logo
الرئيسية/محاضرات/أهمية حماية الفكر

أهمية حماية الفكر

مشاهدة من الموقع

مرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامجكم الأسبوعي المتجدد: “محاضرة الأسبوع” يسرنا في هذه الحلقة أن نقدم لكم محاضرة بعنوان: (أهمية حماية الفكر)، محاضرنا هو فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان، عضو هيئة كبار العلماء، والأستاذ بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

ضمن سلسلة محاضرات حماية الفكر التي نظمها مركز الدعوة والإرشاد بالرياض في جامع الهدى الخيري بحي العزيزية.

استهل الشيخ محاضرته بعد حمد الله، والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله ، ببيان الغاية والحكمة من خلق الإنسان، فيقول فضيلته:

الحكمة من خلق البشر

إن الله ​​​​​​​ خلق الإنسان لعبادته؛ كما قال ربنا سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

وقد أراد الله ​​​​​​​ أن يخلق خلقًا تظهر منهم العبادة الاختيارية، وهناك خلقٌ يعبدون الله سبحانه، ولا تقع منهم المعاصي وهم الملائكة: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون [التحريم:6]، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20].

لكن الله سبحانه أراد أن يخلق خلقًا تظهر منهم العبودية الاختيارية، وقد أخبر الله تعالى الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفةِ: وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:30].

وخلق الله تعالى أبانا آدم وأظهر فضله وشرفه بالعلم فعلمه أسماء كل شيء: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۝قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:31-33].

ثم أراد الله ​​​​​​​ أن يظهر شرف آدم وفضله بأمر آخر، وهو أنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34].

ثم إن الله تعالى أمر آدم وزوجه بأن يسكنا الجنة، وأن يأكلا منها رغدًا حيث شاءا، ونهاهما عن الأكل من شجرة واحدة، وحذرهما من الشيطان، قال: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه:117].

وما زال الشيطان يوسوس لهما حتى غرهما: قالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى [طه:120]، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا [طه:121] يعني بدت عورتهما: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [طه:121] أي: جعلا يستران عورتهما بورق الجنة وبكيا بكاءً عظيمًا: فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37]، وهذه الكلمات على القول المشهور عند المفسرين هي: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، وهي أفضل ما يقوله التائب إلى ربه سبحانه، فتاب الله عليهما لكن الله سبحانه قال: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  [البقرة:36]، فأهبط الله تعالى آدم وزجه حواء، وأهبط معهما الشيطان: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ ‌مُسْتَقَرٌّ ‌وَمَتَاعٌ ‌إِلَى ‌حِينٍ [البقرة: 36] قال: فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف:25]، فهذه الأرض أختارها الله ​​​​​​​ لكي يعيش عليها بنو آدم، وهيئها ليعيش عليها آدم وبنوه، وأرسل الله تعالى الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجة على العباد، وبين طريق الخير والشر، وهدى من شاء بفضله.

وجعل للإنسان حرية الاختيار: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3]، هدى الله تعالى من أراد هدايته، وأنعم عليهم بنعمة الهداية، نعمة الهداية هي من أعظم النعم، وهي من أعظم المنن التي ينعم الله تعالى بها على الإنسان، حاجة الإنسان إلى الهداية حاجة عظيمة جدًّا.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: “العبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظة ونفس في جميع ما يأتيه ويذره فإنه بين أمورٍ لا ينفك عنها:

  • أولاً: أمورٌ أتاها على غير وجه الهداية جهلًا، فهو محتاج إلى أن يطلب الهداية إلى الحق فيها.
  • ثانيًا: أو أن يكون عارفًا بالهداية، لكنها أتاها على غير وجهها عمدًا، فهو محتاج إلى التوبة.
  • ثالثًا: أو أنها أمورٌ لم يعرف وجه الهداية فيها علمًا وعملًا.
  • رابعًا: أو أنها أمورٌ هدي إليها من وجه دون وجه، وهو محتاج إلى تمام الهداية فيها.
  • خامسًا: أو أمورٌ هدي إلى أصلها دون تفاصيلها.
  • سادسًا: أو أمورٌ يعتقد أنه فيها على هدى وهو على ضلالة ولا يشعر وهو محتاج إلى انتقاله عن ذلك الاعتقاد بهداية الله ​​​​​​​.

وبهذا نعرف قدر هذا الدعاء العظيم: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، وشدة الحاجة إليه وتوقف سعادة الدنيا والآخرة عليه.

ولهذا أمر المسلم بأن يأتي بهذا الدعاء في كل ركعة يصليها فريضةً كانت أو نافلة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، فما أعظمه من دعاء! وما أنفعه! وما أشد حاجة العبد إليه!

