الرئيسية/محاضرات/لقاء مع طلبة العلم بجامع خادم الحرمين بشرورة
|

لقاء مع طلبة العلم بجامع خادم الحرمين بشرورة

مشاهدة من الموقع

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب؛ ليخرج الناس بإذنه من الظلمات إلى النور، والصلاة والسلام على من أضاء الله به درب الهدى الموصل إلى دار السرور، لا يخفى على أحد ما جاء في كتاب الله العظيم وصحيح السنة عن فضل العلم، وشرف أهله، والحث على طلبه.

في هذا اليوم المبارك نلتقي بعلم من أعلام هذه البلاد المباركة، معالي شيخنا العلامة فضيلة الشيخ الدكتور/ سعد الخثلان، عضو هيئة كبار العلماء، والذي يشرف هذا الجامع والمحافظة بقدومه، وإني لأجدها فرصة لأشكره باسمكم جميعًا على تجشمه المشاق واقتطاعه هذا الوقت الثمين من وقته، وأنا أعلم أنه مزدحم بالأشغال والأعمال، ولعلمي بكراهية فضيلته ومعاليه لهذا المدح، وهو أهل لأضعاف ذلك، فإني أتوقف عند هذا الحد لأدع المجال لمعاليه ليتحدث بما يفتح الله عليه، ثم نعرض عليكم بعض الأسئلة التي تخص طلب العلم وفضله، وكل القضايا التي فيه، فليتفضل مشكورًا مأجورًا.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، إلى يوم الدين، أما بعد:

فضل العلم الشرعي

إنني سعيد بهذا اللقاء مع طلاب العلم، والعلم لا يعدله شيء من الأمور لمن صحت نيته، كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فالعلم مكانته عالية، ومنزلته رفيعة، والعلم الذي وردت النصوص بفضله والثناء عليه وعلى أهله إنما هو علم الشريعة، فلا يدخل في ذلك علوم الدنيا، كعلم الطب والهندسة وغيرها، هذه علوم دنيوية مباحة، وقد يُؤجر الإنسان عليها مع النية الصالحة، وأما العلم المقصود في النصوص، فالمقصود به علم الشريعة، وهذا العلم هو الذي يرفع صاحبه درجات، كما قال ربنا سبحانه: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، وكلما ازداد الإنسان علمًا ازداد رفعة، وازداد خشية لله إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

طرق تحصيل العلم

وأنتم -أيها الإخوة- في هذه السن في سن الطلب، فينبغي أن تحرصوا على طلب العلم، والاجتهاد في تحصيله، وقد ذكر الشاطبي رحمه الله أن لطلب العلم طريقتين:

  • الطريقة الأولى: أخذ العلم عن أهله؛ وذلك بحضور الدروس، وحلق العلم، ونحوها.
  • الطريقة الثانية: الاجتهاد الشخصي بالقراءة في كتب أهل العلم والحفظ، ونحو ذلك.

وقال الشاطبي رحمه الله: “إن الطريقة الأولى أنفع وأكثر فائدة، وهي المأثورة عن كثير من السلف” [1].

والذي يظهر أن كلا الطريقتين مطلوبة، فالطريقة الأولى: أخذ العلم عن أهله، هذه لا شك أنها تختصر الكثير من الجهد ومن الوقت، فعندما يأتي عالم، ويشرح لك متنًا، وهذا العالم بقي أربعين سنة مثلًا أو أكثر أو أقل وهو يبحث ويطلب العلم ويعلم ويجتهد ويقرأ، ثم يعطيك خلاصة ما عنده في هذه المسألة، فأنت بذلك تختصر الكثير من الجهد ومن الوقت، ثم إن المواظب على دروس العلم وحلق العلم كما يقول الشاطبي: يكون هناك خاصية تحصل له من حيث لا يشعر في طلب العلم، وفي الازدياد منه، وفي تحصيل الملكة والاجتهاد الشخصي.

