الرئيسية/محاضرات/وإن من شيء إلا يسبح بحمده
|

وإن من شيء إلا يسبح بحمده

مشاهدة من الموقع

تعزيز الجانب الروحي لتقوية الإيمان

هو بحاجة لأن يعزز الجوانب الأخرى لديه، الجوانب الروحانية التي تقوي مستوى الإيمان لديه، وترفع مستوى اليقين، وتعنى بأعمال القلوب، هذه من الأمور المهمة لطالب العلم، والتي ربما يغفل عنها بعض طلبة العلم، ولها أثر كبير على الإنسان، وهذه الجوانب جوانب كثيرة، لكني أقتصر في هذه الكلمة على جانب واحد وهو ما يتعلق بجانب عظمة الله ، وأيضًا سأقتصر على جانب واحد من جوانب عظمة الله ، وإن مجالاته وجوانبه كثيرة، فأقتصر على ما هو مدون في عنوان الكلمة: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44].

كيف ترد على الملحد؟

وقبل ذلك أشير إلى قضية مهمة، وهي قضية تستطيع أن تحاج بها، وتقنع بها أي ملحد، وهي قضية الخلق، قضية الخلق هذه القضية ما تجرأ أحد أن ينكرها حتى المشركون والمكذبون للأنبياء والرسل ما تجرأوا أن ينكروها: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]؛ فأنت خرجت إلى هذه الدنيا لم تخلق نفسك، لو خلقت نفسك لاخترت وجهًا غير هذا الوجه، واخترت عينيين غير هاتين العينيين، واخترت أنفًا غير هذا الأنف، واخترت جسدًا غير هذا الجسد، إذا أنت لم تخلق نفسك قطعًا طيب، هل يمكن أن توجد بدون خالق؟ هذا مستحيل، لا يمكن، إذًا من الخالق؟ عندما تتأمل يُمنة ويُسرة تجد بشرًا مثلك، لم يخلقوا أنفسهم، فكيف يخلقون غيرهم، وتجد جمادات تجد جبالًا وأشجارًا وأنهارًا وحيوانات غير عاقلة، فكيف يمنح العقل من لا عقل له، إذا لا بد أن يكون هناك خالق عظيم، خلقك وخلق الكون كله، وهذا الخالق لا بد أن يعبر عن نفسه، ويقول: أنا الخالق، أنا الذي خلقتك وخلقت كل شيء، لم يقل أحد: أنا خالق كل شيء، إلا الله ​​​​​​​ وحده.

هل أحد قال: أنا الخالق غير الله؟ ما في أحد؛ لأنه لو ادعى أحد قضية الخلق لقيل له: اخلق لنا الآن، فسيفحمه أي شخص؛ ولذلك ما تجرأ أحد أن يدعي أنه الخالق، فتعين إذًا أن الله هو الخالق، وأيضًا تعين ألا إله إلا هو؛ لأنه لو كان هناك إله غير الله أين هو؟ إن كان لا يعلم بالله ولا يعلم بأن الله قال: أنا الخالق، وأنني أنا الله لا إله إلا أنا، إذًا هو لا يستحق أن يكون إلهًا، إن كان يعلم وهو عاجز لا يستحق أن يكون إلهًا، فتعين ألا إله إلا الله، يعني خذ هذه القضية بسيطة، تستطيع أن تُفحم بها أي ملحد، فتعيّن ألا إله إلا الله.

دلائل التوحيد

والتأمل في دلائل التوحيد مهمة جدًّا، وصنف فيها مصنفات، ومن أجود هذه المصنفات دلائل التوحيد للألوسي، من الكتب القيمة النافعة، ذكر فيه أكثر من اثنين وأربعين دليلًا من الأدلة العقلية، وأما الأدلة الشرعية فهي كثيرة، لكن الأدلة العقلية منطقية، إذًا الله هو الخالق لهذا الكون، والخالق لكل شيء جل وعلا، وعظمته فوق مستوى العقل البشري؛ ولذلك يقول الله : تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم:90]، السماوات على عظمتها تكاد تتشقق من عظمة الرب ، يقول النبي : أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، ما بين أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة [1]، أخرجه أبو داود بسند صحيح، ما بين أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة هذا ملك إذا كانت هذه عظمة مخلوق، فكيف بعظمة الخالق جل وعلا.

