جدول المحتويات
- مقدمة البرنامج وترحيب بالشيخ
- تلاوة الآيات من سورة البقرة
- تفسير قوله تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ...
- فوائد من آيات الطلاق
- تحديد الطلقات الثلاث
- حكمة حصر الطلاق بالثلاث
- حكمة التكرار ثلاثًا في الشريعة
- هل الخُلع طلاق أم فسخ؟
- إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
- جبر القلوب في الإمساك، والإحسان عند الفراق
- ضوابط أخذ الزوج العِوَض عند الخُلع
- الخُلع نموذج عملي لقاعدة دفع المفسدتين
- المخالَعة فُرقة بائنة بينونة صغرى تُوجب عقدًا ومهرًا جديدين للرجوع
- جواز تصرف المرأة في مالها دون إذْن زوجها
- النكاح والطلاق من أعظم حدود الله
- حرمة التحليل وشرط النكاح الحقيقي
- الوسطية في فهم النصوص الشرعية
- الرَّجعة في النص القرآني والفقهي
- غلبة الظن تكفي في الأحكام المستقبلية
- طلب العلم سبيل إدراك حدود الله
- عظمة النكاح وحرمة تعدِّي حدوده
مقدمة البرنامج وترحيب بالشيخ
المقدم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مرحبًا بكم أعزاءنا المشاهدين في حلقة جديدة من برنامجكم "البناء العلمي".
نحن وإياكم على مائدة القرآن الكريم في تفسير آيات الأحكام، مع فضيلة شيخنا الدكتور "سعد بن تركي الخثلان" رئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية.
باسمي وباسمكم أرحِّب بفضيلة الشيخ.
الشيخ: أهلًا، حيَّاكم الله وبارك فيكم، وحيَّا الله الإخوة المشاهدين.
تلاوة الآيات من سورة البقرة
المقدم: شيخنا الكريم، وقفنا عند قول الله تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، نستأذنكم في سماع تلاوة لهذه الآيات، ثم نعود -بإذن الله- للشرح والتعليق.
القارئ: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة:229-230].
المقدم: تفضل يا شيخنا بالتعليق.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
تفسير قوله تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ...
فأسأل الله تعالى أن يبارك في هذا اللقاء وأن ينفع به.
كنا قد وصلنا في تفسير آيات الأحكام إلى قول الله : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، وهذه الآية أنزلها الله كأنها ناسخة لِما كان في أول الأمر؛ فإنه كان في أول ابتداء الإسلام للرجل أن يراجع امرأته وإن طلقها مئة مرة، فلم يكن هناك عدد محدَّد للتطليقات في العدة، فأنزل الله هذه الآية، وبعض أهل العلم يعتبرها ناسخة لِما كان عليه الأمر في أول الإسلام؛ ولهذا قال أبو داود في سننه: باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث.
نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث
فحدَّد ربنا سبحانه في هذه الآية ثلاثَ تطليقات فقط، بينما كان في أول الأمر للرجل أن يطلِّق ما شاء ما دامت المرأة في العدة ولو مئة طلقة، فحدَّد الله تعالى الطلاقَ بثلاث تطليقات، الطلقة الأولى والثانية يحق له معها المراجعة؛ ولهذا قال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ يعني: الطلاق الذي فيه الرَّجعة مرتان، بأن يطلِّق مرة ثم يراجِع، ثم يطلِّق مرة أخرى ثم يراجِع.
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ يعني: فعليكم إمساك بمعروف، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ يعني: أو إطلاق لهذه المرأة بإحسان؛ فأمرَ الله بالإحسان في الأمرين جميعًا.
فإذا أراد الرجل أن يمسك المرأة المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا يمسكها بمعروف ولا يمسكها ضرارًا، وإذا أراد ألَّا يُرجِعها يسرِّحها بإحسان ولا يسرِّحها بإضرار؛ وهذا تكرَّر في القرآن الكريم، تكرَّر أمرُ الزوجين بتقوى الله سبحانه -وخاصةً الزوج-، وأمرَ الله تعالى بالإحسان وقال: وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].
التقوى والإحسان سبيل الطلاق السليم
لو نتأمل مثلًا سورة "الطلاق"؛ سورة "الطلاق" ليست طويلة، في المصحف صفحة ونصف، كم تكرَّر الأمر بتقوى الله فيها؟ عدة مرات: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ [الطلاق:1]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5]؛ فنجد الأمر بالتقوى والحث عليه بأساليب شتى في سورة "الطلاق".
كذلك أيضًا هنا في آيات "البقرة" الأمرُ بتقوى الله والوصية بالإحسان؛ عند الإمساك يكون بمعروف، وعند التسريح يكون بإحسان. لماذا؟
لأن النفوس أثناء الطلاق تكون متهيِّجة محتقِنة -سواء من جهة الزوج أو من جهة الزوجة-، يكون هناك نوع من الاحتقان، والإنسان إذا كان محتقِنًا ضد أحد أو كان عنده شيء من الحقد عليه أو الاحتقان ضده؛ فإنه ربما يفجُر في الخصومة، وهذا أمر معروف.
إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام؛ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ [يوسف:8]، فقط لمجرد أن يعقوب فضَّل يوسف وبنيامين عليهم السلام في المحبة؛ وأيضًا يعقوب متأوِّل لأنه يرى أن أُمَّهما ميتة، وإخوانهما أُمُّهم موجودة، فكان يعطف عليهما، لكن ما عذروا أباهم يعقوب ، ومع ذلك ماذا قالوا عنه؟ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يوسف:8] "ضلال" و"مبين" أيضًا! اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا؛ كل ذلك لماذا؟ لأجل فقط أنه فضَّل يوسف وأخاه.
هذا الحقد جعل الإنسان لا يستبصر، يتصرف تصرفات هائجة، كيف تقتل أخاك لأجل هذا الأمر البسيط؟! مع أن يعقوب قد يكون معذورًا في هذا؛ يعقوب يعطف عليهما لأن أُمَّهما غير موجودة، وأنت أُمُّك موجودة في البيت.
فالحقد إذا كان في النفس يجعل النفس تتصرف تصرفًا أهوج، يجعل ردة الفعل كبيرة، أكبر من ردة الفعل التي ينبغي أن تكون؛ ولهذا في مسائل الطلاق يأتي مثل هذا الحقد ويأتي مثل هذا الاحتقان، ولهذا فالله تعالى يوصي الزوجين بتقوى الله سبحانه، كرَّر الله تعالى أمره بالتقوى في آيات الطلاق في سورة "البقرة" وفي سورة "الطلاق"، وبيَّن ثمرات هذه التقوى.
ثمرة هذه التقوى ما هي؟
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]؛ كل ذلك ورد في آيات الطلاق، كأنه يقال: اتقِ الله أيها الزوج، وأنتِ أيتها الزوجة اتقي الله.