السعي إلى تحصيل الملكة العلمية

وكذلك مطلوب حفظ ما تيسر من المتون والقراءة والاطلاع والاستغفار، والمهم في طلب العلم السعي إلى تحصيل الملكة، فإن تحصيل الملكة هو أهم ما يكون لطالب العلم، وأضرب لكم مثالًا يتضح به المقال:

لو أنك احتجت إلى علاج، وقيل لك: إن هناك رجلين؛ رجل مثقف ومطلع ويحفظ خمسين كتابًا في الطب، ورجل آخر لا يحفظ ولا كتاب في الطب، لكنه طبيب، فإلى أيهما تذهب؟

الجواب نعم: تذهب إلى الطبيب، طيب الأول يحفظ خمسين كتابًا، والثاني ما يحفظ ولا كتاب؟! لكنك ما تثق في الذي يحفظ خمسين كتابًا؛ لأنه ليس طبيبًا، يعني: لم تحصل عنده الملكة، ليس عنده ملكة في الطب، فأنت لا تثق فيه، ولا في معلوماته، ولا في طبه.

أما الطبيب فحصلت عنده الملكة، وهكذا أيضًا بالنسبة لطالب العلم، المهم أن يسعى لتحصيل الملكة، وهذه الملكة تحصل بتحرير المسائل وتأصيلها، وكثرة الاطلاع والمباحثة، وحضور حلق العلم، وقد استمعت إلى شرح عن برنامج تأصيل قام في هذه المحافظة، وهو برنامج كبير، وهو مما يعين على تحصيل المَلَكة؛ ولذلك أوصي -أيها الإخوة- بالحرص على طلب العلم، وأن يخصص كل منكم من وقته وقتًا لحضور الدروس والحلق، ينبغي أن تقام الدروس العلمية والحلق، وأن يحرص الطلاب على حضورها، وعلى الإفادة منها.

الصبر على طلب العلم

وينبغي أن يصبر طالب العلم على طلب العلم، قال يحيى بن أبي كثير: “لا يستطاع العلم براحة الجسد” [2]، وهذا الأثر عن يحيى بن أبي كثير أورده مسلم في صحيحه في باب مواقيت الصلاة، وقيل: إن الإمام مسلمًا إنما أورده في باب مواقيت الصلاة؛ لأنه تعب في جمع طرق هذه الأحاديث، فأورد هذا الأثر عن يحيى بن أبي كثير: “لا يستطاع العلم براحة الجسد”.

الرحلة في طلب العلم

العلم يحتاج إلى صبر، وقد كان السلف الصالح يرتحلون في سبيل طلب العلم، فجابر بن عبدالله الأنصاري  الصحابي الجليل لما سمع أن عند عبدالله بن أنيس حديثًا عن النبي ركب بعيره، وسافر من المدينة إلى الشام وحده، وبقي في هذه الرحلة شهرًا كاملًا حتى وصل إلى الشام، وتصور من المدينة إلى الشام على بعير، ما معه أحد، مكث في هذه الرحلة شهرًا كاملًا، فلما وصل إلى عبدالله بن أنيس اعتنقه، وقال: يا ابن عبدالله، ما الذي جاء بك؟ قال: بلغني أنك سمعت من النبي حديثًا، فخشيت أن أموت أو تموت، ولم أسمعه منك، فذكر له عبدالله هذا الحديث، ثم رجع جابر ، وبقي في الرجوع أيضًا شهرًا كاملًا، أي: أنه أمضى شهرين كاملين من أجل سماع حديث واحد فقط، وأبو أيوب الأنصاري ارتحل من المدينة إلى مصر من أجل سماع حديث واحد فقط.

والرحلة في طلب العلم مشهورة ومعروفة، وصنف فيها مصنفات، وإذا قرأت في تراجم العلماء السابقين تجد في تراجمهم: أنه رحل إلى بلاد كذا وكذا وكذا، والآن تقول لبعض طلاب العلم: إن هناك درسًا في مسجد كذا، يقول: والله المسجد بعيد، سبحان الله! السلف يرتحلون من أجل طلب العلم، وأنت تقول: المسجد بعيد؟! مع أنه يذهب للمسجد بالسيارة، أو أنه تعقد دورة علمية، ويأتي علماء ومشايخ من خارج المنطقة إلى المنطقة لأجل إلقاء الدروس، وتجد بعض الناس يستثقل، أو يقول: مكان بعيد، أو نحو ذلك، العلم لا بد له من الصبر والجلد والتحمل، فلا يستطاع العلم براحة الجسد.