كل شيء في الوجود يسبح بحمد الله

ومظاهر عظمة الله في الكون كثيرة جدًّا، وكما قلت في بداية الكلمة، لا نستطيع أن نتحدث عنها في هذه الكلمة، لكن نقتصر على جانب واحد، وهو جانب التسبيح بحمد الله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44]، كل شيء في هذا الوجود يسبح بحمد الله ، كل شيء: الحيوانات والنباتات والجمادات، وكل شيء يسبحون الله ، وهذا يدل على فضل التسبيح، فضل عبادة التسبيح؛ لأن الله اختار لهذه المخلوقات التسبيح، فلم يختر لهم مثلًا التكبير، لم يختر لهم الحوقلة، لم يختر لهم أذكار أخرى، اختار لهم فقط التسبيح، فهذا يدل على فضل التسبيح، وعلى أنه من أجل وأعظم وأشرف العبادات؛ إذ أن الله اختاره لجميع المخلوقات: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44].

سجود المخلوقات لله وحده

وأيضًا تسجد له هذه المخلوقات سجودًا مناسبًا لها: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج:18] فهذه كلها تسجد سجودًا الله أعلم بكيفيته وحقيقته، لكنها تسجد سجودًا مستلزمًا للتعظيم لله ، فهذا الكون كله يسبح بحمد الله، ويسجد له جل وعلا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور:41] من في السماوات ومن في الأرض كلها تسبح بحمد الله ، والطير صافات حتى الطير تسبح بحمد الله ، حتى في هذه الحالة التي تكون فيه صافة في السماء، تسبح بحمد الله أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ [الملك:19]؛ لماذا ذكر الله هذه الحالة على الطير؟ الطير جسم له ثقل، ويسقط بالجاذبية الأرضية، لكن الله يمكنه من الطيران ويمكنه وفق نظام الطيران أو سنة الطيران؛ ولذلك يكون له جناحان، حتى وإن كان صغيرًا، مثل البعوضة تطير الذباب يطير الطيور هذه مختلفة الأحجام تطير، لكن أيضًا يبين الله طلاقة وعظمة قدرته، يقول: انظر إلى الطير أيضًا أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ [النحل:79] صافات ويقبضن يعني الطير عندما يطير، يطير بجناحين، لكنه أيضًا يقبض جناحيه، ومع ذلك يستمر في الطيران، يعني: هذا قانون الطيران لا بد أن يكون له جناحان، الطير الآن يقبض جناحيه ويطير، وهذا بقدرة العزيز الحكيم؛ ليبين الله أنه على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، والطير صافات ويقبضن، فهي تسبح بحمد الله حتى في هذه الحالة الغريبة العجيبة، أنها تكون في السماء ما يمسكها إلا الله، وأيضًا تكون باسطة لأجنحتها ليست مادة لها، ومع ذلك تسبح الله حتى يعني في هذا المنظر، والمظهر الغريب العجيب ليبين الله طلاقة قدرته وعظمته جل وعلا.

وعندما نتأمل آيات القرآن الكريم نجد أن القرآن الكريم ركز على هذه القضية، وهي قضية إبراز أن الله على كل شيء قدير، تأمل عندما تقرأ القرآن آيات كثيرة إما أنها تأتي مباشرة تبين أن الله على كل شيء قدير، إِنَّمَا ‌أَمْرُهُ ‌إِذَا ‌أَرَادَ ‌شَيْئًا ‌أَنْ ‌يَقُولَ ‌لَهُ ‌كُنْ ‌فَيَكُونُ [يس:82]، أو أن الآيات تأتي بمظاهر عظمة الله التي تثبت طلاقة قدرته، وأنه جل وعلا على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو سبحانه إذا أراد شيئًا، فإنما يقول له كن فيكون، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [النور:41] يعني: هذه المخلوقات الآن التي تسجد لله وتسبح بحمد الله لا يأتي هذا اتفاقًا، أو أنها تفعل ذلك من غير إدراك، لا هي تدرك التسبيح والسجود، والتعظيم لله ، كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، تفعل ذلك عن علم، هذه الجمادات التي تسبح الله تسبح الله عن علم، وعن إدراك، لكن مناسب لحالها، والنبي كان الحصى يسبح في يده، فكان إذا أخذ الحصى سمع تسبيح الحصى في يده [2].