فعند الطلاق؛ إذا لم يكن له رغبة فيها ينبغي أن يكون تسريحًا بإحسان، اتقِ الله تعالى وسرِّحها بإحسان، وإذا أردتَّ أن تمسكها وترجعها يكون بالمعروف؛ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229].
أحكام الخُلع وسببه المشروع في الإسلام
ثم قال سبحانه: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:229].
الزوج عندما يتزوج المرأة فلا بُدَّ أن يبذل لها المهر، فعندما يريد أن يطلِّقها لا يجوز أن يأخذ شيئًا من هذا المهر، أنت أعطيتَها واستحللتَ فرجها واستمتعتَ بها، فلا يجوز لك أن تأخذ مما أعطيتَها شيئًا؛ ولهذا قال سبحانه: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، إذا خشي الزوجان ألَّا يقيما حدود الله -ألَّا تقوم الزوجة بحق الزوج، أو خاف الزوج ألَّا يقوم بحق الزوجة-؛ فهنا لا جناح عليهما فيما افتدت به، لا جناح عليهما في الخُلع، في أن تطلب المرأة مخالَعة زوجها.
وهذا يدل على أن الخُلع إنما يجوز عند الخشية والخوف من عدم إقامة حدود الله ومن عدم القيام بالحقوق، فإذا كانت هذه المرأة لم تَسعد مع هذا الزوج ولم تستقر معه، وتريد أن تخالعه؛ مثلًا: امرأة تزوجت رجلًا وهو مدمن مخدرات، وترى أن بقاءها معه لا يحقق مقاصد النكاح، وتريد أن تطلب الخُلع لعل الله أن يرزقها بزوج صالح؛ هنا لا بأس، يكون هذا سببًا معتبرًا.
لكن أن تختلع بدون سبب هذا لا يجوز، أن تطلب الخُلع بدون سبب هذا لا يجوز، أو أنه بسبب غير معتبر شرعًا؛ كأن تقيم علاقة مع رجل أجنبي ويَعِدها بالزواج، وتذهب وتخالع زوجها لأجل أن تتزوج بذلك الرجل؛ هذا حرام عليها، لا يجوز؛ ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: أيُّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة[1]. ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه النسائي بسند جيد: المختلِعات والمُنتزِعات هُنَّ المنافقات[2]؛ يعني: المرأة التي تطلب الخُلع من غير سبب أو بسبب غير معتبر؛ فِعْلُها فِعْلُ المنافقين؛ تقيم علاقة مع رجل أجنبي، وتطلب من زوجها الخُلع لأجل أن تتزوج بذلك الرجل؛ فهذا حرام عليها، لا يجوز.
فالخُلع إذَن؛ إنما يجوز عند وجود السبب المعتبر شرعًا؛ ومن ذلك: أن المرأة تخشى ألَّا تقوم بحقوق الزوج، أو أن الزوج أيضًا يخشى ألَّا يقوم بحقوق زوجته؛ فيتفق معها ويتفاهم معها على المخالَعة؛ يقول: رُدِّي عليَّ المهر أو جزءًا منه، ويكون هناك الخُلع.
فهذه الآية هي الأصل في الخُلع: إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا يعني: لا إثم على الزوجين فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229] يعني: فيما بذلَتْ الزوجةُ من عِوَض افتداءً لنفسها من البقاء مع هذا الزوج.
قصة امرأة ثابت بن قيس
وهذا قد وقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا أتت امرأةُ ثابت بن قيس رضي الله عنهما النبيَّ ، وقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أَنقِم عليه في خُلُق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، يعني أكره كُفران الزوج وعدم القيام بحقِّه. قيل إنها كانت جميلة جدًّا، وكان هو دميم الخِلقة؛ ولذلك جاء في بعض الروايات أنها قالت: فوالله، لولا مخافة الله لبَصَقْتُ عليه إذ دخل بي!
فهي ما أرادت أن تبقى معه، لا تَنقِم عليه في خُلُق ولا دين، لكنها تكرهه، ما تحبه، ربما لدمامةٍ كما ذُكر في دمامته في خِلقته، وقيل إنه قد ضربها حتى كسر يدها، قيل ذلك، والله أعلم بصحة هذا، لم يثبت هذا في رواية صحيحة.
المهم أن امرأة ثابت بن قيس خشيَتْ ألَّا تقوم بحقوق الزوج؛ ولذا قالت: "ولكني أكره الكفر [يعني: كُفران الزوج] في الإسلام"، وإلا هو رجل فاضل لا أَنقِم عليه في خُلُق ولا دين، لكني أكرهه، ولا أحب المقام معه، وأخشى من أن يلحقني الإثم، "ولكني أكره الكفر في الإسلام"؛ يعني: كُفران الزوج في الإسلام.
إذا كانت المرأة تكره الزوج، لا تطيق البقاء معه؛ لا تُجبَر أيضًا، لا تُجبَر في البقاء في معاشرة رجل وهي تكرهه، لكن لا تكرهه لأنها تتعلق برجل آخر كما تفعل بعض النساء؛ تعشق لها رجلًا أجنبيًّا، وتكره زوجها، وتطلب منه الخُلع؛ هذا لا يجوز. لكن بعض النساء من حين أن دخل بها الزوج وهي لا تحبه، تكرهه لأي سبب؛ لدمامة في خِلقته أو خُلُقه أو لغير ذلك، أو لعدم توافق بينهما، فهنا يجوز لها أن تطلب الخُلع.
ولهذا؛ لما قالت هذا للنبي قال: أَتَرُدِّين عليه حديقته؟، كانت حديقته هي المهر، قالت: نعم، قال: اقبَل الحديقة، وطلِّقها تطليقة[3].
فهذا هو الخُلع في الإسلام، فالخُلع أن المرأة تبذل العِوَض للزوج مقابل فسخ هذا العقد، والأصل فيه هذه الآية: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229] يعني: لا تتجاوزوها.
وحدود الله إذا كانت مما يجب فعله؛ فتَرِد في القرآن بـ:فَلَا تَعْتَدُوهَا، أما إذا كانت الحدود من المحرمات؛ فتَرِد بـ:فَلَا تَقْرَبُوهَا. وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ... يعني: مَن يتجاوز حدود الله -والمقصود بها هنا: أوامره- فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229].
الطلقة الثالثة: أحكامها وآثارها
ثم قال سبحانه: فَإِنْ طَلَّقَهَا يعني: الطلقة الثالثة؛ لأنه قال في الآية الأولى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ، ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا يعني: الطلقة الثالثة؛ فَلَا تَحِلُّ لَهُ، لا تحل هذه المرأة لمُطلِّقها بعد الطلقة الثالثة حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، حتى تتزوج برجل آخر، وأيضًا يَطأها؛ وهذا قد دلَّته السنة، أنه لا يكفي مجرد العقد، وإنما لا بُدَّ من الوطء.
