جدول المحتويات
- تفسير قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
- أهم الأحكام والفوائد المتعلقة بالآيات
- تفسير قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ [البقرة:240]
- خلاف العلماء في نسخ الآية
- إيضاح معاني الآيتين
- أبرز الفوائد والأحكام المستفادة من الآيتين
- بقاء رابطة الزوجية بعد الوفاة
- جواز الوصية بسكنى الزوجة بعد الوفاة
- رحمة الله بالزوجة بعد وفاة زوجها
- يجوز للمرأة ترك وصية الزوج بالبقاء في البيت بعد العدة
- مسؤولية الرجال تجاه النساء
- لا يجوز للمرأة الخروج عن المعروف في جميع أحوالها
- إثبات اسمي الله: العزيز والحكيم
- مشروعية المتعة لكل مطلقة
- ذكر الأوصاف يحمل على تسهيل الامتثال
- العرف معتبر شرعًا
- التقوى تحمل على الطاعة
- الحكمة من مجيء آية: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة:238] بين آيات الطلاق
المقدم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مرحبًا بكم -أعزاءنا المشاهدين- في حلقة جديدة من برنامجكم "البناء العلمي".
نحن وإياكم على مائدة كتاب الله وفي تفسير آيات الأحكام، مع فضيلة شيخنا الشيخ: سعد بن تركي الخثلان، أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام. باسمي وباسمكم أرحب بفضيلة الشيخ.
الشيخ: أهلًا، حياكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المشاهدين.
المقدم: شيخنا الفاضل، كنا قد وصلنا إلى قول الله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238].
نستأذنكم في سماع تلاوة لهذه الآيات ثم نعود بإذن الله.
الشيخ: هذه الآية والتي بعدها: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة:238] وأيضًا: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239] نتكلم عنهما جميعًا.
المقدم: بإذن الله.
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم.
تفسير قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:238-239].
المقدم: تفضل يا شيخنا بالتعليق على الآيات.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فكنا قد وصلنا في تفسير آيات الأحكام إلى قول الله : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:238-239].
نبدأ أولًا بالكلام عن أبرز معاني الآيات، ثم الفوائد والأحكام.
فضل الصلاة والمحافظة عليها
قوله سبحانه: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، أمر الله تعالى بالمحافظة، والمحافظة يعني الاستمرار في حفظ الشيء مع العناية به، ولم يُبيِّن في هذه الآية كيفية المحافظة، لكن هناك مواضع أخرى من القرآن والسنة بينت ذلك، وأن من المحافظة على الصلوات: المحافظة على شروطها وأركانها وواجباتها، ومن آكد شروط الصلاة: شرط الوقت: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103].
والصلاة هي أحب العمل إلى الله، وقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ العمل أحب إلى الله؟ وهذا سؤال عظيم؛ أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ أنا أريد أن أعمل، أريد أن أتعبد لله ، ما هي أحب عبادة إلى الله؟ أحب عمل إلى الله . سؤالٌ عظيم من هذا الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود ، فبماذا أجابه النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: الصلاة على وقتها[1]، أحب عمل إلى الله الصلاة على وقتها.
فهي أفضل الأعمال وأحب الأعمال إلى الله ؛ لأن الصلاة يجتمع فيها من العبادات القلبية والقولية والفعلية ما لا يجتمع في غيرها، فالصلاة يجتمع فيها الخشوع وتعظيم الله ، يجتمع فيها أيضًا قراءة القرآن، كذلك أيضًا الذكر من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والدعاء، أنواع التعظيم، والتحيات لله .
كل هذه تجتمع في الصلاة بأقوال وبأفعال؛ بأقوال يقولها المصلِّي كقراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن. والأذكار في الركوع وفي الرفع منه وفي السجود وفي الجلسة بين السجدتين وفي الجلوس للتشهد. وكذلك أيضًا بالأفعال؛ فإنه يقوم في الصلاة ثم ينحني لربه تعظيمًا له، ثم يرفع رأسه، ثم يسجد ويضع أشرف أعضائه: جبهته وأنفه على الأرض تعظيمًا لله ؛ ولهذا أقربُ ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد[2]، وهذا هو سِرُّ العبودية.
فيأتي بهذه التعظيمات، ويكون في مقام المناجاة لله ؛ ولذلك الصلاة هي الصلة بين العبد وربه، وإذا أقبل العبد على صلاته عندما يقول "الله أكبر" قال بعض أهل العلم: عندما يُشير بيديه يقول "الله أكبر"، إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين الرب ، عندما يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرب سبحانه يُجيبه، يقول: حَمِدَني عبدي، عندما يقول المصلِّي: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يقول الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، عندما يقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، يقول الله: مجَّدني عبدي، عندما يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، يقول الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين، وعندما يقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، يقول الله: سألني عبدي ولعبدي ما سأل[3].
فالصلاة هي مناجاةٌ بين العبد وبين ربه، وصلة بين العبد وبين ربه جل وعلا؛ ولهذا هي أحب العمل إلى الله ؛ ولذلك نقول: إذا استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة مثنى مثنى في غير أوقات النهي فافعل؛ لأنها هي أحب عبادة إلى الله .
ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة كان يُصلِّي لله تعالى تطوعًا من غير الفريضة في اليوم والليلة ثلاثَمائة ركعة، وهذا مشهورٌ مستفيضٌ عنه وذُكر في تراجمه، وكان الحافظ عبدالغني مقدسي صاحب "عمدة الأحكام" يقتدي بالإمام أحمد في هذا، يُصلِّي في اليوم والليلة تطوعًا من غير الفريضة ثلاثمائة ركعة؛ لعلمهم بأن الصلاة هي أحب عبادة إلى الله، لكن الإمام أحمد في آخر حياته ضعف بدنه بعدما حصلت له المحنة وضُرِب وجُلِد، وكان يُضرَب ضربًا شديدًا إلى درجة أنه يُغمى عليه من شدة الضرب؛ فضعف بدنه فأصبح يصلِّي لله تعالى في اليوم والليلة تطوعًا من غير الفريضة مائة وخمسين ركعة.