ولما كان يخطب الجمعة على جذع، ثم إن امرأة من بني النجار صنعت للنبي منبرًا، فاتخذ المنبر، وترك الجذع، فسمع لهذا الجذع صوت كصوت الطفل يبكي، فنزل النبي من على المنبر، وأخذ الجذع، واحتضنه، وجعل يسكته، كما يسكت الطفل، وقال: أما ترضى أن تكون جذعًا في الجنة [3] سبحان الله!

فكل شيء من هذه المخلوقات له إدراك، وله حياة تناسبه، وهو يسبح بحمد الله ، ويسجد لله ، يسجد لله سجودًا مناسبًا لحاله، ويسبح بحمد الله تسبيحًا أيضًا الله أعلم بكيفيته، والله أعلم بحقيقته.

الإنس والجن هي المخلوقات الوحيدة التي تعبد الله اختيارًا

هذه المخلوقات كلها: تعبد الله ، وتسبح الله قهرًا، يعني: ليس لها اختيار، بينما جعل الله الإنس والجن هي المخلوقات الوحيدة التي جعل الله لها الاختيار، وأناط بها التكليف، وعرض الله عليها ذلك: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ يعني: أمانة التكاليف فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]؛ فالإنسان هو الذي أعطاه الله الاختيار، بينما غيره من المخلوقات ليس لهم اختيار، فإن قام الإنسان بعبادة ربه ، واستقام على طاعة الله ، سعد السعادة الأبدية في جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها من النعيم ما لا يتخيله العقل البشري، حتى العقل البشري ما يستطيع أن يتخيل فوق التخيل: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17].

وإن هو عصى الله توعده الله تعالى بنار تلظى، هذا الإنسان أعطاه الله الاختيار، وبين الله ما يريده منه، أرسل الرسل، الرسل بينوا للبشر ما يريده الله من البشر، فهو إذًا المخلوق الوحيد مع الجن الذين أعطاهم الله الاختيار، ولو أراد الله منهم أن يؤمنوا الإيمان الإجباري لتحقق، لكن الله لا يريد هذا، يريد أن يكون منهم الاختيار؛ ولهذا قال : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً  يعني: آية كونية فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:4] يعني: لو أراد الله أن ينزل آية كونية فيؤمن جميع البشر، آمنوا بالله واستقاموا على طاعته، لكن الله يريد الإيمان الاختياري، لو أراد الله جعل البشر مثل الملائكة لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] ولكن الله يريد الإيمان الاختياري، فالإنسان إذًا هو المخلوق الذي أعطاه الله الحرية والاختيار، وأما المخلوقات الأخرى، فالله قد خلقها مفطورة على الانقياد بربها فتسجد لله وتسبح بحمده على ما يليق بها، على الشيء المناسب واللائق بها.

من مظاهر عظمة الخالق سبحانه

فأقول -أيها الإخوة-: هذا مظهر من مظاهر عظمة الرب ، يعني: موقع الإنسان في هذا الكون أصغر من حبة رمل في صحراء شاسعة، نحن الآن نعيش على هذه الأرض التي فيها أكثر من سبعة آلاف مليون، ومع ذلك يعني الجزء الذي نعيش عليه اليابسة لا يشكل سوى أقل من ثلث الكرة الأرضية، فهذه الكرة الأرضية جزء يسير، كوكب صغير من المجموعة الشمسية، جزء يسير جدًّا في المجرة التي نعيش فيها، وهي مجرة درب التبَّانة، مجرة درب التبانة فيها مليارات الأجرام السماوية، الكون فيه مليارات المجرات.

طيب ما هي الحكمة من خلق الله ؟ لله حكم، الله لا يمكن أن يخلق شيئًا عبثًا. من أبرز هذه الحكم، أنها تسبح بحمد الله كل هذا الخلق يسبح بحمد الله ، فانظر إلى العظمة للرب .

