الرئيسية/محاضرات/مقتضيات ولوازم الانتماء والمواطنة
|

مقتضيات ولوازم الانتماء والمواطنة

مشاهدة من الموقع

الحكمة من خلق الإنسان

إن الإنسان خلقه الله ​​​​​​​ لعبادته، ولقد اختار الله تعالى البشر؛ ليكونوا محلًا للتكليف وللتعبد الذي جعلهم الله تعالى مختارين فيه، بينما الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكن البشر جعلهم الله تعالى مختارين، إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]، وقد أخبر الله تعالى الملائكة بهذا قبل أن يخلق الإنسان: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، فالله تعالى يحب أن يجعل من خلقه خلقًا يجعل لهم الاختيار، فإذا اختاروا طريق العبودية لله استقاموا على طاعته، فإن هذا التعبد لله سبحانه وتعالى يكون عظيمًا، فهذا من حكمة الله سبحانه.

تعريف العبادة

والعبادة أحسن حد لها هو ما ذكره أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: “أنها اسم جامع لما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة” [1].

مفهوم العبادة الشامل

فالعبادة إذًا مفهومها واسع وشامل، ولا تقتصر فقط على الشرائع التعبدية التي بين الإنسان وبين ربه، إن بعض الناس ربما يفهم العبادة مفهومًا ضيقًا، بل إن الإنسان لو أحسن في العبادة فيما بينه وبين ربه من صلاة وصيام وصدقة، وغير ذلك من الشعائر التعبدية، لكنه أساء في علاقته بالآخرين؛ فإنه قد ورد الوعيد الشديد في حق من فعل ذلك، أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أبي هريرة أنه قيل للنبي : يا رسول الله، إن فلانة يُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال النبي : هي في النار قيل: فإن فلانة: ليست كثيرة صلاة ولا صيام ولا صدقة، غير أن لها أثوار من أقط تتصدق به على جيرانها، ولا تؤذي جيرانها بلسانها، فقال النبي : هي في الجنة [2].

فانظر كيف أن المرأة الأولى في الشعائر التعبدية فيما بينها وبين الله كانت كثيرة الصلاة والصيام والصدقة لكن عندها مشكلة في التعامل، وعندها مشكلة في الخلق، تؤذي جيرانها بلسانها، ماذا قال النبي عنها: هي في النار المرأة الأخرى ليست كالمرأة الأولى في جانب الشعائر التعبدية من الصلاة والصيام، لكن عندها عناية بجانب حسن التعامل مع الآخرين، لا تؤذي جيرانها بلسانها، وأيضًا ظاهر السياق أنها تحسن إلى جيرانها، فقال النبي : هي في الجنة فانظر إلى أثر التعامل والعلاقات مع الآخرين، وعظيم مكانتها في دين الإسلام، وهذا يُبيّن لنا أن العبادة في الإسلام لها مفهوم واسع شامل.

علاقة المسلم بأقاربه وأرحامه

والعلاقة بالآخرين تبدأ أولًا بعلاقة الإنسان داخل محيط الأسرة مع زوجته ووالديه وأولاده، ومطلوب الإحسان في هذه العلاقة، الإحسان إلى الزوجة، الإحسان للأولاد، الإحسان للوالدين، وهو بر الوالدين، فمطلوب هذا الإحسان، ثم إذا انتقلت إلى دائرة أوسع الأرحام والأقارب مطلوب صلة الرحم، قد قال النبي : إن الله لما خلق الخلق، قامت الرحم، وتعلقت بالعرش، وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطعية، فقال الله تعالى: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك، قالت: بلى، قال: فذلك لك [3] متفق عليه، فتكفل الله تعالى بأن يصل من وصل رحمه، وأن يقطع من قطع رحمه، لاحظ هنا أن هذا كله يدور في دائرة علاقة الإنسان أولًا بمحيط أسرته، وعلاقة الإنسان بأرحامه، وانظر إلى الوعيد الشديد في حق من قطع رحمه، أن الله تعالى يقطعه، بل إن الله تعالى يلعنه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [محمد:22-23] فلاحظ كيف أن الإخلال في هذه العلاقات يكون سببًا في لعنة الله ، هذا على مستوى الأرحام.