لماذا هذا الإكثار منها: مِن هذه الركعات؟ لعلمهم بأن هذه العبادة هي أحب عبادة إلى الله ؛ ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: فإنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجة، وحَطَّ عنك بها خطيئة[4].
ومن حافظ على الصلاة وحفظها فقد حفظ دينه، وهو لما سواه أحفظ، ومن ضيَّعها فهو لما سواها أضيع؛ ولهذا كتب عمر بن الخطاب إلى ولاته وعماله: "إن أهم أموركم عندي الصلاة؛ فإنه من حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع".
الإنسان إذا حافظ على الصلاة؛ تجد أنه قد حفظ بقية أمور دينه: لما سواها أحفظ، لكن إذا ضيع الصلاة تجد أنه مضيِّعٌ لبقية أمور دينه، فالصلاة هي عمود دين الإسلام، هي الصلة بين العبد وبين ربه؛ ولهذا كان القول الراجح أن من ترك الصلاة بالكلية، قطع صلته بالله، لم يركع لله ركعة، لا جمعة ولا جماعة: أن هذا يَخرج مِن دائرة الإسلام، لا يُصبح مسلمًا كما قال عليه الصلاة والسلام: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة [5]، ويقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر[6].
وفي هذا إشاراتٌ في القرآن، كما في قول الله سبحانه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ [مريم:59-60] دليلٌ على أنَّ مَن أضاع الصلاة ليس بمؤمن؛ لأن الصلاة هي الصلة بين العبد وبين ربه جل وعلا.
ولذلك لما فرض الله تعالى هذه الصلاة على هذه الأمة فرضها على صفة خاصة:
أولًا: أُسري بنبينا محمد من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وصلى بأرواح الأنبياء إمامًا في المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماء حتى جاوز السبع الطباق ووصل إلى سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، وهو أعلى مكانٍ وصله البشر، حتى إنه سمع صوت صرير الأقلام بكتابة القَدَر، ورأى شيئًا عظيمًا مهولًا، لكنه عليه الصلاة والسلام: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:17-18]، فكلمه الله تعالى مباشرة بغير واسطة، لكنه لم يرَ الله سبحانه؛ لأن البشر لا يستطيعون بتكوينهم البشري أن يتحملوا رؤية الله العظيم الذي تكاد السماوات يتفطَّرن من فوقهن من شدة عظمته جل وعلا.
ولهذا قال موسى : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا[الأعراف:143]، بل إن البشر لا يتحملون رؤية ما هو أقل من ذلك: الملائكة على صورتهم الحقيقية، إلا في أحوال قليلة يُمكِّنهم الله منها، وإنما يرون الملائكة بصورة بشر؛ كما رأت أم سلمة جبريل على صورة دحية الكلبي ، رأت جبريل على صورة دحية الكلبي جالسًا مع النبي عليه الصلاة والسلام يتحدث معه، فلما خرج قال النبي عليه الصلاة والسلام: لأم سلمة : من هذا؟. قالت: هذا دحية الكلبي. ففهمت فيما بعد أنه جبريل كما جاء ذلك في "صحيح مسلم"[7].
لكن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام رأى جبريل على صورته الحقيقية مرتين، كما قال الله : وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى [النجم:7] يعني أفق الشمس، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:8-9] يعني من جبريل ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13] يعني في ليلة المعراج، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:14]، فرآه فقط مرتين: رأى النبي عليه الصلاة والسلام جبريل على صورته الحقيقية مرتين، ما عدا ذلك لم يَرَهُ على صورته الحقيقية، والبشر إذا كانوا لا يستطيعون رؤية الملائكة على صورتهم الحقيقية إلا في أحوالٍ نادرة أو قليلة، فكيف برؤية الرب الجليل العظيم جل وعلا؟!
لكن الله تعالى يُمكِّن المؤمنين في الجنة من رؤيته: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، يعني الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الرب الكريم ، فكلمه الله تعالى من غير أن يراه، كلَّمَه الله تعالى مباشرة، وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة، فُرضت الصلاة هكذا أولًا، ثم النبي عليه الصلاة والسلام كان شديد الحياء من ربه، يعني رَضِي بذلك، ولكن الله تعالى من رحمته بهذه الأمة أن قيض موسى عليه الصلاة والسلام فسأل نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: خمسون صلاة في اليوم والليلة، قال موسى : إني قد جرَّبت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا تُطيق ذلك؛ فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
تصور لو أن الصلاة فُرِضت هكذا ولم يَلْقَ نبيُّنا محمدٌ عليه الصلاة والسلام موسى ، ولم يسأل الله التخفيف! فمعنى ذلك أن خمسين صلاة يعني كل نصف ساعة تقريبًا صلاة، لكنَّ الله مِن رحمته قيَّض موسى لأجل هذا. فقال: ارجع لربك فاسأله التخفيف، فرجع إلى الله فسأله التخفيف فحطَّ عنه عشرًا، ثم عشرًا، ثم عشرًا، ثم عشرًا، ثم خمسًا، يعني ما بقي إلا خمس صلوات، قال موسى : ارجع لربك فاسأله التخفيف، قال: إني قد استحييت من ربي، فنادى منادٍ: أنْ أمضيتُ فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي، هي خمسٌ في الفعل، خمسون في الميزان[8].
فسبحان الله! من رحمة الله بهذه الأمة أن التخفيف فقط للفعل، وأما الأجر والثواب لم يُخفَّف، هذه الصلوات الخمس التي نُصلِّيها أجرها أجر خمسين صلاة، ليس من باب الحسنة بعشر أمثالها، إذا صليت خمس صلوات فأنت كأنك صليت خمسين صلاة، ثم يأتي بعد ذلك التضعيف: الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة.
هذا كله يُبيِّن لنا عظيم شأن الصلاة، وعظيم منزلتها في دين الله ؛ ولهذا هنا في هذه الآية الكريمة أَمَر الله تعالى بالمحافظة عليها: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة:238]، وقال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون:9]، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23]؛ فعلى المسلم أن يعظِّم شأن الصلاة، وأن يهتم بها، وأن يصلِّي كل صلاة في وقتها.