ثم أن العلم لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يأتي شيئًا فشيئًا، العلم لا يأتي دفعة واحدة، يحصّل الإنسان شيئًا فشيئًا، حتى يحصل العلم.

ثم إن العلم لا بد أن تظهر ثمراته على طالب العلم، وإلا لا قيمة له إذا لم يظهر أثر العلم الشرعي على طالب العلم، يظهر عليه ذلك في سمته، وفي مجال عبادته لربه، وفي تعامله مع الناس، وإلا فما الفائدة من هذا العلم؟ يكون حجة على الإنسان يوم القيامة، وأول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، ومنهم: رجل تعلم العلم وعلّمه الناس وقرأ القرآن فيؤتى به فيعرفه نعمه فيعرفها، فيقول: ما عملت فيها؟ فيقول: تعلمت فيك العلم، وعلّمته الناس، وقرأت فيك القرآن، فيقال: كذبت، لكنك تعلمت ليقال: هو عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ورمي في النار، نسأل الله السلامة والعافية.

ظهور أثر العلم على صاحبه

فلا بد أن يظهر أثر العلم على صاحبه، وأن يتأدب بآداب طالب العلم، وأيضًا من آداب طالب العلم الارتباط بأهل العلم، والصدور عنهم، وعن آرائهم، لا بد أن يُوجد مرجعية لطالب العلم؛ لأنه بدون المرجعية كل يقول من رأيه، ثم يقع في الانحراف، وما نراه الآن من انحراف بعض طلاب العلم، ودخلوهم مع جماعات تكفيرية، أو غيرها من أبرز أسباب هذا الانحراف: عدم ارتباطهم بالعلماء، وعدم إيجاد مرجعية لهم يصدرون عنها، لا بد أن يكون لطالب العلم مرجعية، وأن يحترم العلماء، وأن يصدر عن آرائهم؛ ولذلك إذا وجدت من يقدح في العلماء، ويستخف بهم، فاعلم أن هذا عنده لوثة، وعنده انحراف، ينبغي أن نحترم أهل العلم والفضل، وأن نصدر عن آرائهم، وأن نجعلهم مرجعية لنا، هذا لا بد منه خاصة في مرحلة الطلب.

ولعلي أكتفي بهذا القدر، وأجعل بقية الوقت للإجابة على الأسئلة، فربما يكون عندكم مسائل تحبون الحديث عنها، فنخصص ما تبقى من الوقت للإجابة عما يرد من أسئلة أو استفسارات.

الأسئلة

أهمية ارتباط طالب العلم بعلماء يصدر عن آرائهم

المقدم: شكر الله لفضيلة الشيخ هذه الكلمات النيرة، وهذه الوقفات النافعة المباركة، نسأل الله أن ينفع بهذه الكلمات، وأن يحقق الفائدة للجميع، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبع أحسنه، ولا يخفى على أحد منكم أن العلماء هم صمام الأمان، وهم المنبع الصافي والمرجعية في النوازل..، ونتمنى من شيخنا الفاضل بعض الإضاءات حول مرجعية وارتباط طالب العلم مع هؤلاء العلماء الراسخين، فليتفضل مشكورًا مأجورًا.

الشيخ: نعم، كما أشرت قبل قليل: أن طالب العلم خاصة في هذه المرحلة العمرية مرحلة الطلب، لا بد من ارتباطه بعلماء ومشايخ يصدر عن آرائهم، ولا يتصدر في هذه المرحلة، وهو لا زال صغيرًا، ولا زال في مرحلة الطلب، فإن هذا فيه خطورة كبيرة؛ لأن نظرة الإنسان للحياة، ونظرته للأمور في هذه المرحلة تختلف عن نظرته فيما بعد؛ ولذلك تجد غالب من وقعوا في التكفير، يعني: ممن افتقدوا المرجعية، وكانوا في هذه المرحلة العمرية يعني: يندر أن تجد أحدًا وقع فيها مثلًا فوق الأربعين في هذه المرحلة العمرية مرحلة الشباب، ثم افتقدوا المرجعية، أو أنهم زهدوا في العلماء، فاتخذوا رؤوسًا جهالًا، فأفتوهم، وتأولوا، ووقعوا فيما وقعوا فيه من هذه الفتنة العظيمة التي تجعل الإنسان يكفر المسلم ثم يقتله، نسأل الله السلامة والعافية.

