الرئيسية/محاضرات/لقاء مفتوح عن استغلال شهر رمضان
|

لقاء مفتوح عن استغلال شهر رمضان

مشاهدة من الموقع

عناصر المادة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:

اغتنام مواسم الخيرات

فنعيش -أيها الإخوة- هذه الأيام موسمًا من مواسم التجارة مع الله بالأعمال الصالحة، نعيشها هذا الشهر الكريم، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185]، فيه ترفع الدرجات، وفيه تضاعف الحسنات، وفيه تكفر الخطايا والسيئات، وتعتق الرقاب من النار.

فاجتهدوا -رحمكم الله- في هذا الشهر الكريم، فما هي إلا أيام معدودات، وسرعان ما تنقضي، وسرعان ما تطوى صحائفها، والإنسان -أيها الإخوة- يكدح في هذه الحياة، ويكدح ويسير وفي النهاية، لا بد من لقاء الله يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق:6]؛ فلا بد من لقاء الله ، وكل واحد منا قد غُيّب عليه الأجل، فلا يدري متى يأتيه الأجل، لا يدري متى يبغته الأجل، أيصبحه أو يمسيه؟ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34] والإنسان -أيها الإخوة- خلق في هذه الحياة الدنيا لغاية عظيمة، بيّنها ربنا ، وهي تحقيق العبودة لله ، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:56-57].

فالله خلق الملائكة، وجعلها مُسخّرة لا تأتي منها المعصية، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ [التحريم:6] وكذلك أيضًا خلق الله مخلوقات غير مكلفة، وخلق الله هذا الإنسان، وعرض عليه الأمانة، فقبلها، وقد عرضها قبل ذلك على السماوات والأرض والجبال، فخفن منها، وأشفقن منها، وأبيْنها، أما الإنسان فقد قَبِلَ هذه الأمانة، أمانة التكاليف في هذه الحياة الدنيا؛ ولهذا -أيها الإخوة- فمقامنا في هذه الحياة الدنيا في دار اختبار وابتلاء وامتحان.

فلنجتهد -أيها الإخوة- في طاعة الله ، فإن الإنسان إذا مات يرى أن كل شيء بعد الموت مرتب على ما عمل في هذه الدنيا، وتشهد عليه ملائكة كرام كاتبون، تشهد عليه، وتكتب عليه أعماله وأقواله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۝كِرَامًا كَاتِبِينَ ۝يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12] وُكّل بكل إنسان ملكان يكتبان الحسنات والسيئات، وتجمع أعمال الإنسان كلها، وتوزن يوم القيامة، بميزان حسي له كفتان كل حسناتك التي عملتها في الدنيا تجمع وتوضع في كفة الحسنات، وكل سيئاتك التي عملتها في الدنيا، تجمع وتوضع في كفة السيئات، ثم توزن بهذا الميزان: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ [القارعة:6] يعني: كفة الحسنات فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ۝ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [القارعة:7-8] يعني: رجحت كفة السيئات فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ۝وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ۝ نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:9-11].

أيها الإخوة: الحياة فرصة واحدة، غير قابلة للتعويض، قد تخسر في أمر من أمور الدنيا، لكنك تعوض في تجارة، في دراسة، في أي شيء من أمور الدنيا، تعوض، وأما الحياة فهي فرصة واحدة غير قابلة للتعويض، من نجح في هذا الاختبار فقد نجح النجاح العظيم، وفاز الفوز العظيم، ومن خسر فقد خسر الخسارة العظيمة، مهما نال من متع الدنيا: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

وبعض الناس -أيها الإخوة- محب للخير، محب للاستقامة، محب للصلاح، محب للصالحين، لكنه يبقى يعيش في بحر الأماني، فهو يتمنى الاستقامة، ويتمنى التوبة، ويبقى في أماني إلى أن يبغته الموت، وهو لا يزال يتمنى، والأماني لا تنفع الإنسان، فلا بد أن ننتقل -أيها الإخوة- من الأماني إلى العمل، فإن النفس البشرية تحتاج إلى حزم، وإلى عزم، وإلى نهي عن الهوى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

ولنغتنم -أيها الإخوة- هذه المواسم الفاضلة التي الأجر فيها عظيم، والثواب فيها جزيل، هذه الأيام والليالي التي نعيشها موسم عظيم رابح، لمن وفقه الله ، فلنجتهد في هذا الموسم الكريم، ولنستشعر أنه موسم عبادة وطاعة، وليس موسم لهو وفرح ومرح، وإنما هو موسم عبادة وطاعة، فأروا الله من أنفسكم خيرًا.

فضل فريضة الصيام

ينبغي أولًا أن نحافظ على فريضة الصوم، فإن الصيام عبادة عظيمة، حتى قال أهل العلم: إنه أفضل العبادات، والله تعالى اختص بالجزاء عليه، اختصه بجزاء خاص من بين سائر الأعمال، يقول الله في الحديث القدسي: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشرة أمثالها، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به لماذا؟ يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي [1].

أي: أنه يظهر فيه أثر الإخلاص لله ؛ إذ أنه لن يراقبك أحد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هل تأكل؟ هل تشرب؟ هل تفطر سرًا؟ لن يكون عليك مراقبة من البشر، وإنما الله هو الذي يراقبك، فإن تركت هذه المفطرات، وصمت ابتغاء الأجر من الله ، دل ذلك على صدقك مع الله تعالى، فكان الجزاء عظيمًا، والثواب جزيلًا.

الصلاة الجزاء عليها من باب الحسنة بعشر أمثالها، الزكاة من باب الحسنة بعشر أمثالها، الحج كذلك، وسائر العبادات كذلك، إلا الصوم، الصوم الجزاء عليه خاص، وكما يقال: العطية بقدر معطيها، أضرب لهذا مثالًا لو أن معلمًا قال لطلابه: أنا سأعطي الطلاب المتفوقين جوائز، فأنت يا فلان لك جائزة، وأنت لك جائزة، وأنت لك جائزة، وأما أنت يا فلان فلك جائزة خاصة من عندي، ماذا نتوقع هذه الجائزة؟ أنها أفضل من بقية زملائه، وإذا كان الأستاذ كريمًا كانت الجائزة أكبر، فالله ولله المثل الأعلى، هو أكرم الأكرمين، وهو أجود الأجودين جل وعلا، وهذا يدل على أن الثواب على الصيام عظيم.

المحافظة على فريضة الصيام

لكن ينبغي -أيها الإخوة- المحافظة على الصيام من ألا يخدش بمعصية؛ لأن كل معصية تقع من الصائم، تنقص من الأجر، وإذا كثرت المعاصي من الصائم فقد يصل للمرحلة التي ذكرها النبي في قوله: من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه [2].