أهمية حماية الفكر

وإن المسلم مع هداية الله تعالى وتوفيقه له يبقى في هذه الدنيا له أعداء، يبقى عدوه الشيطان: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6]، وكذلك النفس الأمارة بالسوء، وهناك أعداء في الخارج يستهدفون المسلمين، ويبثون سمومهم وشرورهم لكي يحرفوا المسلمين عن دينهم؛ كما قال ربنا ​​​​​​​: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، فالمسلمون مستهدفون في دينهم وفي عقيدتهم، وبخاصة الشباب فإنهم مستهدفون من قبل أعداء الإسلام يريدون منهم أن ينحرفوا عن دينهم؛ لأنهم يرون أن المسلمين إذا تمسكوا بدينهم كانت لهم العزة والسيادة كما حصل لأسلافهم.

فإنهم قد مكن الله تعالى لهم في الأرض، وفتحوا كثيرًا من البلدان، فتحوا القلوب قبل أن يفتحوا البلدان، ونشروا دين الله ​​​​​​​ في الأرض.

ومع هذا الاستهداف للمسلم في عقيدته وفي فكره خاصة في هذا العصر الذي نعيشه، والذي قد انفتح فيه العالم بعضه على بعض حتى أصبح العالم؛ كما يقال: كالقرية الصغيرة. ووجدت الآن وسائل الإعلام من قنوات، وإذاعات، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومواقع الإنترنت، وغيرها، وهذه لا شك أن لها الأثر الكبير على المسلمين وبخاصة الشباب، ومن هنا يتجلى أهمية هذا الموضوع، وهو حماية الفكر لدى المسلم، وأهمية العناية به وترسيخه في نفوس المسلمين.

المقصود بحماية الفكر

وعندما نقول: حماية الفكر الذي هو عنوان هذه المحاضرة، فنحتاج إلى تعريف مفرداته، فالحماية هي: الدفع عن الشيء، ونصره، وصونه، وحراسته، والحفاظ عليه.

وأما الفكرُ فهو: يطلق على العمل الذهني لما فيه من تركيب وتحليل، وتنسيق في أسمى صوره.

فنتاج العقل بما يحمله من رأي ناتج عن تأمل وتحليل وتركيب يعتبر كله فكرًا. ولكننا نقصد ما هو أوسع من ذلك، نقصد حماية المسلم، حمايته في دينه وعقيدته وفكره، حمايته من الانحراف الفكري بجميع أشكاله وصوره، والذي يعني الميل والعدول عن الحق، وإن هذه الحماية للمسلم تستدعي ترسيخ بعض المفاهيم، وتعميقها في النفوس، واستشعار أن المجتمع المسلم كما صوره النبي  بقوله: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة بعضهم في أعلاها، وبعضهم في أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا [1]، هذه هي صورة المجتمع المسلم، وحينئذ إذا قام المجتمع بحمايته، والأخذ على أيدي السفهاء، وحماية هذا المجتمع من الانحراف فإن النجاة تكون للمجتمع كله.

أما إذا لم يقم المجتمع بهذه المسؤولية وهذا الواجب فإن الانحراف ينال ضرره المجتمع كله.

فهذه السفينة التي مثل بها النبي هي مكونة من طابقين: طابق علوي، وطابق سفلي، فكان الذين في أسفل السفينة إذا أرادوا أن يأخذوا من الماء رقوا إلى الطابق العلوي لكي يستقوا من الماء من ماء البحر، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنًا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن ترك أصحاب السفينة إن تركوا الذين في الطابق السفلي يخرقون السفينة فإن السفينة تغرق ويهلك جميع من في السفينة، من في الطابق العلوي ومن في الطابق السفلي، أما إذا أخذوا على أيديهم وحموهم منعوهم من خرق السفينة فإن النجاة والحماية تكون لجميع من في السفينة.

وهكذا أيها الأخوة فإن حماية المجتمع من الانحراف الفكري هي في الحقيقة حماية للمجتمع كله، وصيانة للمجتمع كله، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله متحدثًا عن أصل الانحراف الذي يقع لدى الإنسان، قال: “دافع الخطرة فإن لم تفعل صارت فكرة، فإن لم تفعل صارت همًّا، فإن لم تفعل صارت عملًا وسلوكًا، فإن لم تفعل صارت عادة وسجية”.

فالخواطر إذا دفعت فإن الإنسان يدفع عن نفسه شرًّا كبيرًا، أما إذا استرسل الإنسان في هذه الخواطر فإنها لا تلبث إلى أن تتحول إلى أفكارٍ ثم تصبح عملًا وسلوكًا وعقيدة، ثم تصبح عادة وسجية، ومن ثم يحصل الانحراف.