وهذا هو فعل الخوارج، الذي قتل علي بن أبي طالب  كان عابدًا، كان في جبهته أثر السجود، فلما قتل علي أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، قيل له: كيف تقتل عليًّا؟ قال: “هذا أرجى عمل أتقرب به إلى الله”، قتلُ عليٍّ! لكن هذا عنده انحراف في فهم الإسلام، انحراف في التدين.

وقد كان عنده مرجعية، علماء كبار، كابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهما- وغيرهما كبار الصحابة موجودون، زهدوا، أو زُهِّدوا فيهم، فلم يأخذوا منهم، ووقعوا في هذه الفتنة العظيمة، نظير ذلك في الوقت الحاضر، ما يرى من بعض الشباب عندما يفتقدون المرجعية، ولا يرتبطون بأهل العلم يتخذون رؤوسًا جهالًا فيفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون، ولا بد لطلاب العلم في هذه المحافظة من أن تجتمع كلمتهم، ويكون بينهم تعاون وتكاتف ومعالجة للمشاكل التي تكون في المحافظة، والمشاكل والقضايا التي تكون بين طلاب العلم، واحترام متبادل، وهذا إن شاء الله ما نظنه ونؤمله، وأن يرجع طلاب العلم الصغار إليهم، وأن يكونوا هم المرجعية في هذه المحافظة، ويرجع طلاب العلم الصغار إليهم، ويحترموهم، ويصدروا عن آرائهم، وهؤلاء يصدرون عن أراء من هم أكبر منهم في هذا، وهكذا، بهذا تنتظم الأمور.

طالب العلم ووسائل التواصل الاجتماعي

المقدم: أحسن الله إليك في الآونة هذه انتشرت مواقع التواصل، وانكب عليها طلبة العلم، ولا شك أن في ذلك بعض المحاذير، منها: الانشغال عن طلب العلم، وتخطف بعض الطلبة الشبهات، وتهاون في الصلوات، فلعلك تتحفنا شيخنا ببعض التوجيهات أو الإضاءات في هذا الموضوع.

الشيخ: وسائل التقنية الحديثة هي سلاح ذو حدين إن استخدم في الخير نفع وأفاد، وإن استخدم في الشر أضر، فينبغي أن نستخدمها، ونفيد منها الإفادة الأنفع، مثل مثلًا “واتساب” و”تويتر” و”فيسبوك” وبرامج الحاسب الآلي، هذه كلها ينبغي أن نحسن الإفادة منها، وأن نستخدمها في الدعوة إلى الله ، وفي نشر العلم، لو مثلًا يكون بين طلاب حلقة تحفيظ القرآن الكريم مجموعة على “الواتساب” مثلًا، ويتحاورون، ويقول أحدهم مثلًا: حفظت كذا، والثاني حفظت كذا، ويشجع بعضهم بعضًا على الخير، ويشجع بعضهم بعضًا على المحافظة، وعلى الصلاة، ويشجع بعضهم بعضًا على الدعوة إلى الله ، هذا من الأمور الحسنة، ومن الأمور الطيبة، فيمكن إذا أن يستفاد منها.

“تويتر” أيضًا أحيانًا يكون متابعوهم بالآلاف، فيمكن تغريدة واحدة يكون فيها دعوة إلى الله ، ونشر العلم، أو إعلان لمحاضرة، أو إعلان لدرس، ونحو ذلك، هكذا أيضًا البرامج الحاسوبية، يمكن أن تجد برامج حاسوبية بالآلاف مخزنة في برنامج صغير، ترجع فيه، لكتب كثيرة، مثل المكتبة الشاملة مثلًا ترجع لآلاف الكتب عن طريق هذا البرنامج، فهذه البرامج الحاسوبية مفيدة لطالب العلم.