والرجل يجب عليه أن يصلِّي الصلاة مع الجماعة في المسجد؛ فقد جاء في "صحيح مسلم": أن رجلًا أعمى جاء للنبي ، فقال: يا رسول الله، إني رجلٌ أعمى، وليس لي قائد يُلائمني يقودني للمسجد، فهل تجد لي رخصة يا رسول الله في أن أصلِّي في بيتي؟ ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ رجلٌ أعمى ليس له قائدٌ يقوده إلى المسجد، ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: هل تسمع "حي على الصلاة، حي على الفلاح"؟، قال: نعم. قال: فأجب[9]، جاء في رواية أخرى: فإني لا أجد لك رخصة[10].
سبحان الله! إذا كان لا يجد رخصة لهذا الأعمى، كيف بالصحيح المبصر القادر؟ وهذا مِن أظهر الأدلة على وجوب الصلاة مع الجماعة في المسجد، وهذا حديثٌ في "صحيح مسلم"، وهو حديث صحيح، وهو صريح أيضًا: لا أجد لك رخصة[11]، هذا دليل على وجوب الصلاة مع الجماعة في المسجد على الرجال.
والنساء يجب عليهن أن يُصلِّين الصلاة في وقتها، ولا يجوز التأخير عن وقتها، وتأخيرُ الصلاة عن وقتها معدودٌ عند أهل العلم من كبائر الذنوب، فأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات عمومًا، ثم خص من هذه الصلوات صلاةً واحدةً هي أعظم الصلوات وهي أفضل الصلوات، قال: وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، الوسطى: يعني الفضلى؛ فهي أفضل الصلوات.
ما هي الصلاة الوسطى؟
مِن أهل العلم مَن قال: إنها صلاة العصر، ومنهم من قال: إنها صلاة الفجر، وهناك أقوالٌ أخرى، والصحيح أنها صلاة العصر، وقد جاء في هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته كما قال عليه الصلاة والسلام: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا[12]، يعني بذلك الكفار في غزوة الخندق، فهذا نصه صريح وصحيح في البخاري ومسلم، وهذا يدل على أن المقصود بالصلاة الوسطى صلاة العصر، فهي أفضل الصلوات الخمس وأعظمهن أجرًا، وهي آكد الصلوات في المحافظة عليها؛ ولهذا قال وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى.[البقرة:238].
تفسير قوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]
ثم قال سبحانه: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ، أمر الله تعالى بالقيام في الصلاة، والمقصود بذلك: القيام على القدمين، وأيضًا القيام إلى المكث والاستمرار. لِلَّهِ: يعني مخلصين لله. قَانِتِينَ: ما المراد بالقنوت؟ القنوت له عدة معان، حتى إن الشوكاني ذكر أن للقنوت ثلاثة عشر معنًى، فيُطلق على:
- من المعاني التي يُطلق عليها القنوت: دوام العبادة والطاعة، ومن ذلك قول الله تعالى: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:12].
- ويُطلق القنوت أيضًا على السكوت والخشوع. وهذا هو الأقرب في معنى الآية بدليل سبب النزول.
فقد جاء في الصحيحين عن زيد بن الأرقم قال: كان الرجل في عهد النبي يكلم صاحبه في الحاجة في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، قال: فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام[13]، فسبب النزول يُبيِّن لنا المعنى، فمعنى قَانِتِينَ: ساكتين خاشعين لله .، بعد نزول الآية أصبح -يعني- الصحابة لا يتكلمون في الصلاة، قبل ذلك كانوا يتكلمون في الصلاة، كان يكلم الرجل الآخر في حاجته، ولما نزلت الآية أُمروا بالسكوت ونُهوا عن الكلام في الصلاة، وأصبح الكلام في الصلاة بعد نزول هذه الآية محرمًا، بل إن من مبطلات الصلاة: أن يتكلم الإنسان في الصلاة عمدًا، هذا من مبطلات الصلاة.
فإذًا سبب نزول هذه الآية يُفسِّر المراد بقوله: قَانِتِينَ، يعني ساكتين خاشعين لله .
الصلاة في الخوف والأمن
ثم قال : فَإِنْ خِفْتُمْ [البقرة:239]: لما أَمَر بالمحافظة ثم أَمَر بالقيام ذَكَر الرخصة فيما إذا كان هناك خوف قال: فَإِنْ خِفْتُمْ، يعني خفتم حصول مكروه بالمحافظة على هذه الصلوات أو على بعض أركانها أو شروطها: بأن أخافكم عدو أو حريق أو غيره مما يخاف منه الإنسان.
فَرِجَالًا: يعني: على الأرجل، جمع رِجل، والراجل الذي يمشي على رجليه، يعني: صَلُّوا على أرجلكم راجلين أَوْ رُكْبَانًا: يعني: راكبين، يعني: صلوا رجالًا أو ركبانًا، صلوا على أرجلكم أو راكبين.
فَإِذَا أَمِنْتُمْ: يعني زال الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ: يعني أقيموا الصلاة؛ وسمى الله تعالى الصلاة ذكرًا لأنها ذكرٌ ومشتملةٌ على الذكر: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45].
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239]: الكاف هنا هل هي للتعليل أو للتشبيه؟
على الأول، يعني: اذكروا الله لتعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمون؛ يكون هذا هو المعنى.
وعلى القول بأن الكاف للتشبيه يكون المعنى: اذكروا الله على الصفة التي بينها لكم، وهي أن تكون الصلاة صلاة أمن لا صلاة خوف.
وكلا المعنيين صحيح.
أهم الأحكام والفوائد المتعلقة بالآيات
ننتقل بعد ذلك لأبرز الفوائد والأحكام:
وجوب المحافظة على الصلوات
أولًا: وجوب المحافظة على الصلوات؛ لقوله : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة:238]، فيجب على المسلم أن يحافظ على الصلوات الخمس المفروضة، وأن يحافظ على إقامتها بجميع شروطها وأركانها وواجباتها، وآكَدُ شروطها شرط الوقت، فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، وتأخيرُ الصلاة عن وقتها عمدًا من غير عذرٍ معدودٌ عند أهل العلم من الكبائر، والله تعالى يقول: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103].