وأيضًا ينبغي أن يعرف الإنسان حجمه الصغير في هذا الكون، هذا الكون، هذه المجرات، وهذا الكون الفسيح بهذه السعة كلها لا تساوي شيء بالنسبة للكرسي، كأنها حبة رمل في صحراء بالنسبة للكرسي، الكرسي بالنسبة للعرش، كأنه حبة رمل في صحراء، فسبحان الله العظيم! إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] الأرض هذه التي نعيش عليها تكون في قبضة الرب يوم القيامة وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67] فالله له من العظمة والكمال والقدرة والعلم شيء عظيم، لا يمكن أن يحيط به بشر، فهذه المعاني -أيها الإخوة- التفكر فيها، والتأمل فيها، مما يقوي اليقين ويزيد مستوى الإيمان لدى المسلم، ويتأكد هذا في حق طالب العلم، فعلى طالب العلم أن يحرص على تأمل وتدبر هذه المعاني، والتفقه فيها أيضًا، وألا ينشغل فقط بالمسائل العملية النظرية عن مثل هذه المسائل، هو بحاجة لتقوية إيمانه، بحاجة لزيادة يقينه، وكلما ازداد علمًا واطلاعًا بعظمة الله ، ازداد خشية، كما قال الله : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] كلما كان الإنسان أعلم بالله وعظمته كان أشد خشية لله .

ولعلي أكتفي بهذا القدر في هذه الكلمة، بقي خمس دقائق نتركها للإجابة عن بعض الأسئلة والاستفسارات.

الأسئلة

الصبر عند فقد الأحبة

السؤال: هذا السائل يقول: ما هو الصبر المأجور عليه عند موت الأحبة؟ وهل البكاء والحزن ينافيان الصبر؟

الجواب: الصبر معناه: الحبس، حبس ماذا؟ حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن الأفعال المحرمة، ولا يستلزم الرضا، قد يصبر الإنسان، ولكنه ليس راضٍ بالمصيبة، وهو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، قد يكون غير راضٍ، لكنه يحبس نفسه عن أن تجزع، ولسانه عن أن يتشكى ويتكلم بكلام محرم، وجوارحه عن أن تفعل أفعالًا محرمة، هذا الصبر حكمه الوجوب.

الرضا وهو أن يرضى بالمصيبة هذا حكمه مستحب، وليس واجبًا؛ لأنه لا يستطيع كل أحد أن يصل إلى ذلك، هذا لا يصل له إلا أولياء الله ، إذًا عندنا ثلاث مراتب:

  • مرتبة التسخط بالقول أو الفعل، وهذا محرم.
  • المرتبة الثانية: الصبر، وحكمه واجب.
  • المرتبة الثالثة: الرضا، وحكمه مستحب.

وأما بالنسبة للبكاء، فالبكاء من غير رفع الصوت لا بأس به، والنبي بكى لما مات ابنه إبراهيم، وقال: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون [4] وبكى لما مات سعد بن معاذ ، وبكى أبى بكر وعمر رضي الله عنهما، فالبكاء من غير رفع الصوت لا بأس به، وأما مع رفع الصوت، فهذه هي النياحة، وهي محرمة، بل من كبائر الذنوب.

والحزن ليس مطلوبًا، وليس مأمورًا به، لكنه قد يأتي الإنسان رغمًا عنه، وكان النبي يستعيذ بالله من الحزن، كما في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كنت أخدم النبي ، فكنت أسمعه يكثر من أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين، وقهر الرجال [5] الحزن يكون على أمر قد فات، والهم على أمر في المستقبل، والذي على الأمر الحاضر ماذا يسمى؟ الغم، فعندنا: الهم، والحزن، والغم، الحزن على أمر مضى، الغم على أمر حاضر، الهم على أمر مستقبلي.

هل وضاءة وجه الميت علامة خير؟

السؤال: هل وضاءة وجه الميت يعني علامة خير؟

الجواب: ترى هذه القضية يا إخوان مهمة أحيانًا يكون وجه الميت أسود، لا يدل هذا على أنه ليس من أهل الخير، وأحيانًا يكون وجهه أبيض، وليس من الضرورة أن يكون من أهل الخير، هذه تخضع لحالة المريض، لحالة الميت قبل موته، إذًا أحيانًا الدم يكون محتقن في الوجه، يسبب سوادًا وسمرة، وأحيانًا العكس، هذه كلها لا دليل يدل على أنها تدل لا على حسن الخاتمة، ولا على سوء الخاتمة، هذه تخضع لحالة الإنسان قبل موته، بعض الناس يقول: رأى أن فلانًا وجهه أسود، أو أن فلانًا وجهه أبيض، هذه كلها ليس لها أثر، وليس لها اعتبار ولا قيمة، ولا دليل يدل على اعتبارها، والإنسان ينبغي ألا يتحدث بها.

