الرئيسية/مقاطع/أكثر صياح أهل النار من (سوف)
|categories

أكثر صياح أهل النار من (سوف)

مشاهدة من الموقع

هذا يستدعي أن يستعدَّ الإنسان لحياة الخلود، فإن حياة الخلود هي الحياة التي تكون بعد الموت، وهي حياةٌ أبديةٌ: إما أن يعيش الإنسان في نعيمٍ دائمٍ، سرمدي، وإما في عذابٍ دائمٍ، وما بعد الموت من دارٍ إلا الجنة أو النار.

ولهذا الإنسان عندما يرى أهوال يوم القيامة يقول: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:24]، ولا يعتبر حياته في الدنيا حياةً؛ لأنها مُقارنةً بحياة الخلود لا تُعتبر حياةً، بل يعتبر الحياة الحقيقية هي حياة الخلود في الدار الآخرة.

ولهذا فالإنسان ينبغي أن يستحضر هذه المعاني، وألا يغفل عنها، وأن يستعد لحياة الخلود بالأعمال الصالحة، وليس بالأماني، فإن بعض الناس يعيش في بحر الأماني: يتمنى ويتمنى ويتمنى، ويمضي عليه العمر وهو يعيش في بحر الأمنيات!

وكما قال بعض السلف: “أكثر صياح أهل النار من: سوف” يعني: سوف نعمل، سوف نتوب، سوف نفعل كذا، ثم يمضي عليهم العمر وهم يقولون: سوف، سوف، حتى يبغتهم الموت.

الإنسان يبدأ من الآن في التوبة النَّصوح، وفي الإنابة إلى الله ​​​​​​​، والحماس الذي يأتي الإنسان في لحظةٍ معينةٍ هذا يُفيد فائدةً محدودةً، إنما الذي ينفع الإنسان هو: أن يُحافظ على الفرائض، وأن تكون له نوافل يستمر في العمل عليها، تكون له نوافل يُداوم عليها، ويُحافظ عليها، هذا هو الذي ينفع الإنسان؛ ولهذا كان أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ.

فاجعل لك بعد المُحافظة على الفرائض نوافل من صلواتٍ، ومن صيام نافلةٍ، ومن صدقاتٍ، ومن أذكارٍ ووردٍ من القرآن، وغير ذلك، تُداوم وتُحافظ عليها كل يومٍ، فإنك بهذا يكون عملك كثيرًا؛ لأن القليل مع القليل يكون كثيرًا، ثم إن هذا أحبُّ العمل إلى الله.

ثم أيضًا تستفيد فائدةً أخرى، وهي: أنه لو عرض لك عارضٌ من سفرٍ أو مرضٍ، أو أي عارضٍ يُعيقك عن هذا العمل، يُكتب لك الأجر كاملًا؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مُقيمًا [1]، وهذا لا يُكتب لمَن لم يُداوم على العمل الصالح، الذي لا يُداوم لا يُكتب له.

مثال ذلك: رجلٌ من عادته أنه يقوم الليل، وفي ليلةٍ من الليالي مرض؛ فلم يستطع أن يقوم الليل، يُكتب له أجره كاملًا كأنما قام الليل.

رجلٌ -مثلًا- من عادته أن يصوم ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، لكن في أحد أشهر السنة أصابته وعكةٌ؛ فلم يستطع، فيُكتب له الأجر كاملًا.

وهذا لا يحصل لغير المُداوم على العمل الصالح، فأكثر ما ينفع الإنسان بعد المُحافظة على الفرائض: أن تكون له نوافل يُداوم ويُحافظ عليها.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
^1 رواه البخاري: 2996.
مواد ذات صلة