قصة امرأة رفاعة بن رافع
ولهذا؛ رفاعة بن رافع طلَّق امرأته فتزوج بها عبدالرحمن بن الزَّبير ، فهي أرادت أن ترجع لزوجها الأول، حنَّت له، فأتت النبيَّ فقالت: يا رسول الله، إن زوجي ليس معه إلا مثل هُدبة الثوب، وجعلَت تقول بعباءتها هكذا، تريد أنه غير قادر على الوطء؛ وعدم القدرة على الوطء من أسباب فسخ النكاح، فالنبي عليه الصلاة والسلام عَرَفَ مقصودها، قال: أتُريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عُسَيْلتك يعني: حتى يحصل الوطء، وأنتِ تقولين إنه غير قادر على الوطء؛ فإذَن لا يمكن أن ترجعي إلى زوجك الأول.
الخبر انتشر في المدينة، مثل هذه الأخبار الغريبة تنتشر بسرعة، بلغ ذلك عبدَالرحمن بن الزَّبير، فأتى مسرعًا ومعه ابنان له إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ قال: يا رسول الله، والله إنها لكاذبة، وإنها تريد أن ترجع إلى رفاعة، فقال : مَن هؤلاء؟، قال: ابناي، قال : أتقولين ما تقولين ومعه ابناه، والله إنهما لأشبه للغُراب بالغُراب[4].
معه ابنان؛ معنى ذلك أنه قادر على الوطء، هو أنجب ابنين ويُشبهانه، فهذا دليل على أنها كاذبة وتريد أن ترجع إلى زوجها الأول رفاعة؛ فهنا قوله : حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عُسَيْلتك المقصود بذلك: الجماع، كَنَّى عن متعة الجماع بالعُسَيْلة.
النكاح بعد الطلقة الثالثة وحرمة التحليل
فهذا أخذ منه العلماء: أن الزوج الذي تزوج امرأة بعدما طلَّقها الأولُ ثلاث تطليقات لا بُدَّ أن ينكحها نكاحَ رغبة وليس مُحلِّلًا، وأن يطأها ثم يطلِّقها، فإن طلَّقها حَلَّ لزوجها الأول أن يتزوجها. فلا بُدَّ إذَن أن ينكحها نكاحَ رغبة وليس تحليلًا، والنبي قال: لعن الله المُحلِّل والمُحلَّل له، وسمَّاه بـ"التيس المُستعار"[5]؛ فلا يجوز أن يتزوجها لأجل أن يُحلِّلها لمُطلِّقها، لا بُدَّ أن ينكحها نكاحَ رغبة.
لكن ماذا لو أن المرأة نفسها أو وليها هو الذي طلب الزواج برجل لأجل تحليلها للأول؟ يعني: هذه امرأة طلَّقها زوجها ثلاث تطليقات، أفتاه العلماء وقالوا: لا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيره. طيب، هذه المرأة أو وليُّها قال: نعرضكِ على فلانٍ يتزوجكِ ثم يطلِّقكِ، ونحن نريد بذلك لعله أن يطلِّقكِ فترجعي لزوجكِ الأول. هذا الرجل لا يعلم، ولم يتواطأ معهم، ولم يتفق معهم، فعرضَا عليه نكاح هذه المرأة، لكن قد أَضمرَا أنها ستُطلَّق منه وترجع لزوجها الأول؛ فهذه النية من الزوجة ومن الولي لا أثر لها، ولا يلحق المرأةَ فيها أيُّ إثم؛ لماذا؟ لأن العصمة ليست بيدها.
وهذا قد نصَّ عليه الفقهاء؛ ذكر هذا الموفق بن قدامة في "المغني" وغيره، فقالوا: إن النية من المرأة أو من وليِّها لا أثر لها؛ لأن العصمة بيد الزوج، حتى لو قالت المرأة لهذا الزوج: "طَلِّقني" يرفض؛ العصمة بيده، إنما الممنوع أن الزوج نفسه هو الذي يتزوجها لأجل أن يُحلِّلها لزوجها الأول، أو أن زوجها الأول يطلب منه أن يتزوجها لأجل أن يُحلِّلها له؛ هذا حرامٌ ولا يجوز، وهذا هو المُحلِّل والمُحلَّل له.
أما أن المرأة أو وليَّها يرغبان في الزواج برجل لعله أن يطلِّقها وترجع لزوجها الأول؛ فهذا لا أثر له، لا أثر لهذه النية، ولا يَحرُم ذلك، وهذا قد نصَّ عليه فقهاؤنا رحمهم الله.
فإذَن؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ... يعني: لا تَحِلُّ لمُطلِّقها الأول، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] نكاحَ رغبة وليس تحليلًا.
إباحة الرجوع للزوج الأول بعد النكاح الثاني
ولا بُدَّ أيضًا أن يطأها؛ فَإِن طَلَّقَهَا... يعني: الزوج الثاني بعدما وَطِئها فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا...؛ لا إثم على الزوج الأول وزوجته المطلَّقة من الزوج الثاني أَن يَتَرَاجَعَا...؛ لا بأس أن تَرجع لزوجها الأول في هذه الحال إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230]؛ غَلَب على ظنِّ الزوج والزوجة أن يقيما حدود الله تعالى وما أوجب الله تعالى عليهما من المعاشرة بالمعروف.
إذَن؛ هذا هو حُكم الطلاق في الشريعة الإسلامية، للرجل ثلاث تطليقات:
- الطلقة الأولى: له أن يراجعها ما دامت في العدة بغير إذنها وبغير رضاها.
- الطلقة الثانية: كذلك.
- الطلقة الثالثة: تحرم عليه تحريمًا مؤبَّدًا حتى تنكح زوجًا غيره نكاحَ رغبة، ويَطَأها، ثم يُطلِّقها، ثم بعد ذلك لزوجها الأول أن يتزوجها. أما إذا لم تتزوج بزوجٍ آخر فلا تحلُّ له، تكون محرَّمة عليه تحريمًا مؤبَّدًا، هذا هو حُكم الشريعة في هذا.
قال سبحانه بعد ذلك: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ... يعني: المُشار إليها من الأحكام السابقة، أحكامه التي حدَّها لعباده، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة:230]؛ لقوم ذوي استعداد وقبول للعلم.
فوائد من آيات الطلاق
ننتقل بعد ذلك لفوائد هاتين الآيتين:
تحديد الطلقات الثلاث
الفائدة الأولى: أن الطلاق ثلاثُ تطليقات، وبعده لا تحلُّ المرأة لزوجها حتى تنكح زوجًا غيره، وهذا بالنص وبالإجماع؛ بنص الآية الكريمة: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ...، ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، وأجمع أهل العلم على ذلك.
وكانوا في الجاهلية يطلِّق الرجل زوجته عدة تطليقات، فإذا قاربت على انتهاء العدة أرجعها، ثم طلَّق، ثم أرجع، ثم طلَّق، ثم أرجع، فتكون المرأة مُعذَّبة، لا هي بالمتزوجة ولا هي بالمطلَّقة؛ فالله تعالى جعل الطلاق في ثلاث فقط:
- المرة الأولى والثانية: طلاق رجعي.
