت قوتهم، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54].

وهو الملك: ذو الملك الشامل المتصرف بخلقه، كما يشاء من غير ممانع ولا مدافع، مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56] له الملك المطلق، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، بيده ملكوت السماوات والأرض، يحيى ويميت، يغني ويفقر، يغني فقيرًا، ويفقر غنيًا، ويرفع وضيعًا، ويضع شريفًا، ويبتلي بالنعم، ويبتلي بالمصائب؛ ليبلوا عباده أيشكرون أم يكفرون؟ وهل يصبرون أم يجزعون؟

يقلب الليل والنهار بالرخاء والشدة والأمن والمخافة، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29].

فالله هو الملك، وملكه ظاهر في السماوات والأرض، ويظهر تمامًا حينما يتلاشى الملك عن كل أحد، حينما يعرض الخلائق عليه فرادًا، كما خلقوا أول مرة، كما قال سبحانه: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] والله مالك يوم الدين والدنيا، ولكن خص يوم الدين بالذكر؛ لأن ملك الله تعالى يظهر للعباد تمامًا، يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار [غافر:16].

أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوين الأرضيين السبع، ثم يأخذهن، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ [16].

وهو سبحانه العظيم الذي بهرت عظمته وقدرته العقول، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هذه الأرض على عظمتها قبضته يوم القيامة وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: “جاء حبر من اليهود إلى رسول الله فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضيين على إصبع، والشجرة على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67] [17].

وهو المحيط: الذي أحاط بكل شيء علمًا وقدرة ورحمة وقهرًا، أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات، ونفذت مشيئته وقدرته بجميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسماوات، وقهر بعزته كل مخلوق، ودانت له جميع الأشياء.

وهو الرزاق: الذي عم برزقه كل شيء، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، رزق الأجنة في بطون الأمهات، والحيتان في قعر البحار، والسباع في الصحاري والقفار، رزق كل حيوان وهداه؛ لتحصيل معاشه، فأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180].

أيها الأخوة: لله تعالى الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ويذكر ابن القيم رحمه الله كلامًا لتقريب شيء من هذه المعاني التي أشرنا إليها فيقول: الله تعالى هو القوي، فلو فُرض أن قوى جميع المخلوقات اجتمعت لواحد منهم، ثم كان جميعهم على قوة ذلك الواحد، فنسبة قوة ذلك إلا قوة الرب أدنى من نسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس، ولو قدرت كل جمال في الوجود اجتمعا لشخص واحد، ثم كان الخلق كلهم بذلك الجمال، كانت نسبته إلى جمال الرب دون نسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس [18]، وهكذا في سائر أسمائه الحسنى، وصفاته العليا جل وعلا.

وقد نبهنا الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:27] فلو قدرت هذا البحر، ومن بعده سبعة أبحر كلها مداد، تكتب بها كلمات الله لنفدت البحار، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله .

اسم اللطيف في القرآن الكريم

أيها الأخوة في الله:

ومن أسماء الله تعالى: اللطيف الخبير، وقد ورد اللطيف في القرآن الكريم في سبعة مواضع:

  1. ورد في سورة الأنعام في قوله سبحانه: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103].
  2. وفي سورة الملك: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].
  3. وورد بلفظ لطيف كما في سورة يوسف: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:100].
  4. وفي سورة الحج: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [الحج:63].
  5. وفي سورة لقمان قال لقمان: يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16].
  6. وفي سورة الأحزاب: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب:34].
  7. وفي سورة الشورى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [الشورى:19].

معنى اسم الله اللطيف

ونجد أنه في كثير من الآيات اقتران اللطيف بالخبير: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] واللطيف من اللطف، واللطف معناه: الرفق والإحسان، ويطلق كذلك على الدقة، فالله لطيف بعباده، رفيق بهم، محسن إليهم، وهو يدرك ما دق من الأشياء، وما لطف منها؛ ولهذا قال : أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] فانظر كيف جمع هذين الاسمين اللطيف الخبير؟ فاللطيف هو الذي يدرك ما دق من الأشياء، والخبير هو الذي يدرك ما خفي من الأشياء، فإذا كان يدرك الدقيق، ويدرك الخفي، فكيف لا يعلم بخلقه؟ ولهذا قال: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] الله تعالى هو الخالق لهذا الكون، كيف لا يعلم بخلقه؟ وهو اللطيف الخبير الذي يدرك ما دق وما خفي من الأشياء، وهو لطيف بعباده، رفيق بهم، رحيم بهم جل وعلا، كم من لطف وكرم لا تدركه الأفهام، ولا تتصوره الأوهام، وكم استشرف الإنسان من مطلوب من مطالب الدنيا، فيصرفه الله تعالى عنها رحمة به ولطفًا به، فالله لطيف بعباده، يرزق من يشاء وهو القوي العزيز.