ولذلك إذا عرض للإنسان عارض وأشكل عليه: هل يجمع أو لا يجمع؟ فيرجع للأصل: وهو أن الأصل أن الصلاة تُصلَّى في وقتها فلا يجمع، كأن يكون مثلًا مسافرًا وأقام في مكان، واختلفت فتيا العلماء: هل يقصر أو لا يقصر؟ في مثل هذه الحال -يعني- هل يقصر أو هل يجمع أم لا؟ فهنا يأخذ بالأصل: وهو أن الأصل في الإنسان الإقامة؛ فلا يقصر ولا يجمع. أو مثلًا نزل مطرٌ ثم اختلف الناس: هل هذا المطر مصحوبٌ بمشقة غير معتادة أو ليس مصحوبًا بمشقة غير معتادة؟ هل هو مصحوب بمشقة غير معتادة، أو أنه ليس كذلك؟ فهنا يرجع للأصل، وهو: أن الأصل أن الصلاة تُصلَّى في وقتها. وهذا من الأمور المُحْكمة.
وكون الإنسان يُقدِّم صلاة العشاء إلى وقت المغرب أو يقدم صلاة العصر إلى وقت الظهر أو يؤخر هذا؛ لا بد فيه من أمر واضحٍ بيِّنٍ ينقلنا عن هذا الأصل؛ فالأصل إذًا أن الصلاة تُصلَّى في وقتها، فهذا مما يقتضيه الأمر بالمحافظة على الصلوات، فلا يجمع الإنسان بين الصلاتين إلا بأمر واضح؛ لأن بعض الناس يتساهل في قضية الجمع، يتساهل في الجمع، وربما إذًا يتساهل في القصر. لا يَقْصر ولا يجمع إلا بأمرٍ واضح يقتضي القصر أو الجمع.
فضل صلاة العصر
أيضًا من الفوائد: فضيلة صلاة العصر؛ لأن الله تعالى خصَّها بالذكر وقال: وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، وهذا من باب التأكيد على أهميتها والعناية بها، وقلنا: إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر بدلالات السنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر[14].
وصلاة العصر هي أفضل الصلوات الخمس، ويليها في الفضل ماذا يا شيخ محمد؟
المقدم: الفجر.
فضل صلاة الفجر
الشيخ: صلاة الفجر، أحسنت. وهي قرآن الفجر؛ فإن الله قال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، والمقصود بـقرآن الفجر يعني: صلاة الفجر، ومَشْهُودًا يعني: تشهدها الملائكة، والملائكة تشهد هاتين الصلاتين؛ صلاة الفجر وصلاة العصر؛ وذلك أن الملائكة الموكلة بالإنسان: على كلِّ إنسانٍ وَكَل الله تعالى به ثمانيةً من الملائكة، ثمانية كما قال سبحانه: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]، وقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:10-11].
ذكر ابن كثير وغيره عند تفسير هذه الآية: أن عدد الملائكة الموكلين بالإنسان ثمانية: أربعة في الصباح وأربعة في المساء، يتعاقبون في صلاة الفجر وصلاة العصر، اثنان كاتبان واثنان حافظان؛ اثنان كاتبان أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:17-18].
فاثنان كَتَبةٌ: يَكْتُبان كلَّ شيءٍ، أحدهما عن اليمين يكتب الحسنات والآخر عن الشمال يكتب السيئات. واثنان حَفَظةٌ: يحفظان الإنسان بأمر الله: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: بأمر الله، لكن يحفظان الإنسان حتى إذا جاء القدر خلَّيَا بينه وبينه.
فعندئذ: الإنسان موكَّلٌ به أربعةٌ: اثنان يحفظانه واثنان يكتبان أعماله، من الصباح من صلاة الفجر إلى صلاة العصر أربعة، ثم يجتمعون في صلاة العصر، وهؤلاء الموجودون الذين كانوا من الصبح إلى العصر يصعدون إلى السماء، والذين كانوا في السماء نزلوا وهم الذين يتعاقبون فيتناوبون عليه من العصر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، فيجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، هم ثمانية، أربعة وأربعة. أربعة: اثنان حافظان واثنان كاتبان من صلاة الفجر للعصر، ثم أربعة آخرون أيضًا من صلاة العصر إلى صلاة الفجر: اثنان كاتبان واثنان حافظان.
فانظر إلى عناية الله بابن آدم هذا المخلوق الصغير جدًّا في ملكوت الله سبحانه! انظر إلى عناية الرب بهذا المخلوق! ثمانية من الملائكة في أربع وعشرين ساعة، ثمانية من الملائكة على هذا الإنسان: اثنان حافظان واثنان كاتبان، ثم يتعاقب معهم أربعة آخرون ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، كما قال عليه الصلاة والسلام: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف أتيتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يُصلُّون، وتركناهم وهم يُصلُّون[15].
وأيضًا مما يدل على خصوصية هاتين الصلاتين: قول النبي عليه الصلاة والسلام: من صلى البَرْدَين دخل الجنة. والبردان: هما الفجر والعصر. متفق عليه، هذا الحديث في الصحيحين[16].
فهاتان الصلاتان -الفجر والعصر- آكد الصلوات الخمس، لكن العصر أفضل؛ لأنها هي الصلاة الوسطى؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله[17]، وهذا أيضًا في الصحيحين، وقال: الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتِر أهله وماله[18].
وجوب القيام في الصلاة
أيضًا من الفوائد: وجوب القيام في الصلاة؛ لقول الله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ [البقرة:238]، والقيام في صلاة الفريضة ركنٌ من أركان الصلاة، ولا يجوز للإنسان أن يُصلِّي قاعدًا إلا إذا عجز عن القيام أو كان القيام يشق عليه مشقة شديدة. والضابط في هذه المشقة هي أن يفوت بسببها الخشوع في الصلاة، يعني يكون قادرًا على القيام لكن بمشقة بحيث يكون مشغولًا بنفسه ينتظر بفارغ الصبر متى يركع الإمام، هنا يجوز له أن يُصلِّي جالسًا، لكن إذا كانت المشقة محتملة ولا تُعيقه عن الخشوع في الصلاة فهنا يلزمه أن يُصلِّي قائمًا.