- المرة الثالثة: الطلاق الذي تَحرُم معه على زوجها حتى تنكح زوجًا غيره.
حكمة حصر الطلاق بالثلاث
أيضًا من فوائد هذه الآية: حكمة الله في حصر الطلاق بالثلاث؛ وذلك أن الطلقة الأولى قد تحصل بسبب نزاع بسبب نزوات في النفوس، فتُتاح له الفرصة في أن يراجعها.
الطلقة الثانية كذلك تُتاح له الفرصة، قد تحصل لخلاف، لشقاق، لنزوة في النفس.
فإذا طلَّقها الطلقة الثالثة معنى ذلك أن استمرار الحياة الزوجية بهذه الطريقة لا يمكن؛ يعني ثلاث مرات وهو يطلِّق، هذا فيه مشكلة، فلا بُدَّ إذَن من أن يكون هناك تغيير في حياة الزوجين؛ يقال لهذه المرأة: لا بُدَّ أن تتزوجي برجلٍ آخر، جرِّبي غيره؛ الرجل أيضًا يقال له: المرأة هذه حَرُمَت عليك، يكون هذا كالتأديب له.
فلو لم يُحدَّد ذلك لربما استمر الزوج يطلِّق ويُرجِع ويطلِّق ويُرجِع ثلاث مرات، الثالثة هي الحد الفاصل، هي حد النهاية، إذا طلَّق الطلقة الثالثة حَرُمَت عليه، معنى ذلك أن عندك مشكلة في حياتك الزوجية بهذه الطريقة؛ أنك تطلِّقها ثم تُتاح لك الفرصة، تطلِّقها الثانية وتُتاح لك الفرصة، تطلِّقها المرة الثالثة فلا تُتاح لك الفرصة، وصلتَ إلى مرحلة ألَّا تُتاح لك الفرصة إلا إذا تزوجَت ونُكِحَت نكاحَ رغبة برجل آخر، ووطئها ثم طلَّقها؛ هنا تُتاح له الفرصة في أن يتزوجها من جديد، فهذا من حكمة الله ، وهو سبحانه أعلم بما تصلح به أحوال النفوس.
حكمة التكرار ثلاثًا في الشريعة
أيضًا اختيار الثلاث، فالطلقة الثالثة هي التي تَحرُم عليه بسببها تحريمًا مؤبَّدًا؛ اختيار التكرار بالثلاث هذا له نظائر في الشريعة الإسلامية:
فالسلام يكون ثلاث مرات؛ إذا سلَّم إنسان على قوم ولم يسمعوه يكرِّر مرة ثانية، ثم يكرِّر مرة ثالثة؛ كان عليه الصلاة والسلام إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا[6].
أيضًا الاستئذان ثلاث مرات: الاستئذان ثلاث؛ فإن أُذِن لك، وإلا فارجع[7]؛ إذا طرقتَ الباب ثلاث مرات يكفي، طرقتَ مثلًا المنبِّه أو الجرس ثلاث مرات يكفي.
كذلك أيضًا في الوضوء، تُغسل الأعضاء في الوضوء ثلاث مرات، ما عدا المسح مرة واحدة[8].
كذلك أيضًا في كثير من العبادات يُرجَع فيها إلى الثلاث.
الكلام إذا لم يُفهم من أول مرة، فالسنة أن نُعيده إلى ثلاث مرات؛ كان عليه الصلاة والسلام إذا ألقى الكلمة أعادها ثلاثًا؛ يعني: إذا لم تُفهم في المرة الأولى أعادها مرة ثانية، ثم أعادها مرة ثالثة[9].
فالثلاث إذَن تُعتبر تكرارًا يُكتفى به في كثير من الأمور.
هل الخُلع طلاق أم فسخ؟
أيضًا من فوائد هاتين الآيتين: أن الخُلع فسخٌ وليس بطلاق.
أشار إلى ذلك ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: إن الله ذكر تطليقتَين، ثم ذكر الخُلع، ثم ذكر التطليقة الثالثة، فلو كان الخُلع طلاقًا لكانت التطليقةُ الثالثةُ تطليقةً رابعةً.
هذا هو استنتاج ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: إن الله تعالى قال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ...، ثم أتى ذِكر الخُلع: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، ثم قال: فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ [البقرة:230]؛ لو كان الخُلعُ طلاقًا لكان قولُه تعالى: فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ هو الطلقةَ الرابعة، هذا خلاف النص وخلاف إجماع المسلمين.
وهذا استنباط ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا دليلٌ قويٌّ وظاهر؛ فالله تعالى قال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ، ثم ذكر الخُلع، ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا الطلقة الثالثة، فلو كان الخُلع طلاقًا لكان قولُه تعالى: فَإِن طَلَّقَهَا الطلقةَ الرابعة، وهذا خلاف إجماع المسلمين؛ وهذا ظاهر الدلالة في أن الخُلع فسخٌ وليس طلاقًا.
وعلى ذلك؛ لا يُحتسب الخُلع من التطليقات، يعني: رجلٌ خالَع امرأته لا تُحتسب عليه طلقة.
المقدم: ولو بلفظ الطلاق؟
الشيخ: إذا كان بلفظ الخُلع، أما إذا كان الخُلع بلفظ الطلاق؛ فهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء:
- الجمهور يرون أنه يقع طلاقًا.
- هناك قول آخر اختاره ابن تيمية وابن القيم -وهو قول عند الحنابلة-: أنه يكون فسخًا.
وهذه المسألة الخلاف فيها قويٌّ؛ لأنك إذا نظرتَ للفظ "طلاق"، هو أتى بلفظ "الطلاق"، فيدخل في عموم النصوص. إذا نظرتَ إلى أن هذا الطلاق "طلاقٌ بعِوَض"، "الطلاق بعِوَض" المقصود منه هو الخُلع؛ ولذلك هذه المسألة هي محل إشكال عندي، أنا متوقِّف فيها؛ هل يُرجَّح قول الجمهور باعتباره طلاقًا أو يُرجَّح القول الآخر في أنه يُعتبر فسخًا؟
ولذلك؛ ينبغي للقاضي في الخُلع أن يأتي به بلفظ "الخُلع" وليس بلفظ "الطلاق"؛ لأنه إذا أتى به بلفظ "الخُلع" فلا يُعتبر طلاقًا عند الجميع، هو فسخ؛ لكن إذا أتى به بلفظ "الطلاق" فعند جمهور أهل العلم يُعتبر طلاقًا؛ لهذا ينبغي أن يتنبَّه القضاة لهذا عند الخُلع، يُؤتى به بلفظ "الخُلع" وليس بلفظ "الطلاق"، فيقول الرجل لزوجته: "خالعتُ امرأتي فلانة"، ويقول القاضي: "إنه قد خالعها، وأفهمتُه بأن هذا فسخٌ وليس بطلاق".