علاقة المسلم بجيرانه

على مستوى الجيران، يقول النبي : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه [4] رواه البخاري، فهذا يدل على عظيم حق الجار؛ لأن جبريل أوصى وأكثر من الوصية للنبي بالجار، وهذا بأمر الله تعالى؛ لدرجة أن النبي ظن بأنه سيجعل حق في الميراث للجار، هذه كلها دوائر في جانب العلاقات، ومطلوب من المسلم مراعاتها.

علاقة المسلم مع أهل الحي

فإذا انتقلت إلى الدائرة الأوسع من هذا، دائرة أهل الحي الذي تسكن فيه؛ لماذا شرعت الصلاة مع الجماعة؟ لماذا أوجبت الشريعة الإسلامية على المسلم أن يصلي خمس صلوات في اليوم والليلة؟ أليس بإمكان المسلم أن يصلي في بيته، وربما تكون صلاته في بيته أكثر خشوعًا، وأكثر طمأنينة، وأكثر تدبرًا لما يقرأ؟ لماذا أوجبت الشريعة على الرجل أن يصلي خمس مرات في اليوم والليلة؟ كل هذا لأجل تحقيق التكافل، ومعاني الأخوة بين المؤمنين، وتعزيز العلاقات بين الجيران، وبين أهل الحي، وبين جماعة المسجد، هذا هو المقصود من صلاة الجماعة، وإلا بإمكانك أن تصلي في بيتك صلاة أكثر خشوعًا من صلاتك في المسجد، لكن لأجل تحقيق هذه المعاني، تعميق معاني الأخوة؛ ولهذا أفضل مسجد يصلي فيه المسلم بعد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، هو أقرب مسجد إلى بيته؛ لماذا؟ لأنه يحقق المقصود من صلاة الجماعة، أما الإنسان في كل وقت يصلي في مسجد لا نقول: إنه أرتكب أمرًا محرمًا، لكن نقول: إذا أردت الأفضل فانظر إلى مقصود الشارع من صلاة الجماعة، واحرص على تحقيقه، فهذه الدوائر الآن كلها مطلوبة.

حب الوطن والحنين له

إذا انتقلنا إلى دائرة الوطن والمواطنة فهي دائرة أوسع من دائرة الأسرة، وأوسع من دائرة الجيران، وأوسع من دائرة أهل الحي، هي دائرة الوطن.

دائرة الوطن، الإنسان جُبل على حب وطنه، والله تعالى قرن حب الأرض والوطن بحب النفس، قال سبحانه: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ [النساء:66]؛ من دياركم: أي: أوطانكم، فانظر كيف قرن الخروج من الديار بقتل النفس، وأيضًا يقول الله تعالى: لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] قرن الخروج من الديار بالمقاتلة، وهذا يدل على مراعاة الشريعة لمحبة الإنسان لداره ووطنه، وقد جاء في صحيح البخاري عن أنس قال: كان رسول الله إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة -والمقصود بها الأماكن المرتفعة من المدينة- أوضع ناقته، يعني: أسرع السير، وإن كانت دابة حركها من حبها، أي حثها على الإسراع جهة المدينة؛ لكثرة حبه لها [5].

علّق على هذا الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري قال: “وفي هذا الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن، والحنين إليه” [6].

هذا الحديث في الصحيح البخاري، وهذا نقلته عن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وهذا أمر مركوز في الفطر، وكتب الأدب والأشعار مليئة بالكثير من هذا، أذكر منها على سبيل المثال: القصة المشهورة لميسون بنت بحدل الكلبية، وكانت امرأة ذات جمال باهر، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان ، ثم إنها كانت أعرابية فنقلها إلى قصر الخلافة، فملت من هذا، وحنت إلى وطنها وديارها، وقالت قصيدتها المشهورة، ومنها قولها:

لبيت تخفق الأرياح فيه أحب إليّ من قصر منيف
ولبس عباءة وتقر عيني أحب إليّ من لبس الشفوف
وخرق من بني عمي نحيف أحب إليّ من علج عنوف

فلما سمع ذلك معاوية، قال: “جعلتنا علجًا عنوفًا، فطلقها” [7].

وقالت في آخر القصيدة: “فما أبغي سوى وطني بديلًا” إذًا هي في هذه القصيدة حنت إلى وطنها، وإلى ديارها، فهذا مركوز في الفطر، وكتب الأدب والأشعار مليئة بالكثير من هذا.