وهناك أيضًا بعض البرامج الخاصة بطلاب حلقات تحفيظ القرآن الكريم لمتابعة الحفظ، هذه البرامج والصور من صور الإفادة الأمثل من وسائل التقنية الحديثة، ولكن قد تستخدم في الشر، قد تستخدم في نقل الشائعات، قد تستخدم في الوقوع في الأعراض، قد تستخدم في أمور ليس فيها خير، ولا فائدة، ولا نفع، وقد تشغل أيضًا طالب العلم إذا انكب عليها، تشغل طالب العلم عن القرآن، تشغله عن العلم، وعن الدعوة إلى الله ، إذًا هي سلاح ذو حدين، فينبغي أن نستفيد من وجهها المشرق، ونفيد منها في الدعوة إلى الله ​​،​​​​ وفي نشر العلم.

أهمية حفظ القرآن لطالب العلم

المقدم: أحسن الله إليك، حفظ القرآن، والعيش مع القرآن، من الأساسيات التي يبدأ بها طلبة العلم، وهي سمة بارزة لمن أراد العلم، نأمل من شيخنا وصية للطلبة بالمبادرة والاهتمام بحفظ كتاب الله .

الشيخ: حفظ القرآن منزلة عالية، وشرف كبير، يقول النبي : الماهر بالقرآن أكمل الحديث.

نعم، أحسنت مع السفرة الكرام البررة من هم السفرة الكرام البررة؟ الملائكة، انظر إلى عظيم منزلته، الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران [3]؛ فانظر إلى عظيم شرف الماهر بالقرآن.

حفظ القرآن لا شك أنه من أعظم الإنجازات في حياة الإنسان، أعظم إنجاز في حياتك أنك تحفظ القرآن، هذا شرف كبير؛ ولذلك ينبغي أن تحرصوا جميعًا على حفظ القرآن، وعلى تعاهد الحفظ أيضًا، لا يكفي بمجرد الحفظ، تعاهد ما حفظتموه، فإنه سريع التفلت، كما أخبر بذلك النبي قال: تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عُقُلِها [4].

ويجعل الإنسان له خطة يسير عليها، يعني مثلًا يقول: الشهر القادم أنا سأحفظ كذا، الشهر الذي بعده كذا، خلال هذا العام إن شاء الله أحفظ القرآن كاملًا، أو خلال مثلًا منتصف العام المقبل، يجعل له خطة يسير عليه، حتى يكمل حفظ القرآن، وإذا لم تحفظوا القرآن في هذه السن في الغالب أنكم لن تحفظوه فيما بعد، يصعب عليكم حفظه، مرحلة الشباب هي المرحلة التي يسهل فيها الحفظ؛ ولذلك أوصي الإخوة جميعًا بحفظ القرآن والارتباط بحلقات تحفيظ القرآن؛ لأن من أراد أن يحفظ القرآن.

القرآن يُؤخذ بالتلقي ما يفتح الإنسان المصحف، ويحفظ من نفسه، لا، قد يحفظ خطأ، يقرأ الآية ينطقها نطقًا غير صحيح، القرآن يُؤخذ بالتلقي، وجبريل تلقاه عن الله ، ونبينا محمد تلقى عن جبريل، والصحابة تلقوه عن نبينا محمد ، ثم تلقاه التابعون عنهم، وتابعو التابعون عنهم، وهكذا حتى وصل إلينا بالتلقي؛ ولذلك فمن أراد أن يحفظ، يحفظه على معلم حلقة، أو على قارئ متقن، عن طريق المسجل، هذا ممكن خاصة يعني لمن لا يتيسر له المعلم، أو أنه مثلًا غاب في أحد الدروس، ولم يتيسر له أن يحفظ، ويريد أن يحفظ، ولا ينقطع عن الحفظ هنا يستمع للآيات التي يريد أن يحفظها عن طريق معلم متقن من القراء المعروفين المشهورين مثل مثلًا المنشاوي أو غيره، يستمع له ويكرر الآيات التي يريد حفظها، المهم أن تجعل لك خطة؛ لكي تحفظ القرآن كاملًا.

وصية لطلاب العلم

المقدم: أحسن الله إليك، الوصية لها أثر عظيم وبالغ في نفس الطالب، ولا سيما إن كانت من العلماء الكبار، فلعلك شيخنا توصي وتختم هذا اللقاء المبارك بوصية لأبنائك وطلابك الذين بين أيديك.