لكن، لو قال: "طلَّقتُ زوجتي فلانة بعِوَض"؛ هذا يرد فيه الخلاف، أكثر أهل العلم يرون أنه طلاق؛ فينبغي إذَن التنبُّه لهذه الألفاظ.
المقدم: ما أثر ذلك؟
الشيخ: أثر ذلك أننا إذا اعتبرناه طلاقًا يُحسب من ضمن الطلقات الثلاث، وإذا اعتبرناه فسخًا لا يُحسب من الطلقات الثلاث؛ وهذا أثرٌ كبير ومؤثر.
إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
أيضًا من فوائد هذه الآية: أن المرء الذي طلَّق زوجته طلاقًا رجعيًّا؛ يجب عليه أحد أمرين:
- إما إمساكٌ بمعروف.
- أو تسريحٌ بإحسان.
إما أن يُمسكها بمعروف -أي: يُرجِعها بمعروف-، أو يسرِّحها بإحسان. أما أن يردَّها ويُرجِعها بقصد الأذية والمنة، فهذا لا يجوز؛ أو أنه يسرِّحها بجفوة وعدم إحسان، هذا أيضًا لا يجوز.
على المسلم أن يكون مُحسنًا، هذه المرأة لم يكتب الله تعالى بينك وبينها وفاقًا؛ فَسَرِّحها بإحسان، إذا أردتَّ أن تُرجِعها وتُبقيها أَبْقِها بمعروف.
هذا يدل على أهمية العناية بالأخلاق في كل شيء حتى في هذا الأمر، حتى وإن كان بينك وبينها خصومة أو خلاف، فالفجور في الخصومة من أخلاق المنافقين؛ النبي عليه الصلاة والسلام ذكر صفات المنافقين، وذكر منها: إذا خاصَمَ فَجَر[10]؛ بعض الناس إذا اختلف معك يَفْجُر، يأتي بكل شيء، ولا يكتفي بذلك بل يكذب عليك ويفتري ويُضخِّم الأشياء الصغيرة ويُفشي الأسرار، لا يُبقي شيئًا إلا أتى به؛ هذا يُسمى "الفجور في الخصومة"، هذه ليست من أخلاق المؤمنين، هذه من أخلاق المنافقين.
المنافق هو الذي إذا خاصم فَجَر، المؤمن عند الخصومة يحتفظ بالأخلاق ويحتفظ بالإحسان، فعند الطلاق يقال لهذا الرجل: إما أن تُمسك بمعروف أو تسرِّح بإحسان، لكن لا تُمسك ضِرارًا، ولا تسرِّح أيضًا بإضرارٍ وبجفاء، وإنما يكون ذلك بإحسان.
جبر القلوب في الإمساك، والإحسان عند الفراق
أيضًا من الفوائد: بيان حكمة الله في شرعه؛ فإنه قال في الإمساك: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ، فإذا ردَّها جَبَر قلبها بهذا الرد، فيكون ذلك بالمعروف وبالتألُّف وبالحُسنى. وعند التسريح قال: بِإِحْسَانٍ؛ لأنه سيُفارقها، فاحتاج إلى زيادةٍ في معاملتها بالإحسان؛ لأنه مهما كان فالطلاق جرحٌ لهذه المرأة ومُؤلم، لا توجد امرأة ترضى بالطلاق حتى وإن أظهرت بعض النساء خلاف ذلك، المرأة تُريد أن تبقى مع هذا الرجل وأن تعيش معه عيشةً سعيدة، فهذا الطلاق يُعتبر نوعًا من الجرح لمشاعرها، فلا بُدَّ من الإحسان؛ ولهذا قال سبحانه: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229].
ضوابط أخذ الزوج العِوَض عند الخُلع
أيضًا من الفوائد: تحريم أخذ الزوج شيئًا مما أعطى زوجته من المهر أو غيره، إلا أن يطلِّقها قبل الدخول والخلوة فله نصف المهر؛ لقول الله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [البقرة:237]، ويدل لهذا الحُكم قول الله تعالى: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:229].
ويُستثنى من ذلك إذا أرادت المرأة أن تُخالِع الزوج، فهنا يجوز له أن يأخذ العِوَض، لكن لو قال: لا أطلِّقكِ إلا بكذا، وهي تتشوَّف، وليس عندها مبلغ مالي، وليس عندها شيء؛ لا يجوز ذلك، لا يجوز للرجل، أنت قد عَقَدتَّ عليها واستمتعتَ بها وتريد أن تأخذ الذي أعطيتَها؟! إلا أن المرأة إذا بذلت ذلك بطيبة من نفسها، المرأة إذا بذلت هذا العِوَض هذا يُسمى "خُلعًا"، فيجوز في هذه الحال الخُلع إذا خافا ألَّا يقيما حدود الله.
لكن، هل الخُلع يكون بالمهر أو بأقل أو بأكثر؟
يجوز بالمهر، ويجوز بأقل من المهر.
لكن، هل يجوز أن يكون الخُلع بأكثر من المهر؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم:
- منهم مَن قال إنه يجوز -وهو قول الجمهور-، قالوا لعموم الآية؛ فإن الله تعالى قال: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]؛ يشمل قدْر المهر وأكثر منه.
- وقال بعض أهل العلم إنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها؛ لأن هذا أكلٌ للمال بالباطل، يأخذ هذا المال بدون مقابل! جاء في إحدى الروايات في قصة امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنهما: ولا يزداد[11]؛ يعني: لا يزداد على ما أعطاها. وجاء في ذلك روايات أخرى بهذا المعنى.
والراجح -والله أعلم- أنه لا يجوز أن يزيد الخُلع على مقدار المهر؛ لأنه إذا فعل ذلك كان ذلك من أكل المال بالباطل، كيف تدفع لها مهرًا ثم تُطالبها أن تدفع لك أكثر من المهر؟! هذا فيه نوعٌ من التجنِّي والتعدي؛ ولذلك إذا دفعت المرأة المهر كاملًا يُجبِر القاضي الزوجَ على قبول ذلك، لأن بعض الناس نفسه دنيئة وعنده طمع، فيريد أن يستغل هذه المرأة الضعيفة! يعني هي أعطته المهر كاملًا، ومع ذلك يريد أكثر من المهر! هذا لا يُمكَّن -على القول الراجح-، إنما يقول له القاضي: تَرُدُّ عليك المهر، ويخلعها القاضي منه، ولا يترك المجال لذوي النفوس الدنيئة للتلاعب بهؤلاء النساء الضعيفات.
الخُلع نموذج عملي لقاعدة دفع المفسدتين
أيضًا من فوائد هذه الآية: أنها تدل على القاعدة الفقهية "دفع أعلى المفسدتين بالتزام أدناهما"، هذه قاعدةٌ مقرَّرة عند أهل العلم؛ وذلك لأن الأصل في الأخذ من مال الزوجة ومما أعطاها الرجل أنه محرَّم، لكن المرأة تريد بذلك دفع مفسدة أعظم؛ من تضييع حدود الله ، ومن استمرار هذه العلاقة الزوجية التي لا يتحقق معها مقاصد النكاح؛ فكان ذلك جائزًا، فدفعَت أعلى المفسدتين بالتزام الأدنى منهما.