الحكم الشرعي لحب الوطن

فحب الوطن نقول: هو كحب الأسرة، كحب الجيران، كحب أهل الحي، لا يلام الإنسان عليه، بل كما ذكرنا أن حب الوطن مطلوب، وأنه مشروع، إلا إذا تعارض حب الوطن مع العقيدة، ومع الدين، فإنّ حب الدين والعقيدة مقدم، وهكذا إذا تعارض حب الأسرة، حب الجيران، حب أي شيء مع الدين، فإن الدين مقدم، والدليل لهذا قول الله تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ  [التوبة:24]؛ هذه الأشياء الثمانية هي مكونات الوطن، وهذا يقودنا إلى معرفة الحكم الشرعي لحب الوطن، نقول:

إنه مطلوب ومشروع، لكن بشرط ألا يتعارض ذلك مع العقيدة ومع الدين، فإن تعارض مع العقيدة والدين، فإن الدين مقدم، والعقيدة مقدمة، ولكن ليس معنى ذلك إلغاء حب الوطن والمواطنة، بل ينبغي ترسيخها في النفوس، وينبغي تنميتها لدى الناشئة، وأيضًا تأصيلها الشرعي، وأنها مطلوبة إلا إذا تعارضت مع حب الدين والعقيدة، فإن العقيدة والدين مقدمة، وهكذا أيضًا حب الأرحام والأقارب والجيران والأصدقاء، كلها إذا تعارضت مع الدين، فإن الدين مقدم؛ ولهذا قال الله تعالى: لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة:3] لما قدّم حاطب بن أبي بلتعة أرحامه على أمر العقيدة، فأرسل كتابًا وهو مجتهد، فأنزل الله تعالى في القصة المشهورة الآيات من سورة الممتحنة.

وعندنا هنا -ولله الحمد- في هذه البلاد المباركة التي تحكم بالشريعة، نجد أن حب العقيدة والدين مقدم حتى في القطاع العسكري، عندما يقسم العسكر يؤدون القسم في جميع القطاعات، يقول في قسمه: أقسم بالله أن أكون مخلصًا لديني، ثم لملكي ووطني، هذه صيغة القسم التي تؤدى سواء من العسكر، أو حتى من غيرهم من المسؤولين في الدولة، تجد أنهم يأتون بهذه الصيغة.

فنحن -ولله الحمد- في هذه البلاد هذا الجوانب مراعاة، ما كان متعلقًا بالدين، وما كان متعلقًا بالعقيدة، فإنه مقدم على كل شيء، وعلى هذا فيكون جانب التأصيل للمواطنة، وحب الوطن، والانتماء للوطن، نقول: إنه مطلوب، وإنه مشروع، ولكن بشرط أن يدخل تحت دائرة الانتماء الإسلامي، وتحت دائرة العقيدة، فإذا دخل تحت هذه الدائرة، فإنه يكون كسائر الدوائر كدائرة الأسرة، دائرة الأرحام، دائرة الزملاء، الأقارب، الأصحاب، كل هذه مطلوبة ومراعاة، لكن بشرط ألا تتعارض مع دائرة العقيدة، فإن تعارضت مع الدين والعقيدة، فإن الدين والعقيدة مقدم على ذلك.

بعض الناس لا ينظر لمسألة المواطنة مطلقًا، بل يلغيها، بل بعضهم يشمئز من هذا العنوان، حتى من التحدث فيه، ويَطْرِحُونه بالكلية، وهذا خلل وقصور، كما ذكرنا حب الوطن مغروز ومركوز في الفطر، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحب المدينة، وقبل ذلك مكة، والصحابة ، والآثار في هذا كثيرة، فإلغاء مسألة حب الوطن والمواطنة لا شك أنه خلل، وأنه قصور، والغلو فيها إلى درجة جعلها فوق مرتبة الدين والعقيدة أيضًا هذا خطأ، والموقف الصحيح هو الاعتدال، لا إفراط ولا تفريط، نقول: إن حب الوطن مطلوب، وأنه مشروع، لكن لا يُغلى فيه، ولا يتجاوز به فوق مرتبة الدين.