يعني: من لم يتأدب بآداب الصوم، وتكثر منه المعاصي، يكثر منه السب والشتم والغيبة والنميمة والكذب والنظر المحرم، والسماع المحرم، ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ليس هناك حاجة لصوم هذا الإنسان، ما دام أنه لم يتأدب بآداب الصيام، أي: أنه لا يثاب على هذا الصيام، ولا يؤجر عليه؛ لأنه لم يتأدب بآداب الصيام، صيامه ليس إمساكًا فقط عن المفطرات من الأكل والشرب ونحوهما، لكنه كذلك إمساك عن المعاصي؛ ولهذا ينبغي للصائم أن يستحضر هذا المعنى، حتى لو أخطأ عليك أحد لا تقابل الخطأ بمثله، بل اترك الرد احترامًا للصوم، وإن امرؤ سابه أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم [3].

مع أن مقابلة السباب بمثله جائز، لكن في الصوم ينبغي أن تترك ذلك، وأن تقول: إني صائم، حتى تخبره بأن تركك الرد ليس ضعفًا، وإنما احترامًا لهذه الشعيرة، شعيرة الصيام.

الإكثار من النوافل في رمضان

كذلك أيضًا ينبغي أن نكثر من النوافل بعد المحافظة على الفرائض، فبعد المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، وبالنسبة للرجال مع الجماعة في المسجد، ينبغي الاستكثار من النوافل، وآكدها في شهر رمضان صلاة التراويح: من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة [4].

وكذلك أيضًا فعل ما تيسر من النوافل، السنن الرواتب، سنة الضحى، ونحو ذلك، وكذلك أيضًا الإكثار من تلاوة القرآن، فإن شهر رمضان هو شهر القرآن: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185].

الإكثار من قراءة القرآن

فينبغي لكل مسلم ومسلمة ألا يمضي عليه هذا الشهر إلا وقد ختم فيه القرآن الكريم، هناك من الناس الموفقين من يختم القرآن عدة ختمات، والإمام الشافعي نُقل عنه أنه كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، وإن كان قد ورد في حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن أقل ما يختم فيه القرآن سبعة أيام [5].

لكن قال أهل العلم: يُستثنى من ذلك المواسم الفاضلة، مثل شهر رمضان، وقد رأيت -أيها الإخوة- من يختم القرآن كل يوم من أيام رمضان، بل أعجب من هذا رأيت في مقرأة قرآنية كانت دورة قرآنية في مقرأة، وتفرغ طلابها لقراءة القرآن، وتبرع أحد المحسنين بإفطارهم وسحورهم، يقرؤون القرآن طيلة الوقت، يختم الواحد منهم القرآن ثلاث مرات في اليوم الواحد، هذا يا إخوان من التوفيق، وهذا فضل عظيم: ومن قرأ حرفًا له حسنة، والحسنة بعشر أمثالها [6].

وقد حسب بعض أهل العلم مع أن فضل الله واسع، وينبغي عدم الحساب، لكن هذه المسألة بخصوصها جاء الحساب فيها، في الحديث: من قرأ حرفًا له حسنة والحسنة بعشر أمثالها حسب بعض أهل العلم ضرب عشرة في عدد حروف القرآن، وكانت النتيجة أكثر من ثلاثة ملايين حسنة، إذا ختمت القرآن، وهذا فضل الله، وفضل الله يؤتيه من يشاء؛ ولهذا قال : لا حسد يعني: لا غبطة إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار يعني: آناء يعني ساعات، يعني: يقرأ القرآن ساعات الليل، وساعات النهار، هذا والله الذي ينبغي أن يغبط، والثاني: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق [7] يعني: على إنفاقه في وجوه البر، فهذا هو الذي ينبغي أن يغبط، هذان الاثنان فقط.

رمضان شهر الجود والإحسان

كذلك أيضًا -أيها الإخوة- شهر رمضان هو شهر الجود والإحسان، فينبغي أن نتفقد أموالنا، ونخرج الزكاة فيما وجب فيه الزكاة، ونكثر من الصدقة، فإن الصدقة -أيها الإخوة- شأنها عظيم جدًّا، فالصدقة تدفع البلاء، الصدقة هي إحسان منك إلى الفقير، والله يقول: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن:60] إذا أحسنت إلى هذا الفقير، فإن الله يحسن إليك، الصدقة -أيها الإخوة- يضاعف الله أجرها وثوابها إذا كانت عن إخلاص مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة يعني انظر إلى الأجر العظيم والثواب الجزيل وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261].

وقد سأل أزواج النبي سألنه: أينا أسرع لحوقًا بك؟ والقصة في صحيح البخاري، فقال: سودة، قال: أطولكن يدًا [8].

فأخذن قصبة، وذرعن أيديهن، فوجدن أن أطولهن يدًا سودة زوج النبي ، فتوقعن أن أسرعهن وفاة بعد وفاة النبي هي سودة، ثم تبين أن سودة بقيت، وأن أسرعهن وفاة زينب، فعرفن أن المقصود بطول اليد كثرة الصدقة؛ لأن زينب أكثرهن صدقة، فكثرة الصدقة -أيها الإخوة- شأنها عظيم.

أعرف رجلًا بقي خمس سنين لم يرزق بذرية، فأتى إليه أحد الناس، وأشار عليه بأن يكفل هو وزوجته يتيمًا، فكفل يتيمًا، وفي ذلك العام رزقا بابن، والقصص في هذا كثيرة، فالصدقة قد تدفع البلاء عن الإنسان، تدفع المصيبة عن الإنسان، بل حتى المريض كما جاء في الحديث: داووا مرضاكم بالصدقة [9].

كان أحد السلف الصالح لا يمر عليه يوم إلا تصدق فيه لله بصدقة، وذات يوم لم يجد ما يتصدق به، بحث لم يجد، وجد بصلًا، أخذ بصلًا يريد أن يتصدق به، فلقيه أحد الناس، قال: لم يوجب الله عليك هذا، يعني: هي صدقة تطوع، وهذا قد ينتن رأسك، فقال: لا إني أردت ألا يمر عليّ يوم إلا تصدقت فيه لله بصدقة؛ لأنه بلغني عن رسول الله أنه قال: إن المؤمن يكون في ظل صدقته يوم القيامة [10].

وبعض الناس غير موفق، يبخل، ويأمر الناس بالبخل، تجد أنه يقول: لا تعطي هذا، ربما يكون هذا كذا…، طيب إذا كان هذا الذي يطلب الصدقة كاذبًا، هذا يوبخ ويرفع أمره، لكن إذا كان صادقًا، أو أنك لا تعلم بحاله، فإما أن تعطيه، وإما ألا تزجر من يعطيه، وتثبط من يعطيه.