معنى قول الحسن: “تفكر ساعة خير من قيام ليلة”

السؤال: ما معنى قول الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة؟

الجواب: يعني: التفكر في عظمة الله ، وفي بديع صنعه وآياته، باعتبار أنه مما يقوي الإيمان واليقين لدى المسلم.

تسبيح أهل الجنة

السؤال: هل تسبيح من يدخل الجنة إكراهي أم اختياري؟

الجواب: الجنة ليست بدار تكليف، دار التكليف انتهت؛ ولذلك هي دار تنعم، فأهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، من غير أن يجدوا أدنى مشقة لذلك، فهي ليست تكليفًا.

حكم تقبيل المصحف

السؤال: ما حكم تقبيل المصحف؟

الجواب: تقبيل المصحف ورد عن بعض الصحابة، كعكرمة بن أبي جهل، فالذي يظهر أنه لا بأس به، ولكنه خلاف الأولى؛ لأن أكثر الصحابة لم يفعلوه، ولم ينقل ذلك عن النبي ، فهو جائز، ولا يقال: إنه مستحب، وإنما هو جائز، من فعله لا يُنكر عليه.

أفضل صيغة للتسبيح

السؤال: ما أفضل صيغة للتسبيح؟

الجواب: أفضل صيغة للتسبيح: سبحان الله وبحمده؛ لأنك تجمع بين التسبيح والتحميد؛ ولهذا قال النبي : كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم [6] فسبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، هذه من أفضل الصيغ، إذا قلت: سبحان الله وبحمده، جمعت بين التسبيح والتحميد، وينبغي للمسلم أن يكثر من التسبيح، يعني: وأنت الآن في أوقات الفراغ الميتة، هذه أنت في السيارة مثلًا، ذهبت من الكلية مثلًا إلى البيت، لو قلت: سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، كم تأخذ من الوقت؟ تكسب بها أجورًا وحسنات عظيمة، وجاء في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص  أن النبي قال يومًا لأصحابه: أيعجز أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنة قالوا: يا رسول، كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة [7] يعني: عندما تقول: سبحان الله، سبحان الله، تكسب ألف حسنة، كم تأخذ من الوقت ومن الجهد؟ المسألة يا أخواني مسألة توفيق، طرق الخير ودروب الخير كثيرة.

حكم الاعتماد في وقت الفجر على التقويم

السؤال: هل التقويم دقيق في وقت صلاة الفجر؟

الجواب: هذه تكلمنا عنها كثيرًا، وقلنا: التقاويم مختلفة في دخول وقت صلاة الفجر؛ ولذلك ينبغي للمسلم أن يحتاط لعبادته بالنسبة للصوم، ويحتاج يمسك مع التقويم، وبالنسبة للصلاة لا تقام الصلاة إلا بعد ثلث ساعة، وبذلك يكون قد تيقن من أن العبادة في وقتها، ووزارة الشؤون الإسلامية عممت على جميع المساجد بأن يكون الفارق بين الأذان والإقامة خمسة وعشرين دقيقة في جميع أيام السنة، فينبغي لأئمة المساجد التقيد بتعليمات ولي الأمر الذي تمثله الوزارة.

المفاضلة بين الملائكة والبشر

السؤال: طيب نختم إذًا…، انتهى الوقت، لعلنا نختم بهذا السؤال: هل الملائكة أفضل من البشر أم أن البشر أفضل؟

الجواب: هذه من المسائل التي فيها خلاف بين أهل العلم، فالملائكة هل هم أفضل من الصالح من البشر، أو أن الصالح من البشر أفضل؟ فيها قولان لبعض أهل العلم، قال بعض أهل العلم: إن باعتبار البداية الملائكة أفضل، وباعتبار النهاية صالح البشر أفضل، وهذا لعله هو القول الأقرب في هذه المسألة.

أكتفي بهذا القدر، وأشكركم جميعًا على الحضور، وأشكر الإخوة في لجنة التوجيه والإرشاد.

ونسأل الله للجميع التوفيق.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه أبو داود: 4727.
2 رواه الطبراني في الأوسط: 1244، وابن أبي عاصم في السنة: 1146.
3 بنحوه رواه الدارمي: 32.
4 رواه البخاري: 1303، ومسلم: 2315.
5 رواه البخاري: 5425، ومسلم: 1365.
6 رواه البخاري: 6406، ومسلم: 2694.
7 رواه مسلم: 2698.

مواد ذات صلة