وهذه قاعدة مقرَّرة عند أهل العلم؛ ومن أدلتها قول الله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108]؛ فسبُّ آلهة المشركين هذا واجب، لكن إذا كان يُخشى من ذلك أن يسبُّوا الله عَدْوًا بغير علم كان سَبُّ آلهتهم ممنوعًا، فهذه قاعدة مقرَّرة عند أهل العلم: "دفع أعلى المفسدتين بالتزام أدناهما".
المخالَعة فُرقة بائنة بينونة صغرى تُوجب عقدًا ومهرًا جديدين للرجوع
ومن الفوائد: أن المخالَعة ليست رَجعية، فالفراق والبينونة في الخُلع فراقٌ بائن، فلا سبيل له عليها، وليس له أن يُرجِعها إلا بعقد ومهر جديدين؛ لقول الله سبحانه: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، فإذا كان فداءً فالفداءُ عِوَضٌ عن شيء، فإذا استلم الفداء فلا يمكن أن يُرجِع المُفدَّى عنه -وهي الزوجة- إلا بعقدٍ جديد، وإلا لم يكن لدفع هذا الفداء فائدة؛ وعلى ذلك فالمخالَعة تَبِينُ من زوجها بينونةً صغرى.
البينونة تنقسم عند الفقهاء إلى قسمين:
- بينونة كبرى.
- وبينونة صغرى.
البينونة الكبرى: تكون في المطلَّقة ثلاثًا، لا تَحل له حتى تَنكح زوجًا غيره؛ هذه البينونة الكبرى.
البينونة الصغرى: تكون في مثل المختلِعة، تَبِين منه، إذا خالعت المرأةُ الزوجَ ثم بعد ذلك رَغِب أن يتزوجها؛ نقول: بانت منك بينونةً صغرى؛ فتحل له برضاها وبعقد ومهر جديدين.
نفترض مثلًا: هذا رجل طلبت زوجتُه منه الخُلع فخالعها، ثم بعد مدة ندمتْ وندم هو، وربما يكون بينهما أولاد، فأرادا الرجوع؛ فما العمل؟
نقول: لا بُدَّ من عقد ومهر جديدين، ولا بُدَّ من رضاها، ولا بُدَّ من وليٍّ وشاهدَين، كأنه يتزوجها من جديد، هذه يُسميها الفقهاء "البينونة الصغرى".
مثل أيضًا: لو طلَّقها طلقة واحدة حتى انتهت عدتها، فتَبِين منه بينونةً صغرى، ثم لو أراد أن يُرجِعها فلا بُدَّ من عقد ومهر جديدين ووليٍّ وشاهدَين، هذه يُسميها الفقهاء "البينونة الصغرى".
فإذَن؛ بمجرد الخُلع تَبِين منه بينونةً صغرى لا يملك إرجاعها، إن أراد أن يتزوجها فلا بُدَّ من رضاها، ولا بُدَّ من عقد ومهر جديدين، ولا بُدَّ من وليٍّ وشاهدَين، كأنه يتزوجها لأول مرة.
المقدم: الفرق شيخنا بين البينونة الصغرى والكبرى؟
الشيخ: الفرق بين البينونة الصغرى والكبرى:
- أن البينونة الكبرى: لا تحلُّ له حتى لو تراضيَا، طلَّقها ثلاث تطليقات لا تحلُّ له حتى لو رضي الزوج والزوجة، لا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحَ رغبة، ويطأها، ثم يطلِّقها.
- أما البينونة الصغرى: إذا رضيت المرأة فيخطبها الرجل مرة ثانية، ويتزوجها بعقد ومهر جديدين.
جواز تصرف المرأة في مالها دون إذْن زوجها
أيضًا من الفوائد: جواز تصرُّف المرأة في مالها بغير إذْن زوجها؛ لقوله : فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، وهذا فيه ردٌّ على مَن قال من العلماء بأن المرأة ليس لها أن تتصرف في مالها بغير إذْن زوجها، واستندوا في ذلك بحديث، لكنه ضعيف لا يثبت، والأحاديث الصحيحة تدل على أن المرأة حرة في مالها، تتصرف فيه كيف تشاء ما دامت رشيدة.
والشريعة الإسلامية حفظت حقوق المرأة وحفظت حريتها وأكرمتها، ليس هناك دين من الأديان أو مِلة من المِلل أكرمت المرأة وحفظت لها حقوقها مثل دين الإسلام؛ تجد في بعض المجتمعات غير المسلمة المرأةَ إذا تزوجت حتى اسمها ينقلب لاسم الزوج، يعني هُويتها تُطمَس، ينتقل اسمها، هذا فيه امتهان للمرأة، المرأة يبقى نسبها لأبيها. مالُها تتصرف فيه كما تشاء، ليس لزوجها أن يظلمها، ليس لزوجها أن يَبخسها، بل حتى لو قصَّر زوجها عليها وأصبح عاجزًا عن النفقة لها أن تطلب الفسخ، ليس خُلعًا وإنما الفسخ من غير عِوَض، حتى لو كان الزوج عاجزًا عن الوطء لها أن تطلب الفسخ.
الشريعة الإسلامية أعطت المرأة حقوقها كاملة؛ لأن هذه الشريعة مِن لَدُن العزيز الحكيم خالق البشر، الذي هو أعلم بما تَصلُح به أحوال البشر.
النكاح والطلاق من أعظم حدود الله
أيضًا من الفوائد: عِظَم شأن النكاح وما يتعلق به؛ لأن الله تعالى ذكر هذه التفصيلات الدقيقة في النكاح وفي الطلاق، ورتَّب على ذلك أمورًا؛ فقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا... [البقرة:229]، فبيَّن أن هذا من حدود الله، ونهى عن تعدِّي حدود الله، يَحرُم تعدِّي حدود الله سبحانه؛ ولهذا قال: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]، فالتعدِّي لحدود الله يُعتبر ظلمًا عظيمًا؛ فقوله سبحانه: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أتى بالجملة الاسمية؛ يعني كأنه لا ظالم إلا هُم -إلا هؤلاء الذين يتَعدُّون حدود الله-، وهذا يدل على عظيم شأنه، وأن على الزوج أن يتقي الله ولا يَتعدَّى حدود الله في أمر النكاح وفي الطلاق.
أيضًا من الفوائد في قوله : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]؛ أن المرأة إذا طلَّقها الزوج الطلقة الثالثة فإنها تَحرُم على زوجها ولا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره، وهذا بإجماع المسلمين كما ذكرنا.