مظاهر الانحراف الفكري

ومظاهر الانحراف الفكري كثيرة، ومن أبرز مظاهر هذا الانحراف:

  • أولًا: أعظم مظهر من مظاهر الانحراف هو: الانحراف في العقيدة، وأعظم انحراف في العقيدة الوقوع في الشرك، الشرك الذي هو أعظم الذنوب، والذي هو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: 48]، إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار [المائدة:72].
    فمن أعظم مظاهر الانحراف: الانحراف في العقيدة، وهذا الانحراف هو الذي لأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب؛ محذرة منه، فإن الرسل لم تبعث لأجل تعريف الناس بوجود الله ​​​​​​​، فإن الأمم كانت تعرف وجود الله سبحانه، قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقريش، هل كانوا ينكرون وجود الله ​​​​​​​؟ أبدًا، ما كانوا ينكرون وجود الله، كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25].
    لكن عندهم انحرافٌ في العقيدة اتخذوا أصنامًا، وقالوا: نريد أن تكون هذه الأصنام واسطة بيننا وبين الله، تشفع لنا عند الله ،​​​​​​​ هذه أصنام أناس صالحين فنريد أن تشفع لنا عند الله سبحانه؛ كما قال الله ​​​​​​​: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فأرسل الله تعالى الرسل، وأنزل الكتب؛ محذرة من الشرك، وداعية إلى إخلاص الدين لله وحده، وأن اتخاذ هذه الوسائط وهؤلاء الشفعاء أنه محرم، وأنه الشرك الأكبر الذي من وقع فيه فإن الله تعالى لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، ولهذا فإن توحيد الله ​​​​​​​ هو أهم المهمات، والرسل عليهم الصلاة والسلام بعثهم الله ​​​​​​​ إلى دعوة الناس إلى تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله ​​​​​​​.
    إذن أبرز مظاهر هذا الانحراف الفكري هو: الانحراف العقدي.
  • ومن مظاهره أيضًا الغلو، الغلو الذي حذر النبي منه، قال أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإن ما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين [2]، والله نهانا عن أن نغلو كما فعل أهل الكتاب: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77]، هذا نهي لأهل الكتاب، وهو نهي لنا أيضًا عن أن نقع في الغلو، ونهى النبي عن الغلو بجميع أشكاله وصوره، وقال: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبدالله ورسوله [3]، وأكد النبي  على هذا المعنى.

الغلو هو: إفراط ومجاوزة للحد، والشيطان لا يبالي بأيهما ظفر من المسلم: إفراط أو تفريط، غلو في الدين أو تفريط وتحلل، والغلو وقعت فيه فرق ولا زالت هذه الفرق موجودة في وقتنا الحاضر تمارس الغلو بصوره وأنواعه.

أبرز الطوائف التي وقعت في الغلو

ومن أبرز هذه الفرق والطوائف التي وقعت في الغلو: الخوارج، وهي من شر الفرق وأعظمها خطرًا، وأسوؤها أثرًا، ولهذا حذر النبي من هذه الفرقة، بل وصفها بأنهم أي الخوارج شر الخلق والخليقة [4] رواه مسلم، ولا شك أن هذا الوصف شديد لم يرد هذا الوصف في غير هذه الفرقة، وذلك لأن هذه الفرقة ضررها عظيم جدًّا على الإسلام والمسلمين كما ترون أيها الإخوة على مر التاريخ الإسلامي عظيم ضرر الخوارج على الإسلام والمسلمين.

قد بدأ ظهور هذه الفرقة من زمن الصحابة بعد مقتل عثمان فظهرت هذه الفرقة، وحصل من أصحابها ما حصل من سفك للدماء، وهتك للحرمات، حتى آل بهم الأمر إلى أن قتلوا عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وهما من الخلفاء الراشدين، ومن العشرة المبشرين بالجنة، قتلوهما باسم الدين، والقاتل لهما يظن أنه متقرب لله ​​​​​​​ ​​​​​بهذا العمل، الذي قتل علي بن أبي طالب يقال في ترجمته وفي سيرته أنه كان من العبَّاد، وكان يرى في جبهته أثر السجود من كثرة الصلاة والعبادة، فلما قتل عليًّا قيل له: كيف تقتل أمير المؤمنين أحد الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة؟ فقال: هذا أرجى عمل أتقرب به إلى الله. نسأل الله السلامة والعافية.