فينبغي -أيها الإخوة- إذًا أن نكثر من الصدقة، ومن البذل، ومن الإحسان، ومن الجود، وأن نقتدي بالنبي الذي كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، فلرسول الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.

المسارعة إلى الطاعات

ينبغي أن يكون عندنا -أيها الإخوة- همة في الطاعة، وفي الأعمال الصالحة، وفي المنافسة في الخير، وفي المسارعة للطاعات، وألا ينتظر الإنسان أن يحث، وأن يؤمر، بل يكون عنده هذه الروح؛ روح المبادرة.

جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة  أن النبي قال: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ كان هذا في غير رمضان، يعني: صيام تطوع، قال أبو بكر : أنا يا رسول الله، قال: من أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر : أنا يا رسول الله، قال: من عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر : أنا يا رسول الله، قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر : أنا يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة [11].

لاحظوا -أيها الإخوة- هذه القصة أولًا النبي يريد أن يغرس في أصحابه روح المبادرة، فسأل هذه الأسئلة من فعل كذا؟ من فعل كذا؟ وكان السابق في هذه الأمور كلها من؟ أبو بكر الصديق ؛ لهذا كان أفضل الأمة، في يوم أصبح صائمًا صيام تطوع، وأطعم مسكينًا، وتبع جنازة، وعاد مريضًا، ربما يكون له أعمال أخرى غير هذه، فهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن أن يكون عنده روح المسابقة والمبادرة للخير وللطاعة؛ وليستحضر المسلم أن كل يوم يمضي ينقص به العمر، ويقترب به الأجل، كل يوم يمضي يبعدك عن الدنيا، ويقربك من الموت، ومن الدار الآخرة، وكما قال الحسن البصري: “ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم، ذهب بعضك” [12].

ومن الحكم في هذا التي تلقاها الناس جيلًا بعد جيل: أن من عمل طاعة، فإن تعب الطاعة يزول، ويبقى ثوابها، ومن فعل معصية، فإن لذة المعصية تزول، ويبقى عقابها، انتبهوا -أيها الإخوة- يعني: نحن الآن صلينا صلاة التراويح، وربما البعض قد يشعر بشيء من التعب والكسل، لكن ذهب هذا التعب وبقي الأجر، وثبت الأجر إن شاء الله، وهكذا قل في سائر الأعمال الصالحة التعب يذهب، ويبقى الأجر، بينما لذة المعصية تذهب ويبقى الوزر، ويبقى العقاب، فينبغي إذًا -أيها الإخوة- أن نجتهد في الطاعات، وأن نتدارك ما تبقى من العمر، وأن نعلنها في هذا الشهر الكريم توبة نصوحًا وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] وإنابة إلى الله ، وتداركًا لما فات.

أسأل الله أن يبارك لنا في شهر رمضان، وأسأله أن يجعلنا ممن يصومه ويقومه إيمانًا واحتسابًا، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأجيب عما تيسر من الأسئلة.

الأسئلة

لا زكاة في الأرض ما لم تتمحض النية لإرادة التجارة

السؤال: يقول فيه السائل: هل تجب الزكاة فيمن يملك أرضًا بنية التجارة، نية التجارة فيها غير متمحضة، بل إذا زاد سعرها باعها.

الجواب: هذا الرجل الذي يملك هذه الأرض نسأله سؤالًا هل يمكن أن تبني عليها؟ أو ممكن أنك تستغلها، يعني: لا تبيعها، أو أن في نيتك أن تبيعها الآن أو مستقبلًا؟

النية هنا يا إخوان مؤثرة، وهو أدرى بنيته، فإذا قال: لا أنا أريد أن أبيعها الآن، أو أريد أن أبيعها في المستقبل، فهذه تجب فيها الزكاة، أما إذا كان لا، أنا أريد أن أبني عليها مسكنًا، أو أريد أن أبني عليها مثلًا شققًا، أو دكاكين، وأؤجرها، هذه لا زكاة فيها، إذا كان مترددًا في النية أيضًا لا زكاة فيها، فإذا لا تجب الزكاة في الأرض إلا إذا جزم بنية التجارة يعني: بنية البيع، وإما الآن أو في المستقبل.

حكم إعطاء الأخت المتزوجة من الزكاة

السؤال: هل يجوز إعطاء الأخت المتزوجة من الزكاة؟

الجواب: إعطاء الأقارب الإخوة والأخوات إذا لم يكن بين الإنسان وبينهم توارث فلا بأس، يعني: لو مات هذا القريب، هذا الأخ، أو الأخت، هل ترثه أم لا ترثه؟ إذا كنت سترثه لو مات، ليس له أبناء، والأب ليس موجودًا فهنا يجب عليك إذا احتاج إن تعطيه من حر مالك، وليس من الزكاة.

أما إذا كان ليس بينك وبينه توارث، بأن كان الأب موجودًا، والأخ لا يرث مع وجود الأب، أو كان له أبناء، فهنا يجوز أن تعطيه من الزكاة إذا كان مستحقًا، من هو المستحق للزكاة؟ المستحق للزكاة هم الأصناف الثمانية الذي ذكرهم الله في قوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60] أوضح هؤلاء الأقسام عندنا في المجتمع الفقراء والمساكين والغارمين، الفقراء والمساكين هم المحتاجون، لكن الفقير أشد حاجة من المسكين، والفقير هو من لا يجد شيئًا، معدمًا، أو يجد دون نصف الكفاية والمسكين من يجد نصف الكفاية، أو أكثرها دون تمامها.

أوضح هذا بمثال يعني من كان عنده دخل راتب شهري يكفيه إلى نهاية الشهر، هذا ليس بفقير، ولا بمسكين، ولا يجوز له أن يأخذ من الزكاة إذا كان راتبه أو دخله ينتهي عشرة من الشهر، يجوز له أن يأخذ من الزكاة، هذا فقير إذا كان ينتهي منتصف الشهر، يجوز أن يأخذ من الزكاة هذا مسكين إذا كان ينتهي عشرين من الشهر، يجوز له أن يأخذ من الزكاة؛ لأنه مسكين، وأما إذا كان يكفيه إلى آخر الشهر ليس بفقير ولا بمسكين، من كان عليه دين إذا كان الدين مؤجلًا، فلا يعتبر من الغارمين، وليس له أن يأخذ من الزكاة إذا كان الدين حالًا، فننظر هل يستطيع أن يسدد أم لا؟ إذا كان يستطيع أن يأخذ من الزكاة، أو يجدول الدين على راتبه، ليس له الأخذ من الزكاة، لكن لو كان راتبه ضعيفًا، والدين حالًا، ولو أن الدائن رفع فيه شكاية، ربما سجن، فهنا هذا يعتبر من الغارمين، يجوز أن يأخذ من الزكاة ما يسدد به دينه.