انظر إلى لطف الله تعالى بالإنسان منذ أن يوجده في بطن أمه في ظلمات ثلاث، وكيف أن الله تعالى يحفظه في هذه الظلمات الثلاث في بطن أمه، وكيف أنه يلطف به بتغذيته بواسطة السرة إلى أن ينفصل، وإلى أن تلده أمه؟! وعندما تضعه أمه يلتقم ثدي أمه، من الذي علم هذا الطفل التقام الثدي، وهو قد خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا؟! هذا من لطف الله بعباده، فهو اللطيف الذي لطف علمه حتى أدرك الخفايا والخبايا، وما احتوت عليه الصدور، وما في الأراضي من خفايا البذور، ولطف بأوليائه فيسرهم لليسرى، وجنبهم العسرى، هذا من لطف الله تعالى بأوليائه وبعباده المتقين التيسير لليسرى؛ وذلك بأن يوفق الإنسان للطاعات، ولأعمال الخير، حتى يفعلها من غير كلفة، ومن غير تعب، ومن غير عسر، بل ييسر لها فيفعلها بكل سهولة ويسر.

ومن الناس من يفعل أمور الطاعة، وأمور الخير بكل سهولة، ولا يجد تعبًا، ولا مشقة ولا معاناة، فيقوم لصلاة الفجر مثلًا من غير أن يجد ثقلًا ولا تعبًا، بل يقوم إليها راغبًا فيها، محبًّا لها، منشرحًا صدره بها، هذا من التيسير لليسرى؛ ولهذا قال عن الصلاة: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، أما من لم ييسر لليسرى تكون عليه كبيرة، وتكون عليه ثقيلة.

فمن لطف الله تعالى بأوليائه وبعباده المتقين أنه ييسرهم لليسرى، ويجنبهم العسرى، ومن لطفه بعبده ووليه الذي يريد أن يتم عليه إحسانه أنه ربما ابتلاه بأنواع وأصناف من البلايا، ومن المحن التي يكرهها، لكنها توصله إلى السعادة؛ ولذلك كان أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتليهم الله ليختبرهم، لكنه سبحانه يلطف بهم، فهو يبتلي ويلطف جل وعلا.

ومن لطفه بعباده المؤمنين أنه يتولاهم بلطفه، فيخرجهم من الظلمات إلى النور، ويخرجهم من المعاصي إلى الطاعات، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم والإيمان والطاعة، ومن لطفه أنه يوفقهم للخير، ويوفقهم للطاعات، ويعينهم ويسددهم هذا من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين.

ولهذا قال النبي لمعاذ: يا معاذ، والله إني لأحبك، لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك [19] فتسأل الله تعالى الإعانة على الطاعة، فالله تعالى من لطفه بعباده المؤمنين أنه يعينهم على طاعته، وأن يوفقهم للخير، وهذا من أعظم ما يكون من اللطف.

قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: “تأملت أنفع الدعاء فوجدته سؤال العبد ربه أن يعينه على طاعته، ثم تأملت فإذا هو في قول الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]” [20] احرص على هذا الدعاء في كل صلاة تصليها اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك [21].

فاحرص على أن تسأل الله تعالى أن يوفقك لأن تعبده وتطيعه كما يحب ويرضى، وأن يعينك على ذلك، فإن الله تعالى لطيف بعباده، يلطف بعباده فيوفقهم للخير، ويوفقهم لما يحب ويرضى، وهذا من أعظم ما يكون من اللطف.

ومن لطف الله تعالى بعبده إذا أراد به خيرًا أن يرزقه الفقه في الدين، كما قال النبي : من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين [22]، متفق عليه.

فإذا لطف الله تعالى بعبده، وأراد به خيرًا رزقه الفقه في الدين، وجعله يحرص على التفقه في الدين، وعلى طلب العلم، هذا من لطف الله تعالى بعبده المؤمن.

ومن لطف الله تعالى بعبده: أن يرزقه الحلال، وأن يغنيه عن الحرام، وأن يغنيه بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه.

ولطف الله تعالى بعبده المؤمن له أنواع وأصناف وألوان، لا تعد ولا تحصى، فهو اللطيف بعباده جل وعلا.

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [الشورى:19]، واللطيف ذكرنا أن له معنى آخر، وهو أنه يعلم ما دق من الأشياء، ويعلم الأشياء الدقيقة كما يعلم الأشياء الكبيرة؛ ولهذا قال: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فإن اللطيف الذي يعلم ما دق من الأشياء جل وعلا، إذا كان قد خلق هذا الكون فهو يعلم كل شيء هو أعلم بخلقه جل وعلا.

معنى اسم الله الخبير

وهو سبحانه الخبير: ومعنى الخبير: أي العليم ببواطن الأمور، فهو له كمال العلم الواسع الشامل المطلق، يعلم كل شيء جملة وتفصيلًا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5]، وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]، يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد:4]، وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر:11]، يعلم ما توسوس به نفس العبد قبل أن يتكلم به العبد، ويعلم السر وأخفى، والذي هو أخفى من السر، قيل: إنه هو الشيء الذي تريد أن تحدث به نفسك، يعلمه الله تعالى قبل أن تحدث به نفسك، يعني: ما تخفيه في صدرك، الله تعالى يعلمه، لكن هذا الشيء قبل أن تحدث به نفسك يعلمه الله ، وهو يعلم السر، ويعلم ما هو أخفى من السر جل وعلا، لا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.