انظر إلى الانحراف كيف يبلغ بصاحبه إلى هذه الدرجة أن يقتل الخليفة الراشد أحد العشرة المبشرين بالجنة أول من أسلم من الصبيان يقتله متقربًا بذلك إلى الله ​​​​​​​، فانظر كيف يبلغ الانحراف والضلال بصاحبه إلى هذه الدرجة.

وهذا كله من آثار الغلو، ولهذا وصف النبي  الخوارج فقال: تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وقرأتكم عند قراءتهم لهم دوي بالقران كدوي النحل لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد [5]، لا يزال الخوارج لهم الضرر الكبير، والأثر السيء على الإسلام والمسلمين في سفك الدماء كما ترون، وفي هتك الحرمات، وفي تشويه صورة الإسلام والمسلمين، لو أراد اليهود والنصارى أن يشوهوا الإسلام كما فعل الخوارج لما استطاعوا، فهم يقدمون لغير المسلمين صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين، فخطرهم عظيم، وشرهم كبير، ولذلك لابد أن يتكاتف أفراد المجتمع في حماية المجتمع منهم، وفي تحصين شبابنا من أن يغتروا بهم، فإن الشباب الأغرار ربما يندفعون مع العاطفة وينساقون معها، ويأخذهم الحماس وربما يأتي أناس يلبسون لباس الإصلاح ولباس الدين ويظهرون التمسك بالدين وبالسنة؛ فيغتر بهم بعض أبناء المسلمين، فيقعون في هذا الفخ، ويفعلون ما تفعله الخوارج من قتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان.

وهذه الطوائف من السهل اختراقها من قبل أعداء الإسلام، وأعداء الإسلام والمسلمين اليوم عندهم إمكانات كبيرة خاصة في المجال الاستخباراتي إمكاناتهم عالية وعندهم احتراف في هذا المجال فمن السهل أن يخترقوا مثل هذه الجماعات وأن يفعلوا بها ما يريدون من أجل الإضرار بالإسلام والمسلمين والنيل من أبناء المسلمين، ومن هنا تأتي أهمية تحصين شباب المسلمين من هذه الأفكار وحماية أبناء المسلمين من هذه الأفكار.

فلا بد من أن يتضافر المجتمع كله في حماية أبناء المجتمع من هذه الأفكار الضالة المضلة، فالمسؤولية على الجميع المسؤولية على الأب في أسرته وعلى الأم كذلك، وعلى إمام المسجد وعلى خطيب الجامع، وعلى المعلم في المدرسة، وعلى جميع شرائح المجتمع، ينبغي أن يستشعر كل واحد مسؤوليته في حماية المجتمع من هذا الانحراف وفي تحصين أبناء المجتمع من الاغترار بهذه الطوائف وهذه الجماعات الضالة المنحرفة عن جادة الإسلام وعن طريق الإسلام.

محاضرة الأسبوع

أحبتنا الكرام لا زلنا نستمع إلى محاضرة لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان عضو هيئة كبار العلماء والأستاذ بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

بعنوان: أهمية حماية الفكر

تحدث الشيخ في بداية محاضرته عن الغاية والحكمة من خلق الإنسان ونعمة الهداية التي امتن الله بها علينا ومدى حاجتنا إليها، ثم بين المقصود بحماية الفكر وأهم سبل حماية المجتمع من الانحراف مع عرض أبرز مظاهر الانحراف الفكري وخطره على المجتمع.

وبعد أحبتنا الكرام يواصل الشيخ سعد الخثلان محاضرته بوقفة مع طرق وقوع الشباب في الانحراف فيقول فضيلته:

طرق وقوع الشباب في الانحراف

الانحراف الفكري لدى الشاب يأتيه من طريقين:

  • من طريق إيراد الشبهات.
  • أو من طريق إغراقه في الشهوات.

وأما إيراد الشبهات: فهذا هو الطريق الذي استخدمه أعداء الإسلام في اصطياد بعض أبناء المسلمين والتغرير بهم وجعلهم أداة يحققون بها مآربهم، فيوردون عليهم شُبَه وإيراد الشبه على إنسان ليس عنده علم وأيضا ليس عنده خبرة في الحياة لا شك أن هذه الشُبَه تؤثر، فعندما يقرأ هذا الشاب الصغير في شُبَهٍ أعدَّها أناس بعناية وبأساليب متنوعة ومؤثرة وربما صاحبها صور وربما صاحبها كتابات وربما صاحبها نقولات مبتورة فإن هذه الشُبه لا شك أنها تؤثر على هذا الشاب؛ خاصة مع وجود الشبكة العنكبوتية الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي فيمكن أن يصطادوا هؤلاء الشباب ويثيروا عليهم شبهًا، وجميع الفرق المنحرفة الضالة تخلط الحق بالباطل وتلبس الحق بالباطل.