يلاحظ على بعض الناس أنهم يتساهلون في الإتيان بهذا الركن، بعض العامة وبعض كبار السن تجد أنه يُصلِّي جالسًا وهو قادر على أن يُصلِّي قائمًا؛ ولذلك نجد الآن -خاصة في السنوات الأخيرة- كثرة الكراسي في المساجد، ما كان هذا المظهر موجودًا في سنوات سابقة؛ مما يدل على التساهل: أن بعض هؤلاء الذين يُصلُّون جالسين قاعدين في الصلاة تجد أنه يزاول أمور دنياه بنشاط كبير.
وأيضًا بعض النساء تجيء تُصلِّي وهي جالسة، وإذا أتت إلى عرس قامت ترقص وهي قائمةٌ مدةً طويلة، طيب يا فلانة أنت تُصلِّين وأنتِ جالسة! فالإنسان ينبغي أن يكون صادقًا مع نفسه فلا يُصلِّي جالسًا خاصة في الفريضة. في النافلة القيام ليس ركنًا، القيام مستحبٌّ في صلاة النافلة، لكن في صلاة الفريضة يتأكد القيام، وهو ركن من أركان الصلاة، إلا إذا عجز الإنسان أو كان القيام يشق عليه مشقة شديدة.
القنوت في الصلاة وحرمة الكلام أثناءها
أيضًا من الفوائد: أن الأمر بالقنوت لله ، وهو خشوع القلب الذي يظهر منه سكون الجوارح؛ لقوله : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238].
أيضًا من الفوائد: تحريم الكلام في الصلاة؛ لأن الصحابة كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية فنُهوا عن الكلام وأُمروا بالسكوت[19]، والكلام في الصلاة عمدًا يُبطلها، وهو من مبطلات الصلاة؛ فلا يجوز للإنسان أن يتكلم في الصلاة متعمِّدًا.
عدم وجوب القيام في الصلاة للخائف
أيضًا: أن الخائف لا يجب عليه القيام في الصلاة؛ لقول الله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، ثم قال: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]. الخائف قد تسقط عنه بعض الأركان وبعض الشروط لخوفه، مثل -مثلًا- أن يُصلِّي خلف جدار جالسًا ولو قام نال منه عدوه؛ فيجوز له أن يُصلِّي جالسًا.
جواز الحركة في الصلاة للضرورة
وأيضًا من الفوائد: جواز الحركة الكثيرة في الصلاة للضرورة؛ لقول الله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا [البقرة:239]، ورجالٌ جمع راجل، والراجل هو الذي يتحرك حركةً كثيرة بسبب الخوف.
جواز الصلاة على الراحلة في الخوف وفي النافلة
وأيضًا من الفوائد: جواز الصلاة على الراحلة؛ لقوله : أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، في حال الخوف تجوز الصلاة على الراحلة. ومثل الراحلة في وقتنا الحاضر السيارة والطائرة ونحو ذلك. وكذلك أيضًا في صلاة النافلة في السفر.
في حال الخوف مطلقًا، وفي صلاة النافلة في السفر، وقد كان النبي يُصلِّي صلاة النافلة في السفر على بعيره[20].
وفي وقتنا الحاضر نقول: يجوز للإنسان أن يُصلِّي صلاة النافلة على السيارة وعلى الطائرة وعلى القطار وعلى السفينة، ولا يلزم استقبال القبلة: إلى حيث توجهت به[21]، ويُومِئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع.
والإنسان في السفر قد يتهيأ له وقت كثير؛ ينبغي ألا يَضِيع عليه هذا الوقت مِن غير ذكر الله ، ينشغل بما يفيد، ومن ذلك: أنه يتطوع في غير أوقات النهي، يُصلِّي مثنى مثنى، ركعتين ركعتين ولو إلى غير القبلة، يعني مثلًا رجلٌ مسافر من الرياض إلى مكة، تقريبًا إذا كان يسير بسرعة مائة وعشرين أو مائة وثلاثين: كم ساعةً شيخ محمد؟
المقدم: سبعًا إلى ثماني ساعات.
الشيخ: خلِّنا نقول: سبع ساعات مثلًا، سبع ساعات هذه طويلة، لو اغتنم فقط ساعة واحدة منها في الصلاة: كم سيصلي من ركعة؟! مثنى مثنى، يُصلِّي ولو إلى غير قبلة، يعني ما يلزم استقبال القبلة، ويُومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع.
هذه الساعة كم سيُصلِّي فيها من ركعة؟! والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: واعلم أنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة[22]، فمن جهة الخير كثيرة، ولكن المسألة هي مسألة توفيق من الله .
الصلاة من الذكر
أيضًا من الفوائد: أن الصلاة من الذكر؛ لقول الله تعالى: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة:239]، فسماها الله تعالى ذكرًا؛ لأن الصلاة مشتملةٌ على الذكر.
أيضًا من الفوائد: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239]: أن الأصل في الصلاة أنها لذِكر الله سبحانه؛ ولهذا قال: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه:14].
ولذلك لا بد أن يستشعر المسلم هذا المعنى حتى يخشع في صلاته، وحتى يشعر بأن صلاته هذه كانت سببًا في زيادة إيمانه وخشوعه وطمأنينته، تكون حاله بعد الصلاة خيرًا من حاله قبل الصلاة، هذه علامة الخشوع، علامة الخشوع في الصلاة: أن تكون حالة الإنسان بعد الصلاة خيرًا من حاله قبل الصلاة، وهذه هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
بهذا نكون قد انتهينا الكلام عن هاتين الآيتين.
المقصود بحبوط العمل
المقدم: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، قال النبي : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله[23]، ما المقصود بحبوط العمل هنا؟ جميع العمل أم عمل ذلك اليوم؟
الشيخ: هذه من نصوص الوعيد التي تُجرى على ظاهرها، وهي وعيدٌ في ترك صلاة العصر، وحبوطُ العمل عمومًا ليس فقط لصلاة العصر، وإنما كل ما ورد فيه حبوط العمل لا يكون إلا إذا مات الإنسان على ذلك؛ لقول الله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [البقرة:217].