أهمية الدفاع عن الوطن

عندما يقال: الوطن والمواطنة، الوطن هذه البلد، وطن المسلمين هو بلد المسلمين، وفيه المسلمون، ومساجدهم، وأهلوهم، وعلماؤهم، وولاة أمرهم، وأموالهم، هذا الوطن بهذه المكونات يحتاج إلى الدفاع عنه، وكل مواطن يعتبر جنديًّا في هذا الوطن، ومدافعًا عنه عندما يُطلب الدفاع عن الوطن فمطلوب الدفاع من كل مواطن بحسب استطاعته، والله تعالى يقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا [البقرة:246] فطلب القتال لأجل أوطانهم؛ لأن مخرجهم من ديارهم وأبنائهم، فطلبوا من هذا النبي أن يبعث لهم ملكًا لأجل أن يقاتلوا حتى يرجعوا إلى ديارهم وأبنائهم هل استجاب لهم النبي؟ نعم، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا كل هذا القتال لأجل الدفاع عن ديارهم وأبنائهم، وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا لكن مع استحضار أن هذا أيضًا القتال في سبيل الله؛ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في سبيل الله هذا هو الأصل، وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا يأتي أيضًا من ضمن الأسباب، لكن الأصل أنه قتال في سبيل الله، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا إلى آخر الآيات التي ذكرها الله تعالى في سورة البقرة.

ومن هنا فإن الدفاع عن بلد الإسلام يعتبر من الجهاد في سبيل الله ؛ ولهذا فجنودنا المرابطون على الحدود، والذين على الجبهة، والذين يقاتلون الحوثيين الآن، علماؤنا يفتون بأن قتالهم من الجهاد في سبيل الله، ويفتون كذلك بأن من قتل منهم على خط المواجهة، فيعامل معاملة الشهيد لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، وإنما يدفن في ثيابه، هذا هو الذي عليه الفتوى، وهذا الذي هو عليه العمل، بشرط أنه قد قتل في خط المواجهة؛ لأن هذا من الجهاد في سبيل الله ، فإن الدفاع عن الإسلام، وعن بلد الإسلام، وعن المسلمين، لا شك أن هذا من الجهاد في سبيل الله تعالى، ومن القتال في سبيل الله، ومن قتل منهم فترجى له الشهادة، ومطلوب -أيها الأخوة- التكاتف والتعاون بين أفراد المجتمع دفاعًا عن بلد الإسلام، وأن تنمى هذه الروح لدى الناشئة، وأن تنمى أيضًا وتعمق روح الأخوة بين المؤمنين، فإن هذه من الأمور التي حثت عليها الشريعة، وهي من المقاصد العام.

حرص الشريعة على المحبة بين المسلمين

كل ما كان يؤدي إلى تقوية المحبة والمودة بين المسلمين فالشريعة تدعو إليه، وكل ما كان يؤدي إلى البغضاء والشحناء بين المسلمين فالشريعة تمنع منه، هذه قاعدة عامة.

لو أخذنا أمثلة لها: إلقاء السلام والتحية هذا يؤدي إلى المحبة: أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم [8].

الشريعة تدعو إليه، مرتبة الأجر في حق من بدأ أخاه بالسلام، بل حتى الكلمة الطيبة صدقة: وتبسمك في وجه أخيك صدقة [9].

الإحسان لأخيك بأي وجه من وجوه الإحسان صدقة: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] تكررت في القرآن خمس مرات، كل ما كان يؤدي إلى المحبة فالشريعة تدعو إليه، كما ذكرنا قبل قليل، صلاة الجماعة شرعت لأجل تحقيق هذه المعاني، وتعميق معاني الأخوة والمحبة والمودة بين المسلمين.

وفي المقابل كل ما يدعو إلى الشحناء والبغضاء بين المسلمين فالشريعة تمنع منه، حرمت البيع على بيع أخيه، الشراء على شراء أخيه، السوم على سوم أخيه، والخطبة على خطبة أخيه، حرمت الشريعة بيوع الغرر؛ لماذا حُرمت بيوع الغرر؟ لماذا نهى النبي عن الغرر؟ لأن الغرر مظنة للنزاع، والنزاع يؤدي إلى الشحناء بين المؤمنين؛ ولذلك فينبغي أن يحرص المسلم على مراعاة هذه المعاني، أن يكون سليم الصدر لإخوانه المسلمين، وأن يحقق معاني الأخوة مع إخوانه، وأن نقتدي بصحابة رسول الله الذين ضربوا أروع الأمثلة في هذا.

أذكر مثالًا واحدًا فقط، وأكتفي به في هذه الجزئية، جاء في صحيح البخاري أن النبي لما آخى بين سعد بن الربيع وعبدالرحمن بن عوف، عبدالرحمن بن عوف هاجر من مكة إلى المدينة، ما عنده شيئًا، المهاجرون تركوا ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، سعد بن الربيع أنصاري، وكان كثير المال، فأتى إلى أخيه عبدالرحمن، قال يا عبدالرحمن: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا، وسأقسم مالي بيني وبينك نصفين، وعندي زوجتان، فانظروا إلى أيتهما هويتها، أطلقها، فتعتد وتتزوج بها [10].