دفع الزكاة لمن يريد الزواج

السؤال: هل المعونة للمتزوج يعد من الزكاة؟

الجواب: المتزوج إذا كان فقيرًا أو مسكينًا لا بأس بإعطائه من الزكاة، لكن يعني يضعها في الأمور الأساسية في المهر، ولا يعطى من الزكاة، ويذهب ويستأجر بها قصر أفراح، قصر أفراح هذه من الأمور الكمالية، لكن يعطى إذا كان فقيرًا، أو مسكينًا، دخله ضعيف وعجز عن تحصيل المهر أو لحقه بسبب تحصيل المهر ديون فيجوز أن يعطى من الزكاة، أما إذا كان راتبه كبيرًا فلا يعطى من الزكاة، ولا تعتبر الإعانة على الزواج من الزكاة.

هل تجب الزكاة في مال اليتيم؟

السؤال: يُوجد عندي مال أمانة لأيتام، هل يجوز أن أخرج منه الزكاة؟ وهل أستأذنهم أو أزكي بدون إذنهم؟

الجواب: مال الأيتام تجب فيه الزكاة، أي مال يحول عليه الحول تجب فيه الزكاة، بغض النظر عن المالك، حتى لو كان صاحب المال مجنونًا، أو كان يتيمًا، فما دام أنه بلغ نصابًا، وحال عليه الحول، فتجب فيه الزكاة، وولي اليتيم مطالب بإخراج الزكاة، ولا حاجة لإذنهم؛ لأن يستأذنهم، وإنما يخرج الزكاة مباشرة، وهنا ولي اليتيم ينبغي له أن يستثمر أموال اليتامى، حتى لا تأكلها الزكاة؛ لأنه إذا بقي كل سنة يزكي سوف تنقص أموالهم؛ ولهذا قال: تنقص نقصًا في الظاهر، وإلا الزكاة كلها بركة؛ ولهذا قال عمر : “اتجروا بأموال اليتامى؛ كيلا تأكلها الصدقة”.

أين تؤدى السنن الرواتب؟

السؤال: ما السنة في السنن الرواتب أن تكون في المسجد أم في المنزل؟

الجواب: السنن تكون في البيت؛ لقول النبي : أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة [13]؛ لكن صلاته في المسجد لا بأس بها، خاصة من خشي من النسيان.

حكم لقطة الحرم

السؤال: ذهبت إلى العمرة وجدت مائة ريال في الشارع، ثم عشرين ريالًا في شارع آخر، إلى مَن أرد هذا المال؟ هل لو تصدقت به في…، أو غيرها يجوز أم لا؟

الجواب: قد أخطأت في أخذ هذا المال؛ لأن لقطة الحرم لا تلتقط إلا لمنشد أبد الدهر، فكان ينبغي أن تتركها أو تسلمها لمكتب الأمانات، لكن حيث أن هذا وقع، فينبغي حتى تتخلص أن تذهب بها إلى مكتب الأمانات وتكتب على هذه لقطة وتسلمها لهم؛ لأن لقطة الحرم لا يجوز التقاطها إلا لمنشد أبد الدهر.

ليلة السابع والعشرين من رمضان

السؤال: ما صحة الأدلة التي وردت في أن ليلة القدر ليلة السابع والعشرين؟

الجواب: لا أحد يستطيع أن يجزم أن ليلة القدر هي ليلة كذا، لكن أرجى الليالي موافقة لليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين؛ لأن النبي لما صلى بأصحابه صلاة التراويح صلى بهم ثلاث ليال، ليلة ثلاث وعشرين إلى ثُلث الليل، وخمس وعشرين من منتصف الليل، وسبع وعشرين الليل كله، حتى خشوا أن يفوتهم السحور، وجمع أهله وأزواجه، ونادى الناس كلهم، فاهتم بهذه الليلة اهتمامًا كبيرًا؛ ولذلك كان أُبي يحلف بالله العظيم أن ليلة القدر، هي ليلة سبع وعشرين، كما في صحيح مسلم [14]، فهي أرجى الليالي موافقة لليلة القدر، ومن اجتهد في الليالي كلها فإنه سوف يصيب ليلة القدر.

حكم قطرة الأنف للصائم

السؤال: متى لا تكون قطرة الأنف مفطرة للصائم؟

الجواب: إذا لم يصل ماؤها للجوف، وأما إذا وصل ماؤها للجوف، فإنها تفطر الصائم.

حكم الإيجار المنتهي بالتمليك

السؤال: ما حكم شراء سيارة بالإيجار المنتهي بالتمليك؟

الجواب: هذا يختلف باختلاف الشركة، بعض الشركات تمارس الصيغة الجائزة للتأجير المنتهي بالتمليك، بل أكثر الشركات تمارس هذه الصيغة، فإذا كانت من شركة تمارس الصيغة الجائزة، فلا حرج إن شاء الله.

كيف يقرأ القرآن في رمضان؟

السؤال: هل المطلوب في رمضان ختم القرآن أم يكفي قراءة القرآن بدون ترتيل؟

الجواب: هذا يختلف باختلاف حال صفاء النفس، إذا كان عند الإنسان صفاء نفس، فلا شك أن الترتيل أولى وأفضل، لكن صفاء النفس لا يتأتى الإنسان في كل وقت، فهنا لا بأس أن يقرأ قراءة سريعة، يعني: حدر من غير ترتيل، حتى يكسب الأجر والثواب، ويمكن أن يرتل مع الإسراع وإلا الأصل، وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:4] لكن لو قرأ الإنسان قراءة مرتلة سريعة من غير إسقاط للحروف فلا بأس؛ لأنه يكسب بكل حرف عشر حسنات، لكن في حال صفاء النفس ينبغي أن يقرأ بتأنٍ وترتيل وتدبر؛ لأن هذه القراءة هي التي تزيد الإيمان وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا  [الأنفال:2].

حكم الاستهزاء بالدعاة

السؤال: ظهرت مؤخرًا لقطات فيها استهزاء بالدعاة.

الجواب: الاستهزاء بالدعاة والصالحين من قديم الزمان، والله يقول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۝لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] هذه الآية نزلت في نفر من المنافقين، وكانوا في سفر مع النبي فقال بعضهم لبعض: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، -يعنون الصحابة- أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، فنزلت الآية [15].