الفرق المنحرفة التي أخبر عنها النبي في قوله: افترقت اليهود: على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله قالوا من كانت على ما أنا عليه وأصحابي [6]، فإذا عندنا ثلاثٌ وسبعون فرقة، الفرقة الناجية المنصورة هي فرقة واحدة، ثنتان وسبعون فرقة منحرفة كلها في النار لانحرافها عن هدي النبي ، هذه الثنتان والسبعون فرقة هل كل ما معها باطل محض؟ لو كل ما معها باطل ما وجدت أتباعًا لها لأن الله ​​​​​​​ فطر النفوس على رد الباطل وعلى اتباع الحق، لكن هذه الثنتان والسبعون فرقة لبَّست الحق بالباطل فأدخلت حقًا على باطلها لكي تلبس به وبهذا وجدت أتباعًا لها، فجميع الثنتين والسبعين فرقة لا تجد أن جميع ما عندها باطلًا محض بل عندها حق وباطل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [آل عمران:71] لمَ تلبسون؟ فهم يلبسون الحق بالباطل، ويخلطون الحق بالباطل.

فقد يأتي بعض دعاة هذه الفرق المنحرفة يأتي بحق ويدعو هذا الشاب من باب التلبيس عليه ويأتي بأدلة من القرآن ومن السنة قال الله وقال رسوله ويلبَّس على هذا الشاب حتى يحرفه وقد ذكر الله تعالى أنه جعل في كتابه الكريم جعل آيات محكمات وأخر متشابهات فقال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7] فهناك آيات محكمات واضحة لا إشكال فيها لا لبس فيها، وآيات متشابهات، والتشابه يقع لأناس دون أناس، وهذا من حكمة الله ​​​​​​​ ليكون في ذلك الاختبار والامتحان للعباد، ثم بين الله تعالى الموقف: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ لماذا؟ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران:7].

فأهل الزيغ يتبعون المتشابه من النصوص ابتغاء الفتنة يريدون بذلك الفتنة وإضلال الناس وأما الراسخون في العلم فإنهم يردون المتشابه إلى المحكم ويقولون كل من عند ربنا. ولذلك إذا أتى إليك مبطل بشبهه فهناك جواب عام تستطيع أن تجيب به عن جميع الشُبَه إذا أتى مثلًا لك بدليل من الكتاب أو السنة يعارض به أصلًا متقررًا معروفًا عند أهل العلم وعند أهل السنة والجماعة فتقول هذا الذي أتيت به أكثر ما يقال فيه أنه من المتشابه فنرده للنصوص المحكمة الصريحة التي تدل على كذا، على سبيل المثال: لو أن أحدًا استدل بقول الله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:108] وقال إن أهل الجنة لا يخلدون في الجنة بدليل الاستثناء إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ للعلماء كلام حول هذه الآية لكن الجواب العام ممكن نجيب به هنا فنقول: غاية ما تستدل به هذه الآية أنها من المتشابه فنردها إلى النصوص الكثيرة المحكمة في القرآن وفي السنة والتي تدل على أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد فانظر كيف رددنا المتشابه إلى المحكم. هذه طريقة تستطيع أن تجيب بها عن أية شبهة.

وينبغي أن يبتعد المسلم عن الشبهات ما أمكن يبتعد عن مناقشة من كان معروفًا بإثارة الشبهات؛ لأن هذا الذي يثير الشبهات قد يؤثر عليك قد تستقر الشبهة في القلب ويصعب إخراجها منه، والإنسان بشر، الإنسان ضعيف، كذلك أيضا ينبغي البعد عن مواقع الإنترنت التي تثير الشُبه ولا يدخلها الإنسان ولو بدافع الفضول يقول أريد أن أعرف ما عند هؤلاء فإنه ربما يتأثر، لهذا قال النبي : من سمع بالدجال فلينأ عنه [7] يعني فليبتعد عنه، إذا سمعت بالدجال ابتعد عنه ولا تقل: أنا عندي قوة إيمان، وأنا لن أغتر بالدجال، ولن أنخدع بالدجال، تبقى بشرًا، وتبقى ضعيفًا.

ولهذا ذكر أهل السير عن عمران بن حطان كان هذا الرجل فقيها ومحدثًا وعلى منهج أهل السنة والجماعة فرأى امرأة جميلة فأعجبته لكن هذه المرأة على مذهب الخوارج؛ فأراد أن يتزوجها، فقيل له إنها على مذهب الخوارج، إنها خارجية؛ فقال سأتزوجها وسأصرفها إلى مذهب أهل السنة والجماعة، قالوا: فلما تزوجها صرفته هي إلى مذهب الخوارج، فأصبح خارجيًّا.