سبحان الله! انظر إلى هذه الأخلاق العظيمة، يريد أن يقسم نصف ثروته لأخيه، يعرض عليه عرضًا جادًا؛ لأنه أخوه في الله فقط، نصف ثروته، هذه الأخلاق العظيمة التي لا تكون إلا من الكبار ومن العظماء، وكلما سما الإنسان، وارتفع قدره، عظمت وسمت أخلاقه.

الاعتزاز بالانتماء والهوية

أيها الأخوة: وأنتقل إلى محور آخر في هذه المحاضرة، وهو محور الاعتزاز بالانتماء والهوية.

الاعتزاز بدين الإسلام

نحن أكرمنا الله بهذا الدين العظيم الذي جعله الله تعالى خاتمة الرسالات السماوية، والذي لا يقبل الله تعالى بعد بعثة محمد من أحد من البشر دينًا سواه: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، أكرمنا الله تعالى بهذا الدين، وسمانا المسلمين، فينبغي أن نعتز بهذه الهوية: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] اعتز بإسلامه، فينبغي لك أخي المسلم أن تعتز بإسلامك، فأنت على الدين الحق، وغيرك على ضلال.

أقول هذا ونحن نرى بعض المسلمين عندما يكون مثلًا في طائرة، أو غيرها، يحين وقت الصلاة يخجل أن يذهب ويصلي من بين ركاب الطائرة، خاصة إذا كان في طائرة أجنبية، أو نحو ذلك، يا أخي أنت المسلم، أنت على الدين الحق؛ لماذا لا تعتز بإسلامك؟ لماذا لا تعتز بدينك؟ المرأة المسلمة كذلك تعتز بحجابها، هي على الدين الحق، وغيرها على ضلال، فينبغي الاعتزاز بهذه الهوية: وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

الاعتزاز بلغة القرآن

كذلك أيضًا من مكونات الهوية: اللغة العربية، هذه اللغة التي هي لغة القرآن، والتي هي من أعظم، بل أعظم وأرقى لغات العالم، ينبغي أن نعتز بها، مع الأسف نجد ضعفًا في هذه القضية، قضية الانتماء والاعتزاز، لو ذهبت الآن إلى أي دولة في العالم، إذا ذهبت إلى فرنسا في المطار تجد أن موظف المطار حتى لو كان يعرف اللغة الانجليزية أو غيرها من اللغات ما يتحدث، لا يتحدث إلا بالفرنسية، لو ذهبت إلى ألمانيا، تجد أن الموظف لا يتحدث معك إلا بالألمانية، لو ذهبت إلى اليابان لا يتحدث معك إلا باليابانية، ما بالنا نرى بني قومنا لا يعتزون بلغتهم، مع أنها لغة القرآن، وهي أعظم اللغات؟!

لكن أصحابها لهم نشاط كبير جعلوها هي اللغة العالمية، هذه هي مكانة اللغة العربية، مكانتها عظيمة، ينبغي أن نعتز بلغتنا، ونعزز هذا الانتماء وهذه الهوية في نفوسنا وفي نفوس أبنائنا، وأن الإنسان الحقيقة ليحزن عندما يرى هذا الضعف، ضعف الانتماء، وضعف الهوية، ينبغي أن يكون عندنا اعتزاز بلغتنا هي لغة القرآن، وينبغي أن نعزز هذا الانتماء.

الاعتزاز بالتاريخ العربي الهجري

كذلك أيضًا التاريخ نحن مسلمون تاريخنا هو التاريخ الإسلامي العربي الهجري، المرتبط بحركة القمر: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، مواقيت لجميع الناس، وهي الأصلح لارتباط العبادات بها، ومع ذلك نجد بعض المسلمين وربما لست مبالغًا إن قلت كثيرًا من المسلمين، يؤرخون بالميلادي، لو كان يذكرون الميلادي بعد التاريخ الهجري الأمر سهل، لكن أن يترك التاريخ الهجري العربي الإسلامي الذي أرخت به حوادث الإسلام، وكُتب أهل الإسلام أرخت به، يترك هذا التاريخ هذا يدل على ضعف الانتماء، وضعف الهوية، وضعف الاعتزاز بالهوية؛ ولذلك ينبغي أن نسعى جميعًا لتعزيز هذا الانتماء، وهذه الهوية.