لاحظ أن السخرية كانت بالصحابة، وجعلها الله سخرية بالله وآياته ورسوله؛ لأنه ما استهزأوا بهؤلاء إلا لأجل تدينهم، فقاموا يعتذرون، قالوا: يا رسول الله، نحن في سفر، ونريد أن نقطع الطريق، فقال الله: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.

فالاستهزاء بالله أو بآياته أو برسوله أو بالصالحين لأجل صلاحهم هذا كفر مخرج عن الملة؛ ولهذا ذكر ذلك الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في نواقض الإسلام، ذكر أن من النواقض الاستهزاء والسخرية.

حكم دفع الزكاة على شكل باقات الشراء

السؤال: هل يجوز دفع الزكاة على شكل بطاقات الشراء، حيث يشتري الفقير ما يحتاج إليه من مواد غذائية؟

الجواب: لا بأس بذلك إذا كان في هذا مصلحة راجحة، فلا بأس، الأصل أن الزكاة تملك للفقير نقدًا، هذا الأصل، لكن إذا كان في ذلك مصلحة راجحة، كأن يكون الفقير سيء التدبير، ويشترى له به مواد غذائية، فلا بأس بذلك.

حكم مشاهدة المسلسلات بعد أذان المغرب في رمضان

السؤال: هذا يقول: من يفطر على مشاهدة المسلسلات بعد أذان المغرب والتي فيها استهزاء بالدين.

الجواب: كما ذكرنا يا إخوان ينبغي للمسلم أن يضن بوقته، وألا يتابع مثل هذه المسلسلات خاصة إذا كان فيها أمور محرمة سخرية أو استهزاء بالصالحين أو بالدين أو المتدينين، فالإنسان إذا نظر إليها، وتابعها، فيعني قد يؤثر هذا مهما كان يعطي انطباعًا في نفسه عن مثل هذه الأمور؛ ولذلك فينبغي عدم متابعة مثل هذه المشاهد التي فيها سخرية، وفيها استهزاء الله ، يقول: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140].

حكم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية

السؤال: قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية.

الجواب: قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية غير واجبة في قول أكثر أهل العلم، وإنما هي مستحبة، أوجبها الشافعية، لكن ليس على ذلك دليل ظاهر، والحديث: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب [16] حديث ضعيف، فهي ركن في حق الإمام والمنفرد، وواجبة في حق المأموم في الصلاة السرية فقط، وأما الجهرية فلا تجب كما اختار ذلك أبو العباس ابن تيمية، وجمع من المحققين من أهل العلم، وإن قرأها احتياطًا فلا بأس.

حكم صلاة التراويح للنساء

السؤال: هل صلاة التراويح للنساء أفضل؟ أم صلاتها في بيتها أفضل؟

الجواب: صلاتها في بيتها أفضل، الأصل أن صلاة المرأة في بيتها أفضل، لكن بعض النساء تقول: إذا كنت في البيت، فإنني لن أصلي بنشاط، أو ربما أصلي يعني صلاة قليلة، لكن إذا كنت مع الناس في المسجد فإني أصلي التراويح كلها، وأنشط في العبادة، فهذه قد تكون مصلحة راجحة، وأحيانًا العمل المرجوح قد يقترن به ما يجعله راجحًا.

حكم حجز المكان في المسجد

السؤال: هل حجز المكان في المسجد خاصة في العشر الأواخر؟

الجواب: الأصل أن المكان لا يحجز، من سبق فهو أحق، إلا في حالة واحدة وهي أن الإنسان يأتي مبكرًا، ثم يخرج لعارض، كأن يخرج لدورة المياه، قلنا: لا بأس أن يحجز مكانه؛ لأنه في الأصل أتى مبكرًا، لكن عرض له عارض، يريد أن يخرج مثلًا لدورة المياه، ويقضي حاجته، ويتوضأ، ويرجع هنا لا بأس، يضع على مكانه شيئًا يحجز هذا المكان، أما أنه يحجز المكان بعد صلاة المغرب، ولا يأتي إلا متأخرًا للعشاء، فالأصل أنه ليس له حق في هذا الحجز، ويجوز لمن أتى مبكرًا أن يبعد هذا الذي قد وضعه، وأن يجلس في مكانه.

زكاة الراتب الشهري

السؤال: هذا يسأل عن زكاة الراتب الشهري.

الجواب: الراتب الشهري إذا كان الإنسان لا يدخر منه شيئًا، هذا لا زكاة فيه إذا كان يدخر شيئًا من راتبه الشهري، فتجب الزكاة فيما حال عليه الحول، لكن بعض الناس يقول: يصعب عليّ أن أعرف ما الذي حال عليه الحول، وما الذي صرفت؟ ولذلك فأحسن طريقة هي أن يجعل له تاريخًا محددًا في السنة، مثل مثلًا خمسة عشر رمضان يزكي فيه جميع رصيده، ما حال عليه الحول وما لم يحل عليه الحول، ما حال عليه الحول أمره ظاهر، وما لم يحل عليه الحول ينوي به تعجيل الزكاة، وتعجيل الزكاة جائز، وبذلك لا ينظر لزكاة ماله إلا مرة واحدة في السنة، كل ما أتى خمسة عشر رمضان زكى ما عنده من رصيد، هذه الطريقة أسهل وأضبط.

توقيت صلاة الفجر

السؤال: هذا يسأل عن توقيت صلاة الفجر.

الجواب: صلاة الفجر بالنسبة للتقويم فيه إشكالية من قديم الزمان، يعني: المشكلة قائمة حتى نقرأ في الفروق، والحافظ ابن حجر أيضًا ذكرها، والسبب هو اشتباه الفجر الصادق بالفجر الكاذب، قد قال : لا يغرنكم الساطع المصعد حتى يعترض لكم الأحمر [17].

ولهذا حمل بعض أهل العلم قول النبي : أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر [18]؛ على أن المقصود عدم التعجل بإقامة صلاة الفجر، حتى نتأكد من طلوع الفجر، والذي أنصح به هو ما دام أن هناك هذه الإشكالية في معظم التقاويم في العالم الإسلامي، فالذي أنصح به هو الإمساك مع الأذان، يعني: مع التقويم، لكن لا تقام الصلاة قبل ثلث ساعة؛ لأن إقامتها قبل ثلث ساعة محل شك في دخول الوقت؛ ولذلك ثم أيضًا هو مخالف لتعليمات الوزارة، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، عممت على جميع المساجد بأن يكون الفارق ما بين الأذان والإقامة خمسًا وعشرين دقيقة، في رمضان، وفي غيره، فينبغي الالتزام بهذه التعليمات، هذه تعليمات الوزارة، فينبغي لأئمة المساجد على وجه الخصوص التقيد بها، فإذا قام الإمام بعد خمس وعشرين دقيقة، أو حتى بعد عشرين دقيقة، فيكون قد صلّى في الوقت قطعًا.