فالإنسان بشر كان هذا الرجل فقيهًا وكان محدثًا لكن لما اتصل بهذه المرأة تأثر؛ فتزوج هذه المرأة بنية أن يؤثر عليها وأن يقنعها بأن تترك مذهب الخوارج وتكون على منهج أهل السنة والجماعة لكن الذي حدث هو العكس أثرت هي عليه فصرفته من منهج أهل السنة والجماعة إلى منهج الخوارج.

فالإنسان أيها الإخوة بشر والإنسان ضعيف لهذا فينبغي أن يحرص على الابتعاد عن مواطن الشبهات، ومما ذكره السلف في هذا الابتعاد عن مجالسة أهل البدع وأهل الأهواء فكانوا يحذرون من مجالستهم أشد التحذير، ويقولون: إن الشُبه خطَّافة، والقلوب ضعيفة، وإذا وقعت الشبهة واستقرت في القلب يصعب إخراجها من القلب وخلاص الإنسان منها.

ولهذا فإننا نرى أيها الإخوة إخوة على جانب من الخير ومن الصلاح ومن الاستقامة ثم بعد ذلك نسمع بانحرافهم؛ إما بانحرافهم فيما يتعلق بجانب الغلو وانتهاجهم لمنهج هذه الجماعات الضالة أو انحرافهم الأخلاقي وتحللهم، وهذا أيها الإخوة هذا الذي نراه لأن الإنسان بشرٌ ضعيف؛ ولهذا فهو بحاجة إلى تحصين نفسه من هذا الانحراف.

طرق حماية الفكر من الانحراف

إذًا من طرق حماية الفكر وتحصين الفكر من الانحراف:

  • دفع الشبهات والابتعاد عن مواطن الشبهات، وأيضا دفع الشهوات فإن الانحراف أيضا كما يكون غلوًا وإفراطًا قد يكون الانحراف بعكس ذلك تفريطًا وتحللًا.

ولهذا أيضا كما قلنا إن المسلم ينبغي له أن يبتعد عن مواطن الشبهات فينبغي له أن يبتعد كذلك عن مواطن إثارة الشهوات وأن يحرص على تحصين نفسه بالصحبة الصالحة وأيضا بحرص الشاب على الزواج المبكر؛ فإن الزواج المبكر للشاب وللشابة فيه إحصان بإذن الله، وفيه إعفاف، وفيه تحصين لهذا الشاب من الانحراف، ولهذا أوصى النبي الشباب فقال: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء [8].

  • ومن وسائل الحماية أيها الإخوة للمسلم من الانحراف بجميع صوره الدعاء وأن يضرع إلى الله ​​​​​​​ بأن يثبته وأن يعصمه من الفتن.

فإن الإنسان مهما بذل من أسباب الحماية ومن أسباب الوقاية والتحصين سواءً كان ذلك لنفسه أو لأسرته إلا أنه يبقى بشرًا يبقى ضعيفًا؛ ولهذا فينبغي أن يضرع إلى الله ​​​​​​​ في أن يثبته وأن يعصمه وأن يجنبه الفتن، ولهذا في الآية السابقة: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران:7] وأولو الألباب أي: أصحاب العقول السليمة الراشدة من أعظم أدعيتهم أنهم يقولون: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] وهذا دعاء عظيم ينبغي أن يكثر منه المسلم، ينبغي لك أخي المسلم أن تحرص على هذا الدعاء أن لا يمر عليك يومٌ إلا وقد دعيت الله ​​​​​​​ بهذا الدعاء رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، وكان من أكثر دعاء النبي : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك [9] يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك [10]، وسُئل النبي  عن هذا فقال إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء فما أحوجنا إلى هذا الدعاء ندعو الله ​​​​​​​ بأن يثبت قلوبنا وأن يصرف قلوبنا على طاعته، وأن يجنبنا مضلات الفتن، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، فهذا من الأدعية العظيمة النافعة ومن سأل الله تعالى بصدق سأله الثبات وسأله العصمة من الفتن ومن الانحراف فإن الله لن يخيب رجاؤه ولن يخيب دعاءه؛ بل ما إن تعرض له فتنة شبهة أو شهوة إلا ويعصمه الله ​​​​​​​ منها.

  • ومن الأمور التي تحمي الفكر ويعتصم بها المسلم بإذن الله ​​​​​​​ من الفتن العلم.