وأنتم -أيها الأخوة- فيكم الخطباء والأئمة، فينبغي أن تحرصوا على هذا، وأن يخصص جزء من خطب الجمعة لتعزيز هذه الأمور، تعزيز الهوية لدى المسلمين، ينبغي أن يخصص خطيب الجمعة مثلًا عند بداية السنة الهجرية يُبيّن أهمية التاريخ الإسلامي الهجري القمري، ويحث الناس على أن يؤرخوا به؛ لأننا ما لم نفعل ذلك أخشى أن يصيبنا مثل ما أصاب بعض دول العالم الإسلامي، أصبحوا لا يعرفون التاريخ الإسلامي الهجري إلا إذا دخل رمضان، وغير رمضان ما يعرفونه، بل لا توجد دولة من دول العالم الإسلامي تعتمد التاريخ الهجري رسميًّا غير هذه الدولة، وأذكر أنني مرة ذهبت لدورة شرعية لإحدى دول الخليج، فرأيت الإعلان عن الدورة بالتاريخ الميلادي، فأول ما بدأت الدورة عاتبت الأخوة المنظمين، قلت: أنتم طلبة علم، ينبغي أن تعززوا الهوية الإسلامية والانتماء، إذا كنتم أنتم لم تفعلوا ذلك، ماذا نرجو من العامة، ومن غير طلبة العلم؟

قالوا: إن الناس لا يعرفون إلا التاريخ الميلادي، حتى لو لم يعرفوا إلا التاريخ الميلادي، اكتبوا التاريخ الهجري، وبجواره التاريخ الميلادي، أما أن تطمس الهوية إلى هذه الدرجة، لا شك أن هذا خطأ، هذه من الأمور التي ينبغي الاهتمام بها، والحقيقة أني أرى قلة اهتمام بهذه الأمور؛ ولذلك أشكر الأخوة في الوزارة على ترتيب هذا البرنامج، وينبغي -أيها الأخوة- أن تعنوا بذلك في خطبكم وكلماتكم تعززوا هذه الجوانب في نفوس العامة.

قبل أيام اتصل بي أحد الناس، ودعاني دعوة إلى مناسبة زواج، قلت متى؟ قال: في تسعة عشر أغسطس، أو عشرين أغسطس، قلت: لماذا تؤرخ بتاريخ النصارى؟ لماذا ما تؤرخ بالتاريخ الهجري؟ لكي أبيّن لكم إلى أن هذه الأمور ما لم نتداركها، فإنها ستكون حالنا مثل حال المسلمين في دول العالم الإسلامي، أصبحوا لا يعرفون التاريخ الإسلامي، وأصبحت حتى اللغة العربية عندهم أيضًا الاهتمام بها ضعيف، أصبحوا يهتمون باللغات الأخرى هذه قضية انتماء، وقضية هوية، وكل أمم الأرض تعتز بهويتها.

فينبغي لنا جميعًا -أيها الأخوة- أن نحرص على تعزيز الانتماء والهوية، وأن نغرسها في النفوس.

وكذلك أيضًا المواطنة ليس على سبيل التعصب والعنصرية، وإنما أرى أن هذا وطن الإسلام، وبلد الإسلام، وفيه المسلمون، وفيه المقدَّسات، وفيه العلماء، ندافع عنه، ونعزز هذه المعاني في النفوس، وأيضًا نحن وضعنا تأصيلًا بشرط ألا يتعارض ذلك مع الدين والعقيدة.

فهذه القضايا من القضايا المهمة التي ينبغي أن نحرص عليها جميعًا.

وأسال الله تعالى للجميع الفقه في الدين، والعلم النافع، والتوفيق لما يحب ويرضى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 العبودية ص: 44.
2 رواه أحمد: 9675.
3 رواه البخاري: 4830، ومسلم: 2554.
4 رواه البخاري: 6014، ومسلم: 2624.
5 رواه البخاري: 1802.
6 فتح الباري: 3/ 621.
7 التذكرة الحمدونية: 7/ 416، وحياة الحيوان الكبرى: 2/ 341.
8 رواه مسلم: 54.
9 رواه الترمذي: 1956، وابن حبان: 474.
10 رواه البخاري: 3781.

مواد ذات صلة