لكن هو يعني: أكثر من سؤال، المقطع المتداول هذا قديم، له يمكن ثمان أو تسع سنوات، الذي تداوله بعض الناس، هذا قديم، لكن لا زالت الإشكالية، وعدل التقويم قبل ثلاث أو أربع سنوات بحدود ثلاث دقائق، لكن لا زالت الإشكالية؛ ولذلك يحتاط المسلم لدينه، حتى تحل هذه الإشكالية، يحتاط المسلم لدينه، يمسك مع الأذان، ولا تقام الصلاة إلا بعد عشرين أو خمسة وعشرين دقيقة.

مسألة طلاق

السؤال: هذا يسأل عن مسألة طلاق.

الجواب: مسائل الطلاق -يا إخوان- تحتاج إلى دراسة ليس من السهل أن نجيب عنها في عُجالة، وهي تحتاج إلى معرفة لفظ المطلق، ونيته، وحالة المرأة من جهة الطهر وعدمه، وحالة المطلق النفسية من جهة الغضب، ودرجة الغضب، كل هذه تحتاج إلى دراسة، ويترتب عليها مصير أسرة، فالأخ صاحب سؤال الطلاق يذهب إلى دار الإفتاء، وسماحة المفتي عنده مكتب خاص للطلاق، فيه أكثر من عشرين موظفًا، خاص للطلاق فقط، فيذهب لدار الإفتاء، ويدرسون حالته، ويفتي سماحة المفتي في هذا إن شاء الله.

زكاة الأراضي

السؤال: قال: زكاة الأراضي التي لم يتم تحديد الغرض منها.

الجواب: هذه لا زكاة فيها إذا لم يجزم بنية التجارة لا زكاة فيها.

لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الصلاة، فما الحكم؟

السؤال: النجاسة بعد الصلاة.

الجواب: الصلاة صحيحة إذا لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الصلاة، أو حتى علمها ونسيها، ولم يتذكر إلا بعد الصلاة، فصلاته صحيحة، والدليل أن النبي لما صلى بنعليه، ثم أتاه جبريل، وأخبره بأن فيهما قذرًا، خلع النبي نعليه، وأكمل صلاته، ولم يستأنفها من جديد [19].

فدل ذلك على أن من كان عليه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة، فإن صلاته صحيحة.

حكم من يصلي الفجر قبل ذهابه للدوام

السؤال: هذا يسأل عمن لا يصلي الفجر لا في جماعة، ولا في الوقت، بل يصليها قبل ذهابه للدوام.

الجواب: هذا على خطر عظيم، أيها الإخوة الصلاة هي عمود دين الإسلام، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، ومن ترك الصلاة بالكلية لا يركع لله ركعة لا جمعة ولا جماعة، هذا كافر كفرًا أكبر، مخرج عن ملة الإسلام، كما قال : بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة [20] رواه مسلم، أما من كان يصلي أحيانًا، أو يؤخر الصلاة عن وقتها، فهذا فاسق؛ لأنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، عليه التوبة إلى الله ، والله يقول: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۝الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5] يعني: يؤخرونها عن وقتها، هذا الأخ الذي لا يصلي إلا عند ذهابه للدوام على خطر عظيم، عليه أن يتوب إلى الله من ذلك.

والمسألة يا إخوان هي مسألة اهتمام، فمن اهتم بالصلاة سيجد من الوسائل ما يعينه على أداء الصلاة في وقتها في المسجد، وأعرف أناسًا أحياء يرزقون أيها الإخوة، لا أذكر أنهم تركوا صلاة الفجر يومًا من الأيام أبدًا يعني: طيلة أعمارهم لا أذكر أنهم تركوا صلاة الفجر، وإذا تخلف عن المسجد عرفنا أنه إما مسافر أو مريض، فينبغي أن يعود، المسألة مسألة تعويد، يعود الإنسان نفسه وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] فالخاشعون الذين يعظمون شأن الصلاة ويقدرونها حق قدرها، لا تكون الصلاة كبيرة عليه، لكن تكون كبيرة على غير الخاشعين.

متى يبدأ الصائم بالإمساك؟

السؤال: إمساك الصائم هل هو بمجرد الأذان؟

الجواب: الإمساك هو ذكر الله في قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] العبرة إذًا بالوقت، وليس بأذان المؤذن، لكن إذا كان المؤذن يؤذن في الوقت، فيمسك بناء على ذلك؛ ولهذا قال : إن بلالًا يؤذن بليل يعني: الأذان الأول، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم [21] وكان رجلًا أعمى لا يؤذن حتى يقال: أصبحت أصبحت، لكن أيضًا تشدد بعض الناس أنه من حين يسمع المؤذن يلفظ ما فيه فمه، وهذا في غير محله، الأمر فيه سعة، قد جاء في سنن أبي داود بسند جيد: أن النبي قال: إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه [22].

ثم إن الفجر ليس لمبة تضيء فجأة، الفجر يخرج شيئًا فشيئًا؛ ولهذا لو رقب اثنان الفجر ربما يختلفان، هذا يقول: طلع، والآخر يقول: ما طلع؛ فلذلك يعني يتسامح الأكل والشرب وقت الأذان، الأمر هذا فيه سعة، وليس على الضيق الذي يعتقده بعض العامة.

حكم دفع الزكاة في كفالة الأيتام

السؤال: هل يجوز دفع الزكاة في كفالة الأيتام؟

الجواب: اليتيم قد لا يكون فقيرًا، بعض الأيتام يكون ورث من والده ثروة كبيرة، ليس كل يتيم فقيرًا، إذا كان هؤلاء الأيتام فقراء أو مساكين فلا بأس بدفع الزكاة في كفالتهم.

أفطر قبل الوقت بدقيقتين عند سماع الأذان، فما الحكم؟

السؤال: أذن مسجدنا قبل الوقت بدقيقتين، وأفطرنا، هل صيامنا صحيح؟

الجواب: نعم، صيامكم صحيح، وقد جاء في صحيح البخاري عن أسماء رضي الله عنها قالت: أفطرنا على عهد رسول الله في يوم غيم، ثم طلعت الشمس [23]، ولم ينقل أنهم أُمروا بالقضاء، فدل ذلك على أن من أفطر مخطئًا فصومه صحيح، كمن أكل وشرب ناسيًا، النسيان والخطأ مرفوع عن هذه الأمة رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله: قد فعلت [24].