الشيخ: أقول يا إخوان ما خُلق الإنسان إلا لعبادة الله ، ما خُلق لأجل أن يأكل ويشرب ويعيش ويتمتع بمتع الدنيا، ومهما نال الإنسان من متع الدنيا، فمآله للفناء: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:26-27] فليستحضر المسلم هذا الهدف الذي خُلق لأجله، وهو عبادة الله ؛ وليسعى إلى اكتساب عمل صالح ينفعه ويغتبط به في حياته وبعد مماته، ومهما كان الإنسان عليه من القوة في العبادة، فإنه لا يمكن أن يعبد الله كما يحب الله إلا عن طريق العلم، فإنه إذا عَبَدَ الله ولم يكن عنده علم ربما انحرف في هذه العبادة، وكما سمعتم عن الخوارج، سواء الخوارج المتقدمون أو خوارج العصر، يقول فيهم النبي : تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وقراءتكم مع قراءتهم، لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية [5] وقال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد [6] فهم عندهم تعبّد بالصلاة وبالصيام وبتلاوة القرآن، لكن عندهم انحراف في فهم العبادة، فوقعوا في الضلال؛ ولذلك لا يمكن أن يعبد المسلمُ اللهَ إلا عن طريق العلم.

ومن أعظم ما يعصم ويقي من الوقوع في الانحراف، سواء الانحراف الأخلاقي أو الانحراف العقدي: العلم؛ ولهذا لا تجد طالب علم متمكن يقع في مثل هذه اللوثات، ويلتحق بهذه الجماعات، غالب من يلتحق بها تجد عنده قلة بصيرة في دينه، مع حماس وغيره، فيلتحق بهذه الجماعات، ويقع في الفتنة.

فأوصيكم يا إخواني بالعلم، احرصوا على طلب العلم، احرصوا على القرآن، وارتبطوا بالقرآن، وكذلك احرصوا على حِلق العلم، وعلى دروس العلم، فإنها تفيد كثيرًا، وتنفع، ويوجد لديكم -ولله الحمد- في هذه المحافظة برنامج تأصيل، والذي يعنى بتأصيل طالب العلم، هو برنامج نافع، أوصي بالإفادة منه، والآن لا عذر لأحد مع وجود وسائل التقنية الحديثة، لا عذر لأحد بإمكانك الآن أن تدخل على موقع أي شيخ تريده، وتستمع إلى دروسه، أو إلى محاضراته، أو أنك تأخذ الدروس والمحاضرات مسجلة، وتستمع لها في السيارة، أو في البيت، أو في أي مكان أصبح يعني الحصول على العلم متيسرًا أكثر من أي وقت مضى، والمهم أن توجد الهمة العالية لدى طالب العلم في طلب العلم وتحصيله، فإن هذا هو المهم، وسائل التحصيل الآن أصبحت سهلة وميسورة، لكنا نحتاج إلى رفع مستوى الهمة في طلب العلم.

وليسأل المسلم ربه أن يرزقه الفقه في الدين، وأن يثبته؛ لأن الإنسان سريع التقلب، وسريع التغير، ويبقى ضعيفًا بشرًا، خُلق الإنسان ضعيفًا؛ ولذلك كان النبي يكثر من هذا الدعاء: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! فقال: إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء [7].

وذكر الله من دعاء أولي الألباب أنهم يقولون: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] فينبغي لطالب العلم أن يتضرع إلى الله في أن يفقهه في الدين، وأن يثبته، وألا يزيغ قلبه، هذا من الدعاء العظيم الذي ينبغي أن نحرص عليه جميعًا.

أسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه، وأن يصرف قلوبنا إلى طاعته.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

اللهم فقهنا في الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمًا نافعًا ينفعنا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 بنحوه في الموافقات: 1/ 145.
2 رواه مسلم: 612.
3 رواه مسلم: 798.
4 رواه البخاري: 5033، ومسلم: 791.
5 رواه البخاري: 5058، ومسلم: 1064.
6 رواه البخاري: 3344، ومسلم: 1064.
7 رواه الترمذي: 2140.

مواد ذات صلة