حرمة التحليل وشرط النكاح الحقيقي
ومن الفوائد: أن نكاح الزوج الثاني لا بُدَّ أن يكون نكاحَ رغبة، وأن يطأها كما بيَّنَّا، فإن كان لأجل التحليل فلا يجوز، ولعنَ الله المُحلِّل والمُحلَّل له، وسماه النبي عليه الصلاة والسلام بـ"التيس المُستعار"[12].
أيضًا قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا [البقرة:230] يدل على أنها تحلُّ لزوجها الأول بعدما يطلِّقها الزوج الثاني، وظاهر الآية أنه بمجرد العقد، لكن دلَّت السنة على أنه لا بُدَّ من الوطء كما ذكرنا في قصة امرأة عبدالرحمن بن الزَّبير رضي الله عنهما، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عُسَيْلتك[13]، والسنة مُبيِّنة للقرآن، فلا بُدَّ من الجمع بين النصوص، فلا يأتي أحد ويأخذ ظاهر الآية، ويقول إن الله تعالى قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا فيكفي مجرد العقد، نقول: لا، السنة بيَّنت أنه لا يكفي مجرد العقد، بل لا بُدَّ من الوطء.
الوسطية في فهم النصوص الشرعية
السنة مُبيِّنة لِما في القرآن؛ وطريقة أهل السنة والجماعة وأهل الحق هي الجمعُ بين النصوص، أما طريقة أهل الزَّيغ والضلال فهي الأخذ بطرفٍ من النصوص وترك طرفٍ آخر. ولذلك؛ الطوائف التي ضلَّت كان بسبب أنها تأخذ بطرفٍ من النصوص وتترك النصوص الأخرى.
على سبيل المثال:
- الخوارج: أخذوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد؛ فكفَّروا مرتكِب الكبيرة، وقالوا: هو مُخلَّد في النار.
- يقابلهم المرجئة: أخذوا بنصوص الوعد وتركوا نصوص الوعيد؛ فقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنبٌ.
- أهل السنة والجماعة: جمعوا بين النصوص؛ قالوا: مرتكِب الكبيرة مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته في الدنيا، وفي الآخرة تحت مشيئة الله، لكنه لا يُخلَّد في النار.
فإذَن؛ المنهج الصحيح هو منهج أهل السنة والجماعة، وهو الجمع بين النصوص؛ فلا يأتي إنسان ويأخذ نصًّا ويترك بقية النصوص، هذه طريقة أهل الزَّيغ.
وبعضهم أيضًا يتَّبع المتشابه؛ يأتي بنصٍّ متشابه في القرآن أو في السنة، ويقول: القرآن يقول كذا، السنة تقول كذا! نقول: اجمع بين النصوص. وهذا ذَكَره الله تعالى في القرآن؛ قال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7]؛ فالذين في قلوبهم زَيغٌ هم الذين يتَّبعون المتشابه، والذين في قلوبهم زَيغٌ هم الذين يأخذون بطرف النصوص ويتركون النصوص الأخرى.
فنقول: صحيح أن ظاهر الآية أنه مجرد العقد، لكن دلَّت السنة على أنه لا بُدَّ من الوطء، لا بُدَّ من وطء الزوج الثاني؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عُسَيْلتك[14].
الرَّجعة في النص القرآني والفقهي
أيضًا من الفوائد: إطلاق المراجعة على عقد النكاح؛ لقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا [البقرة:230]؛ والرَّجعة عند الفقهاء: هي إعادة مطلَّقة غير بائن إلى عصمة زوجها. لكن هذا اصطلاح خاص في القرآن -أن الرَّجعة قد تُطلَق على عقد النكاح-؛ لأن الله قال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا يعني: الزوج الثاني، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا يعني: على زوجها الأول وهذه المرأة، أَنْ يَتَرَاجَعَا هذه ليست رَجعة بالمصطلح الفقهي، وإنما المقصود أن يتزوجها، فأطلقَ اللهُ تعالى لفظ "النكاح" على "الرَّجعة".
ولذلك؛ فلفظ "الرَّجعة" شرعًا يُطلق عدة إطلاقات:
- قد يُطلَق ويُراد به عقد النكاح، كما في هذه الآية: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا؛ يعني المقصود أن يتزوجها ويعقد عليها.
- وقد يُراد به إعادة المطلَّقة رجعيًّا إلى عصمة زوجها، كما هو مصطلح عند الفقهاء.
- وقد يُراد بالمراجعة أن تُعاد المرأة إلى عصمة زوجها بدون طلاق، كما في قصة ابن عمر رضي الله عنهما: مُرْهُ فَلْيُراجعها، ثم إن شاء طلَّق[15].
أيضًا من الفوائد: قال بعض أهل العلم إنه لا يجوز أن يتراجع الزوجان حتى يغلب على ظنهما إقامة حدود الله؛ لقول الله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230]؛ قالوا: فهذا شرط، فإذا ظن الزوج الأول والمرأة أنهما سيقيمان حدود الله؛ جاز له أن يتزوجها، أما إذا ظنَّا أنهما لن يقيما حدود الله، وأن المشاكل السابقة ستستمر، ولن يقوم هو بحقوقها، وهي لن تقوم بحقوقه؛ فلا يجوز له أن يتزوجها في هذه الحال.
فهذا قولٌ قويٌّ قال به بعض أهل العلم، قاله ابن تيمية وغيره؛ فقالوا: إن الزوج الأول إذا أراد أن يتزوجها فلا بُدَّ أن يغلب على ظنه وعلى ظنها أن يقيما حدود الله، وأن يقوم كل واحد منهما بالحقوق التي عليه، وأن الحياة ستستقيم بعد ذلك، ويكون كلٌّ منهما أخذَ درسًا؛ يكون الزوج أخذَ درسًا أنها حَرُمت عليه ولم تَحِلَّ له إلا بعد أن يتزوجها رجلٌ آخر ويطأها، والمرأة أخذت درسًا أيضًا أنها جرَّبت زوجًا غيره ثم طلَّقها، فكلٌّ منهما أخذَ الدرس، فإذا ظنَّا أنهما فعلًا استفادَا من هذا الدرس، وأن حياتهما الزوجية ستستقيم؛ فلا بأس حينئذٍ بأن يتزوجها.
أما إذا كان يغلب على ظنهما عدم الوفاق؛ يعني هذا الرجل يعرف من طبع زوجته أنها لا يمكن أن تستقيم معه، والزوجة تعرف من طبع زوجها كذلك؛ فهنا لا يجوز له أن يتزوجها في هذه الحال.
هذا قولٌ قويٌّ قرَّره بعض أهل العلم، وهو ظاهر الآية الكريمة؛ لأن الله تعالى قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا... [البقرة:230]؛ يعني: أن يعقد عليها زوجها الأول، لكن الله تعالى شرط شرطًا؛ قال: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230].