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ شَرَط الله تعالى لذلك أن يموت على هذه الردة، فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ حبوط العمل إنما يكون إذا مات الإنسان على ذلك، لكن إذا تاب قبل أن يموت لا يحبط عمله، ومن تاب تاب الله عليه، لكن لو أنه ترك صلاة العصر طِيلة عمره حتى مات فهذا إذا ترك العصر يترك غيرها، إذا ترك الصلاة هذا من أسباب حبوط العمل، نسأل الله العافية.
سر تفضيل صلاة العصر
المقدم: ما سر -شيخنا- تفضيل صلاة العصر على غيرها من الصلوات؟
الشيخ: الله أعلم، لا ندري، لله تعالى الحكمة في هذا، بعضهم يقول: إن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى بين الصلوات الخمس، يسبقها صلاة الفجر والظهر وبعدها المغرب والعشاء. لكن لماذا فضل الله صلاة العصر على غيرها؟ الله تعالى أعلم، لله تعالى حكمة في هذا.
تفسير قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ [البقرة:240]
المقدم: نستأذنكم في سماع تلاوة الآيات ونعود.
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم:
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:240-241].
المقدم: تفضل يا شيخنا بالتعليق.
الشيخ: نعم، ننتقل بعد ذلك إلى قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:240]، ثم قال سبحانه: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241].
هاتان الآيتان هما آخر آيات الطلاق والعِدَد في سورة "البقرة"، بدأنا في هذه الدروس بتفسير آيات الأحكام المتعلقة بالطلاق وبالعِدَد، وهذه هي آخر الآيات المتعلقة بالطلاق والعدد في سورة "البقرة"، نختم بها إن شاء الله هذا الموضوع، ثم ننتقل إن شاء الله في الحلقة القادمة إلى الآيات المتعلقة بالربا ومسائله وأحكامه.
خلاف العلماء في نسخ الآية
يقول الله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240]، بعض أهل العلم يقول: إن هذه الآية منسوخة، وإن الآية التي نسختها هي الآية التي مرت معنا ومر معنا كلام عن أحكامها، وهي قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234]، قالوا: إن عدة المتوفى عنها زوجها كانت سنة كاملة؛ لقول الله تعالى هنا في هذه الآية: مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ [البقرة:240]، ثم نُسخ ذلك بقول الله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234].
فعلى هذا القول تكون هذه الآية من أنواع النسخ؛ نسخ الحكم دون التلاوة؛ لأن النسخ على أنواع:
- نسخ الحكم والتلاوة.
- نسخ التلاوة دون الحكم.
- نسخ الحكم دون التلاوة.
نسخ الحكم دون التلاوة هذا مثاله عند القائلين به، ونسخ التلاوة دون الحكم مثاله آية الرجم، كان في القرآن آية الرجم ثم نُسخت وبقي حكمها كما قال عمر : فتلوناها وحفظناها، ورجم رسول الله ورجمنا بعده[24].
وأما -يعني- ما قيل بأنه "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" فهذا لا يصح، الحديث أصلًا ضعيف، وأيضًا حتى في المتن نكارة، كيف يكون الزنا من الشيخ والشيخة، الزنا يكون من الشباب أكثر من الشيخ والشيخة، فيه نكارةٌ سندًا ومتنًا، لكنها آية -الله أعلم بها- نُسخت تلاوتها وبقي حكمها، هي آية الرجم. فهذا مثال نسخ التلاوة دون الحكم.
وهناك آياتٌ نُسخت تلاوتها وحكمها، مثل آيات تحريم الرضاعة بعشر رضعات، تحريم الرضاعة بعشر رضعات نُسخ الحكم والتلاوة. لله تعالى الحُكم والحكمة جل وعلا، الله يقول: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106].
فالجمهور يقولون: إن هذه الآية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240]، منسوخة بقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234].
وقال بعض أهل العلم: إن هذه الآية غير منسوخة، قالوا: لأن قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234] هذه في عدة المتوفى عنها زوجها. أما هذه الآية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240] لم يذكر فيها عدة المتوفى عنها زوجها، يعني الذي يتأمل الآية ليس فيها ذكرٌ للمتوفى عنها زوجها أن هذه عدتها، الله تعالى يقول: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ، فأين الدليل على أن هذه عدة المتوفى عنها زوجها؟
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآية لا تدل على وجوبِ الاعتدادِ سَنَةً، وإنما نزلت من باب الوصاية بالزوجات بأن يُمَكَّن من السُّكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهن حولًا كاملًا بوصية أزواجهم إذا اختاروا ذلك؛ ولهذا قال : وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِم مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240].
على هذا تكون هذه الآية غير منسوخة، ويكون معناها: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ [البقرة:240] يعني: أزواجٌ يُوصون بأن أزواجهم يَبْقَيْنَ في سُكنى البيت سنةً كاملة: مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240]، ما يَخْرُجْنَ من السكن، من البيت، فيجب تنفيذ وصية الأزواج، لكن إذا الزوجات بعد أربعة أشهر وعشرًا اخترن الخروج فلا بأس؛ ولهذا قال: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة:240].
وهذا المعنى الأخير هو الأقرب -والله أعلم- أن هذه الآية: أنها غير منسوخة، وقد اختار هذا القول الحافظ ابن كثير رحمه الله في "تفسيره"، وأن هذه الآية غير منسوخة، والأصل عدم النسخ، فتكون هذه الآية في أن الله تعالى أوصى الأزواج إذا رأوا أن زوجاتهم في حاجةٍ للبقاء في بيوتهم بأن يُوصوا بأن تبقى الزوجة في بيت زوجها سنةً كاملةً، ولا تخرج حتى لو انقضت عدة الوفاة، فإذا انقضت عدة الوفاة فالزوجة بالخيار: إن خرجت لا جناح عليكم، اتركوها. فيكون هذا هو معنى الآية.
هذا هو القول الراجح، هو الذي رجحه ابن كثير، على ذلك لا تكون هذه الآية منسوخة، تكون محكمة.
