الرئيسية/دروس علمية/دروس العشر الأواخر من رمضان/(8) العشر الأواخر- مصير الإنسان وما يلقاه بعد موته
|

(8) العشر الأواخر- مصير الإنسان وما يلقاه بعد موته

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذه الليلة هي ليلة الثامن والعشرين من شهر رمضان، وأتحدث معكم في هذا الدرس أيها الإخوة عن مصير الإنسان، وما يلقاه بعد موته.

أجل الإنسان مكتوب، وعمره محدود

الإنسان يعيش في هذه الحياة ما كتب الله تعالى له أن يعيش، وقد كتب أجله وهو في بطن أمه؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يأتيه الملِك ويؤمر بنفخ الروح فيه، ويؤمر بأربع كلمات بكَتْب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد [1].

فأجل الإنسان مكتوب، وعمره محدود، لا يمكن أن يزيد على هذا الأجل دقيقة واحدة، ولا ينقص منه ولو دقيقة واحدة، فعندما تحين ساعة الاحتضار، عندما تأتي النقطة التي يتوقف فيها الإنسان عن الكدح في هذه الدنيا: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق:6].

حال المؤمن عند الاحتضار

تأتي هذه الساعة ساعة الاحتضار، وساعة النقلة من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، وهي ساعة فاصلة، ساعة مهيبة في حياة الإنسان، فتأتيه الملائكة يأتيه ملك الموت ومعه الملائكة لقبض روحه، إن كان من أهل الجنة أتته ملائكة الرحمة، وإن كان من أهل النار أتته ملائكة العذاب.

فيصاب الإنسان بخوف وحزن وفزع، فمن رحمة الله لعباده المؤمنين أن الله تعالى ينزل الملائكة لكي يطمئنوا المؤمن: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ [فصلت:30]، يعني: عند الاحتضار، أَلَّا تَخَافُوا مما أمامكم؛ لأن الإنسان عند الموت يخاف مما أمامه، ما يدري يعني المستقبل، لا يدري المصير الذي هو صائر إليه فيخاف، فالملائكة تطمئن المؤمن أَلَّا تَخَافُوا.

أيضًا يحزن على تركه لأهله، تركه لأولاده، تركه لأمواله، تركه لهذه الدار التي ألفها منذ وُلد، فتقول له الملائكة: وَلَا تَحْزَنُوا [فصلت:30]، ثم تبشرهم البشارة العظيمة: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ۝نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۝نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32]، فتقبض الملائكة الروح، وتخرج الروح من الجسد، وإذا كان من أهل الجنة، فعندما يقبضها ملك الموت تأخذها منه ملائكة الرحمة، ثم تصعد بها إلى السماء، فعندما يأتي إلى السماء تفتح له أبواب السماء، ويرحب به، وينادى بأحب أسمائه في الدنيا.

حال الكافر عند الاحتضار

وأما من كان من أهل النار نسأل الله السلامة والعافية، فإن ملك الموت عندما يريد أن ينتزع روحه ترتد روحه في جسده، فتضربه الملائكة وتقول: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93].

فتنتزعها الملائكة انتزاعًا تنتزع الروح؛ كما قال الله تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا [النازعات:1]، ثم يصعد بروحه إلى السماء، فتغلق دونها أبواب السماء، وينادى بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا.

إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف:40]، كما ذكر الله تعالى في كتابه: وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:40].

عذاب القبر ونعيمه

بعد ذلك الروح تعود إلى الجسد، ولذلك إن كان الميت من أهل الجنة يقول: قدموني، قدموني، يقول لأهله ومشيعيه: قدموني، قدموني، حتى يقدم على ما هو فيه من خير، وإن لم يكن كذلك يقول: يا ويلها، إن كان من أهل النار، يقول يخاطب المشيعين وهم لا يسمعونه: يا ويلها أين تذهبون بها؟

ثم بعد دفنه الميت يسمع صوت قرع نعال المشيعين، وتأتيه الملائكة وتختبره: من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا النبي الذي بعث فيك؟ فإن كان من أهل الجنة والسعادة فإنه يجيب، يقول: ربي الله، ونبيي محمد، وديني الإسلام.

وإن كان من أهل النار والشقاوة، يقول: هاه، هاه، لا أدري، فيضرب بمرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، يعني: إلا الجن والإنس، ثم بعد ذلك يكون الإنسان ينعم أو يعذب في قبره.

إن كان من أهل الجنة ينعم، وإن كان من أهل النار فإنه يعذب، لكن أرواح المؤمنين تكون على شكل حواصل طير في الجنة تسرح في الجنة حيث شاءت، وأما أرواح أهل النار فتكون في سجين تعذب في فترة البرزخ، فيكون الإنسان في فترة البرزخ نعيمًا أو عذاب.

نفخة الصعق

ثم بعد ذلك عندما يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخ في الصور نفخة الصعق: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر:68]، فيصعق الناس، ويبقى الناس مدة من الزمن أربعون، أربعون وحدة زمنية الله أعلم لا ندري عن حقيقتها، ولهذا لما سُئل أبو هريرة رضي الله عنه عنها قال: أبيت، يعني: لا ندري هل هي يعني أربعون ماذا؟ أربعون سنة هل هي بالسنة التي نعرفها، أو بوحدة زمنية أخرى؟ الله أعلم، المهم يبقون هذه الفترة الزمنية.