غلبة الظن تكفي في الأحكام المستقبلية
ومن فوائد هذه الآية: الاكتفاء بالظن في الأمور المستقبلية؛ لأن طلب اليقين في المستقبل قد لا يتحقق، بل ربما قد لا يُطاق؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230]؛ يكفي غلبة الظن، الإنسان قد لا يتيقن أنه سيقيم حدود الله في مثل هذا؛ فإذَن يُكتفى هنا بغلبة الظن، والشريعة الإسلامية تكتفي بغلبة الظن في العبادات وفي أمور كثيرة.
طلب العلم سبيل إدراك حدود الله
أيضًا من الفوائد في قول الله تعالى في آخر الآية: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة:230]؛ أن مَن لا يعرف هذه الحدود ويتبيَّنها فليس من ذوي العلم؛ لأن الله تعالى قال: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ؛ فهذه إنما تتبيَّن لذوي العلم ولأهل العلم، فكلما كان الإنسان أعلم؛ كانت الحدود في حقه أظهر وأبيَن.
وهذا يُبيِّن لنا فضل طلب العلم؛ وطالب العلم يتعلم من اللفظ مسائل أخرى، وكما يُقال: إن العلم يُغذِّي بعضُه بعضًا. فهذا ليس كطالب المال الذي يشتري السلعة ويظن أنه يربح ثم يخسر، أما طالب العلم لأية مسألة، فهذه المسألة تكون مفتاحًا له لعلوم أخرى؛ ولهذا قال سبحانه: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة:230].
عظمة النكاح وحرمة تعدِّي حدوده
ونختم الفوائد بأن هاتين الآيتين تدلَّان على تعظيم شأن النكاح، فإن الله تعالى ذكرَ له حدودًا في عَقْده وفي حِلِّه، وذكر له تفصيلات، وحذَّر وأنذر، وجعل الالتزام بهذا من الالتزام بحدود الله، وأن التعدِّي فيه من تعدِّي حدود الله ، فهذا يبيِّن لنا عظيم شأن النكاح، ولهذا سمَّاه الله تعالى: مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:21]؛ فلا بُدَّ أن يستشعر الزوجان ذلك، يستشعر الزوجان أن النكاح ميثاق غليظ، وأن الزوج إذا أراد حَلَّ هذا الميثاق الغليظ فعليه أن يتقي الله ، إذا أراد أن يطلِّق المرأة يطلِّقها طلقة واحدة في طُهرٍ لم يجامعها فيه.
ولهذا؛ تجد أن مَن يتقي الله تعالى في الطلاق لا يحتاج إلى فُتيا، لا يحتاج إلى أحد يُفتيه، ونحن نجد الآن مئات الاستفتاءات عن مسائل الطلاق بسبب أن هؤلاء المطلِّقين لم يتقوا الله سبحانه، تجد أنه يطلِّقها وهي حائض، يطلِّقها في طُهرٍ قد جامعها فيه، يطلِّقها ثلاث تطليقات دفعة واحدة؛ لكن لو أنه اتقى الله تعالى ما احتاج إلى أحدٍ يُفتيه، يطلِّقها طلقة واحدة في طُهرٍ لم يجامعها فيه، له الفرصة في مراجعتها ثلاثة أشهر، إذا مضت ثلاثة أشهر وليس له رغبة فيها؛ معنى ذلك أن نفسه طابت عنها، فلن يندم ولن يحتاج إلى مَن يُفتيه أصلًا.
فهذه الاستفتاءات عن مسائل الطلاق بسبب أن هؤلاء المطلِّقين لم يتقوا الله في أمر الطلاق، وإلا لو اتقوا الله تعالى لَمَا احتاجوا إلى الاستفتاء أصلًا؛ لأنه سيطلِّقها طلقة واحدة في طُهرٍ لم يجامعها فيه، وسيكون له فرصة لمراجعتها طِيلة العدة -ثلاثة أشهر-.
وكذلك أيضًا: تعظيم شأن النكاح من جهة حِلِّه بالطلاق؛ فالطلاق له حدود وله أحكام، وهذا يبيِّن لنا عظيم شأن هذا العقد، هذا الارتباط بين الرجل والمرأة أمرٌ عظيم، ليس بالأمر الهيِّن، سمَّاه الله تعالى: مِيثَاقًا غَلِيظًا؛ تُصبح هذه المرأة قريبةً من هذا الرجلِ الأجنبيِّ عنها، وهذا الرجلُ الأجنبيُّ عنها يرى منها ما لا يرى أقرب الناس إليها، يرى منها ما لا يرى منها أبوها ولا أخوها، يصبح هذا الرجل هو بَعْلها وهو القوَّام عليها، فهذا العقد عقدٌ سمَّاه الله تعالى: مِيثَاقًا غَلِيظًا.
فلا بُدَّ أن يستشعر الزوجان عِظم شأن هذا العقد، وكذلك أيضًا أن يستشعرَا مسؤولية حِلِّه بالطلاق أو بالخُلع، وألَّا يلجأ الزوجان إلى الطلاق والخُلع إلا عند الضرورة القصوى، وعند استيفاء واستنفاد جميع الحلول. فإذا استُنفدت جميع الحلول، وغلب على الظن أن استمرار هذا العقد لا يحقِّق مقاصد النكاح، وأنه يكون معه النكاح عَنَتًا ومشقَّة، وكانت المرأة تتشوَّف للطلاق مثلًا، والرجل أيضًا يرغب فيه؛ فحينها يطلِّق المرأة طلقة واحدة في طُهرٍ لم يجامعها فيه، فإذا انقضت العدة حينئذٍ تخرج من عصمته؛ والله تعالى يقول: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء:130]، ربما يُرزَق هذا الزوج بامرأة تناسبه ويَسعد معها، وربما تُرزَق هذه المرأة بزوج يناسبها وتَسعد معه؛ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ، لكن لا يَلجآن إلى هذه الخطوة -وهي الطلاق- إلا عند الضرورة القصوى، عندما تُستنفَد جميع الحلول وجميع وسائل العلاج.
المقدم: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، ونفع بعلمكم الإسلام والمسلمين.
الشيخ: بارك الله فيكم، وشكرًا لكم وللإخوة المشاهدين.
المقدم: في ختام هذه الحلقة؛ نشكركم أيها المشاهدون على طيب المتابعة، ونلقاكم في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه أبو داود: 2226، والترمذي: 1187. |
|---|---|
| ^2 | رواه النسائي: 3461، وأحمد: 9358. |
| ^3 | رواه البخاري: 5273. |
| ^4 | رواه البخاري: 5825، ومسلم: 1433 |
| ^5 | رواه الترمذي: 1120، والنسائي: 3416. |
| ^6, ^9 | رواه البخاري: 95. |
| ^7 | رواه البخاري: 6245، ومسلم: 2153. |
| ^8 | رواه البخاري: 159. |
| ^10 | رواه البخاري: 2459، ومسلم: 58. |
| ^11 | رواه ابن ماجه: 2056. |
| ^12, ^13, ^14 | سبق تخريجه. |
| ^15 | رواه البخاري: 5215، ومسلم: 1471. |