ولكن أيضًا المؤذن قد أخطأ في كونه استعجل في الأذان، المؤذن ينبغي أن يكون دقيقًا خاصة بالنسبة للمغرب في رمضان، الناس تفطر بناء على أذانه، فعليه أن يكون دقيقًا في هذا، وأن يتحرى الدقة في الأذان، حتى لا يتسبب في تفطير الناس.

كيف يزكي من لديه مال حال عليه الحول، وآخر لم يحل عليه الحول؟

السؤال: يُوجد عندي مال جُمع من إيجار عقار، وبعض من هذا المال لم يحل عليه الحول، أي: إيجار متفرق.

الجواب: تحصي ما حال عليه الحول وتزكيه، أو تفعل كما قلنا في زكاة الراتب الشهري: زك كل ما عندك من سيولة نقدية، وما لم يحل عليه الحول تنوي به تعجيل الزكاة، وهذا أسهل بالنسبة لك.

حكم أرباح الفوائد من البنوك الإسلامية

السؤال: هل أرباح الفوائد البنوك الإسلامية حلال أم حرام؟

الجواب: أول البنوك الإسلامية هي لا تأخذ فوائد ربوية، ولا تدفع فوائد ربوية، لكن هي تبيع وتشتري، وبعض الناس يسمونها قرضًا، هو ليس قرضًا هو تمويل بالوصف الدقيق له، تمويل، تمويل بطريق المرابحة، أو بطريق التورق، هذا بيع وشراء لا بأس به، لكن بشرط انتبهوا لهذا الشرط: أن يكون البنك يملك السلعة، وتكون السلعة متعينة، بحيث لو أردت السلعة وتعطوني حلالي أنا اشتريت منكم سلموها لك، أما ما تفعله بعض البنوك، ما تملك السلعة، وأنها تملك سلعة وتبيعها على آلاف العملاء، هذا لا يجوز، هذا التورق المنظم، وهذا المجامع الفقهية أفتت بتحريمه؛ ولذلك لا بد أن تكون السلعة مملوكة للبنك ومتعينة يوضع عليها أرقام مثلًا، فيقول: رقمكم أنت مثلًا خمسين، هي موجودة في المستودع الفلاني، رقمكم خمسين، فإن شئت اذهب واستلمها، وأما أن تباع هكذا من غير تعيين، فهذا لا يجوز.

حكم استعمال بخاخ الربو للصائم

السؤال: ما حكم استعمال بخاخ الربو؟

الجواب: لا بأس به، بخاخ الربو بالنسبة للصائم لا بأس به، وأما البودرة التي سأل عنها الأخ تفطر الصائم؛ لأن البودرة لها جُرم، فإذا استعمل البودرة وذهبت الجوف فسد الصوم، لكن مجرد البخاخ هذا يصل القصبة الهوائية، ولا يفطر الصائم.

زكاة الدين

السؤال: لدي مال عند كفيلي السابق من أكثر من عام، وبقي عنده الآن تقريبًا 15%، كيف يتم زكاة المال وللعلم أن 15% تم استخدامه؟

الجواب: إذا كان كفيلك مليئًا باذلًا، يعني متى ما أردت منه هذا المال سلمه لك، فيجب عليك أن تزكيه، إذا كان قد بلغ النصاب، وأما إذا لم يكن مليئًا يعني كان معسرًا، أو أنه مليء لكنه مماطل، فلا يجب عليك أن تزكيه.

التوبة من الذنوب

السؤال: قال: إني أخاف الله وفي إيمان بالله؛ لكني أفعل ذنوبًا ومعاصٍ ويؤنبني ضميري.

الجواب: كلُّ بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون [25].

وقد قال : ما من عبد يذنب ذنبًا ثم يقوم ويتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له [26].

فينبغي للمسلم إذا وقع في ذنب أو معصية أن يبادر للتوبة والاستغفار، ويفعل هذا الذي أرشد إليه يقوم يتوضأ ويصلي ركعتين، ويستغفر الله، وهذه يسميها العلماء صلاة التوبة، فالله يقول: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135] فكل بني آدم خطاء، لكن خير الخطائين التوابون.

طريقة توزيع دخل العقار بين بالورثة

السؤال: يعني الأسئلة كثيرة وبعضها متكرر…، إذا كان هناك عقار له دخل سنوي من الإيجارات طريقة توزيع هذا الدخل على الورثة، هل بالتساوي بين المستفيدين أم للذكر مثل حظ الانثيين؟

الجواب: لا هذا الإيجار يوزع على طريقة الإرث للذكر مثل حظ الانثيين.

حكم رمى الحصيات دفعة واحدة

السؤال: رميت الجمرات السبع بواحدة في الجمرة الوسطى عن طريق الخطأ.

الجواب: إذا كان المقصود أنه أخذ السبع ورماها مرة واحدة، هذه تقع حصى واحدة، وقد يكون بهذا قد أخل بواجب من واجبات الحج، يكون عليه دم، يوكل من يذبح عنه دمًا في الحرم، وتبرأ ذمته إذا كان هذا هو المقصود بالسؤال.

أيهما أفضل الصلاة مع إمام التراويح بنية العشاء أو الصلاة في جماعة أخرى؟

السؤال: دخلنا المسجد مع سلام الإمام أيهما أفضل الدخول معه التراويح بنية العشاء أو الدخول بجماعة أخرى آخر المسجد؟

الجواب: أولًا وجود جماعة أخرى داخل المسجد تصلي والإمام يصلي هذا خطأ، لا جماعتان في المسجد في وقت واحد، هذا ينافي المقصود من صلاة الجماعة، ما المقصود من صلاة الجماعة؟ المقصود أن يجتمع الناس على إمام واحد، ويحصل التآلف والمودة بين المصلين، وإلا يصلي كل واحد في بيته، وربما تكون صلاته في بيته أكثر خشوعًا، فوجود جماعتين في وقت واحد في المسجد هذا لا يجوز، وهذا ينافي المقصود من صلاة الجماعة، وحينئذٍ الجماعة التي تصلي والإمام يصلي هذه الجماعة أخطأت.

ونقول للأخ: عليك أن تدخل مع الإمام ولو كان يصلي التراويح، وتنوي بذلك الفريضة نية العشاء، فإذا سلم الإمام تقوم وتقضي ركعتين، وأما صلاة جماعتين في وقت واحد هذا لا يجوز؛ لأنه ينافي المقصود من صلاة الجماعة.