جميع حركات العباد وسكناتهم وأفعالهم معلومة لديه وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا [الأنعام:59]، إذا كان يعلم حركة الجمادات، وحركة النباتات، فحركة الأحياء من باب أولى، إذا كان ما تسقط من ورقة إلا يعلمها، فيعلم حركات العباد من باب أولى جل وعلا، فهو الخبير العليم بكل شيء، العليم ببواطن الأشياء وبظواهرها جل وعلا.

وهو خبير بكل شيء، وهو أيضًا بما تعملون خبير، ورد الخبير على أنه اسم من أسماء الله: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، وورد إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8]، وورد وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:234] جل وعلا، فهو عليم ببواطن الأشياء، وخبير بأعمال العباد.

خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] أي: يعلم بواطن أعمالكم، كل عمل تعمله يعلمه الله ، أي عمل تقوم به، بل أي شيء تفكر فيه، يعلمه جل وعلا: الجهر والإسرار عنده سواء.

وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74] أتدرون كم تكررت في القرآن الكريم من مرة؟ اثنا عشرة مرة، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74] ينبه الله تعالى عباده بأنه عليم بهم، خبير بما يعملون، لا يخفى عليه شيء، وليس بغافل عن عباده، مطلع عليهم، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5].

فاستحضر -يا أخي الكريم- هذا المعنى، إذا استحضرت هذا المعنى لا شك أنه يكون له أثر عظيم في جانب المراقبة لله سبحانه، حتى تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، الذي يستحضر دائمًا أن الله خبير بما يعمل، مطلع عليه، وعلى أعماله، وعلى حركاته، وعلى سكناته، فإنه عندما يريد أن يعصي الله تعالى يستحضر عظمة الله سبحانه، فيكف عن المعصية عندما يريد القيام بطاعة، يستحضر عظمة الله، وأن الله تعالى مطلع عليه، خبير بما يعمل جل وعلا، فيقبل على هذه الطاعة.

وعندما يكبّر في الصلاة قائلًا: الله أكبر، يستحضر عظمة الرب ، وعظمة من يناجيه، عندما يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] يستحضر أن الله يقول: حمدني عبدي وعندما يقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] يستحضر أن الله يجيبه، فيقول: أثنى عليّ عبدي وعندما يقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يستحضر أن الله يقول: مجدني عبدي وعندما يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:4] يستحضر أن الله تعالى يقول: هذا بيني وبين عبدي نصفين، وعندما يقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] يستحضر أن الله تعالى يجيبه، فيقول: سألني عبدي، ولعبدي ما سأل [23].

فمعرفة معاني أسماء الله تعالى الحسنى لها أثر عظيم في تحقيق المراقبة لله ، وتحقيق الإحسان، حتى يصل العبد إلى هذه الحال التي ذكرها النبي : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك [24].

أيها الإخوة: كلما كان الإنسان أعلم بالله وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، كان أتقى لله، وكان أشد خشية لله سبحانه؛ ولهذا قال : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] كلما ازداد الإنسان علمًا بالله، ازداد خشية لله .

أسأل الله تعالى أن يستعملنا جميعًا في طاعته، وأن يعيننا على ذكره وشكروه وحسن عبادته.

وأسال الله تعالى بأسمائه الحسنى، وبصفاته العلى، أن يوفقنا لما يحب ويرضى من الأقوال والأعمال.

وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يوفقنا لأن نعبده، وأن نطيعه كما يحب ويرضى، وأن يوفقنا لمرضاته جل وعلا، وألا يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.

وأسأله سبحانه الذي جمعنا في هذا المكان في بيت من بيوته، أن يجمعنا في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 2736، ومسلم: 2677.
2 رواه أحمد: 3712.
3 رواه البخاري: 7510، ومسلم: 193.
4 رواه البخاري: 4634، ومسلم: 2760.
5 رواه مسلم: 486.
6 رواه البخاري: 3401، ومسلم: 2380.
7 رواه البخاري: 6469، ومسلم: 2752.
8 بنحوه رواه ابن حبان: 361.
9 تفسير ابن أبي حاتم: 2601.
10 رواه الترمذي: 2312، وابن ماجه: 4190، وأحمد: 21516.
11 رواه أبو داود: 4727.
12 رواه البخاري: 3207، ومسلم: 164.
13 رواه البخاري: 3232، ومسلم: 174، وزيادة: “قد سد الأفق” رواها الترمذي: 3278.
14 رواه مسلم: 2577.
15 طريق الهجرتين ص: 24.
16 رواه مسلم: 2788.
17 رواه البخاري: 4811، ومسلم: 2786.
18 الصواعق المرسلة: 2/ 430.
19 رواه أبو داود: 1522.
20 المستدرك على مجموع الفتاوى: 1/ 175.
21 سبق تخريجه.
22 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
23 رواه مسلم: 395.
24 رواه البخاري: 50، ومسلم: 8.

مواد ذات صلة