نفخة البعث

ثم بعد ذلك يُنزل الله تعالى من السماء ماء كمني الرجال، فتنبت الأجساد من القبور، لأن الأجساد قد بليت وفنيت، ولم يبق منها إلا عجب الذَّنَب، إلا الأنبياء ومن شاء الله تعالى من الصديقين والشهداء والصالحين، فهؤلاء لا تأكل الأرض أجسادهم.

ثم بعد ذلك تجتمع الأرواح في الصور، فيأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخ في الصور، فكل روح سبحان الله تذهب إلى جسدها، لا تخطئه بقدرة العزيز الحكيم، فيقوم الناس من قبورهم بعد نفخة البعث، يقومون من قبورهم حفاة عراة غرلًا، يعني: غير مختونين، بهمًا ليس معهم شيء، تموج بهم الأرض في يوم عظيم طويل مقداره خمسون ألف سنة.

حال الناس يوم البعث

في هذا اليوم العظيم يجزي الله تعالى الناس الجزاء العدل: لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ [غافر:17]، والدار الآخرة هي دار العدالة المطلقة، ليس فيها ظلم، أما الدنيا ففيها ظالم ومظلوم، الدنيا ليست بدار عدالة، لكن الآخرة هي دار العدالة المطلقة.

يبقى الناس يموجون على الأرض في يوم عظيم مقداره خمسون ألف سنة، يرى الإنسان أمه وأباه وأخته وأخاه يفر منهم، يرى زوجته، يرى أولاده يفر منهم فرارًا، وكل يقول: نفسي، نفسي، حتى يسأم الناس؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: فيبلغ الناس من الغم والكرب ‌ما ‌لا ‌يطيقون ولا يحتملون [2]، يصيبهم من الهم والسأم والغم ما لا يطيقون معه ولا يحتملون.

الشفاعة العظمى

فيطلبون الشفاعة من أبينا آدم فيعتذر، فيطلبونها من نوح فيعتذر، فيطلبونها من إبراهيم فيعتذر، فيطلبونها من موسى فيعتذر، فيطلبونها من عيسى فيعتذر، فيطلبونها من محمد  فلا يعتذر، وإنما يذهب ويسجد تحت العرش، ويفتح الله عليه من محامده، وحسن الثناء عليه شيئًا عظيمًا.

ثم يقول الله له: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيرفع رأسه، ويقول: يا رب، أمتي أمتي، كل الناس ومن فيهم أولو العزم من الرسل، يقولون: نفسي، نفسي، إلا هذا النبي الكريم بآبائنا هو وأمهاتنا، يقول: أمتي، أمتي، فصلوات الله وسلامه عليه، ما أعظم رحمته وشفقته بأمته، فيقول الله له: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك [3]، ويقبل الله شفاعته، ويظهر الله فضل هذا النبي الكريم على الأولين والآخرين.

نصب الموازين ونشر الدواوين

فتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، ويجازى الناس الجزاء العدل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8]، ثم بعد ذلك يكون منصرف الناس، ينصب الصراط على متن جهنم، ولا بد من أن يرِد هذا الصراط الجميع جميع البشر بمن فيهم حتى الأنبياء، بما فيهم أولو العزم من الرسل.

المرور على الصراط

لكنهم يتفاوتون في مرورهم على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يسقط وهم أهل النار، يسقطون في النار: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71]، يعني المقصود بالورود: المرور على الصراط المنصوب على متن جهنم.

فيرى الناس جهنم، يرونها أمامهم، ويعبر أهل النار يسقطون في النار، وأما أهل الجنة فيعبرون الصراط، ويدخلون الجنة برحمة أرحم الراحمين، هذه الدار العظيمة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

فريق في الجنة وفريق في السعير

ثم بعد ذلك يُخرج الله تعالى من النار من مات على التوحيد، من مات على التوحيد فهذا لا يخلد في النار، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، فيخرج من النار من مات على التوحيد.

بعد ذلك يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار: ويؤتى بالموت على هيئة كبش أملح، ويقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ يقولون: نعم، هو الموت، ويقال لأهل النار: أتعرفون هذا؟ يقال: نعم، هو الموت، فيذبح في مكان بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت [4].

وتكون هذه هي نهاية رحلة البشر، ومستقر البشر: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].

أسأل الله تعالى أن يدخلنا الجنة، وأن يجنبنا النار.

اللهم إنا نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار.

اللهم إنا نسألك أن تستعملنا في طاعتك، وأن توفقنا لما تحب وترضى، وأن تعيننا على ذكرك، وعلى شكرك، وعلى حسن عبادتك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحاشية السفلية

الحاشية السفلية
1 رواه البخاري: 3208، ومسلم: 2643.
2 رواه الترمذي: 2434.
3 رواه البخاري: 3340، ومسلم: 194.
4 رواه البخاري: 4730، ومسلم: 2849.