إيضاح معاني الآيتين
قال سبحانه: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ [البقرة:240] يعني: أن أزواجهم أَوْصَوْا بوصية مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ: يُمتَّعون متاعًا إلى الحول، ويَبْقَوْن في بيوتهم غَيْرَ إِخْرَاجٍ يعني: غير إخراجٍ مِن أحدٍ مِن الورثة، لا يجوز لأحد من الورثة أن يُخرج هذه الزوجة التي أوصى زوجها بأن تبقى في بيته بعد وفاته سنةً كاملة، لا يجوز لأحد من الورثة أن يُخرجها من البيت، يكون هذا هو معنى الآية.
فَإِنْ خَرَجْنَ يعني: خرجت الزوجة من البيت بطِيبة نفسها وباختيارها بعد انقضاء عدتها أربعة أشهر وعشرًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ: لا إثم عليكم فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة:240] بشرط أن يكون خروجها هذا بالمعروف وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:240].
ثم قال سبحانه: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:241]: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ الألف واللام هنا من ألفاظ العموم، يعني لأيِّ مطلقةٍ؛ فيشمل جميع المطلقات بلا استثناء. مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ؛ أي: إنها تُمتَّع بمتعة، كما تكلمنا عن ذلك في الحلقة السابقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعلاها خادم. لكن الصحيح أنه يُعطيها مالًا من غير تحديدٍ بقَدْرٍ معين، لكن الغني يُعطيها أكثر من الفقير: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة:236].
مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ: يعني يكون هذا المتاع بالمعروف، لا يُجحِف بحق الزوج المطلق، ولا يكون زهيدًا حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ: يعني أنه متأكِّد إمتاعُ المطلقة على المتقين.
وسبق أن ذكرنا في الدرس السابق: أن القول الراجح: إن المتعة إنما تجب لأيِّ واحدةٍ من المطلقات يا شيخ محمد؟
المقدم: لمن عَقَد عليها ولم يدخل بها.
الشيخ: وأيضًا هناك وصفٌ آخر: عقد عليها ولم يدخل بها ولم يُسَمِّ لها المهر، إذا عقد عليها ولم يدخل بها ولم يُسَمِّ لها المهر هذه يجب أن تُعطى المتعة، من عداها يستحب ولا يجب.
تكلمنا عن هذا بالتفصيل في الدرس السابق.
أبرز الفوائد والأحكام المستفادة من الآيتين
ننتقل بعد ذلك لأبرز الفوائد والأحكام:
بقاء رابطة الزوجية بعد الوفاة
أولًا: من الفوائد أن الزوجة تبقى زوجيتها بعد موت زوجها؛ لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا [البقرة:240]، وهذا فيه رَدٌّ على من قال: إن الزوجة لا تبقى زوجةً بعد وفاة زوجها، وهذا قولٌ مرجوحٌ؛ والصواب أن الزوجية تبقى؛ ولذلك يجوز للمرأة أن تُغسِّل زوجها، ونُقل الإجماع على ذلك، فلو كانت أحكام الزوجية منقطعة ما جاز لها أن تُغسِّل زوجها.
جواز الوصية بسكنى الزوجة بعد الوفاة
أيضًا من الفوائد: أنه يُشرع للزوج إذا رأى أن زوجته محتاجة للسُّكنى في بيته: أن يُوصي بأن تبقى زوجته مدة حولٍ كاملٍ في بيته، تسكن بيته ويُنفَق عليها؛ لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240]، وهذا بناءً على القول الراجح: وهو أن هذه الآية محكمة وغير منسوخة.
رحمة الله بالزوجة بعد وفاة زوجها
أيضًا من الفوائد: رحمة الله تعالى بعباده؛ حيث أوصى الأزواج بأن يُوصوا لزوجاتهم إذا كُنَّ في حاجةٍ لهذا الإمتاع: أن تبقى المرأة في بيت الزوج حولًا كاملًا ويُنفَق عليها؛ لقوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240].
يجوز للمرأة ترك وصية الزوج بالبقاء في البيت بعد العدة
أيضًا من الفوائد: أن المرأة يحل لها إذا أوصى زوجها أن تبقى في البيت أن تخرج ولا تُنفِّذ وصيته بعد انقضاء العدة؛ لقوله : فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [البقرة:240]؛ لأن هذا الشيء متعلِّقٌ بها وليس لزوجها فيه مصلحة، إنما أراد الزوج الإحسان إليها، فإذا أرادت هي بطِيبةٍ من نفسها أن تخرج فلا جناح عليها إذا كان هذا الخروج بالمعروف؛ لقوله : فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة:240].
ويتفرع عن هذا: أنه لو أوصى الزوجُ الزوجةَ ألا تتزوج بعده فإن هذا لا يلزمها، وهذا يحصل، بعض الناس يوصي زوجته يقول: "لا تتزوجي بعدي"، هل يَلزمها؟ لا يلزمها ذلك؛ لأنه إذا كان لا يلزمها أن تبقى في البيت في مدة الحول فلا يلزمها أن تبقى غير متزوجة من باب أولى.
وكذلك أيضًا يؤخذ مِن هذا: أن كل من أوصى غيره بأمرٍ يتعلق بالشخص المُوصَى له؛ فإن الحق له في تنفيذ الوصية أو في عدم تنفيذها.
مسؤولية الرجال تجاه النساء
ومن فوائد هذه الآية: مسؤولية الرجال عن النساء فيما يكون فيه المسؤولية؛ كالزوج مع زوجته، والأب مع بناته ومع من ولَّاه الله تعالى المسؤولية؛ لقوله : فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [البقرة:240] والخطاب للرجال.
ومن الفوائد: أن المرأة إذا خرجت عن المعروف وخرجت من بيتها فيلحق الرجالَ الإثمُ؛ لقوله : فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة:240]، يُفهَم من هذا أنه إذا لم يكن هذا الخروج بالمعروف فيلحقهم الإثم؛ فالإنسان مسؤولٌ عمن ولاه الله تعالى عليه، قال عليه الصلاة والسلام: كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته، الرجل راعٍ في أهل بيته ومسؤولٌ عن رعيته[25].