أن يحرص المسلم على أن يكون لديه علم وبصيرة في دين الله ​​​​​​​؛ لأن أكثر ما يقع الانحراف من أناس ليس عندهم العلم الكافي ويفعلون أمورًا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، هذه الطوائف المنحرفة التي انحرفت عن منهج أهل السنة والجماعة كل هذه الطوائف تريد التقرب إلى الله ​​​​​​​ لكنها ضلت الطريق؛ لكن من تحصن بالعلم الصحيح علم الكتاب والسنة وكان عنده بصيرة في الدين فإنه بإذن الله يكون بعيدًا عن الوقوع في هذه الفتن وفي هذه الانحرافات وفي هذه المزالق، ولهذا عندما تتأمل واقع هذه الجماعات المنحرفة لا تجد أن فيها عالمًا معروفًا بالرسوخ في العلم، انظر إلى أحوال هذه الجماعات لا تجد أن فيها إنسانًا عُرف بالعلم وبذل العلم والرسوخ في العلم والدعوة إلى الله تعالى ثم أصبح رأسًا في هذه الجماعات، إنما تجد أن هذه الجماعات المنحرفة الضالة يقودها مجاهيل لم يعرفوا أصلًا من قبل التحاقهم بهذه الجماعات، لم يعرفوا بالعلم ولا حتى بعد التحاقهم بها.

فالعلم بإذن الله تعالى يقي صاحبه يعصمه بإذن الله من الوقوع في هذه الانحرافات وهذه المزالق، فينبغي أن يحرص المسلم على طلب العلم وأن يحرص على التفقه في دين الله سبحانه وأن يكون عنده بصيرة في دين الله ​​​​​​​.

  • وأيضا ينبغي أن يحرص المسلم على سلوك منهج الاعتدال، الاعتدال في منهجه بحيث يبتعد عن الغلو وعن التفريط.

فإن هذا الاعتدال هو سمة المسلمين، فإن المسلمين وسط، جعلهم الله تعالى أمة وسطًا بين الأمم التي غلت في دينها وبين الأمم التي انحرفت وتركت دينها، وأيضا جعل الله تعالى أهل السُنة وسطًا بين الفرق؛ فأهل السنة وسط بين الوعيدية الذين يكفرون مرتكب الكبيرة، وبين المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب.

  • أيضا من وسائل حماية الفكر أن يحرص المسلم على الجلساء الصالحين الذين يذكرونه إذا نسي ويعينونه إذا ذكر، والذين يحس بالجلوس معهم بالزيادة في الإيمان.

بعض الناس إذا جلست معهم في مجلس إذا خرجت من المجلس تشعر بزيادة في إيمانك، تشعر أن هذا المجلس له أثر عليك في أمور عبادتك. تسمع تفسير آية أو حديثًا عن النبي أو موعظة وذكرًا، هذه المجالس هي مجالس الذكر؛ وهي بإذن الله تعالى هي التي يكون لها الأثر في حماية الجالسين فيها من أن تعصف بهم الأهواء.

أما من كان يجالس الجلساء السيئين فإنهم لا بد أن يؤثروا عليه، ولابد أن يحرفوه، والإنسان مدنيٌ بطبعه، الإنسان يتأثر ويؤثر، لكن يختلف الناس في مدى تأثرهم وتأثيرهم فالإنسان الذي يجالس المنحرفين لابد أن ينحرف مثلهم؛ فإذا وجدت إنسانًا عنده انحرافًا فكريًّا من خلال طرحه وأسئلته وحديثه يثير شبهًا يثير إشكالات فابتعد عنه؛ فإن هذا جليس سوء.

وهكذا إن وجدت إنسانًا تجد أن له الأثر السيء عليك في أمور دينك فابتعد عنه، واحرص على مجالسة أهل الخير والصلاح يقول النبي : مثل الجليس الصالح والجليس السوء: كحامل المسك، ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك أي: يهدي لك هدية وإما أن تبتاع منه أي: تشتري منه شيئا وإما على الأقل تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة [11].

وجدنا أيها الأخوة شبابًا صالحين على جانب كبير من الخير والتقى والصلاح والسمت لكن بسبب مجالستهم لآخرين انحرفوا، تجد هذا الشاب لو وجد جلساء صالحين لكان له شأن لكن ابتلي بمجالسة أناس سيئين إما عندهم غلو أو عندهم تحلل، إما إفراطٌ أو تفريط؛ فتأثر هذا الشاب بمجالسيه وبصحبته، ولهذا تجد أن هذا السبب هو من أقوى الأسباب المؤثرة على الشباب.