بر الوالدين بعد موتهم

السؤال: أفضل البر للوالدين بعد موتهم؟

الجواب: الدعاء؛ النبي يقول: أو ولد صالح يدعو له [27] صحيح، والله يقول: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24] يعني: أحياء وأمواتًا أفضل شيء الدعاء، كذلك الصدقة، صدقة عن الأموات عمومًا وعن الوالدين على وجه الخصوص يصل ثوابها لهم، وكذلك أيضًا الحج والعمرة، هذه كلها يصل ثوابها للميت، وأيضًا هناك أمر مهم يغفل عنه كثير من الناس، وهو إكرام صديقهما، كما جاء في صحيح مسلم أن النبي قال: إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه [28] يعني: تنظر إلى من يحبهم أبوك أو أمك في حياته، وتصلهم بالزيارة، وبالهدية، وتتعاهدهم من حين لآخر، هذا من البر العظيم بوالديك، بل هذا من أبر البر، وهذا مما يغفل عنه كثير من الناس.

السؤال: ……

الجواب: لا الصلاة صحيحة؛ لأنها مكتملة الأركان والشروط والواجبات، لا تعاد، لكنها يعني خطأ، نعتبر هذا خطأ.

أيهما أفضل الدعاء أم الاستغفار لقضاء الديون؟

السؤال: طيب لعلنا نختم بهذا السؤال، قال: أنا شخص علي ديون كثيرة، وأدعو كثيرًا، وأجعل معظمه لقضاء ديوني، فهل علي في ذلك شيء؟ أيهما أفضل الدعاء أم الاستغفار لقضاء الديون؟

الجواب: ينبغي أن تضرع إلى الله في قضاء حوائجك، لكن أمور الآخرة أهم من أمور الدنيا، فالأحسن أن تجمع بين الآخرة والدنيا، ومن أعظم الأدعية، بل هو أكثر دعاء كان يدعو به النبي : “ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار”، هذا كان يكرره كثيرًا، هذا الدعاء يجمع لك سعادة الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، يعني: السعادة كل ما تعنيه السعادة، وفي الآخرة حسنة الجنة، وقنا عذاب النار، الوقاية من عذاب النار، يعني: دخول الجنة.

فأنصح الأخ السائل بأن يجعل الدعاء للدنيا والآخرة فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۝وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ۝أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة:200-202].

فالأخ كونه يدعو بأن يعجل الله قضاء ديونه هذا طيب، لكن أيضًا يجمع مع ذلك دعاء لأمور الآخرة، لكني أنصح الأخ إذا أراد أيضًا سداد دينه انتبه لهذه الفائدة أن يعقد النية جازمًا وصادقًا بالسداد، فإن الله يعينه، ويسوق له من الرزق من حيث لا يحتسب، يقول : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله [29] وسبحان الله! يعني: نجد هذا في المجتمع، انظر إلى ذلك الإنسان الذي إذا استدان الدين كما يقولون: يأكل معه ويشرب همه أمر الدين، يريد أن يتخلص منه، يسدده في أسرع وقت، هذا يعينه الله ، يفتح له من أبواب الرزق من حيث لا يحتسب، سرعان ما يسدد دينه، لكن ذلك الشخص المماطل هذا يتلفه الله، هذا الإتلاف من الله له صور: إما إتلافًا للمال، أو ذهابًا لبركته، أو إتلافًا للصحة، يعني: بعض الناس يسلط الله عليه أمراضًا، ويسلط عليه مصائبَ، ولا يعرف ما هو السبب؟ قد تكون السبب في مماطلتك بأداء الناس حقوقها؛ لأن حقوق العباد أمرها عند الله عظيم جدًّا.

فأقول للسائل: اعقد العزم على أن تسدد الدَّين، ويكون عندك حرص شديد على إعطاء الناس حقوقهم، وثق تمامًا على أن الله سيعينك، وقد جاء رجل إلى علي بن أبي طالب  وذكر أن عليه ديون كثيرة، فقال: ألا أعلمك دعاء علمنيه رسول الله لو كان عليك مثل جبل أحد دينًا لقضي عنك؟ قال: نعم، قال: قل: اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك [30] فإذا قال هذا الإنسان بصدق، وسأل الله أن يعينه على سداد دينه، فإن الله ييسر له من الرزق من حيث لا يحتسب، وكان النبي يستعيذ بالله من غلبة الدين، كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن ضلع الدين، وقهر الرجال [31] وفي رواية: غلبة الدين، وقهر الرجال [32] لأن أخذ الناس لمال الإنسان إن كان بحق فهو غلبة الدين، وإن كان بغير حق فهو قهر الرجال، فكان يستعيذ بالله من الدين.

ولهذا ينبغي للإنسان ألا يستدين إلا عند الضرورة، وإذا استدان يعقد العزم على السداد فهذه النية وهذا العزم هذا من أكبر الأسباب لأن ينال عون الله له، بل قال بعض أهل العلم: إن قوله : أدى الله عنه في الدنيا وفي الآخرة، يعني: ييسر الله أسباب الرزق في الدنيا، ولو مات فإن الله يؤدي عنه في الآخرة، لكونه كان صادقًا في سداد ما عليه من الديون، وفي أداء حقوق العباد.

أكتفي بهذا القدر، وأسأل الله للجميع الفقه في الدين والعلم النافع، وأسأله أن يستعملنا جميعًا في طاعته، وأن يعيننا على شكره وذكره، وحسن عبادته.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1, 3 رواه البخاري: 1904، ومسلم: 1151.
2 رواه البخاري: 1903.
4 رواه أبو داود: 1375، والترمذي: 806، والنسائي: 1364.
5 رواه البخاري: 5054، ومسلم: 1159.
6 رواه الترمذي: 2910.
7 رواه البخاري: 1409، ومسلم: 816.
8 رواه البخاري: 1420، ومسلم: 2452.
9 رواه الطبراني في المعجم الكبير: 10196.
10 رواه أحمد: 17333.
11 رواه مسلم: 1028.
12 الزهد لأحمد بن حنبل: 1586.
13 رواه البخاري: 731، ومسلم: 781.
14 رواه مسلم: 762
15 الوجيز للواحدي ص: 470، وتفسير الطبري: 16912.
16 رواه أبو داود: 823.
17 رواه أبو داود: 2348، والترمذي: 705.
18 رواه الترمذي: 154، وابن ماجه: 672.
19 رواه أبو داود: 650.
20 رواه مسلم: 82.
21 رواه البخاري: 622، ومسلم: 1092.
22 رواه أبو داود: 2350.
23 رواه البخاري: 1959.
24 رواه مسلم: 126.
25 رواه الترمذي: 2499، وابن ماجه: 4251، وأحمد: 13049.
26 رواه أبو داود: 1521، والترمذي: 406، والنسائي في السنن الكبرى: 10175.
27 رواه مسلم: 1631.
28 رواه مسلم: 2552.
29 رواه البخاري: 2387.
30 رواه الترمذي: 3563.
31 رواه البخاري: 2893.
32 رواه أبو داود: 1555.

مواد ذات صلة