لا يجوز للمرأة الخروج عن المعروف في جميع أحوالها
ومن الفوائد: أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج عن المعروف في جميع أحوالها؛ لقوله : مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة:240]، والمعروف هو ما أقره الشرع والعرف جميعًا، فلو خرجت في لباسها أو مِشْيتها أو في صوتها عن المعروف فإنه يلحقها الجَناح والحرج.
إثبات اسمي الله: العزيز والحكيم
ومن الفوائد: إثبات اسمين من أسماء الله : العزيز الحكيم، لقوله : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:240].
مشروعية المتعة لكل مطلقة
ومن فوائد الآية الأخرى: مشروعية المتعة لكل مطلقة، وبيَّنَّا -فيما سبق- أنها تجب للمطلقة التي عُقِد عليها ولم يُدخَل بها ولم يُسَمَّ لها المهر فالمتعة لها واجبة. وأما مَن عداها من المطلقات فالمتعة لها مستحبة استحبابًا مؤكَّدًا؛ لقول الله تعالى في الآية السابقة: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236]، وفي هذه الآية: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241].
ذكر الأوصاف يحمل على تسهيل الامتثال
أيضًا من الفوائد: أنه ينبغي ذكر الأوصاف التي تَحْمِل الإنسان على امتثال الأمر؛ فإن الله تعالى لما ذكر هذا الحق -هذه المتعة- قال: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:241]، قال: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، وهذا من باب الترغيب في امتثال هذا الأمر.
العرف معتبر شرعًا
ومن الفوائد: اعتبار العرف؛ فإن الله تعالى قال: مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:241]، وعند العلماء قاعدةٌ من القواعد الكبرى الكلية الخمس: وهي العادة مُحَكَّمة.
التقوى تحمل على الطاعة
ومن الفوائد: أن الله تعالى ختم الآية بقوله: عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، هذا يُشير إلى أن التقوى تحمل صاحبها على طاعة الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم ختم الله تعالى هذه الآيات بقوله : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:242]، يعني بيَّن الله تعالى أن هذه الأحكام التفصيلية الدقيقة -ووضحها وبيَّنها- قال: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وفي هذا ثناءٌ على العقل، المقصود به: عقل الرشد السالم من الشبهات والشهوات، فصاحب هذا العقل هو الذي يمدح ويُثنَى عليه، وهو الذي سماه الله "أُولي الألباب"، سمى الله تعالى أصحاب هذه العقول بـ"أولي الألباب": وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:197]، هؤلاء هم أصحاب العقول السليمة الراشدة، فهنا ختم الله تعالى هذه الآيات بقوله : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:242].
وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن تفسير آيات الأحكام المتعلقة بالطلاق والعِدَد، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الحكمة من مجيء آية: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة:238] بين آيات الطلاق
المقدم: أحسن الله إليك فضيلة الشيخ، إن أمكن في بقية الوقت: بعض العلماء ذكر حكمة مجيء آية: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة:238] بين آيات الطلاق، وقال: إن هذا من أسباب الاستقرار؛ المحافظة على الصلوات من أسباب الاستقرار في البيوت، كون الله ذكر هذه الآية في وسط آيات الطلاق.
الشيخ: نعم، هذا ذكره بعضهم، لكن يظهر أن هذا فيه تكلُّفٌ، نجد مَن هو محافظٌ على الصلوات وليس عنده استقرار أسري، هذا واقع في المجتمع؛ فلا يلزم من أن يكون الإنسان.. يعني: لا يُربَط الصلاح بالاستقرار الأسري؛ قد يُبتلى الإنسان الصالح بامرأة لا تكون مناسبة له ويحصل الطلاق؛ ولذلك ذكر الله تعالى أحكام الطلاق، فليس معنى ذلك أن من طلق امرأة أنه غير صالح. عنده مشكلة: قد لا يكون هناك توافق، والأرواح جنودٌ مجندةٌ، ما تعارف منها ائْتَلَف، وما تنافر منها اختلف[26].
هذا فيه شيءٌ من التكلُّف، لكن الأمر بتقوى الله في جميع الأحوال، سواءٌ كان أثناء استقامة الحياة الزوجية أو حتى بعد الطلاق: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229].
لكن الله تعالى أعلم لماذا دخلت هذه الآية بين هذه الآيات: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، يعني قبلها متعلقة بأحكام الطلاق والإمتاع، وبعدها أيضًا متعلقة بهذه الأحكام: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ [البقرة:240]، والله تعالى أعلم، لله الحكمة في هذا.
المقدم: شكر الله لكم فضيلة الشيخ ونفع بعلمكم.
الشيخ: وشكر لكم، وللإخوة المشاهدين.
المقدم: في ختام هذه الحلقة نشكركم أيها المشاهدون على طيب المتابعة، ونلقاكم بإذن الله في حلقة قادمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه البخاري: 5970، ومسلم: 85. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 482. |
| ^3 | رواه مسلم: 395. |
| ^4 | رواه مسلم: 488. |
| ^5 | رواه مسلم: 82. |
| ^6 | رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وأحمد: 22987. |
| ^7 | رواه مسلم: 2451. |
| ^8 | رواه البخاري: 3887، ومسلم: 162. |
| ^9 | رواه مسلم: 653. |
| ^10 | رواه أبو داود: 552. |
| ^11, ^14, ^19, ^21, ^23 | سبق تخريجه. |
| ^12 | رواه البخاري: 6033، ومسلم: 627. |
| ^13 | رواه البخاري: 1200، ومسلم: 539. |
| ^15 | رواه البخاري: 7486، ومسلم: 632. |
| ^16 | رواه البخاري: 574، ومسلم: 635. |
| ^17 | رواه البخاري: 553. |
| ^18 | رواه البخاري: 552، ومسلم: 626. |
| ^20 | رواه البخاري: 400، ومسلم: 700. |
| ^22 | رواه مسلم: 488. |
| ^24 | رواه البخاري: 6830، ومسلم: 1691. |
| ^25 | رواه البخاري: 2409، ومسلم: 1829. |
| ^26 | رواه البخاري: 3496، ومسلم: 2638. |