فينبغي لك أخي المسلم أن تختار جلساء صالحين، وينبغي لك أيها الأب أن تحرص على أن يكون جلساء ابنك من الجلساء الصالحين، وأن تطمئن على جلسائه؛ فإذا جالس أناسًا أخيارًا صالحين بعيدين عن مثل هذه اللوثات فإنه على خير، أما إذا جالس أناسًا سيئين فإنه لا يلبث إلا أن يجذبوه إلى ما هم فيه من السوء.

أيها الإخوة وفي ختام هذه المحاضرة أقول إن هذا الموضوع من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن نحرص عليها جميعًا، وينبغي أن نتكاتف جميعًا في حماية المجتمع من الانحراف بجميع صوره وأنواعه، وأن يستشعر كل واحد منا مسؤوليته في هذا، كل واحد منا مسؤول لا تلقى المسؤولية على الآخرين.

يعني بعض الناس يعيش وكأنه ليس مسؤولًا؛ يقول: المسؤولية على ولاة الأمر، المسؤولية على العلماء، يلقي المسؤولية على غيره، نقول: أنت مسؤول، يقول النبي : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الرجل راعي في أهل بيته ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها [12]، كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فكل واحد منا مسؤول عليه أن يستشعر المسؤولية، وعليه أن يقوم بدوره في المجتمع؛ أولا: أن يسعى لحماية نفسه من هذا الانحراف وأن يسعى لحماية غيره من هذا الانحراف حماية غيره من أسرته أولا ثم مجتمعه من الانحراف بجميع أشكاله وصوره؛ فإذا قام كل واحد منا بمسؤوليته فإن هذا بإذن الله تعالى يحمي مجتمعه. أما عندما نتكاسل ولا يقوم الواحد منا بما عليه من مسؤولية فإنه يقع هذا الانحراف ونرى هذا الانحراف يتخطف أبنائنا من حولنا.

وكما ترون أيها الإخوة كما ذكرنا أن أبناء المسلمين مستهدفون من قبل أعداء الإسلام، مستهدفون استهدافًا كبيرًا في دينهم وفي عقيدتهم، ولهذا لا بد أن نسعى لحمايتهم من هذا الاستهداف، وأن نسعى لغرس العقيدة الصحيحة في نفوسهم، وغرس المبادئ والمثل والقيم العليا في نفوسهم، وأن نبصرهم بما يريده أعداء الإسلام بهم من المكائد وما يريدونه بهم من الانحراف، نبصرهم بذلك وأن نكون قريبين منهم. وإذا استشعر كل واحد منا مسؤوليته وقام بمسؤوليته في هذا فإن المجتمع كله ينجو بإذن الله ​​​​​​​.

فإن قاموا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا، نحن نعيش في هذا المجتمع في سفينة واحدة فإن قمنا بحماية هذه السفينة من أن تخرق فإن السفينة كلها تنجو؛ أما إذا سمحنا لمن يخرق هذه السفينة فإنَّ هذه السفينة تغرق وهذا الغرق لا يختص به من خرق هذه السفينة فقط، وإنما يشمل الغرق جميع من في هذه السفينة، ونحن في هذا المجتمع في سفينة واحدة فعلينا إذا أن نتكاتف وأن نتعاون في منع خرق هذه السفينة، وأن كل من أراد أن يخرق هذه السفينة نمنعه من خرقها، وأن نوفر الحماية لهذه السفينة، وإذا سعينا إلى ذلك جاهدين وحمينا هذه السفينة من الخرق فإن هذه السفينة تنجو، هكذا نحن في مجتمعنا إذا حمينا المجتمع من الانحراف وأخذنا على يد من أراد خرق السفينة ومن أراد السوء بالمجتمع سواء من الداخل أو من الخارج فإن المجتمع بإذن الله تعالى ينجو، وتكون لنا جميعًا العاقبة الحميدة، أسأل الله تعالى أن يعصمنا جميعًا من مضلات الفتن.

اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

اللهم وأعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.

اللهم استعملنا جميعًا في طاعتك، وأعنا على شكرك وعلى وذكرك وعلى حسن عبادتك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 2493.
^2 رواه ابن ماجه: 3029، وأحمد: 1851.
^3 رواه البخاري: 3445.
^4 رواه مسلم: 1067.
^5 بنحوه رواه البخاري: 5058، ومسلم: 1064.
^6 رواه أبو داود: 4596، وابن ماجه: 3991، وأحمد: 8377.
^7 رواه أبو داود: 4319، وأحمد: 19968.
^8 رواه البخاري: 5065، ومسلم: 1400.
^9 رواه الترمذي: 2140، أحمد: 12107.
^10 رواه أحمد: 6610.
^11 رواه البخاري: 2101، ومسلم: 2628.
^12 رواه البخاري: 7138، ومسلم: 1829.
zh