الرئيسية/دروس علمية/دروس العشر الأواخر من رمضان/(6) مبتدأ خلق الإنسان- خلق آدم عليه السلام وتكريم الله له
|

(6) مبتدأ خلق الإنسان- خلق آدم عليه السلام وتكريم الله له

مشاهدة من الموقع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين.

خلق آدم عليه السلام

هذا هو الدرس، وهذا هو اللقاء في هذه الليلة ليلة السادس والعشرين من شهر رمضان، وأتحدث معكم في هذا الدرس عن موضوع ذكره الله في القرآن الكريم في عدة مواضع، ذكره الله  مبسوطًا ومجملًا في مواضع عديدة من كتابه الكريم، وهو مبتدأ خلق الإنسان.

وذلك أن الله لما أراد أن يخلق الإنسان أخبر ملائكته بذلك؛ كما قال سبحانه: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:30].

ثم إن الله خلق أبانا آدم من تراب: مِنْ طِينٍ لَازِبٍ [الصافات:11]، مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر:26]، ثم لما خلقه، وأتم خلقته نفخ فيه من روحه جل وعلا، أي: أن الله تعالى خلق روحًا، وجعلها في آدم، ونسبتها إلى الله نسبة تشريف: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر:29]، أي: من روح خلقتها، كما في قول الله تعالى: نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس:13]، فنسب الناقة إلى الله، وكما يقال: بيت الله، هذه النسبة للتشريف.

تكريم الله تعالى لآدم عليه السلام

فخلق الله تعالى الروح في أبينا آدم، فأصبح بشرًا سويًّا، ثم إن الله لما خلقه أراد أن يظهر شرفه وفضله للملائكة، وذلك بأمرين:

  • الأمر الأول: أن الله تعالى علّم أبانا آدم عليه السلام أسماء كل شيء، ثم عرضهم على الملائكة: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۝قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:31-33].
    فأظهر الله تعالى شرف أبينا آدم بأعظم صفة في الإنسان، وأشرف صفة في الإنسان، وهي العلم، فعلمه أسماء كل شيء، ثم عرضهم على الملائكة، وقال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ [البقرة:31]، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة:32]، فأظهر الله تعالى لهم شرف هذا المخلوق بهذه الصفة العظيمة وهي العلم.
  • الأمر الثاني: أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام؛ تكريمًا له: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [البقرة:34]، وكان إبليس مشمولًا بهذا الأمر، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34].

عصيان إبليس واستكباره وطرده

مع أن إبليس ليس من الملائكة؛ كما قال الله تعالى في الآية الأخرى عن إبليس: كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50]، لكنه كان مشمولًا بهذا الأمر، وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34].

وقال: كيف أسجد لهذا المخلوق، وأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76]، أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61]، وفي زعمه أن النار أشرف من الطين، مع أن هذا غير صحيح، وقد ناقشه العلماء كابن القيم وغيره، ناقشوا هذا، وبينوا أن الطين أشرف من النار، لكن هو كان يعتقد هكذا، كان يعتقد أن النار أفضل وأشرف من الطين.

وفي زعمه يقول: كيف يسجد الفاضل للمفضول، لأن إبليس خلق من نار، وآدم خلق من طين، فاستكبر على أمر ربه ، وحسد أبانا آدم، حسده كيف يفضل هذا المخلوق عليَّ، وأنا خير منه، قال: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76].

فعصى ربه، فلعنه الله تعالى وطرده: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص:78]، قال إبليس: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ص:79]، هنا يلاحظ أن إبليس كان يعرف بأنه سيكون هناك يوم بعث، ويوم القيامة، ويوم جزاء وحساب.

فقال: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ۝إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ۝قَالَ فَبِعِزَّتِكَ [ص:80-82]، سأل إبليس الله بعزته: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ۝قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ۝لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82-85].

وفي الآية الأخرى: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ۝إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:41-42]، فلعن الله تعالى إبليس وطرده.

حواء وآدم في الجنة

وأما آدم فخلق الله تعالى منه حواء، خلق زوجه حواء من الضلع الأيسر، كان نائمًا ثم خلقت من ضلعه الأيسر، فلما قام فإذا هي بجواره، وقيل له: إن هذه هي زوجتك.

وأمرهما الله أمر أبانا آدم وحواء عليهما السلام بأن يسكنا الجنة، وأن يأكلا منها رغدًا حيث شاءا: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ۝وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى [طه:118-119]، وأيضًا أخبر الله أبانا آدم وأمنا حواء بأن الشيطان عدو لهما، أمرهما أن يأكلا من جميع.. من حيث شاءا من الجنة: وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة:35]، شجرة واحدة، وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35].

وأيضًا: حذرهما الله تعالى من الشيطان: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه:117]، ومع هذا التحذير من الله لهما، إلا أن الشيطان أتى إليهما، وكيف دخل الشيطان هذه الجنة؟

إغواء إبليس لآدم وحواء وهبوطهم إلى الأرض

الله تعالى أعلم، لكن الله تعالى لما أخبر آدم بأن الشيطان عدو له ولزوجه، وحذره من أن يغويه، هذا دليل على أنه سيمكّن من أن ينفذ إليهما، وهما في الجنة، فأتى إبليس إلى آدم وزوجه، لما أتى إليهما، انظر إلى الأسلوب الخبيث، إلى الأسلوب الماكر، وهو الذي يستخدمه مع بني آدم.

ما قال لهما: كلا من الشجرة، لو قال لهما: كلا من الشجرة، ما أكلا منها، لكن أتى نظر إلى نقطة الضعف عندهما وهي الطمع والحرص، قال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20]، هذه الشجرة فيها سر، لماذا نهاكما الله عنها؟

كُلا منها حتى تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين، ولم يكتف بهذا، بل أقسم لهما بالله العظيم إنه لمن الناصحين: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]، فلبس لباس الناصح، وهذا دليل على أن ليس كل من ادعى النصح، وادعى الإصلاح يكون ناصحًا ومصلحًا.

فهذا الشيطان لبس لباس الناصح، بل أقسم بالله العظيم على ذلك: وَقَاسَمَهُمَا، يعني: أقسم لهما بالله إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ.

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ [الأعراف:22] غرهما وخدعهما، فأكلا من الشجرة، وجاء في بعض الآثار: أن الذي بدأ بالأكل حواء، ثم تبعها آدم عليه السلام، المهم أنهما أكلا من الشجرة جميعًا، كلاهما وقعا في المعصية وفي الخطيئة.

سبحان الله لما أكلا منها، انظر إلى شؤم المعصية، طار عنهما لباس الجنة، فلما أكلا منها: بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا [الأعراف:22]، بَدَتْ، يعني: ظهرت، سَوْآتُهُمَا يعني عورتهما، والعورة تسمى سوأة؛ لأنه يسوء الإنسان كشفها بفطرته.

فلما انكشفت عورتهما فزعا، وكيف الإنسان مجبول على ستر عورته، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22]، جعلا يأخذان من ورقة الجنة، ويستران عورتهما، ثم جعلا يبكيان، يبكيان ندمًا على هذا الذي حصل، وعرفا بأن هذ اللعين الخبيث إبليس أنه قد غرهما.

فتلقى آدم من ربه كلمات

فجعلا يبكيان، ولم يعرفا كيف يتوبا، فالله الرحمن الرحيم، الذي رحمته وسعت كل شيء أوحى إلى آدم: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37]، يقولها هو وحواء، فيتوب الله تعالى عليهما.

فتلقى آدم وزوجه عليهما السلام: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، وجعلا يقولانها ويكررانها، فتاب الله عليهما، ولذلك أفضل كلمات يقولها التائب هي هذه الكلمات: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

دائمًا قل كل يوم، قل: رب ظلمت نفسي، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين، فتاب الله عليهما، لاحظ هنا أن الله تاب عليهما، وأما إبليس لعنه وطرده؛ لأن إبليس أصلًا لم يطلب من الله التوبة أصلًا، ولم يندم، وإنما فقط أراد توعد آدم، يعني فقط سأل الله أن ينظره لأجل أن يغوي آدم وبني آدم، لأنه يرى أنهما هما السبب في لعنه وطرده.

أما آدم وحواء فندما، وكانت معصيتهما أيضًا ليست عن استكبار، وإنما كانت عن حرص وطمع وشهوة، ثم تاب الله عليهما، لما تابا تاب الله عليهما، لكن الله ​​​​​​​ بحكمته البالغة قال: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة:38]، أنت يا آدم وحواء وإبليس: اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا إلى الأرض.

اختار الله هذا الكوكب وهو الأرض، وهيأه قبل ذلك لسكنى بني آدم، فأهبط الله تعالى أبانا آدم وأمنا حواء إلى الأرض، ثم بعد ذلك تناسل البشر منهما.

فهذه هي قصة مبتدأ الخلق بينها الله لنا في كتابه الكريم أوضح بيان، فينبغي أن نعتبر منها، ومن أعظم الدروس والعبر هو بيان عداوة الشيطان القديمة للإنسان، وأنه عدو، الشيطان عدو لك، لا يريد لك الخير، يريد لك الغواية، يريد أن تدخل معه النار، فهذا هو أعظم الدروس.

وأيضًا من الدروس: أن الشيطان له أساليب ماكرة وخبيثة على ابن آدم، ما يأتي الإنسان بطريق مباشر فيوقعه في المعصية، لكنه يأتيه بطرق ملتوية يأتيه ينظر إلى نقاط الضعف عنده، ثم يحرص على إغوائه، ولهذا قال سبحانه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6]، أسأل الله تعالى أن يعيذنا من الشيطان الرجيم، وأسأله سبحانه أن يستعملنا في طاعته، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، الذين لا يغويهم الشيطان، والذين استثناهم الله ، وأخبر بنجاتهم من الشيطان، وبأنه سيعودون إلى الجنة في الدار الآخرة.

أسأل الله تعالى أن يدخلنا الجنة، وأن يعيذنا من النار، وأن يستعملنا جميعًا في طاعته، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى من الأقوال والأعمال.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات صلة